نعيم عبد مهلهل:المدينة وغرباؤها..جان جنيه، وبول بوولز أنموذجان

naem_abdmhlhl((طنجة هي المكان الذي كنا نرغب فيه من قديم، كنا نريد شيئا كاملاً ومختلفاً تماماً))..
مارك توين / 1876 / كتاب الغريب البريء

((إذا قدر لي يوماً أن أصير مسلماً فسيكون بسبب الموسيقى المغربية))..
براين جيسن

إشارة : كتابة المبدع نعيم عبد مهلهل صارت متميزة جدا ولها بصمتها الخاصة المؤصلة .. موضوعاته فريدة ومقترباته متفرّدة .. في هذا النص تتجلى هذه السمات كلها بعفوية محكمة وبنسيج متماسك أخّاذ .. هذا اللون من الادب لا أعتقد أن أحدا غير نعيم قد ابتكره في السردية العربية .. تحية لنعيم عبد مهلهل
——————————-

في عام 1950 ذكر محمد شكري في كتابه بول بوولز وعزلة طنجة: جاء براين جيسن ممنوحاً من طرف مؤسسة فولبرايت في يوليو ليقضي في طنجة الصيف فقط.. رسام ومخترع وكاتب، درس في السوربون، كتب مع بروز عام 1960 كتاب المبيد، استضافه بوولز في المغرب حيث عاشا وسافرا معا عدة أشهر قبل أن يستقر براين في طنجة ويُفتن بالموسيقى الشعبية المغربية وهام بها وشد نفسه إليها ليفتتح كما يقول شكري مطعم ألف ليلة وليلة في جزء من قصر آل المنبهي في مرشان أجمل الأحياء القديمة خارج أسوار المدينة. ولد عام 1916 وتوفي عام 1986.
نضع الأنموذج هذا مقدمة لدراسة طنجة المدينة من خلال رؤى وأشواق الغرباء الذين عاشوا فيها والذين كتبوا. وهم كُثر ومن المتميزين في الإبداع الإنساني فناً وكتابةً وسياسة.
يأتي الغرباء إلى طنجة بفعل سمعتها كمكان يصنع الدهشة التي تفتقدها مدن أخرى. مدينة صانعة للتحولات والأمزجة الرائعة، تعلم الغريب صناعة وطن في أي لحظة. لها عطر غريب في إيواء زهرة المنفى، وعندما يلاقيك نسيمها البارد صباح محطة القطار تشعر أنت الغريب منجذب لشيء لم تفكر أن تلقاه يوما ماً ولكنك حتماً ستجده في طنجة.
الغرباء يأتون إليها، وابن بطوطة اغترب عنها، يأتون ليكتشفوا العالم وهو ذهب عنها ليكتشف مدينة في عالم. إنها تتغير في تلوين الذاكرة مثلما تشتهي هي وليس مثلما يشتهي السائح ودائما تطل المدينة من خلال البحر بينما مدن أخرى في الكون تعرف نفسها من خلال ابتسامة امرأة.
يستيقظ فيَّ ميهجٌ بنشوة لا حدود لها، أدفع بغربتي إلى أفقٍ أوريٍّ بعيد وأترك سومر ورائي ومضارب أكد ولكش وأحلام كوديا لأصنع أحلام فواكه وزهور البحر.
أشتري كتبا عن غرباء طنجة، فأجد أن محمد شكري كتب الكثير عنهم، ودخل في أعماق مشاعرهم وفككها وفهم ماذا تعني طنجة للغرباء، خاصة أنه عاشرهم ردحاً من الزمن وله معهم تجارب إبداعية وهموم نشر وترجمة كما مع الكاتب الأمريكي بول بوولز، وحصيلة هذا ثلاثة كتب هي: جان جينيه في طنجة، تينسي وليامز في طنجة، بول بوولز وعزلة طنجة.
قرأت الكتب الثلاثة في أول أسبوع لي في المدينة كي أفهم كيف أوجه مشاعري اتجاه مدينة صعبة ومختلفة كما يقول مارك توين.
أول ما قرأت كان كتاب جان جينيه في طنجة.
قال لي الفنان الطنجاوي مصطفى حوشيني: الغرباء يسألون طنجة فلا تجيبهم، عليهم أن يبحثوا في المدينة ليجدوا الأجوبة. وحتماً سيتطلب هذا منهم السير في الشوارع، جلسات مملة في المقاهي، اكتراع النبيذ في الحانات، معاشرة إناث أجسادهن تشبه فضة البحر، الغور عميقاً في أزقة المدينة والوقوف في المكان الذي وثب منه طارق إلى الأندلس، التجول في السوق الداخلي، التمتع بساعة مع مدمني الكيف والحشيش وموسيقى درابك الجبل القريب من طنجة. عندئذ يفهم الغريب طنجة ولا يملها. ثم أردف قائلاً: وهل ستعمل مثلهم؟
قلت: ليس كل الذي ذكرته.
ـ ولمَ ؟
ـ لأني لم أتعود على أشياء ذكرتها، أفهم المدن بطريقتي الخاصة، أمتلك حسها لمعرفة روح المكان، وحين تعرف روح المكان تفهمه جيداً..
قال: فهمتك ..
ـ جميل أن تفهم غريباً يا مصطفى حوشيني.
ابتسم وهو يرتشف كأس البيرة بلذة في حانة ريتز. وفوقنا على جدار مدهون بصبغ لامع مغرٍ، صورَ لشكري التقطها مع غرباء جاؤوا لطنجة.
رحلة محمد شكري مع بول بوولز أحد غرباء طنجة بسبب تشعب العلاقة إلى أمور مادية وتحمل بول مهمة التعريف بأدب شكري وترجمته فيما كانت رحلة شكري مع جينيه ووليامز رحلة مؤقتة إقترنت بفترة تواجد جينيه ووليامز في طنجة، غير دائمة مثلما مع بوولز وكانتا متقطعتين إلا إن شكري استطاع كشف هاجس تعلق أولئك بطنجة وارتحل في وجدانهم إزاء المدينة والمجتمع من خلال الأسئلة والملاحظة والمعاشرة.
فالقارئ لرؤى شكري عن جينيه يكتشف كم كانت المدينة تمثل غموضاً لدى الغرباء لهذا فهم يكتمون إحساسهم بالغموض غير مبالين بهذا السر في نوع من الجبروت لكنهم يحملون في الداخل ميلاً غريزياً عجيباً للمكان، كما في الصفحة الثامنة من كتاب جان جنيه في طنجة بعض خيوط ما نتحدث عنه الآن ولاحقا وهي لحظة تَعرف شكري على جينيه لأول مرة:
((تقدمت إليه، توقف، يداه في جيبه كما من قبل، منحنٍ قليلا على نفسه، انتفض بحذر ناظراً إلي بحدة، سأعرف فيما بعد أن هذه هي حركته أمام شخص لا يعرفه. قلت له:
ـ أنت مسيو جينيه، أ ليس كذلك ؟
تردد قليلا ثم سألني.
ـ من أنت ؟
ـ كاتب مغربي (لم أكن قد نشرت آنذاك غير قصتين في مجلة الآداب البيروتية) مد لي يده.
ـ مرحباً.
رأيت جيرار بيتي ينظر إليَّ من خلال نافذة المقهى بدهشة وابتسام. سرنا. بدأنا نتحدث عن الكتاب المغاربة وبعض المشاكل التي يلاقونها في الكتابة وصعوبة النشر، في طريق الصياغين سألته:
ـ هل تعجبك طنجة ؟
ـ لا بأس بها.
لم أكن قرأت بعد كتابه (مذكرات لص) وما قاله عنها:
(طنجة الخيانة) … Repaire De Traitres
ـ أ ليست من بين أجمل مدن العالم ؟
ـ بالتأكيد لا.. من قال هذا ؟
ـ هكذا سمعت.
ـ ليس صحيحاً هناك مدن في آسيا أجمل بكثير.
أمام فندق المنزه، مد لي يده قائلاً:
ـ أنا متعود على القيلولة، غداً إذا شئت، يمكن لنا أن نلتقي في السوق الداخلي حوالي الثانية بعد الزوال. مع السلامة.
ـ مع السلامة..
كانت أول كلمة عربية أسمعها منه)).
مشفرات هذا الكلام تخفي وجل جينيه من مدينة يعتقد أن مدناً في آسيا أجمل منها، تحاشى أن يُدخل المدينة في الوصف لرهبتها عليه. لأنه في النهاية لم يختر لحداً في بلده ولا في تلك المدن الآسيوية الجميلة، أراد طنجة فدفن في العرائش قريبا منها.
ورغم هذا كان الكتاب عن جينيه كتاباً عن رجل وأدب رجل، ولن تجد من المدينة ما تجده عندما تقرأ ما كتبه عن بول بوولز، غير أن عليك أن تدرك ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من عشرته مع إنسان عظيم ومعروف وكاتب من الطراز الخاص كجينيه. بعد أن حمل على أكتافه احتراماً لا يمكن أن يحصل عليه أي كاتب عندما كتب سارتر كتاباً عن القديس جينيه، الذي ندرك منه التزامه الروحي لما يعتقده وينتمي إليه وقد مارس هذا الاعتقاد حتى في سفره، لأن مكاناً مثل طنجة تمثل البيئة الصالحة للاستمرار وفق ما رمته به سني صعلكته وسجنه، فالمدينة بخليطها العجيب يمكن أن تأتي للكاتب بإيحاء آخر، الكاتب الذي كان يقول دائماً: مرحي عندما أكون معكم، أنتم سارقو الرغيف من فم الوردة غير عابئين بالحاكم ورجل البوليس.
تظهر هذه المشاعر جلية في علاقة جينيه بالمدينة، فالقديس يدرك أنه أمام كنز من العلاقات والعواطف تُشبع فيه هوس وجوديته وابتعاده عن قيم لم تصنع سوى الثري المتخم والفقير المعدم، وفي كلام شكري في الصفحة 15 شيء من هذا:
((أكلنا الطاجين بأيدينا، لم يأكل جينيه إلا قليلاً كعادته، بعد الغداء سأل (ح) جينيه:
ـ لماذا تقيم في فندق المنزه مع أنك تفضل صحبة المغاربة الفقراء وتهتم بهم؟
ضحك جينيه ضحكة خفيفة.
ـ أ تعرف لماذا ؟
ـ لا.
ـ لأنني كلب قذر. أنا أنزل المنزه أو في الهلتون لأني أحب أن أرى هؤلاء الأنيقين يخدمون كلباً قذراً مثلي))..
هذا الشعور بالتصدي للأمكنة التي تعاكس ذوق العامة كما يراها جينيه هي هاجس كل ما كتبه، وربما رأى في تناقضات طنجة فردوساً لرؤى نهايات الكتابة لديه إلا أنه لم يصرح بذلك علناً. وبات يعطي أعذار المجيء إلى مدينة يعتقد في باطنه أنها مدينة تؤوي صعلكات روحه كلها، كأخبار أحدهم: أنه جاء لطنجة بتكليف من ناشره الشهير غاليمار لكتابة كتاب عن طنجة.
أياً كانت المبررات، المدينة تورق بهواجسها أعماق من يأتون إليها من المدن الأخرى.
أتذكر كلاماً عن الغربة، المدن نأوي إليها وقت شعورنا بحاجة خفية تُهدئ فيها غرائز الروح والذاكرة.
الكلام عن المدن والغرباء قد حصل لي مع الخان العظيم وبحضور ماركو بولو في ما افترضته حواراً حول مدن لا تُرى ومنها طنجة:
قال ماركو: الرحلة أنك تبدأ من غربتك أولاً، لأن ثمة مشاهد جديدة ستغير مزاجك وثقافتك في المدن التي تجئ إليها بقميص قطني أبيض وحقيبة جلد ونظارتين ترى من خلالهما الأشياء بوضوح جيد، الاغتراب يعاكس المدينة من خلال الهاجس فقط، في بعض المدن الهاجس ينتصرعلى المكان، ولكن في مدن أخرى يكون العكس.
قلت: أنا رأيت طجنة، إنها تنتصر على الهاجس دوما، فليس بمقدوري سوى تدوين الألم والرغبة والمشاهدة والانطباع وذكريات ليالي الصعلكة والنبيذ والنوم في أحضان عطر.
قال قبلاي: أحضان العطر، تلك جملة ساحرة ومغرية !
قلت: ولن تشمه إلا في أحضان مدينة تعوم في ضوء الإغراء.
قال: ماركو، وهل هي مغرية ؟
ـ جدا.
قال الخان: المدن تمنح الغرباء فتنة التأمل وحين يكون أولئك الغرباء ملوكاً، فإن في الأمر محنة.
تذكرت غربة طارق بن زياد في دمشق بعد أن كانت رؤاه قبل العبور في طنجة مكتملة، تذكرته في آخر أيام عمره، ينسج رؤى مدينة لم يعد يراها بعد، مدينة احتمت برموز إغريقية وأمازيغية وعربية وأسبانية وفرنسية.
كم من الأشواق كتبت عن طنجة؟
وكم من الغرباء كانت لهم حصة هائلة في هذا الشوق، وربما في خواطره الدمشقية أحس طارق بعظم هذه الغربة وانساقَ إلى هيام الشوارع يعزي جوعه وإهمال الخلفاء له ببيت شعر لشاعر غرناطي (علي بن موسى سعد العنسي الغرناطي) قاله تغزلاً بمدينة دمشق التي يهيم الآن في غربتها:
دمشق منزلنا حيث النعيم بدا
مكملاً وهو في الآفاق مختصر
القصب راقصة والطير صادحة
والزهر مرتفع والماء منحدر
وقد تجلت من اللذات أوجبها
لكنها بظلال الدوح تستر
وكل واد به موسى يفجرهُ
وكل روض على حافاته خضرُ
ينصت الخان إلى غربة طارق وحزنه، ويقول: الاغتراب مشقة للذاكرة.
غير أني حين أقرأ تراث الغرباء في طنجة لا أجد مشقة بل فتنة سرية تطفو فوق وجوههم حتى عندما لا يجاهروا بها كما يظهرها شكري في كتب عن غرباء سكنوا المدينة.
يقول الخان: الغربة والمدينة تحتاجان إلى عقل واسع وقلب مشرق.
يرد ماركو بولو: ورحلة طويلة.
أقول: الرحلة في الغربة صنعة جيدة لحكمة نمتلكها.
الخان: الملوك يدركون في الغربة خوف سقوط التيجان، قل لي: كم تاجاً أسقطت طنجة من غرباءٍ حَكموها؟
ـ لا أعرف مولاي، حتما هم كُثر.
يردد الخان وهو يؤشر بأصابع الوداع بعد أن داهمهُ النوم وهو على عرشه: حتماًً، حتما….
عاش جان جينيه في طنجة. لم يكن يشعر بغربة كالتي كان يصرح بها بول بوولز ويعلن تضايقه منها لعدم فهمه طبائع الناس وعادتهم وكان يعتبر هذه الطبائع سلبيات وطالما هاجم الإنسان المغربي بصور لا تليق بهذه الشخصية الطيبة، وفيها كمٌ هائلٌ من المشاعر المتضاربة ولكنها حتماً تنتهي إلى نهاية متشابهة كما وردت في النصوص التالية.
كتب في رسالة إلى صديقه إيليك فرانس (طنجة 2 / 3 / 1975) قائلاً:
((من بين أسباب بقائي هنا هو أكيد أنه عند وصولي وجدت شعباً منسجماً بروعة مع تخيلاتي Fantastic)).
وفي روايته (دعه يسقط) يقول: من مفاتن المنطقة الدولية طنجة، كان يمكن الحصول على أي شيء ما دام يستطيع أداء ثمنه وأن يفعل أي شيء: فكل شيء كان قابلاً للرشوة، كانت قضية الثمن.
فيما يكتب في 2/8/1989 إلى ريجينا فايرانيش: (إنهُ من الصعب العيش في بلد مسلم دون أن يكون المرء مسلماً).
وفي السماء الواقية عن لسان حمو التهامي يعبر بول بوولز بكلام خطير وغير منطقي عندما يقول: (لا يمكن أن تحدث إلا الأشياء السيئة حينما يجتمع النصارى والمسلمون).
لم يكن الأمر بهذا الإحساس عند جينيه ولو أنه مر في إحساس كهذا في نقاشات مثل تلك، ولكن جينيه كان يعكس رؤاه عبر مزحته الأبدية مع معتقده الذي قد يكون كلمة عاطفية واحدة يتخلص بها من الوضع المقرف الذي يشتكيه دوماً في النظام الاجتماعي وليس بالضرورة أن يكون إلهاً جباراً بمقدوره فعل كل شيء لهذا أطلق جان جينيه بعض الأفكار هو ما رآه في طبيعة المجتمع الطنجي وهو مجتمع عربي وشرقي ومسلم في أصله ومرجعيته، لهذا فإن المغالاة عند جينيه اتجاه العلاقة بين الشرق والغرب أو لنقل بين المسيحية والإسلام أهدأ منها بكثير وأكثر فهما لوعي من يعيش في مكان شرقي مثلما كانت عند بوولز كما نراه في محاورة شكري لجينيه في جنبات كتابه:
((التقيت به في السوق الداخلي حوالي الثانية عشرة زوالا. تحدثنا زهاء ساعة. ألقى علي بعض الأسئلة عن الوضع الاقتصادي والثقافي في المغرب.
ـ هل يختلط الأساتذة عندكم هنا بالتلاميذ أثناء الاستراحة أو خارج المؤسسة؟
ـ كلا. لا الأستاذة المغاربيون ولا الفرنسيون. هناك حاجز كبير يفصل الأستاذ عن التلميذ هنا.
ـ لكن لماذا ؟
ـ لا أدري.
ارتسمت على ملامحه خيبة كبيرة، ثم تحدثنا عن الدين الإسلامي، والمسيحي، وعن الذين كتبوا الأناجيل الأربعة ونزول القرآن.
قال: أنا، شخصياً، أعتقد أن القرآن أكثر أمانة من متي، مرقس، لوقا ويوحنا.
كنا نصمت لحظة ونبدأ كلامنا من جديد))..
إذن جينيه تعامل مع غربته في المدينة وتقاليدها بشيء كبير من العقلانية، ظل يعيش في طنجة وفق ما تعود أن يعيشه في حياته الباريسية، الهامشية واللاأبالية والنظر إلى الأشياء كما يراها هو ولا أحد غيره.
لم يدخل جينيه لجته وصخبه داخل جسد المدينة، ظل يعزل فتنته بزاوية من الصمت والدعوات القليلة وجلسات المقاهي وحانة الفندق الذي يسكنُ فيه، لم يملك للمدينة سوى شعور يخفيه، ولم يصرح بماهيته أبداً وحتى رغبته بالموت على التراب المغربي صرح بها، ولكن متأخرا.
تكتب سيمون دي بوفار، الفيلسوفة الوجودية وزوجة سارتر وربما محفزته للكتابة عن القديس جان جينيه: (كان جينيه مخلوقا متفردا، وأفكاره تعني أنه يصارع الحياة ليكون أكثر قوة منها، فيمارس سلطة الضد ويتحمل السجن والتشرد وفي النهاية يُظهر لنا على الورق بريقَ قلب مصلح من طراز خاص).
مارس جينيه هذا الإصلاح حتى وهو في طنجة، ساعد الكثير، ورعى الكثير، وجاهد وأصر على تحقيق أحلام البعض لأسباب قد يدركها الآخر بدرجة ما، لكنه كان يصر دوما على العمل بقناعة الدافع الذي لديه، وربما كانت طنجة وروحها وتناقضاتها جزءاً لا يستهان به من صناعة هذا الدافع. كما يرويه شكري في الصفحة 17 من كتاب جان جنيه في طنجة:
((تبادلا للحظات نظرات باسمه دون كلام. كلمهُ جينيه بالدارجة المغربية المشوبة بلهجة تونسية.
الغلام يبتسم بمرح وجينيه يشير إلى حذائه الممزق. قال للغلام:
ـ كم ثمن شراء حذاء جديد لك ؟
ـ قال الغلام بصوت هامس :
ـ ألف فرنك.
قال جنيه باسماً: ألف فرنك فقط.
هز الغلام رأسه مؤكدا ما قاله. أعطاه ألفا وخمسمائة فرنك مؤكدا له بمرح:
ـ إذا لم تشتر حذاء لك فلن تكون صديقي بعد اليوم، لن أكلمك مرة أخرى.
ابتسم الغلام وانصرف. قال لي:
ـ إنه غلام ذكي. لماذا لا يكون في المدرسة ؟))..
أتذكر كلمة نيتشة المأثورة: لقد جئت إلى العالم لكني لم أتصل به بعد.
ترى هل كان عليه زيارة طنجة أو يعيش فيها ليتصل بالعالم؟
لم تقدني رحلة جينيه في طنجة سوى إلى مداركات ما كنت أخضع له من أفكار في رحلتي الطويلة في المدينة وأحيائها.
أتذكر سوق المعاكزين، أو تنابلة الوقت والتأمل كما أحببت أن أطلق على جلاس المكان حيث تتقاطر الاجيال، زادها المخيلة والعبور إلى العالم الآخر.
أجدني غريباً في المكان. الغرباء تكتشفهم المدن من أول نظرة، سيماؤهم في وجوههم من أثر الدهشة، وفي طنجة لا بدَّ أن تكون مندهشاً وأنت تتأمل إغفاءة الوقت تحت أجفان الناس وهم يسحبون دخان السكائر المفرد إلى صدورهم الممتلئة بحسرات ورغبات ملونه بأطياف جوازات وبطاقات سفر معجونة بصفير سفينة ركاب تمر بلحظتها عابرة إلى البر الاسباني، كما يسحب البحر الغيوم البيض إلى صدره الواسع لأستعيد صدى قصيدة قراتها للشاعر المغربي محمد الأشعري وهي تلائم المكان وروحه تماما من ديوانه (مائيات) تقول:
ضؤلت حتى استطعت الوقوف على شهقتها
وكنت كما الواقف في بياض مفردة
أحس لهاثها مطراً، أو أريج عاصفة
وأفتح كينونتي الظامئة لهذا الفراغ الكبير
أفكر في مشاعر الغرباء حين يدركون هواجس مدن يأوون إليها بصدفةٍ أو بدونها.
أقرأ في كتاب جان جينيه في طنجة، أتأمل وجوه الناس قرب السور، أحتفي بضباب من يوتيبيا زرقاء أرى فيها مدينة محتملة، يكابدها حنين الأساطير وتجاهد كما محارب بربري لتدفع عن الجبل نسائم الصحراء والرمل.
أتذكر جينيه، وصلعته وهاجسه مع المدينة حين يكتمل الكتاب في قراءة لليلة واحدة، فأعيد ما يمكن لي أن أتصوره حديثاً آخر بيني وبين الخان العظيم وابن بطوطة، ربما لأني تَشبعت من هذيانات جليس قبر العرائش جينيه فلم أُحضر معي ماركو بولو، لقد أحضرت رحالاً اقترنت المدينة باسمه وأي شارع أو مرفق أو حديقة تطلق عليه تيمناً، وليس هذا فقط، بل إن أماكن جميلة في بقاع العالم، مطاعم وحدائق، وشوارع وكاليرات وسفن سياحية أُطلق عليها اسم ابن بطوطة وليس مستبعدا يوما ما أن تطلق ناسا أو أي وكالة فضاء اسمه على واحدة من مراكب الفضاء الجديدة التي تريد إطلاقها لكوكب بعيد.
يقول ابن بطوطة لنا: غربتي في بلاد الله مسرة.
أقول أنا: غربتي في طنجة مسرة ومشهد واستعادة مفقود بثوب جديد.
الخان: غربتي مُلكٌ لا قرار له، أجاهدُ كثيراً لأمسكه بأحلامي دون السيف.
أقول أنا: في طنجة أشعر بمدينة تتجاوز محنة الذاكرة لتصل برغبتها لكل من يتأملها.
بول بوولز لم يدرك ذلك فكان ينفعل كثيراً، وهو واحد من غربائها لكنه رغم هذه العقدة المعاندة كتب فيها تراثاً رائعاً، عكس جينيه الذي عاش فيها مهادناً ولكنه لم يكتب لها كثيراً.
الخان: الكتابة تأتي من قسوة، كما الملوك دائما عندما يبتغون الإتيان بالتيجان المعاندة.
ابن بطوطة: في الرحلة، الغربة فقه. والفقه ولاية، والولاية كتاب.
قلت: بول بوولز أدرك هذا وكأنه يعي ذلك من مقولة للعالم باسكال صاحب الأواني المستطرقة قوله: عندما يغادر المرء غرفته تبدأ كل متاعب العالم وأعتقد أن متاعب بوولز الحقيقة بدأت في طنجة رغم طفولة القسوة والحرمان التي عاناها في بلده أمريكا. والغريب إن جينيه لم يكن يعرف بوولز حين ذكر اسمه أمامه في طنجة ولم يقرأ له حتى، وهو أصلاً لم يكن مرتاحاً للأمريكين وخاصة الأثرياء منهم.
الخان: تذكرت الأواني المستطرقة. أسألكم، ماذا لو وضعنا أرواحنا في أواني مستطرقة. ما الذي سيحدث؟
ابن بطوطة: نسير في طرق متعرجة.
الخان: وأين نصل في النهاية ؟
أنا: إلى طنجة.
الخان: كأنكم تتحدثون عن مدينة ينتهي بها الطواف دائما.
ابن بطوطة: الطواف ينتهي عند مكة دائماً.
أعود إلى الرحلة، أتذكر ابن بطوطة وطوافه الأول وأتذكر معه حوراً لجينيه عن الكعبة والطواف والحجر الأسود.. كما في وصفها في الصفحة 80 من الجزء الأول من رحلته :
((وهي مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة في بطن واد تحف به الجبال فلا يراها قائدها حتى يصل إليها وتلك الجبال المطلة ليست بمفرطة الشموخ والاخشبان….. ومكة شرفها الله بواد غير ذي زرع. ولكن سبقت لها الدعوة المباركة فكل طرفة تجلب إليها وثمرات كل شيء تجبى لها ولقد أكلت بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرطب ما لا نظير له في الدنيا وكذلك البطيخ المجلوب إليها لا يماثله سواه طيباً وحلاوة))..
هذه مكة، المكان الحلم. يدركها ابن بطوطة برؤى غربته حاجاً، فيما يراها جينيه من غربة أخرى في فهم عميق من رجل أوربي للإسلام، أوضحها لشكري في نقاش معه ذات يوم بطنجة، حد الذي أدهش به محدثيه وهو يتحدث عن مكة والحجر الأسود فيها بهذا الفهم والوعي والرؤية التاريخية لمسميات الحجر واتجاهاته/ ص65/ كتاب جان جينيه في طنجة/ تأليف محمد شكري:
((قال القطراني :
ـ لاحظت أنك تهتم بالإسلام وتعرف عنه الكثير.
قال جينيه: صحيح. لقد قابلت بعض المسلمين العرب وتحدثوا لي عن تأريخهم وديانتهم.
طلب مني قلماً ورسم تخطيطا للكعبة. وضع حرفاً لكل اتجاه. سأل الشاب:
ـ أين يوجد الحجر الأسود ؟
تأمل الشاب الرسم وقال: لا أدري.
قال جينيه، واضعاً رأس القلم جهة الشرق :
ـ الحجر الأسود يوجد هنا، قبلة المشرق.
ثم أشار بسهمين إلى جهة اليمين وقال :
ـ اليمين سميت بهذا الاسم لأنها توجد يمين الكعبة، (وبالسهم الثاني أشار إلى الشام). الكعبة كانت قبل الإسلام طاولة للاتجاهات الأربعة (مزولة)..
قال القطراني:
ـ تعرف كل هذا عن الإسلام ولا تسلم. ضع الله في قلبك.
قال جينيه: سأضع نفسي في قلب الله))..
قال الخان: إنها رؤى عبادة مؤلهة يختارها الله حين يكرم المدن. أشتاق إلى مكة.
ابن بطوطة: وأنا اشتاق إلى مكة وطنجة.
قلت: ومثلكم أشتاق إلى مكة وأور.
قال الخان: إذن الغربة هي العودة إلى الأصل دائما وستكون مع الأصل مدينة أخرى.
ابن بطوطة: بالنسبة لي مكة دائما هي الأصل لأن الله بنى حلمه هناك.
قال الخان: الإمبراطوريات لا تساوي شيئا إزاء مكة، غدا سأدع ماركو بولو يأخذ مدنه اللامرئية ويذهب بعيداً عني.
لا أعرف ماذا سيفعل جينيه وبوولز لطنجة حين يسمعان هذا الحوار، حتماً سيدركان أن طنجة هي مدينة أخرى لا بد أن تصل بذات مدينة تتمناها ولا يصح مقارنتها بمدينة مثل مكة لهذا كان جينيه يختار كلماته وأفكاره جيداً عندما يحين الكلام عن الشرق وموروثه الديني فقُبل به لتكون العرائش مثواه فيما لم يجد بول بوولز القبر الذي يريده في طنجة وظل على الدوام يكرر: إن المكان الأخير ليس معلوما بالضبط ولكنه بعيد من هنا. وحتما يقصد بـ(هنا) طنجة.
تتشكل طنجة بالنسبة للغرباء مرأى آخر لا يستقيم إلا مع صناعة لحظة حنان مع المدينة.
أنهيت قراءة كتاب شكري عن جينيه ودخلت في أتون علاقة أخرى، بول بوولز وعزلة طنجة، وأعتقد أنها عزلة للاغتراب والنتاج الكبير الذي أسطَرَه بوولز في ذاكرة المدينة وقالت عنه جين مور: بدأ يعرفها كأنها أمه.
الكتاب كتب بلغة مركبة اعتمدت كثيراً على تأمل شخصية بوولز وتحليلها، وكانت أكثر دقة في متابعة حياة واحدٍ من غرباء طنجة الذين انساقوا بسحر المكان واقتربوا معه حتى لحظة الفناء.
كان بوولز يقرأ في طنجة مصائر من يعيشون فيها ولكن بطريقة أمريكية وهذا يعود إلى إسقاطات غربته مع طفولته فأراد أن يصنع له ذات المعاناة مع طنجة في رحلة طويلة امتدت عشرات السنين لكن طنجة كانت تنتصر في نهاية المطاف فيما يفنى المبارزون أو ينتهون نهايات محزنة كالتي حدثت لفاتح الأندلس طارق بن زياد.
قرأ بول بوولز طنجة بتحليل ذائقة مبدعة ولكنها مصبوغة بالاستعلاء والمشاكسة والضد في تصور منه إن الغرب لا يحتمل براءة وسذاجة الشرق البسيط، هكذا ظل ينظر إلى المغاربة، إنه نوع من الاستعلاء، وحتى العنصرية التي كان يكفلها القانون ولا يحاول محاسبتها بسبب الهيمنة والمرجعية التي ينتمي إليها بوولز كونه أمريكيا ولكنه في النهاية وقع فريسة جبروت طنجة وقوة وجودها لينهار مريضا بأكثر من عاهة ومنها الكآبة والعزلة والهستريا.
وعلى حد تعبير شكري: إن بوولز راهن على الكثير ولم يحقق إلا القليل في مسعاه لكي يجعل المرئي سحرا.
فالأمر خضع لرؤى شتى حكمتها طبيعة ووجدان المدينة والثقافة الممارسة من قبل الغريب الأمريكي.
كان جينيه يقرأ وجدان المدينة من خلال التأريخ، فيما كان بوولز يقرأها من خلال وجدان الشخص الذي يصادفه أياً كانت ثقافته، وهذا هو الفرق، لذلك فإن رحلة الكاتبين وكلاهما من كتاب النثر وما أكثر القصاصين والناثرين الذين استقروا في طنجة وتحدثوا عنها فيما كان الشعراء قلة.
مورافيا، وليامز، جينيه، بوولز، مارك توين، هانسن، صومائيل بيكت.. لا تجد بينهم شاعرا، إنما الجميع صناع نثر، قصة أو رواية أو مسرحية.. وهذا يعني أن طنجة شاعرة وزوارها عكس حالها، حتى أشهر كتابها هم روائيون وقصاصون وكتاب، منهم شكري وطاهر بن جلون وعبد الله كنون. لهذا كان بوولز يتعامل مع المدينة من داخل انفعال ما تربى عليه، ورغم أنه بانفعاله هذا صنع أسطورته الأدبية إلا أنه لم ينل راحة في فردوس لجأ إليه.
قد يكون الأمر غير ما أرى، ولكني في رحلتي اكتشفت ذلك، وخاصة وأنا أحاور الرجل الجالس على الرصيف والذي كنت أحسن إليه بالدراهم القليلة من أجل حكمته الكثيرة وهو من الذين يعرفون عالم شكري جيدا.
سألته مرة وعيناه تضيء بمتعة الدراهم تحت شمس نحاسية.
ـ ترى، هل تحب المدينة المرتحل إليها ؟
ـ الريفيون، أم الجبليون، أم الغرباء الأبعد، أقصد من هم ليس مغاربة؟
ـ الغرباء الأبعد.
ـ العجيب في طنجة أنها لا تفتش في الهويات، ليس لأنها منطقة دولية، بل لأن الآلهة خلقتها هكذا، لهذا لم ينزعج منها عيشاً، لا الرومي ولا الهندي ولا الأفريقي، الكل هنا في طنجة، ولاءاتهم لما تريد المدينة.
ـ وما تريد ؟
ـ هذا ما لم نعلمه حتى نحن أهل طنجة، إنها تسيرنا بغموض ما وتصنع لحظاتها بمزاج طارئ، وهذا هو السبب يجعل الغرباء يمكثون طويلاً ليكتشفوا، ولكنهم لن يكتشفوا، لأن أهل طنجة أنفسهم لم يكتشفوا السر بعد.
ـ هل تجد في الخبز الحافي والسوق الداخلي ورسائل شكري وسواها من أعماله بعضاً لتصورات وحلول عن الذي تذكره.
ـ من يقرأ شكري يجده يفسر الأمر من خلال سيرته فقط رغم أنه يتشعب إلى سيرٍ عديدة ولكنها محصورة ومن أنماط معينة وأرجو أن تفهم قصدي.
ـ أفهمك.
ـ إذن الغرباء واقفون أمام لغز مدينة، وأبناؤها أيضا.
ـ أمر محير؟
ـ كذا طنجة محيرة دائما..
أمسك هذه الحيرة وأحمل كتاب بول بوولز وعزلة طنجة لأذهب إلى سور المعكازين، أرفع الموجة إلى مستوى نظري، وأتأمل المدينة في البحر أو لنقل أتأمل البحر في المدينة. تدركني أطياف غربتي، أعالجها بقبلة على خد طيف أمينة.
نورس يتقافز بأجنحة من ثلج ناعم، يقترب من وسادة الماء، تمد موجة نحيفة أصابعها إليه، يهرب مذعورا صوب فنار لا يشعل فوانيسه في النهار. الشمس هنا. وطنجة لحظة تأمل المتأملين تحت هذا السور تحب الشمس كثيرا.
هكذا هي المدن الناعسة بنهاراتها تحت الضوء. المدن التي تتوج وجودها بجمال رؤى المرتحلين إليها ومنها.
يقول الخان: الرؤية في زحمة المدن تفكير آخر بتجاوز محنة ما.
يقول ابن بطوطة: أنا وبغلتي تركت الزحمة وذهب إلى فسحة روحي.
الخان: فسحة روحي مدينة أطل منها على حلم جديد.
قلت: حتى لو كنت غازيا.
الخان: الغزو ربيب الغربة، كل الغزاة يأتون غرباء إلى الأماكن الجديدة ثم يرتدون ثيابها بمرح.
ابن بطوطة: وإن لم تكن راضية بقدومهم كيف لها ان تفرح بهم ويفرحوا بها؟
الخان: هذا يعود إلى عقل الخان الغازي.
قلت: وهل الخانات وحدهم من يغزون ويكتشفون المدن الجديدة.
الخان: أعتقد هذا.
ابن بطوطة: اكتشفت مدنا لا تحصى ولم أكن غازياً.
الخان: بين كل الأشياء هناك ندرة واستثناء وأنت من الاثنين.
ابتسمت. لا زال سور المعاكزين يشرب ظهيرة الشمس بالخمول اللذيذ ولا زلت أتصفح كتاب شكري عن بول بوولز.
أقف عند حدود القراءة النفسية التي جاهد بها شكري لكشف مزاج بول وروحه وأفترض من كلامه قراءة أخرى لتعامل مدينة مع غريب.
لا أعرف قوة عنوان الكتاب وماذا تعني العزلة بالنسبة لبول بوولز وهو الذي حقق في رحلته مع طنجة أشياء كثيرة على مستوى الإبداع الأدبي والشهرة والمورد المادي، ورغم هذا يُرينا الكتاب مكابدات كثيرة تمور داخل أحشاء كاتب صعب مثل بوولز. ولكنه ظل يمسك قلقه الدائم في علاقته مع المدينة ومشاعرها كما حدث له اثناء حرب الخليج الثانية التي أعلنتها أمريكا على العراق عام 1990، إنها تبين جزء من حيرة الأمريكي عندما يكون خارج وطنه وفي بلاد يسودها شعور بالكراهية لبلاده، ولكن هذه المشاعر غير صادقة في تفسيرها كما وردت على لسان بول بوولز في ص 104 من الكتاب.
((لقد قالوا عندها لقد استرجعنا قوتنا وعظمتنا، وهذا سخيف، أما في طنجة فلم يعد هناك سواح وتوصل الأمريكيون بدعوة من حكومتهم ليغادروا المغرب. وفعلا فإن جميع الذين كانوا يشتغلون هنا قد تم ترحيلهم إلى واشنطن. لم يعد هناك سياح. لقد كانت الشوارع مقفرة، حتى المغاربة أنفسهم لم يعودوا يخرجون إلى الشوارع))..
يعلق محمد شكري في هامش الصفحة نفسها ما يؤكد افتراء وكذب مشاعر بول اتجاه طنجة أيام حرب أمريكا الأولى على العراق:
((ينبغي أن نقول هنا أن بول بوولز يكاد يعيش بعد الاستقلال، في غرفة موجودة في طنجة وليس في المدينة، بما سيخاف المغاربة؟ من الحرب؟ لقد كانت حربهم، رغم أنهم كانوا يعرفون أنها حرب خسارة مع الغرب، إلا البلهاء منهم الذين آمنوا بالانتصار الحقيقي على غرار ما شاع في حرب الأيام الستة. إن بوولز هنا يهوتر وبعيد جداً عن الواقع))..
هكذا تختلف تعاملات الغرباء مع وقائع المدينة يقرأونها على شاكلتهم الحضارية التي تربوا عليها حتى لو أضاءت لهم المدن العربية أصابعها شمعاً كما يقول المأثور الشرقي. إنه يتعامل مع غربته بمزاج جرماني، فيما غريب آخر يتعامل معها بوجودية صافية، والفرق أن بوولز مهما يكن يحمل من وجدانيات ثقافة مبدعة ورصينة إلا أن الذات الأمريكية التي بدأت تسيطر على العالم بالعولمة تؤثر كثيرا على رؤاه اتجاه المدينة وأناسها وبدا أنه غير حقيقي في قلقه من كونه أمريكي ويعيش في بلد ظهرت فيه مظاهر الغضب والوجوم عند العامة من المغاربة يوم أعلنت أمريكا الحرب على العراق بسبب غزوه الكويت.
هذا هاجس المدينة والغريب، هاجس سياسي لا يأتي كثيراً في يوميات الذين كتبوا عن طنجة من غير أهلها. ولكنه مهم جدا، لأن القرن العشرين غلبت عليه المشاعر السياسية بسبب الثورات والهموم القومية والوطنية التي ظهرت عند الشعوب نتاج نهاية الحرب الكونية الثانية وما تمخض عنها.
لكن أغلب رؤى التحاور بين الغرباء والمدينة جاءت عن طريق القنوات الثقافية وأهمها تلك المشاهدات والأحاسيس التي دونها أولئك الكتاب وهم يصفون حياة طنجة بكل تفاصيلها ومنهم من تعامل معها عن طريق الموسيقى أو الرسم وغيرها من القنوات الابداعية.
كان بول بوولز يدرك هذا جيدا ولكنه ظل صارماً باتباع هكذا نوع من التعامل وصار يدرك في رؤاه أن الإنسان المغربي وحياته وكما يحسها هو لن تتغير أبداً وأن العلاقة معه ينبغي أن تقف عند حدود معينة من التفكير وعلينا أن نروضها في بعض الحالات.
وهكذا بقي بول كما هو في اعتقاده، وبقيت طنجة كما هي في اعتقادها، غير أن المحصلة النهائية خلصت إلى أن بول بوولز ذهب، فيما بقيت طنجة. تدور في فلك أزمنتها غير عابئة بما يحدث، لأنها تفكر بطريقة التدوير الكوني، أي أنها أزمنة تتجدد وتسير إلى الأمام دوما.
كانت طنجة فردوساً للغرباء. وكان بول يقول في سره: إنه يدرك حاجته العميقة لسحر المدينة ولكنه لا يريد أن يسلم بالسهل، وربما بدا يسهل بالتسليم حين توفيت زوجته، جين بوولز، هذه المرأة تعاملت مع الناس ربما عكس ما تعامل زوجها.
كان يفكر بمزاجية أخرى في مدينة لا تريد للآخر أن يفكر إلا عندما يفكر مثلما هي. بول أراد أن يعكس الأمر فلم يستطع لأن هاجس المدينة المصنوع بالدوران الكوني هو هاجس هائل لم تصنعه لحظة نص كتبه بول في ليل طنجة إنما هو مصنوع من تراكمات أزمنة لا تنتهي في مكان.
ماتت جين بوولز، وذعر زوجها من سطوة الموت في المكان الذي أحبه بعشق خفي لم يظهره إلا نادراً ولقريبين منه.
لا يعرف بالضبط ما الذي حدث. الارتحال في مكان كان يملك فيه سطوة ما صار صعباً. بل إن الإدراك في تحليل مادة اليوم الذي يعتاش منه بول في حياته كالترجمة والتأليف هو ما صعب عنده بعد موت جين. بدأ يعتمد على ذاكرة خائرة وما يمليه عليه (المرابط). ولهذا كان الإحساس بالغربة والفجيعة كان كبيراً وإن المدينة لن تمنحه ما كان يعتقد أنه سيأخذه منها بالعنوة حتى ولو قبر بمترين طولاً وعرضاً.
هذه المشاعر وانعكاساتها، نوه لها شكري وبعمق في الصفحة 130 من الكتاب:
((بين طنجة الأمس، وطنجة اليوم، هناك الحالمون بها على الدوام، رغم خيبة أملهم فيها، وبول بوولز أكبرهم، إن الانتحار بالنسبة للياباني انتصار وليس انهزاماً، لكن بول ينهزم دون أن يخوض معركة ما في شجاعة، معنوياً وجسدياً، عندما يقول: (لا شيء يُنتظر إلا الموت، ما زلت أنتظر موتي في طنجة. هذا أكيد) أو: (الإنسان ليس سوى أن يموت كما فكرت ديزي في مونولوجها).
إن أنتيوس، قبل أن يموت، صارع هرقل، أما بول فإنه استسلم للقدر ولم يعد ينتظر إلا ميتة جميلة، تليق بقدر كفاحه الإبداعي)).
تلك هي الفكرة من أصلها. المدن الحقيقة، لا تحب عناد المبتهجين، هي تدرك الانتماء في الوضوح، ولا تبتهج بمن تكون مشاعره بهذا المستوى، لأن المكان هو المنتصر دائماً في قضية الخلود والانتماء والربح والخسارة، الخلود يظل يلون رؤيا المكان بأفكار الموجود وحتماً ستكون لهذه الأفكار درجات متباينة.
أتذكر كذا هاجساً، أقرأ فيه هاجس المدينة. سور المعكازين لا زال سوراً للتأمل الذي لا ينتهي. ليس أهل طنجة من يجلسون هنا قدام البحر يمسكون الغيوم بصنارة صيد صنعتها أجفانهم الناعسة. إنما الغرباء أيضاً. أفارقة من السنغال، هنود من كلكتا، أتراك من أزمير، عرب من البصرة، وربما بينهم من هو هندي أحمر، أو جرماني أراد أن يصيد له دهشة لم يألفها في برد باريس.
هم يتأملون، والمكان يغور في عمق ذاته. طنجة مدينة يعرف سرها الغرباء، ولكنه سر مشوش. لهذا يريدون من خلال تأمل البحر والذهاب إلى نقطة ما في مسطح الأفق المحدودب بزرقة الزمن يريدون هذا السر فلا تظهر منه سوى ملامح قد تقود في بعض لحظاتها إلى سعادة أو خلاص منا.
هذا لم يجده بول بوولز، وربما وجد جان جينيه قليلاً منه. لكن الإنسان البسيط قد يؤمن أنه وجد الكثير لإيمانه أن مدينة كطنجة تحب البسطاء كثيراً.
قال لي الخان العظيم قبلاي: الغربة مشقة الحاسر، ومن كان على رأسه قبعة فالأمر يبدو أقل مشقة.
قلت: تقصد بالقبعة، المناعة؟
ـ إنها الإلهام الذي معنا، نكتسبه من أمكنة نودها ونحنُّ إليها.
ـ قول حكيم يا مولاي.
ـ الغريب والمدينة قوس ونشاب، القوس المدينة، فهي في النهاية لا بد أن تطلقه إلى هدف ما يتمناه منها. يصل أو لا يصل هذا عائد إلى مدى حميميته مع المدينة.
تذكرت جينيه، ربما أوصله قوس طنجة إلى شيء من رغبته، فيما لم يكمل سهم بول بوولز المسافة لأسباب تعيها المدينة ويعيها هو.
لكن الخان العظيم الذي لم ير طنجة طوال أيام بحثه عن المدن المتمناة غارَ في أروقة اشتياقه ونزل عن عرشه المطعم بالجواهر والذهب ومناجم سحرية لمدن لا تُرى، قاد ذاكرته وخطواته البدينة ليجلس متكئاً على السور يتأمل مع الجالسين أفقاً من اللازورد الأخضر يندفع ببهجة المغامرة. المغامرة الغريبة وهي تتكور وسط العيون كرة من السعادة والمال وراحة البال.
يقول الخان: المُدنُ التي لا تُرى. الغربة فيها شهد، لأن إمساكها كمن يمسك وجوداً تاه عنه لحظة ما. وقد تصنع مدينة تأوي إليها من تعب الملك الشاسع عليك أن تصنعها في المخيلة أولاً قبل أن تصنعها على الأرض. ربما طنجة المتخيلة هي أرض تعبت خيولي أن تصل إليها. لكن ماركو بولو قال لي: الذاكرة أجمل من يأتي بالمدن التي نريدها، فأطلق ذاكرتك أيها الخان وليكن البحر مداك أولاً، ودع الصحراء خلف ظهركَ دائماً.
أتذكر أدب الرحلات، أحاول مع كلام الخان العظيم مقارنةً بين رحلة البحر ورحلة الصحراء، ومدن البحر ومدن الصحراء، فأعود إلى كلام لوكليزي: الصحراء إنك أمام السراب دائماً فلا تستطيع أن تمسك المخيلة بأصابع القلم، ثمة شيء يضيع دائماً. سانت اكزوبيري أيضاً يرى تيه الصحراء أكثر سعة وهوة من تيه المحيط.
آخرون يرون في رحلة البحر مدى لا ينتهي فالصحراء قد تمسك الذاكرة بواحة نخل أو مضارب بدو، ولكن ماذا تمسك في وسط البحر غير لمعان فضي لقاعٍ لا يأبه سوى بمستعمرات المرجان وقناديل البحر وسفن الحروب والقراصنة والسندباد وهي ترقد هناك في مقابر جماعية من الخشب.
الرحلة في البحر رحلة صوب الأزرق والأزرق واضحٌ في أغلب أوقاته، أما الصحراء فيقول الخان العظيم: إنها رحلة في الرمل الذي يعطي دلالات لون لا تنتهي، لهذا سيكون مساري البحر وربما أجد طنجة في نهاية المسار.
ـ ولكنك فيها الآن تتأمل مع الجالسين نهاية مطاف النظرة؟
ـ في التمني فقط.
تذكرت أمنية بول بوولز والعزلة وطنجة.
أدرك أن المدن التي ينبغي أن ننتمي إليها علينا أن نعرف حِسها وهاجسها قبل أن نذرع شوارعها ونكرع الخمرةَ في حاناتها. وطنجة كانت ولا زالت مدينة بهاجس. ولكن هل فُهم هذا الهاجس ؟
لقد كُتب الكثيرعنها، ورسم طبيعتها وحاراتها ماتيس وديلاركوا وغيره من رسامين أسبان وفرنسيين وجنسيات شتى.
كانت المراكب تبدو في اللوحات مثل الذي يزرع جسده في البحر ليثبتَ أنه الماء، لكن لا شيء يشبهُ الماء. ولا مدينة تُشبه طنجة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| رحمن خضير عباس : حكايات عن الفاو .

   حينما نزلتُ من السيارة الخشبية الغاطسة في حفرة الطين، أحسستُ بأني أتدحرج في هوّة …

| عبد العزيز آل زايد : ابتسامة طفلة أحيتني .

  رغم الجرح هناك من يبتسم، رغم الألم هناك من يقاوم، نخط هذه السطور؛ حتى …

تعليق واحد

  1. ازهار علي

    الاخ الدكتور حسين سرمك ..ما ان قرات مقالة نعيم مهلهل حتى اكتشفت كم انت على حق في اعطاءه هذا الوصف.
    كان المقال مدهشا حقا
    وبالتوفيق لموقعك وللكاتب نعيم عبد مهلهل
    ازهار علي / بغداد المحروسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *