حسين سرمك حسن : حول مقالة “النص الملعون وجدار العزلة النقدية” للأستاذ “ناطق خلوصي”:
لم تكن هناك عزلة نقديّة

نشر ملحق ألف ياء الزمان الغراء في عدد يوم (18/2/2013) ، مقالة نقدية عنوانها “النص الملعون وجدار العزلة النقدية” للروائي والناقد الأستاذ “ناطق خلوصي” قال فيه نصّاً :
(استعير عبارة النص الملعون من عنوان المقدمة التي كتبها فؤاد التكرلي لروايته “بصقة في وجه الحياة” ، لأتحدث عن هذه الرواية التي يبدو لي أنها أحيطت بجدار من العزلة النقدية ، في العراق على وجه الخصوص ) .
وعبر أكثر من ثلاثة عقود اعتدنا على دقة الأحكام النقدية التي ينشرها أستاذنا خلوصي في شتى الموضوعات التي يكتب عنها ، خصوصا سلسلة المعلومات التوثيقية السيرية التي نشرها على صفحات ملحق ألف ياء عن كتاب عراقيين كثيرين مثل عبد المجيد لطفي وفؤاد التكرلي ومحمود سعيد وموسى كريدي وذنون ايوب وغيرهم . ولكنني أعتقد أن الأستاذ خلوصي لم يقدّم الصورة كاملة عن الإستقبال النقدي لهذه الرواية الخطيرة من جانب ، وإدراك الإبعاد المستترة من موقف التكرلي ومقدمته التي كتبها للروايةلتبرير تأخير نشره للرواية . فلم تحط رواية التكرلي هذه بجدار من العزلة النقدية ، فأنا – على سبيل المثال – من النقّاد العراقيين الذي كتب دراسة طويلة عن رواية التكرلي هذه في عام 2010 لتكون فصلا من الجزء الثاني من مشروعي عن إبداعه الروائي، حيث صدر الجزء الأول عام 2002 في بغداد بطريقة الإستنساخ بعنوان “فؤاد التكرلي والجذر الأوديبي للموقف الوجودي”. كان عنوان الدراسة هو  “بصقة في وجه الحياة : فؤاد التكرلي .. اختصاصي المحارم” ، ونشرتُ قسما بسيطا منها في ملحق ألف ياء الزمان في العام نفسه ، وتحديدا في شهر تموز على ما أتذكر . ثم أعدت نشر الدراسة كاملة ومرة واحدة برغم طولها في موقع المثقف العربي في يوم الأحد الموافق  8/آب/ 2010 ، العدد 1481.
كما وجدت مقالة عن الرواية بعنوان “الزمن والنص” ، للأستاذ “محمد رشيد السعيدي” ، منشورة بتاريخ 6/6/2010 ، في موقع شبكة أنباء الشبك نقلا عن صحيفة الأسبوعية.
ومقالة بعنوان “أوهام حرية الذات : الراحل فؤاد التكرلي في عمله الأول (بصقة في وجه الحياة( ، للأستاذ “باقر صاحب” منشورة في يوم الأربعاء 20-06-2012 في موقع صحيفة “تاتو” العراقية .
ومقالة أخرى عن الرواية للكاتبة “نجاة تميم” بعنوان “فؤاد التكرلي وسرﱠعقدة أوديب” منشورة في موقع عنكاوا يوم 20/2/2012 .
وقد قدّمت صحيفة “طريق الشعب” عرضا لكتاب صادر عن دار التنوير في بيروت للناقد “علي حاكم صالح” بعنوان “المجتمع اللا إجتماعي / دراسة في ادب فؤاد التكرلي” تناول في جانب من الفصل الأول منه : “الكتابة والجنس المحرّم” رواية بصقة في وجه الحياة .
وهناك مقالة للناقدة “فاطمة المحسن” عنوانها “قديم فؤاد التكرلي المتجدّد : رواية بقيت نصف قرن طي أوراق كاتبها ” منشورة في موقع “الرياض الإلكتروني” – 7رمضان/12204.
# تحيّة لجرأة الناقد الكبير الراحل “عبد الإله أحمد” :
أمّا الناقد الأول وصاحب السبق والجرأة العالية في هذا المجال ، فهو أستاذنا الراحل الناقد الكبير الدكتور “عبد الإله أحمد” في كتابه “الأدب القصصي في العراق – الجزء الثاني” حيث حصل على نسخة من الرواية مطبوعة بالآلة الكاتبة من التكرلي نفسه ، وقال عنها في هامش على الصفحة 234 :
(هذه القصّة ، مطبوعة على الآلة الكاتبة . وقد قدّمها القاص لي ، ولا أعلم أحدا اطلع عليها . وهي على شيء من الطول ، إذ تقع في ثلاث وخمسين صفحة من قطع الثلث . وهي بذلك أقرب ما تكون إلى القصة القصيرة الطويلة ) .
وقد أكد عبد الإله أحمد على ريادة التكرلي السردية على المستوى المحلي والعربي في مجال تناول موضوعة العلاقات المحرمة الحساسة وصلتها بمعاناة التكرلي الشخصية :
(والقصة التي تكشف هذه المعاناة الفكرية التي أدت به إلى رفض القيم والاعتبارات الأخلاقية ، وبالتالي حددت موقفه من الحياة ، وطبيعة رؤيته لها ، التي سنتعرف على أبعادها عند دراستنا لقصصه الأخرى ، هي قصة “بصقة في وجه الحياة” ، وهو ما يعطيها أهميتها الكبرى التي تبرر لنا أمر دراستها ، بالإضافة إلى ما أشرنا إليه من جرأتها على طرح مضمون يتناول الجنس ، بشكل لم يجرؤ عمل قصصي على طرحه في الأدب العربي الحديث حتى تاريخ كتابتها – ص 247) .
وقال أيضا :
(إننا لا نعتقد أن عملا قصصيا يتناول هذه العلاقات الجنسية الشاذة على النحو الذي تناولته قصة “بصقة في وجه الحياة” ، يمكن أن يتقبله واقع المجتمع العراقي ، إن لم نقل واقع المجتمع العربي الحديث عامة ، في الفترة التي كُتب فيها . فنحن لم نجد عملا قصصيا في أدبنا العربي الحديث ، بجرأته في تناول هذه العلاقات ومحاولة إيجاد المبررات لها ، حتى تاريخ كتابته . ولعل ذلك يكفي سبباً لدراسته ، رغم عدم نشره ، بالإضافة إلى اسباب أخرى سنشير لها – ص 246) .
وقد تناول عبد الإله أحمد هذه النص الملعون فعلا عبر ست عشرة صفحة من القطع الكبير ، لم يبق جانبا من جوانب القصة إلا وتوقف عنده موضوعا وحوارا وبناء وفكرة .. إلخ . وفي أكثر من موضع من هذا التحليل كان عبد الإله يربط وبجرأة لا تقل عن جرأة التكرلي بين النص وبين حياة التكرلي الشخصية ومعاناته ، ختمه بالقول :
(ويبدو واضحا بعد هذا العرض التحليلي الطويل لهذه القصة ، معنى ما قلناه ، عند بداية حديثنا عنها ، من أن هذه القصّة ، تعبّر عن معاناة القاص نفسه ، حين كان يصوّر معاناة بطلها ، وأن القاص يؤمن بكل ما انتهى إليه بطلها من فلسفة ، ترى أن الجنس أساس في الإنسان ، يكاد يستقطب وجوده ، لذلك ليس من مبرر لإقامة الحواجز والروادع أمامه . وكان هذا الموقف من القاص بداية التسليم بموقف لا أخلاقي من الحياة ، سوف يظهر بشكل أو بآخر في أعماله القصصية الأخرى ، ويفسّر في الوقت ذاته سبب تعاطفه مع النازعين إلى ممارسة الجنس اللاشرعي الشاذ من أبطال قصصه ، وعنايته الخاصة بهم – ص 259) .
كما أشار الأستاذ خلوصي إلى أن الرواية “ظل تداولها محدودا ً فقد صدرت ضمن منشورات الجمل كولونيا ـ ألمانيا عام 2000، وربما لم تصل نسخ منها إلى العراق عند صدورها أو انها وصلت بعدد محدود تماما، وكانت قراءتها تتم عن طريق الاستعارة” . وحسب علمي فقد أصدر التكرلي روايته هذه في بيروت عام 1980 بعد إصدار روايته “الرجع البعيد” أو معها . كما قامت مؤسسة المدى بإعادة نشر الرواية ضمن مجموعة الأعمال الكاملة للتكرلي .
لكن الأمر المهم الذي أثارته مقالة الأستاذ خلوصي يتعلق من وجهة نظري بالسبب الذي جعل التكرلي يعطّل نشر روايته هذه خمسين عاماً . فالسبب كما أرى غير مقنع من جانبين : الأول هو أن موضوعة سفاح المحارم كانت قد طرقت من قبل قصاصين آخرين في العراق ولم يكن التكرلي الأول ، أي أن حساسية المتلقي العراقي قد تعودت على مثل هذه المعالجات ، والثاني هو أن التكرلي نفسه كتب بعد مدّ قصيرة قصصا في مستوى هذه القصة أو أشد جرأة منها . ففي عام 1951 نشر قصته “همس مبهم” التي كتبنا عنها مقالة بعنوان “فؤاد التكرلي والهمس الأوديبي المبهم” نشرناها في صحف ومواقع كثيرة .وهي تتحدث عن علاقة محرمة بين فتى وأمه برغم الفنية العالية التي تغلف الموضوع ، ثم قصّة “المجرى” التي يخون فيها الزوج زوجته مع زوجة ابن عمّه ، عام 1952 ، وقبلها قصة “أمسية خريف” في عام 1952 حيث تخون الزوجة زوجها الذي يتعلق بابنة أخيه .
ثم يأتي النص الأكثر جرأة وجسارة وهو “القنديل المنطفىء” في عام 1954 والذي أثار لغطا ونقدا كثيرا وتحدث فيه عن رجل أراد أن ياتزوج فتاة صغيرة ، لا يتجاوز عمرها الثلاثة عشر عاما ، فلما رفض أهلها ذلك ، خطبها لابنه الصغير الذي يكبرها بسنتين ، وزوجه إياها ، وعندما عجز الإبن عن الإتصال بها لأربعة أيام متتالية ، قام الأب في اليوم الخامس باغتصاب الصغيرة بقسوة وبهيمية متوحشة (راجع كتاب الدكتور عبد الإله أحمد) .
أعتقد وكما قلت في أكثر من دراسة عن التكرلي أننا يجب أن نبحث عن السبب لدى التكرلي نفسه ، وليس في الظروف الإجتماعية . وهذه النظرة تتطلب أولا أن ننظر إلى المقدمة التي كتبها التكرلي لهذه الرواية لتبرير تأخره في نشرها نظرة تقرأ ما بين السطور للإمساك بالدوافع الخفيّة والتي تناولتها بالتفصيل في دراستي التي اشرت إليها في بداية هذه المقالة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : مع الشاعرة عبلة تايه وثلاث ورود .

   عبله تايه الشاعرة الكرمية الفلسطينية وابنة أسرة أشتهرت وعرفت بالشعر والأدب، كما عرف أبناء منطقة …

| طالب عمران المعموري : السرد وبناء الرؤى في “أصيغوا الانتباه ما حولنا يهمس” للروائي عامر حميو .

رؤيا فردية كيانية  تنطوي على نزعة انسانية  تعكس تجربة شخصية خاصة ،رؤيا تتناول شتى قضايا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *