ليث الصندوق : قراءتان في ثلاثيو شيكاغو
ألقراءة الثانية : ألتشخيص باستخدام العمر (2)

laith alsandookmahmood saeed 2التشخيصية مصطلح من مصطلحات الفن التشكيلي ، أو نقد الفن التشكيلي إستخدمه لأول مرة الفنان التشكيلي الراحل ، والناقد شاكر حسن آل سعيد باعتباره ( مبدءاً ) أو ( أسلوباً ) ، فهو على سبيل المثال يقوّم عمل الفنان جواد سليم بقوله ( قوام العمل الفني لديه كان يتحدد من خلال هذا المصدر – يقصد المفهوم الكوني للوجود – حينما يستعير منه من الرموز الشكلية والمعادلات الحضارية بما يتجاوز فيه الأسلوب التشخيصي إلى الاسلوب التجريدي الهندسي ) وكذلك ( إن اختزال الأشكال التشخيصية للناس والمخلوقات والأشياء إلى أشكال هندسية يُضفي على أعماله مسحة من البساطة … ) ( 1 ) فالتشخيص عنده هو اتباع أساليب الفن الكلاسيكي متمثلة بالاخلاص لمبدأ محاكاة الطبيعة والاشخاص في الرسم محاكاة تتوخى النقل الحرفي لأدق التفاصيل . وقد طوّر فيما بعد هذا المصطلح في آخر أعماله التنظيرية ( أنا النقطة فوق فاء الحرف ) ليضعه في مقابل مصطلحات أخرى ( التشخيص المختزل ) و ( الحدث شبه التاريخي ) و ( اثنولوجية الذات ) ( 2 ) وكلها مصطلحات تدور حول محور التشخيص وتتجاوزه ، في محاولة لتطوير استخدامات المصطلح تشكيلياً ، ومنحه بعداً فلسفياً ماورائياً . ولكن المصطلح استخدم أيضاً في إطار محدود جداً في البحوث السردية ، فقد استخدمه سعيد يقطين في مجال نقدي مواز آخر ، ولكن ظل يحتفظ للمصطلح بظلال تجمعه مع المصطلح التشكيلي من حيث كون المصطلحين يعنيان بالملامح والمواصفات الخارجية للشخصية ، مع اختلاف طبيعة تلك العناية ما بين الحقلين النقديين ، ففي كتابه ( تحليل الخطاب الروائي ) ، وفي معرض بحثه في قضية ( الترهين السردي ) أوضح يقطين بأن ( الراوي والمروي له صوتان سرديان يُقدمان لنا من خلال الخطاب السردي ، حتى وإن لم يكونا محددين بشكل تشخيصي – صفات معينة ، أسماء ، … ) ( 3 ) ، ويمكننا أن نضيف إلى مواصفات يقطين مواصفات تشخيصية أخرى لا عدّ لها ومن بينها عمْر الشخصية  . وبهذا المعنى تحديداً تحاول هذه القراءة أن ترصد تجليات الأعمار في ثلاثية محمود سعيد ، لا سيما إنه يكثف من استخدام هذه التقنية في ( تشخيص ) ابطاله  بشكل لافت وبحنكة لا تجاريها سوى حنكة فنان تشكيلي متمرس ، ولكن بأدواة لغوية من أجل تمكين أبطاله من التجسد أمام القاريء وكأنهم صورُ مرسومة بفرشاة اللغة ، والوان السرد ، على الباليتة الورقية التي تعوّض عن قُماشة الكنفاس . بما لا يتعارض مع طروحات النقد الروائي الحديث التي ترى بأن الأشخاص السرديين – مهما كانت إحالتهم إلى خارج النص –  فانهم يبقون كائنات من حبر وورق .
تلك العناية بأعمار الشخصيات الأساسيين والثانويين والهامشيين على السواء ، تجعل من النادر أن تمرّ شخصيّة دون أن يلتقط الراوي من مواصفاتها – أول ما يلتقط – عمرها ، ولكن هذه الألية في رسم الشخصيات تخضع لبعض المحددات التي تخرجها من أطار النمطية وتحولها إلى لغة رقمية لها دلالاتها ، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .
وابتداءاً لا بدّ من ملاحظة أن الزمن هو الشخصية المحورية ، والبطل الأول المحتجب في كل أعمال محمود سعيد ، وفي ثلاثية شيكاغو بالتحديد ، فهو الذي يحرّك الأحداث ، وهو الذي يرسم مصائر الشخصيات ، وهو الوحيد الذي لا يغيب عن نظر القاريء ، يراه في ثنايا الأحداث الكبيرة ، وتلافيف التفاصيل الدقيقة ، إنه لعبة محمود سعيد التي يجيد تشكيلها بمهارة اللاعب الحاذق ، يمطه ، ويقطعه ، ويمضي به مخترقاً حدود ماضيه ، ثم يعود مرّة أخرى منطلقاً باتجاه الحاضر ، ثم المستقبل ، لعبٌ يحوّل النص إلى متهاهة يضيع فيها القاريء الذي لم يخبر مهارة محمود سعيد من قبل ، ولم يتعوّد أسلوبه – وهو يتقلب ما بين حالات متكررة ، ومتداخلة من القطع واللصق ينتقل خلالها انتقالات حادة عبر الزمن بلا دليل ، ولا إعلان ، ولا استنفار، ولا تمهيد بمواقف إستثنائية ، فكل اللحظات مهيّأة لذلك ، وذاكرة الأبطال التي خصّبتها الغربة ونشّطها الحنين مستعدّة دائماً لقطع شريط الزمن وإعادة لصقه من حيث ما تهوى النفس الأمارة بالشوق . وهكذا يتم الانتقال بكل الاتجاهات ، في أكثر المواقف تشبثاً واندماجاً بالحاضر ، وهكذا يسيح الزمن متدفقاً دون توقف ، وعلى القاريء أن يكون مستعداً لهذه السباحة المستمرّة ، ولهذا التجدد الذي يفرضه تدفق التيار .
ولأن الزمن لا يستقر أبداً ، فالنص يبدو مركباً ، يصعب الانتقال فيه من نقطة إلى أخرى ، ما لم يستجمع القاريء كل حواسه ، ويستعدّ لخوض مغامرة ملء الفراغات ، ووصل الخطوط المتقاطعة ، فالقراءة هنا – بل في كل أعمال محمود سعيد – مهارة تحتاج إلى دربة ومران . حتى الأحلام تتحوّل إلى لعبة من لعب الزمن ، كالحلم الذي رآه ( عمَر ) في الجزء الأول في الغابة ، والذي إختلط تماماً بحركة تدفق الرواية فلم ينماز عن إيقاعها العام ، عندما جاءته كاثي ، وقد اصطادت طيراً جميلاً، وها هي تمسكه من رجليه ، تعلقه كأنه ميت ، قالت له :
( – إذبحه سنشوي لحمه ، ونأكله
–    أنت مجنونة ، أمثل هذا الطائر الجميل يُذبح ، أنظري إلى ألوانه الناصعة
–    أما أنا ، أو هو ؟
–    ماذا تعنين ؟
–    أنْ تذبحه ، أو أختفي ؟
–    لا أستطيع ذبحه ، لكني سأعدّ لك قهوة لتفكري بعمق وأنت تشربينها لتدركي أي جريمة ترتكبين ؟
–    سأذبحه بيدي
–    أمسكت السكين ، هجم عليها ليمنعها ، لكنه أحس بشيء يتحرّك قرب رأسه خارج الخيمة ، فتح عينيه ، اختفى النعاس . ص/ 148 )
ترى أية إشارة يمكن أن تُنبّه القاريء إلى أن ما يقرأه كان حلماً ، لولا عبارة ( فتح عينيه فاختفى النعاس ) ، وحتى هذه الإشارة ليست دليلاً أكيداً على إن ما يرويه عمَر كان حلماً بقدر ما هي دليل حالة نعاس عابر قد يتسرّب إلى العين في حالة اليقظة أيضاً .
إن الظاهرة الزمنة ( الخارجية ) الأكثر شغلاً للكاتب في الثلاثية والتي نركز عليها ، هي الحرص على تحديد اعمار الشخصيات الأساسية والثانوية والهامشية ، ومن أجل متابعة الظاهرة إعتمدنا على توثيقها في جداول إحصائية ، سنأتي عليها في الملاحق والتي يتبين منها إن أكثر من نصف عدد الاشخاص في الروايات الثلاث قد حظوا بتغطية عمرية بغض النظر عن طبيعة التقنيات التي اعتمدها الكاتب في تغطيته تلك ، وبالتحديد فإن نسب التغطية هي : 48% من شخصيات الجزء الأول و 55% للشخصيات في كل من الجزئين الثاني  الثالث . ولكن السؤال الذي يواجهنا ونحن نرصد انشغال الكاتب برصد أعمار شخصيات رواياته هو : هل لأعمار الشخصيات ثمة رابط بزمن السرد ، أم إنها لا تعدو أن تكون أحد ملامح التشخيص الخارجية بحكم ما تتركه طبقات الزمن من بصمات على الوجوه والأجساد .
مما لا شك فيه إن انشغال الكاتب بهذه الظاهرة أفاده من الناحيتين ، فهي من ناحية قد حدّدت أحد المظاهر الخارجية للشخصية ، لعله الأبرز في عين الراوي ، والدليل هذه الأولوية في تشخيص الابطال التي يعطيها للعمر على المظاهر الأخرى ، ثمّ هذا التكثيف  الذي جعل منها ظاهرة تشمل أكثر من نصف أبطال الثلاثية كما تكشف الجدولة الإحصائية ، . أما من الناحية الأخرى فلا شكّ أن ثمة علاقة ما بين أعمار الشخصيات وزمن السرد وتحديداً بالنسبة للشخصيات الاساسية والثانوية ( دون الشخصيات الهامشية ) ، فعندما تكون الشخصيات هامشية لا يلتفت الراوي إلى عمرها إلا من حيث كونه أحد معالمها الشخصية الخارجية مستبعداً الربط ما بين عمرها وبين فاعليتها السردية التي هي من محركات الزمن ، لأن تلك الشخصيات أصلاً بلا فاعلية سردية ما دامت على هامش السرد ، تقبع في قعر الأحداث ، فإذا ما غُيّبت أعمارها من النص ، أو ظهرت بعمر أكبر أو أصغر فذلك لا يؤثر على مجرى الزمن السردي . ولكن عندما تكون الشخصيات في مواقع أساسية أو ثانوية فإن لإعمارها تأثير على ما يبدر منها من فعاليات ، فالشخصية في هذه الحالة تاريخ نام ومتحرك ، وحياة لها امتداداتها وارتباطاتها وتأثيراتها بما يجاورها ، وليست مجرد أسم أو مكان ، وان تاريخ الشخصية المعبّر عنه بوحدات الزمن الفيزياوية يؤثر في إتجاهات السرد من ناحيتين ، الأولى : إنه يرسم معالمها كشخصية لها صفة وامتياز ، والثانية : إنه يحدد طبيعة الحركة التي بإمكانه إداءها ، والافعال المناسبة لقدراته العمرية والجسمانية ، فالعلاقة ما بين العمْر والفعالية الحركية علاقة طردية ، هذا من جهة ، أما من جهة أخرى ، فالعمر سابق للحدث ، وممهّد له في ذاكرة التلقي ، فعلى سبيل المثال عندما يتحدث الراوي عن شخصية تجاوزت الخمسين من العمر ، فمن الطبيعي أن يكون ما يتلقاه القاريء منها من أفعال سردية لا بدّ أن يتوافق منطقياً مع ممكناتها العمرية ، وإلا فإن الحدث سيفقد منطقيته . فالعمْر ليس مجرّد رقم تزييني ، إنه مجال لقياس مصداقية الفعل السردي . وهنا تكمن المفارقة بين الاحداث السردية  المرتبطة بطاقة جسد في الستين والتي بدرت من بطل الجزء الأول ( عمَر ) ، وبين الفعالية الحركية التي تبدر من كاثي بطلة الجزء الاول نفسه ، وهي في عشرينياتها ، فتحديد اعمار الشخصيات في هذه الحالة هو جزء من زمن السرد ، لأنه ساهم بشكل أو بآخر في تحديد اتجاهاته ، وإضفاء طابع منطقي على أفعال الشخصيات .
هذه القراءة تطمح إلى رصد أهم تجليات التشخيص باستخدام الاعمار لشخصيات الأجزاء الثلاثة من ثلاثية شيكاغو في مستوياتهم الثلاثة : ألمستوى الأول ( الشخصيات الأساسية ) والمستوى الثاني ( ألشخصيات الثانوية ) والمستوى الثالث ( الشخصيات الهامشية ) التي يقتصر وجودها على الأسماء دون الأفعال ، أو انها تؤدي بعض الأفعال التي لا تؤثر في توجيه مجرى الأحداث ، ولا تؤثر في قرارات شخصيات المستويات الأعلى . كما تطمح الدراسة إلى تحليل بعض المستويات النحوية والدلالية والبلاغية لصيغ تلك التمظهرات بحثاً عن الأثار التي تتركها على بناء الشخصية ( التشخيص ) من جهة ، وعلى زمنية الأحداث من جهة أخرى .
قراءات في نصوص عمرية منتخبة  :
ألجزء الأول : (حافة التيه )
من الملاحظ إبتداءاً أن الكاتب لا يعتمد مرجعيات موثقة للتحري عن أعمار شخصياته ، بل يعتمد خبرته الانسانية ، ويقينية حدسه ، لا سيما إنه لا يستخرج تقديراته من باطن مدفون بل من علامات خارجية مرسومة على سطح الشخصية أو تعبر عنه حركاتها وسكناتها ، ومن خلال متواليات الاعمار التي تبدو أرقامها تقريبة في الغالب يقدم الكاتب صورة عن طبيعة الشخصية ، فمنذ الصفحات الأولى من الجزء الأول من الثلاثية ( حافة التيه ) يحدد الكاتب مرحلة العمر لرجل مجهول لا فعالية له على ما سيتلو من أحداث ، باستثناء إنه يقدم ورقة من فئة خمسين ديناراً لبطلة الرواية الأساسية المشاركة لعمَر في قيادة الخط الأول ( كاثي) ، هذا الرجل ذو الدور الهامشي ، المقدم للقاريء من خلال قرينتين لا ثالثة لهما ، هما مرحلة العمر ( الكهولة ) وورقة العملة التي يقدمها لكاثي ( الخمسين دولاراً ) هو المفتاح الذي يفتح أسرار البطلة الشابة ذات الدور الموازي ( والمكمل معاً ) لدور الكاتب العراقي المغترب ( عُمَر ) فوجود الكهل يمهد لمعرفة مهنة كاثي ( الدعارة ) ، وبدءاً من هذا التحديد لعُمر شخصية هامشية ، ستتوالى الشخصيات ، وسيظهر الكاتب إنشغاله العميق بتشخيص أبطاله من خلال أعمارهم ، واستخدامه لاليات مختلفة للتعبير عن هذا الانشغال ، إلى الحد الذي تبدو معه هذه الانشغالات شفرة إبداعية مميزة ، ولعبة سردية من العاب الزمن السردي وبناء الشخصية معاً ، ولعل الانبهار بتلك اللعبة طغى على وعي الكاتب ، أو ربما على لا وعيه ودفعه إلى تسمية بطل الجزء الأول من الثلاثية ( عُمر ) الذي يكنيه زملاؤه العراقيون في شيكاغو ب ( أبي الخطاب ) .
ولكن اشتراك عمر وكاثي في تزعم خط السرد الأول ، والتقاءهما مصادفة من أجل إداء الدور الذي أوكله لهما القدر ، هو في الحقيقة لقاء ما بين عُمْرين ، أو مواجهة ما بين عمرين ، الأول عمْر البطل الذي تجاوز الستين ، والثاني عمر كاثي التي لم تزل في العشرينيات من عمرها ، وتلك المفارقة العمرية تبدو محتدمة ، وموشكة على تفجير صراع داخلي لدى عمَر الذي يُحسّ بوخز الضمير كلما اقترب خطوة على مسافة الزمن الفاصلة ما بينهما ، أو كلما أقتربت هي في محاولة لإذابة الجليد الذي راكمه العمْر ما بينهما ، فهي – كما يراها هو – في عمْر أبنائه فيما لو كان قد تزوج وأنجب ، بينما تحاول هي – وقد أدركت حسن نوايا الرجل – ان تلغي  الفاصل الزمني ، وتقلل من حدّة الصدام الروحي .
ومع توثق العلاقة ما بين عمَر وكاثي يرافقها ليلاً إلى البيت الذي كانت تمارس فيه الدعارة مجبرة ، متسللين إليه خلسة لجلب حاجياتها منه ، وبذلك تقطع أخر علاقاتها مع هذه المهنة الزنيم ، إستعداداً لبدء مرحلة جديدة من الحياة الكريمة بحثّ دؤوب  ومعونة من عمَر ، ومع اللحظات الأولى لدخول البيت – الوكر يُفعّل الراوي عدسته السردية الحسّاسة لالتقاط مشاهد الاجساد المتعبة النائمة ، تلك المعدة للمتعة ، لكن العدسة تلتقط أول ما تلتقط صورة لأعمار البنات . ( جسد صغير ضئيل ، ربما لطفلة أدخلت إلى حظيرة النضوج مرغمة ، لكنه مثير ، لم يُقدّر عمرها بأكثر من أربعة عشر – ص 82) وفي هذا النص حدد العمر بنمطين ، الأول بمرحلته ( الطفولة ) والثاني ، بعدد السنوات التقريبي ، وبالرغم من صغر سنها ، إلا إن إجبارها على دخول الحظيرة كان من أجل الاسراع بانضاجه .
وبعد حديث قصير بين عمَر وكاثي يتبين بان تقدير عمَر لعمْر الصبية النائمة كان مخطئاً هذه المرة ، فهي تايلندية في الثامنة عشرة ، وليست بالعمر الذي قدره . ثم يستمر الحديث مركزاً على الأعمار تركيزاً ملفتاً ، وكأن عمر وكاثي خاضا مغامرة التسلل الخطر إلى هذا الوكر الموبوء من اجل الرصد والتحري عن اعمار نزيلاته وليس من اجل هدف اخر . ويتبين فيما بعد بانّ عمَر لم يكن وحده الذي خدع بعمْر الصبية فالأخريات من زميلاتها كانوا قد خدعن أيضاً ، فهنّ يعللن الفارق ما بين العمر الذي يبدو على ظاهر شكلها والعمْر في أوراقها الرسمية بأنه ( ربما استخرجوا لها شهادة ميلاد باكبر من سنها  – ص 84) .
ولكن الانشغال بالاعمار لا يقتصر على الناس فحسب ، بل يتعداه إلى أعمار الحيوانات أيضاً ، وعندئذ يضطر الكاتب للبحث في اللغة عن المفردات المقترنة بمراحل معينة من أعمارها ، فالمصور جميل يسأل عمر عن اسم الحصان الصغير ، فيجيبهُ بأنه ( مهر ) فيرد جميل متعجباً ( كيف لم يخطر في بالي ، أنستنا الغربة اللعينة لغتنا ) ، ويتبين إن دوافع السؤال هو أن احدى الموظفات البحرانيات في دار للنشر معنية بكتب الاطفال ، كانت قد طلبت من جميل كتابة قصة للاطفال عن ( مهرين اثنين ) ، وجميل أحال المهمة بدوره إلى عمر لينفذها ، باعتباره قاصّاً .
وربطاً ما بين دار النشر الخليجية وقصة المهرين يستدرك عمر بأن دول الخليج استبدلت سباقات الخيل فيها بسباقات ( الهجن ) ، ويشرح عمر كلمة ( الهجن ) مستعيناً بقاموس الأعمار المختزن في ذاكرته ، بانها تعني ( الجمال بعمْر معيّن ) . ولا يكتفي الراوي بالانشغال بأعمار الناس والحيوانات ، بل يتعداه إلى أعمار الموجودات غير الحية ، فحين سرقت سيارة عمر ، تساءل مع نفسه ( من يسرق سيارة صغيرة ؟ ألف ضربة وضربة ، موديل 1989 ) ومن البدهي إن تحديد ( الموديل ) بعام معين هو تقنية من تقنيات تحديد الأعمار تعارفت عليها أسواق السيارات العالمية . ولا ننسى أن تداعي الأحداث السياسية العالمية المطوقة لأحداث الرواية ، والمهيمنة عليها ، وتحديداً تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول 1999 تشير إلى أن تاريخ القص هو نهاية القرن الماضي ، وبذلك فالدلالة العمرية  التي يكشفها موديل السيارة واضحة .
ويصبح العمْر أحياناً قريناً لأداة التعريف ، يستعين به الراوي للتعريف بالمجهول ، مستعيضاً عنه بالاسم أو اللقب أو الكنية ، أو عن أية مواصفات شخصية أخرى ، فحين دخل عمَر إلى مطعم ( أبو نواس ) ملفوفاً بالشاش في اكثر من موضع من جسده بعد تعرضه لاعتداء من مجهول ، إلتمّ حوله أصدقاؤه من العراقيين متسائلين ، ومخمنين بتندّر إن كان سبب الاعتداء هو التنافس على إمرأة ، وكان من بين المعلقين على الموضوع رجل مجهول ذكره الراوي بصيغة ( قاطع شخص أسمر نحيف في الثلاثين ) ، وكأن السُمرة والعمر صفتان كافيتان لوحدهما أن تقدما للقاريء توصيفاً مجزياً عن تلك الشخصية .
وضمن اليات الوصف الجمعي لمشهد مفتوح يواجه فيه الراوي – الكاتب اكثر من شخصية ، يبرز العمر كواحد من مظاهر تحديد أبعاد الشخصيات ( التشخيص ) ، فمن كل واحد من افراد المجموعة يلتقط الصفة الراجحة لديه على باقي الصفات ، والعمر واحد من تلك الصفات ( أحد المقعدين المتقابلين في الحافلة خاو ، جلسَ . ثلاث نساء أمامه ، الأولى شقراء ، أناقة فائقة ، شعر أشقر ينسدل على جزء من وجهها ، نظارة سوداء تحكم سدّ لا طرق التواصل معها ، بل حتى تحديد ملامحها . مكسيكية بدينة في الخمسينيات ، ترتدي السواد ، ثمّ هيَ . ص / 68) فالأولى اختار من أوصافها ما يبدو واضحاً لعينيه ، والثانية اختار منها ما يبدو متيسراً لموهبته في قراءة صفائح الأعمار ، أما الثالثة فلم يختر من مواصفاتها شيئاً للوصف أكثر من إسم الاشارة ( هي ) ، مفترضاً أن القاريء يعرف عنها كل شيء ، لأنه هو ذاته قد عرف عنها كل شيء فيما بعد ، فالسرد هنا تالٍ للمعرفة ، وهو في هذا النص يتحدث عن بداية علاقته بإحدى صديقاته ( سابرينا ) التي سبق أن عرّف القاريء على بعض أوصافها ، بل وسبق أن وصف مرحلة عمرها بالشباب ( شابة ) .
وفي مشهد جماعي أخر يحاول جميل المصور في استوديو التصوير العائد له أن يثني عائلة مكسيكية – من أم وأب وطفل صغير – عن رغبتها في تصوير الطفل وهو يتبوّل على صورة للبيت الأبيض الأمريكي ( جميل في الخمسين ، طويل القامة ، أسمر ، نحيل ، قوي البنية ، كان يشرح لزوجة رجل مكسيكي أنّ الصورة التي يريدانها تسبب له المشاكل ، هذا وقت حرب ، ما فائدتها حتى لكم ، نحن في غمرة الاستعداد للحرب ، كيف يمكن أن يتبوّل طفل على صورة البيت الأبيض ، كانا لا يتكلمان الانكليزية ، وجميل لا يتكلم الاسبانية ، ألطفل في عمر سنة ، وسيم ، عار ، ربي كما خلقتني … ص/77 ) ومن الواضح إنّ الوصف في هذا النص جاء مركزاً على عمري جميل والطفل فقط ، فهما نقطتي بداية ونهاية المشهد ، أو هما مصدرا الفعالية فيه ، فجميل هو الذي سيلتقط الصورة ، والطفل هو موضوع الصورة ، في حين يبقى والدا الطفل في المنتصف محتفظين بوجودهما الهامشي ، أو بغيابهما معاً عن أية فعالية ، او بالأحرى عن غياب الأب الكامل ، بينما كسبت الأم من المشهد أن المتكلم ( جميل ) منحها من المشهد إمتياز وجود نسبي بأن خصها بالشرح الذي يقدمه لها دون الأب .
ويستخدم الكاتب الاسترجاع والاستباق كآليتين في تحديد الأعمار ، فالجلسة الحميمية الهادئة لكاثي مع عمر تعيد إليها ذكرى جلسة مماثلة تعود لأيام طفولتها ، لكنها – وهي تستعيد ذكرياتها – تخفق في تحديد عمرها يومئذ ، فتظل متأرجحة بين تقديرين تقريبيين محتملين ( ما أجمل تناول الوجبات في العراء ، أتذكّر مثل هذه الجلسة ، ربما كان عمري خمس سنوات ، ست سنوات ، لا أدري . ص / 27 ) . ثمّ تتذكر طفولتها التعيسة البائسة وهي متبناة في بيت الزوجين ( جونير ) ، لكنها في هذا الاسترجاع السريع لا تتذكر عمرها ، فتكتفي بالتلميح إلى مرحلته الطفولية ( كنا نلعب ، بضعة أطفال ، لم يكن معنا انئذ الزوجان جونير . ص /27 ) . وفي موقع اخر تسترجع كاثي طفولتها المعذبة ، وهروبها من بيت متبنيها الذي كان يتحرّش جنسياً بها خلسة بعيداً عن عين زوجه ، ولكن كاثي لا تخطيء هذه المرة في تحديد عمرها يومئذ ، والقصة ترد على لسان الراوي ( … وعندما أخبرت الزوجة ، أمرتها بالكف عن الكذب ، فما كان منها إلا أن هربت في سن الرابعة عشرة . ص / 31 ) . والسماع أيضاً ينشّط حاسة استرجاع أحداث سنوات العمر الأولى ، فحين ضمن جميل المصور لعمر مكاناً هادئاً هو بيت جان يكتب فيه القصة التي أوكل إليه مهمة كتابتها مقابل ثمن ، ذهب عمر إلى البيت مستصحباً معه كاثي ، وهناك سمعها تغني أغنية جميلة ، سألها عنها فأجابت ( فِلمٌ من الاربعينيات ، رايته عندما كنت في الحادية عشرة من عمري . ص/123 ) وبذلك تم الربط ما بين مشاهد الفِلم وألحانه من جهة ، وما بين سنوات العمر من جهة أخرى ربطاً إسترجاعياً  .
أما بالنسبة للاستقبال ، فهناك الكثير من نماذجه النصية نختار نموذجين منها . فعندما التقى عمر وكاثي في بيت صديقه الدكتور أحمد ، وبحضور صديقته كريس ، طلب منه أحمد غضّ النظر عن مشروع هجرته إلى السويد ، وأن يبقى بقرب كاثي ( إنْ تركتها فأنت تختم عمرك بأغبى خطأ ترتكبه في حياتك . ص/49 ) ومن البدهي إن أحمد لا يعرف متى يختم عمَر عمْره ، فتحديد وقت ذلك هو بالتأكيد من أسرار المستقبل ، والمستقبل ربما لا يعنى ذلك البعيد ، أو الموغل في البعد ، بل ربما قد يعنى ذلك الزمن الذي يأتي بعد لحظة واحدة لا أكثر من زمن التلفظ ، ومع ذلك فالمستقبل الذي عنى به أحمد اختتام العمر هو المحطة الأخيرة في رحلة من ثلاث محطات ، ربطها أحمد بملفوظه ببعضها بعضاً ، فكل محطة تؤدي إلى الأخرى لا محالة :
ترك كاثي      حماقة        إختتام العمْر
لكن الراوي ختم الرواية من داخل مطار أوهير ، وعمر على أهبة ركوب الطائرة مهاجراً إلى السويد ، دون أن يُخبرنا بقرار عمر الأخير الذي سيحدد مساره باتجاه المحطة الوسطى ( الحماقة ) .
بيد أن ابرز مثل على اثر الأعمار في حالات الاستقبال ورد على لسان عمر وهو يحاول إقناع كاثي بعدم إمكانيته إلغاء هجرته إلى السويد والبقاء معها في شيكاغو ( أنا مُنتهٍ ، عمري ثلاث وستون سنة ، مات أبي في العمر نفسه ، يعني أني ربما أموت بعد لحظة ، لا أدري كم سأعيش ) ولولا العبارة الأخيرة من النص ، وهي أكثر من سابقاتها عقلانية ومنطقاً لتحوّل النص إلى ضرب من التنبؤ مبني على استنساخ مستقبل عمْر الأبن عن ماضي عمْر الأب ، بيد ان هذه الطريق الاستقبالية في قراءة الأعمار تكررت على لسان عمر مرة أخرى في موقع حواري اخر مع كاثي مما يكشف عن قناعة عمر التامة بيقينية ( ما ورائيتها ) إلى الحد الذي جعله يُلبسها ثوب  الوراثة العلمية من أجل إقناع كاثي بصحتها ، ومن أجل إقناع القاريء أيضاً . ويتكرر المنطق التنبؤي ذاته ولكن بيقينية أكبر في أكثر من موقع ، فعندما تتغزل كاثي بعيني عمَر اللتين تراهما أجمل من عيني ( ج. جورج ) وعيني توم ، يجيبها ضاحكاً ( واهمة ، عينا ميت ، أؤكد لك أنني لن أعيش في ما بعد نقطة الصفر إلا القليل ، مات والدي في الثالثة والستين ، وعمري الأن الثالثة والستون ، يعني إن ما أعيشه بعد الأن ليس إلا زمن مسروق من القدر . ص/ 146) ، ويعود مرة أخرى صوت القدر هذا ليتكرر في الصفحة (174) عندما لامته كاثي على تسجيل سيارته باسمها ، لأن ذلك مؤشر على عزمه تصفية ممتلكاته والاستعداد للهجرة إلى السويد ، قال لها ( لا بدّ من هذه الخطوة ، ربما أموت ) وهذه الاجابة تربط ما بين حالة تصفية أملاكه ( الحاضر ) بالموت ( المستقبل ) ، فهو يمهّد لاستقبال الموت بتصفية أملاكه ، وهي الخطوة التي لا مفرّ من خوضها . ثمّ تعود النبرة التنبؤية لتتكرر في ردّ عابث يمزج الجدّ بالهزل ، حيث انفجر ضاحكاً عندما ألحت عليه كاثي بالزواج قائلاً ( تتزوجين من لا يعيش معك إلا بضع سنوات ) والهزل هنا لتدعيم الجدّ وتأكيده بأقصى مستوى من العفوية بما يقنع كاثي بصحة تنبؤاته المصيرية ، بعد أن فشلت النصوص التنبؤية الجادة في إقناعها بمصداقيتها  .
وتلعب ظروف تلقي المشهد السردي دوراً في التركيز على الأعمار ، وتحديدها ، حيث يُلاحظ أن التركيز على أعمار الأشخاص يتم عادة في المشاهد التي تتطلب نوعاً من التوقف والهدوء ، ومن ثمّ التأمل في مكونات المشهد وعناصره كافة ، وهذا الوضع يتيح الفرصة للراوي من خلال بطله المحوري من التركيز على الأشخاص واعمارهم ، ولذلك لا نجد في المشاهد السريعة والمتحركة وصفاً للأعمار ، بعكس المشاهد المتأنية والهادئة ، ففي بداية الرواية ، وتحديداً في الصفحة ( 13 ) منها تفصيل عن علاقة كاثي ب ( توم ) ، ولأن العلاقة في بدايتها كانت محتدمة ومرتبكة فلم يتسنّ للراوي تقدير عمر توم بالارقام تقديراً دقيقاً ، أو مقارباً للدقة ، فاكتفى بوصف العمر بمرحلته ( مراهق ) ، وبعد اجتياز الرواية لمنتصفها ، وتوجهها نحو النهاية ، صفحة ( 142 ) تسنى للراوي أن يوفر لكاثي فرصة للهدوء ، واسترجاع الماضي بروية ، لتكشف بأن عمرتوم المراهق كان يومئذ لم يكمل الثامنة عشرة .
وفي مشهد آخر ، يدخل عمر وكاثي مطعم ( أبو نواس ) العراقي في شيكاغو ( لم يكن في مطعم أبو نواس أحد إلا فوجينا النادلة الرومانية ، رحّبت بهما ، ثمّ تكلمت مع كاثي ) هكذا يمر بفوجينا دون أن يلتفت إلى عمرها ، لأن المشهد يمثل حالة دخول وحركة ، بينما يلتفت الراوي إلى أعمار الاشخاص حين تكون أمام بطلي الرواية فسحة للهدوء والتأمل ، ففي مشهد أخر يتوفر فيه مجال للهدوء والراحة وهما في وضع الجلوس في المطعم ذاته ، يتقدم منهما صديقه حسن صاحب المطعم ( تقدّم نحوهما ، في الخامسة والثلاثين ، مربوع القامة ، … إلخ . ص/91 ) .
ثمة مثل اخر لتطبيق هذا المبدا على شخص آخر هو العراقي ( جان ) ألبروفيسور في التاريخ والاثار ، فقد دار حديث طويل عنه ما بين عمر وجميل المصوّر ، وما بين عمر وكاثي ، وكل تلك الأحاديث كانت تدور في عجالة ، لم يتسن خلالها للراوي أن يمنح بطله عمَر فرصة التأكيد على عمْر جان ، وبعد صفحات طوال ، وبعد أحاديث متتالية عن الرجل ، جاءت الفرصة ليشغل عمر وكاثي بيت جان بطلب من جميل الذي يشغل البيت بغياب صاحبه ، من أجل أن يوفر جميل لعمر مكاناً هادئاً ومريحاً يخلو فيه لكتابة قصة الأطفال التي إتفق معه على كتابتها لصالح دار النشر البحرينية ، وفي البيت توفرت لعمر فرصة التركيز مقرونة بالهدوء ، لذلك عندما قدم جان إلى البيت فجاة ، واستقبله عمر ، تسنى له في غمرة ذلك الهدوء أن يركز على الرجل ، وعلى عمره ( جان في الخامسة والستين ، نشط ، سريع الحركة ، وسيم ، … إلخ . ص/128 ) ويُلاحظ أن تشخيص جان بدأ بمواصفة العمر ، فهي بعين الراوي سيدة المواصفات ، وربما هي أكثرها تصويراً للشخصية .
ألجزء الثاني : (أسدورا)
التركيز على طفلي أسدورا أرمانور وأرمانورا ساق الراوي إلى افتتاح هذا الجزء بأكثر من حزمة سردية مثقلة بصور من مرحلة الطفولة ، وبأعمار الأطفال ، فالرواية ما زالت في صفحاتها الأولى عندما دخلت إمرأة مكسيكية – وهي شخصية هامشية لن يتجاوز ظهررها الصفحة التي ذكرت فيها  – إلى محل سعدي المسمى ( كل شيء بدولار ) ومعها ثلاثة أطفال أعمارهم ما بين الثالثة والسادسة ، هذا التركيز الافتتاحي على العمر أعقبه تركيز آخر على ملامح طفولة ( أرمانورا ) وأخوها ( أرمانور ) ، عندما دخلا محل سعدي بصحبة والدهما ( أرماندو ) واستقبلهم بول – وهو عراقي يعمل مع سعدي في محله – فالطفلة أرمانور ( مدت يديها الصغيرتين إلى بول ما إن رأته ، كأنها تريد أن تطير إليه ، إبتسمت ، أسنان صغيرة تلمع كالؤلؤ ، سنان في الأعلى وأربعة صغار في الأسفل ، تناولها وهو يضحك ، كان بديناً بشكل تتعبه أية حركة يقوم بها ، أشارت إلى مصّاصة من الشيكولاتا ، نهض ببطء وهو يلهث ، ناولها واحدة بعد إزالة غلافها ، فيما أزال أرمانور الذي لا يتجاوز ثلاث سنوات كوفيته عن وجهه بيده . ص/9 ) أصداء هذا النص الافتتاحي تتردد حتى نهاية الرواية فالطفلان على مقربة من محاور الأحداث الأساسية ، وهما على تماس مباشر بابطال الرواية ( سعدي / أسدورا / سعاد / أرماندو ) ، وعندما يكون طفلان على هذا الثقل المعنوي من النص ، فيعني ذلك انهما سيلقيان ظلاً من ملامح سنوات الطفولة على الرواية برمتها ، فأمهما أسدورا إبنة عدنان ( صديق سعدي الأقرب من الأقارب ) ستهرب مع عشيقها وتترك طفليها مع أبوهما المكسيكي الذي عارضت عمتها سعاد زواجهما ، وطردتها بسببه من بيت العائلة ، ومع ذلك فاسدورا المولودة من أم مكسيكية ( عارضة الأزياء نورما ) عاشت طفولتها وردحاً من شبابها ما بين المكسيك وأمريكا ، ولم ترث من إلتزام والدها الأخلاقي والاجتماعي العراقي شيئاً ، تركت الرجل الذي أحبته ، وهربت مع عشيقها تاجر المخدرات موسى خليل إبراهيم الذي غيّر إسمه إلى ( أبرام كاليل موسيس ) ، وستقع مهمة رعاية طفليها على سعدي بعد ان لم يستطع زوجها المكسيكة مواجهة الموقف وأدمن على السكر .
وبعد أن يستغرق طفلا اسدورا في اللعب مع الاطفال الثلاثة الذين جاءت بهم أمهم المكسيكية إلى محل سعدي ( كل شيء بدولار ) ، يتذكر الراوي إنه تجاوز الأم ، فيرجع ليصفها واضعا نصب عينيه عمرها الصغير الذي يتخذ من حدوده الثلاثينية معياراً جمالياً ( ناصعة البياض مع احمرار طبيعي في الشفتين ، الخدين ، بالرغم من عدم وجود مكياج ، لكن لماذا يترهل الجلد هكذا حول رقبتها بالرغم من صغر سنها ، ربما في الثلاثين ) . فالعمر التقريبي الثلاثيني هو المظهر الأول لتركيز الراوي على التشخيص بالاعمار ، وقد سبق الرقم التقريبي بعبارة يقينية ( بالرغم من صغر سنها ) ، وصغر السن يفرض مواصفات غير التي تبدو على ظاهر الأم المكسيكية ، مواصفات ينبغي أن تكون اكثر جمالاً واكتمالاً ، وحين يؤكد عبارة ( بالرغم من صغر سنها ) بذكر العمر ( ربما في الثلاثين ) فهو يؤكد بذلك أن الخلل الذي شوّه الجسد هو أكبر مما تحتمله السنوات الثلاثون ، فالكاتب يعمل ميزانه الذي في أحدى جفنتيه سنوات العمر ، وفي الجفنة الثانية المواصفات الجسدية ، وإن أية إضافة على أية جفنة من الثنتين دون الأخرى ستخل بعدالة الميزان ، وتخلخل من مصداقية المعنى .
وينسحب ظل الطفولة الذي تركه طفلا اسدورا على سعدي ، فيتذكر أيام العيد في العراق ، رابطاً ربطاً ثلاثياً ما بين الذكرى الماضية ( أيام العيد ) من جهة ، وبين مرحلة عمره ( في الصغر ) يومذاك من جهة ثانية ، وبين مرحلة أعمار الراقصات في الحاضر ( الفتيات ) ، أللواتي يهيمن وجودهنّ على مشهد الحفل الذي يحضره من جهة ثالثة ( تذكر أيام العيد في الصغر ، حينما كان الحذاء يدمي كاحليه ، ينزعه ، يسير حافياً ، هنا أيضاً غير فتاة تسير ، يُرنحها الشرب ، وبيدها حذاؤها ذو الكعب العالي الأنيق ، تخطو حافية . ص / 30 ) ومن ثلاثية الذكرى هذه يخصص مرحلتين للعمر الأولى له ، والثانية لسواه ، وأبقى الثالثة لذكرى طواها الزمن الذي في إطاره تتلاقي كل المحطات ، سواء التي ذكرها ، أو التي تغاضى عنها .
ولكل موجودات الحياة نظامها الاشاري الموازي لنظام اللغة ، ولها مثلها القدرة على صناعة الرمز والمجاز والاستعارة ، ففي تمنيات سعدي لصديقته (ستيسي ) في حفل عيد ميلادها ( عيد ميلاد سعيد ، يوم تنفخين في البيت ، لا هنا ، الشمعة المائة ، وتزيدين عليها واحدة . ص / 23 ) ومن الواضح إن الشموع التي عناها سعدي هي سنوات العمر المديد الذي يتمناه لها ، وهذه الأمنية ترد في لغة التمنيات الشائعة لدى أغلب الأمم المتحضرة ، فالشمعة ترمز ( إلى الحياة الصاعدة ، فهي روح الأعياد الميلادية ، تُعدّ السنوات بالشموع ، أي بمراحل الانسان على طريق الكمال والسعادة ) (4) . ويتواصل الحديث متجهاً نحو حميمية اعمق بين الأثنين ، لتملأ ستيسي الفراغ في معادلة العمر التي وضع نتيجتها سعدي في أمنيته الرقمية ( لماذا تُعذبني ؟ أتريد مني أن أنتظر ثلاثاً وسبعين سنة ؟ ) وهذه إشارة استباقية إلى العمر تاتي من باب اللوم ، وكأنّ ستيسي تلوم سعدي على تردده تجاهها ، وتحضّه على الإسراع في إبداء موقف واضح يغيّر شكل العلاقة ما بينهما .
وتتوالى أحاديث العمر في الحفلة ذاتها بين الإثنين ، فيسالها سعدي :
( – أعمرُكِ ثمانية وعشرون ؟
–    نعم
–    لا يظهر عليكِ ، لا يُقدّركِ المرء بأكثر من عشرين )
هذا التقدير التراجعي فهمت ستيسي دوافعه الغزلية ، فضحكت ، وقالت له ( مُداهن ) فالمداهنة كما يبدو بين المحبين هي نوع من الغزل أداه سعدي تجاه صديقته باستخدام تقنيات تحديد الأعمار تراجعياً ، فأوصل بذلك رسالته بنفس الطريقة التي يصل بها المجاز اللغوي إلى متلقيه .
وتتكرر لعبة المداهنة على الأعمار بقلب الأدوار ، إذ تؤدي اللعبة في الدور المقابل ستيسي أمام سعدي ، فتسأله عن عمره ، ويجيب ( أربعون ) عندئذ لا تكتفي برد مجامل فحسب ، بل تبالغ مثلما سبق أن بالغ معها سعدي ، فتشهق ، وتجيب ( أربعون ، لا تمزح ، أنت لايظهر عليك العمر لا أنا . ص / 24) ، فيجيبها بأنها تجامله ، عندئذ تضعه تحت اختبار نسائي دقيق ، فاحصة رأسه لتتأكد أن ليس فيه شعرة بيضاء ، كما إنه لا يصبغ شعره . وتُقدر عمره مكذبة ان يكون في الأربعين ، ومتأرجحة بين احتمالين ، مع تقليلها لهامش المبالغة .
( لا ، أربعون كثيرة ، ربما ثلاث وثلاثون ، خمس وثلاثون في أقصى تقدير ) ويستمر الحديث مبتعداً حيناً ، ومقترباً أخر من منحى الأعمار ، حتى كانهما التقيا من أجل ذلك المنحنى المضطرب الذي يحاولان تعديل اضطرابه :
( – ألا تبحثين عن أصغر مني ؟
فتجيب
–    تعرف إن قلبي لن يتركك ، وقد اختارك لهذا اليوم  . ص/29)
وبعد أن أشبعا عمريهما أمنيات وجدالاً ومبالغة ومجاملات تركا البحث فيه ، لكن الراوي لم يترك البحث في الموضوع ، والاثنان ( سعدي وستيسي ) ما زالا في الحفل ، فقد دعته للشرب ، واراد ان يدفع هو عنها ، لكنها أصرّت ، ودفعت إلى نادلة ( تبدو وكأنها لا تتجاوز الثامنة عشرة ) .
وكما لاحظنا فيما سبق كيف أصبحت الشموع إشارة في نظام دلالي لها علاقة الرمز مع سنوات العمر ، تتكرر الحالة في إحتفال أسدورا بعيد ميلادها ، فالمحتفلون ( كانوا يحملون كعكة كبيرة قطرها متر كامل ، وبعدة طبقات ، إنبرت ماريا تيريزا وخافيير وامرأتان أخريان لتنظيف المائدة ، وضعوا ثمانية عشر شمعة كلها حمراء . ص / 91 ) . ولكن انتقال بؤرة السرد إلى الحفل ستسبقه وتعقبه أحداث متسارعة تترك آثارها على كل الأبطال الأساسيين ، ففي عمر الثامنة عشرة ستكشف أسدورا لسعدي – وهو من اقرب المقربين إليها بعد عمتها سعاد – عن قصة حب غير متكافئة لها – وهي بنت المليونير الراحل عدنان – مع أرماندو العامل الزراعي المكسيكي الذي تعرفت إليه خلال الفترة التي كان يعمل فيها في أحدى مزارع والدها في المكسيك قبل وفاته ، وعندما سألها سعدي عن السبب الذي دعاها لإخفاء الأمر عن والدها إجابت ( قلتُ لا داعي للعجلة ، سأفعل عندما أبلغ الثامنة عشرة ) ، فهذا العمر كان على ما يبدو سنة البدء التي حددتها لتنفيذ مخططها للتحرر من حياتها الرتيبة . وبعد أن كشفت السر لسعدي طلبت إليه أن يبذل كل ما بوسعه لجلب حبيبها من المكسيك إلى شيكاغو بطرق غير شرعية ، وقد نجحت جهود سعدي واجتمع الحبيبان .
وجاءت ساعة المواجهة بين أسدورا وعمتها سعاد في ليلة عيد ميلاد أسدورا الثامن عشر ، حيث ستتكشف فيها علاقتها بأرماندو ، بينما كانت سعاد تنوي في تلك الليلة إعلان خطبة أسدورا على سعدي ، وفي ليلة انقضاء سنة والدخول في أخرى من عمر أسدورا ، كان سعدي في محكمة نفسه يُعمم قرار البراءة الذي أصدره على أسدورا على كل الفتيات في البيئة الأمريكية ، منطلقاً من أحقيتهن في الإستفادة من فرصة الحرية التي يمنحها لهن عُمر البلوغ ( من المستحيل لفتاة تعيش في بيئة أمريكا أن تضبط نفسها إلى ما لا نهاية . تجاوزت الثامنة عشرة . أصبحت الكلمة لها وحدها  . ص 73 )  . ولكن العلاقة الرمزية ما بين الشموع وسنوات العمر ، ليست سوى تمنيات لا تتحقق دائماً ، فشموع التمنيات سرعات ما انطفأت وحفلة عيد ميلاد أسدورا ما زالت في بدايتها ، فانكشاف سر العلاقة ما بينها وبين أرماندو أمام عمتها إدى إلى كارثة لأسدورا ولمستقبلها لم تكن قد تحسّبت لها ضمن مخططها السري لاستثمار سنوات عمر البلوغ كبوابة للحرية ، فقد طردتها عمتها من بيتها ، وانقطعت العلاقة بينهما إلى الأبد ، وستبدأ اسدورا منذ ليلة العمر الثامنة عشرة تلك مرحلة السقوط إلى الحضيض .
ولسعدي في الرواية أكثر من عمر ، فالراوي يتابع مسيرة حياته في اكثر من مرحلة ، ولكل مرحلة عمرها بدءاً من ولادته ونموه وهجرته إلى أمريكا ( عندما جاء من العراق ، وهو مراهق أنهى الثانوية ، كان يقتله الكبت ) ومعيار العمر هنا المرحلة وليس السنوات ، ثم يتكرر الرصد باكثر من مؤشر ( بالسنوات والعقود والمراحل ) أو يؤشر هو بنفسه على مسطرة عمره ( عشرون عاماً في شيكاغو ولا أدري أن هناك دروب مآس كهذه . ص/32 ) وبذلك أضاف إلى سن المراهقة – الذي جاء به إلى أمريكا ، والذي يعرف الجميع حدوده –  عشرين عاماً ، ليمكّن القاريء من احتساب وتحديد عمره في اللحظة التي ورد فيها ذلك الملفوظ . ويُكرر الراوي ذات المعلومة بشكل آخر ، وهو يصف صديقة سعدي المكسيكية ماريا تيريزا ، المثقفة والشاعرة ( عندما جاء في سنة 1978 إلى شيكاغو كانت فاتنة ، بالرغم من قصرها . ص/ 38 ) ، وهذه السنة اخطأ بها الراوي في الصفحة ( 75 ) فجعلها سنة ( 1979 ) وهو يتحدث عن علاقة سعدي بسعاد ( هل يُصارحها إنه أحبها ما إن رآها أول مرة حينما جاء من العراق سنة 1979 ) .
وتتكرّر متابعة الراوي لعمر سعدي عبر تطورات مراحله المختلفة ، فعندما أرادت له سعاد خطبة أسدورا إبنة أخيها المتوفي عدنان ، نهاها بدواعي الفرق الكبير بين عمريهما ( لا تفعلي رجاءً ، عمري سبع وثلاثون سنة ، وهي ستبلغ اليوم الثامنة عشرة . ص/75 ) كل تلك السلسلة من التمظهرات تحيل إلى عمر رجل واحد ، مع التركيز على أن تاريخ القص هو الشهور الأخيرة من عام 2002 ، وبذلك يقدم الكاتب جملة معطيات تمكّن من إجراء عملية حسابية بسيطة للكشف عن عمر سعدي وقت كتابة الرواية . وعندما لا يضطر الراوي لذكر عمر سعدي في مرحلة ما من حياته ، يضطر للالتفاف على الرخصة التي منحها لنفسه مستعيناً للتدليل على العمر بإشارات من صنف آخر ، تؤدي دور السنوات في حساب ما انقضى من العمر ، فالراوي يتحدث عن سعدي عندما كان لم يزل بعد في بغداد ، وكانت سعاد تتصل بأسرته دائماً من أمريكا لمتابعة أخبارها ، ولحث سعدي على إكمال دراسته والالتحاق بها وبأخيها عدنان ( يأتي صوت سعاد ، تهلل في التلفون ، تتصل بهم كل يوم ، جنّت من الفرح ، أخذت تزغرد عندما سمعت إنه نجح إلى السادس العلمي ) ويتواصل المشهد مع سعاد عبر الهاتف ( غمضة عين وتنتهي السنة ، تأخذ شهادة الثانوية ، تترجمها ، تصدّقها ، تجد التأشيرة جاهزة ) وما ( السادس العلمي ) و ( غمضة عين وتنتهي السنة ) إلا  إشارات على مسطرة الزمن يحدّد من خلالها الراوي مرحلة ما من عمر سعدي . ولكن هذه السنة المتبقية يفتتها الراوي كما يُفتت كتلة صلبة من الرمل ، ويترك القاريء يجمع ما تفتت ، وتبعثر من تلك الكتلة لإعادة احتساب الزمن المتبقي من السنة التي تُضاف إلى عمر سعدي من أجل أن يستعدّ للسفر إلى أمريكا ملتحقاً بعدنان وأخته سعاد .
ومثلما كان العمر في الجزء الأول من الثلاثية بوابة لاسترجاع الماضي ، تنفتح سنوات العمر في الجزء الثاني كبوابة للاسترجاع ، فسعدي ما زال يتذكر أول لقاء له بسعاد بعد وصوله إلى أمريكا ، كان يحبها حباً جماً ، ويُمني النفس بالاقتران بها ، بالرغم من إنها تكبره بخمسة عشر عاماً ، وهذا الفرق هو عمْر بحد ذاته ، يفصل ما بين عمْرين ، عمْر سعاد من جانب ، وعمْر سعدي من جانب أخر ، وما زال هذا ( الرغم – الفاصل ) يتسع نفسياً لدى سعاد ، فتحجم عن التفكير في أية علاقة محتمله لها مع سعدي ، فهي ترى نفسها بمنزلة أمه ( أنت إبني الوحيد ، الغالي ، كنت أحملك على يدي هاتين عندما كنتَ صغيراً . ص/75 ) بل انها كانت تريد لفاصل الأمومة المفترضة هذا أن يصبح حقيقة موثقة بعقد زواج رسمي كانت تخطط له يجمع ما بين سعدي وابنة شقيقها المتوفي عدنان التي تصغر سعدي بفارق أكبر من الفارق بينه وبين سعاد ، لتخطو علاقة أمومتها المفترضة لسعدي خطوة باتجاه التحقق . أما من جانب سعدي فقد كان الفاصل الزمني بين عمره وعمر سعاد يضيق مع مرور الأيام ، حتى يكاد يتلاشى نفسياً .
وفي هذا الجزء من الثلاثية حتى القتلة لهم سجلات لأعمارهم ، فالشخص الذي إرتكب مجزرة عائلة عدنان ، وقتل أبويه ، كان يُدعى ( عدنان إسماعيل ) ، له سجل جنائي محفوظ في ذاكرة الضحايا ، فسعاد تكشف لسعدي اسرار مجازر الموصل عام 1961 ، والجهات التي كانت تمول القتلة ( الكثير ، ألC . I . A   ، المخابرات البريطانية ، سوريا ، إيران ، الدول المجاورة ، كل العالم يريد زعزعة الحكم في العراق ) أما المتورط بقتل اسرتها ( فقد اشترى سيارة مرسيدس وهو لا يتجاوز الثامنة عشرة . ص/ 83) طبعاً من الأموال التي تلقاها عن تنفيذ عمليات القتل .
ومرة أخرى يعود سعدي إلى الماضي عبر بوابة الأعمار مع وقوفه أمام قضاته في المحكمة التي تحكم في قضية رعايته لطفلي أسدورا أرمانور وأرمانورا ، ، مدافعاً عن نفسه أمام اتهام أحد الشهود له ، وهو الضابط ( زانوفسكي ) بحادثة اختطاف زوجته ، وتتداعى ذاكرته مسترجعة الماضي ( ظنّ الزمن طوى الحادثة ، كل ما يتعلق بها إلى الأبد ، عادت ، كم كان عمره أنئذ ، ستة وعشرون عاماً ، يا لها من فترة تعيسة . ص/155 ) وهنا عاد سعدي يقلب ملفات مراحل العمر المطوية ، ليجد فيها نفسه عندما كان في السادسة والعشرين ، ولكن مرحلة العمر هذه لم تُذكر خالصة لذاتها ، أو لأجل استكمال شروط التشخيص ، ولكن لربطها بحادث ما وهو بداية علاقته ب ( أشلي ) . ومع مضي الرواية باتجاه النهاية يسترجع سعدي حكاية علاقته بأشلي ، المنفصلة عن زوجها الضابط زانوفسكي ، وإلقاء القبض عليه من قبل زملاء زوجها السابق في شقته واقتياده لمركز الشرطة ، وهناك تنشط ذاكرة الإسترجاع مستعيدة الأشخاص المرتبطين بالحادث مقرنة كل واحد منهم بعمره ، وأولهم زانوفسكي ( في مركز الشرطة سمع سعدي باسم زانوفسكي للمرة الثانية ، ورآه ، كما توقع من الملابسات الرهيبة المقلقة إنه زوجها المحب ، الغيور ، بنفس عمره تقريباً ، أطول منه قليلاً . ص/174 ) وكلمة ( نفس ) هنا أدت مهمة جهاز الاستنساخ ، فهي نسخت عمر سعدي نسخة أخرى قدمتها للضابط زانوفسكي فصار الاثنان من ( نفس العمر ) . وفي زنزانة الحجز ، حيث وضع سعدي كان بضعة مكسيكيين ( أحدهم لا يتجاوز الرابعة عشرة ، والثاني في خمسينياته ، ببزة الموسيقيين السوداء ) . كانت أشلي برفقته إلى مركز الشرطة ( وقفت أشلي قرب الاستعلامات ، حيث ضابط شرطة ذو ملامح لاتينية لا يتجاوز الخامسة والعشرين ) هذا التركيز المكثف على موضوعة الإعمار هو من مشهد واحد فقط هو مشهد اقتياد سعدي لمركز الشرطة ، ومن صفحة واحدة ( 174 ) ، وما إن نتخطاها إلى الصفحة التالية لنتابع وصول محامي أشلي لنجدة سعدي الذي يراه لأول مرة ، لكنه يرى منه أول ما يرى ملامح سنوات العمر ( محاميها في الخمسين ، أشقر شقرة غامقة مع بشرة بيضاء . ص/175 )
لكن سنوات العمر التي لم يجد الباحثون عن السعادة ما يرمز إليها في التوهج أملاً واستبشاراً سوى الشموع ، ستصبح لدى سعدي التعيس دالة على تاريخ البكاء ، فعندما أخذت الشرطة الطفلين أرمانور وأرمانورا منه ، وهو يحبهما غاية الحب ، وفاءً لذكرى جدهما عدنان ، وأخته سعاد ، وأمهما أسدورا الغائبين ما بين الموت والبُعد ، بكى كثيراً ( كم مرة جللك مثل هذا الحزن ؟ مرة واحدة منذ أن بلغت الثامنة عشرة وحتى الأن ، عندما توفي عدنان فقط . ص / 149 )
وعلى مقربة من نهاية هذا الجزء تعود سيمفونية الأعمار لتكثف ألحانها من جديد في حديث حميم ما بين سعدي وصديقته ستيسي ، وكأنهما لم يُنهيا كل ما كانا قد ابتدآه من قبل :
( – أتمنى أن ابقى معك طول العمر
–    عمر مَن ؟ عمري أم عمركَ
–    – بل عمركِ )
ولأن التمنيات الحلوة لا تتحقق دائماً ، تستدرك ستيسي الحديث من أجل إيقاظ صديقها من أحلامه ، وإخراجه من دوامة التمنيات إلى متعة الحقيقة الفاعلة
( – يا لك من مخادع
–    لماذا ؟
–    أنسيت أنكَ تمنيتَ لي مائة سنة وسنة ؟ ) ص/ 206
وعلى مشارف النهاية كان الراوي يستعدّ لختم الأحداث بنهاية تليق بمتواليات الأعمار ، فأرماندو زوج أسدورا التي هجرته وهربت مع رجل آخر ، لم يعد يقوى على مواجهة الخيانة ، فيدمن الخمر إلى درجة الغيبوبة ، ويحمله سعدي إلى  المستشفى ، وهناك تعينه ممرضة على دفع النقالة التي يرقد عليها أرماندو ( دفعت النقالة بنشاط إلى غرفة طبيب في الخامسة والأربعين . ص/219 ) وهناك يموت أرماندو تاركاً طفليه الجميلين بيد القدر ينازعه عليهما سعدي الطيب القلب . وبختام أخر صفحة من عمر أرماندو يختم الراوي الجزء الثاني من الثلاثية .
الجزء الثالث : ( زيطة وسعدان )
الاسترجاع عند محمود سعيد سليقة حاضرة في كل الأوقات ، واستحضاره لا يتطلب مسوغات كثيرة ، ولا تمهيدات منطقية ولا تهيئة للقاريء من أجل أن يتقبّل حالة الكسر المفاجيء  للسياق ، تكفي مفردة واحدة تمرّ عفوَ الخاطر على بال الأبطال لكي تُرجعهم سنوات إلى الوراء ، فسعدان الذي كان قد اطلق تسمية زيطة على نيكول هياماً باجتماع النقيضين في جمالها الساحر : بشرة بيضاء ناصعة ، وشعر بسواد فاحم ، يعود مرة أخرى ليبحث لها عن تشبيه آخر ، فلم يجد اصدق من وصفها  ب ( حورية هربت من الجنة ، والملائكة تفتش عنها ) هذه الصورة المفاجئة أوجدت في مقابلها مفردة تطلبت منه أن يعود سنوات إلى الوراء ، فالملائكة تفتش عنها كما كانت مفارز الانضباط العسكري – التي يسميها العراقيون بالانضباطية – تفتش عنه أيام كان في العراق . لقد أوجبت عبارة ( الهروب من الجنة ) وجود عبارة ( التفتيش عنها ) وهذه بدورها اوجبت وجود كلمة ( الانضباطية ) في ذاكرة تختزن لكل عبارة أو لكل كلمة من تلك سياقاً ما من التداعيات ، بيد إن أكثر من مفردة ، وأكثر من حادثة ، واكثر من كلمة ستكون كلها البوابات التي يدخل عبرها سعدان إلى متاهات الذاكرة ، وتطوع الزمن لانزياحات تأخذ اكثر من مظهر ، بيد ان أكثر المظاهر بروزاً هو العودة إلى الماضي من خلال الأحداث ، سواء من حالة اليقظة ، أو من حالة النوم ، وسواء في هذه الحالة أم تلك ، فما يدور في رأسه من أحلام الحالتين هي ذات الأحلام أو الكوابيس التي تدور في خلد شباب العراق الذين عاشوا تجارب الحروب والدمار معايشة مباشرة ، وتلك الأحلام تقع ضمن ما يسمى بعلم النفس بالأحلام النموذجية ( وهي الأحلام الواسعة الانتشار التي يحلم بها عدد كبير من الناس بطريقة متشابهة ) ( 5 ) ، والحلم النموذجي الذي يتكرر مع ( سعدان ) دائماً هو انعكاس للتداعيات التي أعقبت أحداث ما سُمي بحرب الخليج الثانية في مدينته الجنوبية ، ومشاركته غير المنظمة فيها ، ولكن المُجتزا من تفاصيل هذا الحلم النموذجي يتغير دائماً تبعاً لتغيرات الحدث الحاضر الذي يجرّ ذاكرة سعدان معه إلى الماضي ، فمرة يأتي التركيز على سيارة سعدان الفولكا القديمة التي لعبت دوراً أكثر فعالية مما تبدو عليه من حطام ، ومرّة أخرى يركز على فترة لجوئه إلى معسكر رفحاء ، ومرّة ثالثة على تفجير مركز الشرطة ، وهكذا تضاف مع كل حلم يقظة بصمة جديدة إلى الحلم القديم ذاته . والملاحظ إنه بعد انتهاء حالة حلم اليقظة ، لا يعود سعدان إلى الحاضر من النقطة التي قطع منها سلسلة أحداثه ، بل يذهب إلى منطقة أخرى ليبدأ منها السرد من جديد . وضمن منطقة الاسترجاع يواجهنا نص تتداعى عبره ذاكرة سعدان في منطقة قريبة نسبياً من منطقة الحاضر تعود لأيامه الأمريكية ، حيث يسترجع الأيام الأولى لتعرفه بإحدى صديقاته ، وهي البوسنية ( أمينة ) في شيكاغو ، لكنه نسي هذه المرة أن يدخل إلى شخصيتها عبر بوابة العمر ، وهي من المرات النادرة التي يتلافى فيها الراوي هذه البوابة الستراتيجية ، ومع ذلك فهو يذكر مواصفاتها الشكلية الأخرى ، ومن حيث لا يقصد تخمين أو تحديد العمر يقترب من هذا المدخل إلى أقرب مسافة ممكنة دون أن يدخله ( ذقنها صغير جداً ، يكاد يختفي تحت الشفة ، يشبه ذقنه لكنه أجمل ، ربما كان هذا سبب الانطباع الذي يتولد عند الرائي بتدني نسبة الجمال ، يُعطي الأخرين انطباعاً بأنها أكبر من عمرها بضع سنين . ص / 157 ) لقد أشرك الأخرين معه في لعبة تخمين الأعمار ، ولكنه لم يُبقهم عند حدود التخمين ، بل تجاوزه مفترضاً بأنهم يعرفونها تمام المعرفة صورةً وعمراً ، وأن الإنطباع الذي يتشكل لديهم عنها جراء المقارنة ما بين عمرها وصورتها ، يُظهر بأن الصورة أكبر من العمر ، ولكن تُرى كم كان عمر أمينة ، والراوي لم يذكره لنا لحد الأن ، وليس لنا من سبيل لنسأل عنه أحد أؤلئك الأخرين الذين أتى على ذكرهم ، وما الذي كان يعنيه بإسم التفضيل ( أكبر ) وهو لم يوفر لنا ما نقارن معه لنقيس الكبر ، والجواب على كل تلك الاسئلة سيأتي لاحقاً ، لأن الكاتب لم يغفل في الحقيقة عمر أمينة ، ولكنه أرجأه إلى الفرصة التي يتاح فيها لأمينة ذاتها أن تُصرّح به ، دون أن يترك لسعدان أو للراوي أن يخمنانه ويخطآن ، فبعد النص السابق بأكثر من ثلاث صفحات يعرض  الراوي نصّاً حوارياً ما بين سعدان وأمينة تميط فيه اللثام عن عمرها :
( – إذن سأدعوك أنا وخطيبي إلى حفلة الهيلوين غداً ، ما رأيك ؟
–    خطيبك ؟
–    نعم ، أفي الأمر شيءٌ غريب ؟
–    – إضطرب ، ثم ضحك ليبدد إضطرابه : لا ، رأيتكِ صغيرة ، قلتُ غير مخطوبة
–    – إبتسمت ، لستُ صغيرة ، عمري إحدى وعشرين سنة  )
وفي هذا الجزء من الثلاثية تبرز ظاهرة شمول الأعمار بلغة الشفرات التي يجيدها الكاتب إجادة تامة ، فلم يعد يضطر أن يُنبّه القاريء بأن الرقم المجرّد المصفوف ضمن سلسلة المواصفات الشخصية لشخص ما هو عدد سنوات عمره ، فعلى مدى الجزأين السابقين افلح في أن يروّض ذاكرة القاريء على تقبّل ، وفهم ذلك الرقم باعتباره عدد سنوات العمر ، وعلى هذا المنوال يصف الراوي دخول سعدان إلى ( مقهى الأفق ) العراقي في شيكاغو ، ومواجهته للنادلة الحسناء ( ملامح مكسيكية مألوفة ، أين رآها ؟ ثماني عشرة ، عشرون ، لا أكثر ، قميص بوبلين أبيض ، رجالي … ألخ ص / 86 ) ، ولكن لغة الشفرات تلك قد تسمح أحياناً للكاتب – الراوي ان يستعين بحرف جر يسبق الرقم ، ممهداً عبر تلك الصيغة للقاريء تقبّل الرقم كعرف لغوي على إنه إحالة إلى سنوات العمر ( ثمّ ظهرت شابة في الخامسة والعشرين ، ما إن بدت حتى توقفت الموسيقى . ص / 105 ) وفي الصفحة ذاتها ( أشارت العروس إلى شاب في بزة سوداء ، في نحو الثلاثين ، تقدم منها . ) وفي كل مثل من المثلين السابقين إشارتين إلى العمر ، الأولى معبر عنها بمرحلتة ( شابة ، شاب ) والثانية معبر عنها رقما ( في الخامسة والعشرين / في نحو الثلاثين ) وإن كانت الإشارة الرقمية الأولى دقيقة ، بينما الثانية تقريبية بدلالة عبارة ( في نحو ) التي تسبق الرقم .
وقد يستخدم التقنية ذاتها ( العدد في موضع الجر ) لكنه يضعه في مستوى ما ضمن سلسلة من المواصفات ، وفي المثال التالي يضع المواصفة العمرية في المستوى الرابع ، بعد ثلاث مستويات من الصفات الخارجية : الطول / السمنة / حالة الشعر / ثم العمر ( شخص طويل – المستوى الأول – مكرش بعض الشيء – المستوى الثاني – شعر خفيف أسود – المستوى الثالث – في نحو الأربعين – المستوى الرابع – ص / 116 ) وأحياناً تضاف مستويات اخرى كالجنسية والإسم ، وها هو سعدان يصف المعلمة في المدرسة التأهيلية المتخصصة بتعليم الطلاب الأجانب الكبار القادمين إلى أمريكا اللغة الإنكليزية ( ألمعلمة نفسها لا تتغير ، رومانية ، مسز سالينا ، في الخامسة والأربعين ، بيضاء ، شعر قهوائي . ص/ 117 ) وهذه التقنية العمرية كثيراً ما يعتمدها الكاتب  في ثلاثية شيكاغو ، لكنه يُطورها ، ويُضيف إليها ، ويكثف من استخدامها في الجزء الثالث تحديداً ، ولعل النص المركب التالي أحسن مثال على تطويره وإيثاره لهذه التقنية التي يستخدم فيها أكثر من مستوى من الصفات مع أكثر من تقنية للتعبير عن العمر ، فبعد أن وصف سعدان – من خلال الراوي – في المثال السابق المعلمة ، ها هو الأن يُكمل وصف الطلاب في المدرسة التأهيلية ذاتها ( أما الطلبة فكانوا لا يتجاوزون الخمسة عشر ، لكنهم قلما يحضرون جميعاً ، ثلاث فلسطينيات كلهنّ متزوجات ، محجبات ، إحداهنّ في الخمسين ، ألثانية في أربعينياتها ، ألثالثة في العشرينيات ، طويلة جميلة ذات عينين واسعتين ساحرتين ، تأتي مع طفلة لا تتجاوز السنتين ، تضعها في صف حضانة للصغار . فيتنامية في الثامنة والأربعين ، تضع إبنها ذا الثلاث سنوات في صف الحضانة أيضاً ، تبدو وكأنها لم تتجاوز الثلاثين . هنديتان . ثلاث بوسنيات. أخرى من بنغلاديش . ثانية من منغوليا ، نحيفة ، ذات عيون لوزية صفراء ، طويلة ، ساحرة ، بشرة صفراء ، شعر قهوائي . مكسيكي واحد بنفس عمره تقريباً – أي بنفس عمر سعدان – لكنه أقصر ، متين البنيان . هندي نحيف اكبر منه بسنتين – أي اكبر من عمر سعدان – سائق تكسي مثله – اي مثل عمر الهندي – ثمّ مكسيكيتان ، قصيرتان ، إحداهما متزوجة ، والثانية عزباء . ص/117 ) في هذا النص وصف أعمار ثلاث طالبات فلسطينيات حدد أعمارهن على وجه التقريب مستخدماً العقود الزمنية ، في الوقت ذاته أدخل عمر الفلسطينية الثالثة ضمن المستوى الأول من سلسلة مواصفاتها ، وخصص المستوى الخامس ( الأخير ) لإبنتها محدداً مرحلة عمرها ( طفلة ) وعدد سنواته على وجه التقريب ( لا تتجاوز السنتين ) . وهناك تحديد دقيق لعمر الطالبة الفيتنامية فهي في الثامنة والأربعين ، وشملت الدقة أيضاً عمر إبنها الذي وصف عمره بمرحلته ( طفل ) وبالسنوات ( في الثالثة ) ، ولم يكتف الراوي الواصف بهذا ، فعاد مستدركاً إنها تبدو لم تتجاوز الثلاثين ، ساحباً تقديره ثماني عشرة سنة إلى الوراء ، ومع ذلك لم يقتنع بهذا التخفيض الكبير فسبقه بفعل مضارع مجزوم ب ( لم ) وكأنه يريد – لولا وجود مانع ما لا نعرفه – أن يكون أكثر كرماً في تخفيض عمر تلك السيدة . وعندما يصل سعدان – على لسان الراوي – إلى الطالبين المكسيكي والهندي ، يتخذ من عمر سعدان وحدة قياس معيارية لقياس أعمارهم ، فالطالب المكسيكي بنفس عمر سعدان ، بينما الهندي أكبر منه بسنتين ، وحين يجيء إلى سائق التاكسي ( من دون أن يحدد جنسيته ) يتخذ من عمر الهندي وحدة للقياس .
هناك عمر محايد ، وهو العمر المشترك بين اثنين ، والذي لم يُحدد الشريكان عدد سنواته ، لكنهما عاشاه معاً ، وهذه الصيغة العمرية المبطنة ترد في حديث رياض وهو يلوم صديقه سعدان على سلوكه المزاجي المتقلب في تعامله مع صديقاته ( إحتدم صوت رياض : قضينا العمر معاً ، أعرف كل دخائلك ، أنت هوائي متقلب ، كل لحظة أنت في شأن . ص/ 52 ) في هذا النص لا يركز المتحدّث رياض على عمره ، ولا على عمر سعدان ، ولا يقارن أو يربط بين العمرين ، ولا يحدد عدد السنين التي قضياها معاً سواء في العراق أو في مغتربهما الأمريكي . إضافة لذلك إن مفردة ( العمر ) الواردة في النص غير متصلة بضمير من أي نوع كان ، لا ضمير المتكلم ( رياض ) ولا ضمير المخاطب ( سعدان ) بل هي مفردة محايدة ، لكل واحد من الإثنين نفس النصيب فيها ، على عكس الفعل الماضي الذي سبقها ، والذي إتصل به ضمير الفاعل الجماعي ( نا ) الذي يعود لكليهما ، تأكيداً لحصتهما المشتركة من ذلك العمر ، وهذا تصريح على أنهما من نفس العمر ، او إنهما في حدوده . وإن كان الراوي قد غفل على مدى الرواية ألتصريح بعمر رياض ، إلا إنه تتبع عمر سعدان في أكثر من مرحلة من مراحله ، وآخر قراءة لعمره كانت في المرحلة التي بدأ معها تاريخ القص ، وقد وردت في نص يتحدث فيه سعدان عن الفتاة العراقية التي جاء بها أهله إلى دمشق لعقد قرانهما هناك ، فعمرها ( ثلاث وعشرون سنة ، أصغر مني إثني عشر سنة . ص/87 ) وبجمع العمر والفارق يكون عمر سعدان حتى تاريخ القص خمسة وثلاثين عاماً . وبذلك فإن الإشارة في نص رياض السابق تؤكد إن رياض في هذا العمر ، أو بحدوده كما سبق أن بينا . ولكن من الناحية التداولية فإن عبارة ( قضينا العمر معاً ) تضمر خطاباً داخلياً يحيل إلى ما يقرب من قول رياض ( أعرف كل دخائلك ) ولكن تضيف إليها مضمرات اخرى تفيد الادانة لتكون العبارة قريبة من صيغة ( لا تُكذّب إتهامي لك ، فإني أعرف خوارجك ودخائلك جيداً من خلال العمر الذي عشناه معاً ) .
ولعل أغرب نماذج الأعمار التي نختم بها ، هي أعمار الحيوانات والجمادات ، ووجدنا ثمة أمثلة لها في الجزء الأول ، ولكن هذا الجزء يحوي مثالاً لا يقل عنها غرابة ، ففي النص الذي سنأتي عليه لا يرصد الراوي أعمار الكلاب ، بل أعمار أنسالها عبر شجرة عائلتها ، فعندما كلفت مديرة الإدارة في الفندق الذي تعمل فيه أولكا صديقة سعدان أن يشغلا بيتها خلال فترة سفرها مع زوجها إلى المكسيك ، نصحتهما أن يهتما بكلبها الذي هو ( من سلالة عريقة ، عندنا شجرة العائلة ، لأكثر من أربعة قرون . ص/182 ) وقد أتاحت هذه الملاحظة لسعدان أن يسخر من نفسه مقارناً ما بين الاهتمام بأنسال الكلاب في الغرب ، وإهمال أنسال الإنسان في مجتمعاتنا ، متمتماً مع نفسه ( أفضل مني ، لا أعرف أي شيء عن شجرة عائلتي ) وأيدته المرأتان : أولكا ونورما وهما تضحكان .

ألملاحق :
ملاحظات أولية :
1 – ألحقل المخصص للصفحات هو الحقل الذي تعلن فيه الشخصيات عن أول ظهور لها في الرواية ، ولا علاقة لظهور أعمار الشخصيات الاساسية او الثانوية بهذا الحقل ، فأعمارها لا تظهر في حقل الاعمار المقابل لحقل ( الصفحة ) إلا نادراً ، بينما تظهر أعمارها في صفحات تالية للارقام المثبتة في حقل ( الصفحة ) . وعدا الشخصيات الاساسية والثانوية تظهر اعمار الشخصيات الهامشية دائماً في حقل الاعمار المقابل لحقل ( الصفحة ) .
2 – تم حذف بعض الاسماء المجردة من الجداول ، والتي ليس لأصحابها وجود وظيفي فاعل ،  ولم تتردد اسماؤهم سوى مرة واحدة ، مثل أسماء الأرامل في الصفحة (5) من الجزء الثاني .
3 – بعض الشخصيات الاساسية والثانوية حظوا في الروايات بمتابعة عمرية لأكثر من مرحلة من أعمارهم ، مثل أسدورا وسعدي وماريا تيريزا في الجزء الثاني ، وقد تم تثبيت أعمارهم في تاريخ القص .
4 – المعلومات الخاصة بكل شخصية أستلت من أكثر من صفحة ، ولا توجد معلومات متكاملة لكل شخصية في صفحة واحدة إلا للشخصيات الهامشية .
5 – بعض فقرات حقل ( الشخصية ) تضم أكثر من إسم ، وهذه الحالة تتعلق ببعض الشخصيات الهامشية التي تؤدي فعلاً نمطياً واحداً .
________________________________
( 1 ) مقالات في التنضير والنقد الفني / شاكر حسن آل سعيد / دار الشؤون الثقافية – بغداد / 1994
( 2 ) أنا النقطة فوق فاء الحرف / شاكر حسن آل سعيد / دار الشؤون الثقافية –
( 3 ) تحليل الخطاب الروائي / سعيد يقطين / المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء– المغرب / 2005بغداد / 1998
(4) معجم الرموز / د. خليل أحمد خليل – دار الفكر اللبناني
( 5 ) الأحلام النموذجية ودلالاتها التنبؤية – نجيب يوسف بدوي – دار المعارف – القاهرة / 1960

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد الاحمد.. السرد المشوش؟

*الاضطراب الذي يصاحب الافكار، وبحسب ما يشير يونغ، انما هو غياب تام لتحديات الوعي، وبلبلة …

صباح هرمز: رواية بيريتوس لربيع جابر

تبدأ الرواية بالسرد الذاتي على لسان الشخص المزمع أن يكتب هذه الرواية، بوصفه روائيا معروفا …

جغرافية المكان في الشعر العراقي
قصيدتا الشاعرين: الزويد وسرمد أنموذجاً
بقلم: د. وليد العرفي

تهدف هذه المقاربة إلى دراسة دلالات المكان بما يحمله من إشارات رامزة ومضمرات تكشف عن …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    شكرا جزيلاً مرة أخرى
    دمت لنا
    محود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *