ناطق خلوصي : زفّة العروس

natiq khulusiدنت بجسدها من المقعد الأمامي ، واقتربت براسها من رأسه حتى كاد خدها يلامس خده وهمست قريبا ً من أذنه :
ــ أحبك أبي .
همس لها هو الآخر وكأنه ينبهها :
ــ وأمك .
لهوجت على عجل وقد ارتفع صوتها قليلا ً :
ــ أمي حبيبة قلبي . من لي غيرها ؟
ومدت يدها والتقطت يد أمها الجالسة الى جوار أبيها وقبـّلت ظاهر كفها وباطنه اكثر من مرة قبل أن تفلته . مدت أمها يدها وبدأت تداعب خدها وقالت :
ــ أنت نور عيني يا شهلاء .
أومأ  برأسه الى الوراء ، فقالت مستدركة وهي تلتفت الى الخلف :
ــ كلكم . شهلاء وشهد وأشرف . كلكم نور عيني الذي أبصر به .
يعرف ان ابنته الكبيرة تتعلق به منذ طفولتها المبكرة وتحبه وتغالي في هذا الحب وهو لا يكتم خشيته من ذلك ولعل مناسبة هذا اليوم أهاجت شيئا ً في داخلها  . انها ابنته البكر وقد ظلت وحيدتهما لسبع سنوات قبل أن تطل شهد ثم اشرف من بعد شهد بثلاث سنوات.
قال ضاحكا ً وقد أدار وجهه نحو زوجته
ــ أخشى أن تكون شهلاء قد كسّدت على العروس .
شهقت :
ــ ليس الى هذا الحد يا أبي !
ــ سنسمع رأي أمك .
قالت زوجته :
ــ شهلاء ابنتي ونادية أختي ولا فرق بينهما عندي . ولكن كلمة الحق تقال . كانت شهلاء نجمة لامعة بين البنات والنساء الجالسات لاسيما من أهل العريس . ظلت محط أنظارهن وموضع اعجابهن الشديد حتى ان احدى النساء من أهل العريس سألتني وقد رأت شهلاء تروح وتجيء معي في بيت جدها : ” ابنتك ؟ ” وحين أجبتها بالايجاب ، قالت : ” ان ابني يبحث عن  زو جة بهذه المواصفات ” .
احتد صوت شهلاء :
ــ لا أقبل يا أبي  . لن أترك بيتنا العزيز وغرفتي ، مملكتي الأثيرة فيه .
ابتسمت أمها ، فقال أبوها :
ــ دعينا نسمع ما حدث بعد ذلك  ياابنتي العزيزة !
عادت أمها تقول :
ــ قلت لها ان ابنتي ما زالت صغيرة على الزواج . انها في السابعة عشرة من عمرها وهي في الاعدادية الآن ويصر ابوها على أن تكمل تعليمها الجامعي   فنفضت صوت احتجاجها في وجهي : ” وما حاجتها الى الدراسة ؟ هذا حرام . مكان البنت بيت أبيها ثم الزواج وانجاب الأطفال ” .
هز رأسه ساخرا ً . عادت زوجته تقول :
ــ أردت أن أستدرجها فسألتها : ماذا يعمل ابنك؟ قالت ” انه من رجال حماية خاله ” قلت : وماذا يعمل خاله ؟ قالت ” مع مسؤول كبير ” عدت أسألها : وماهي شهادة المحروس ابنك ؟ قالت: ” وما حاجته للشهادة ؟ انه لم يكمل الابتدائية لكنه يتقاضى راتبا ً ..” وسكتت لحظة ثم سألتني : ” هل أنت معلمة ؟ ” أومأت لها برأسي ايجابا ً . عادت تسأل : ” وزوجك ؟ ” قلت : مدرس . فرفعت صوتها كأنها تريد أن يبلغ أسماع الحاضرات : ” ليكن في علمك ان ابني يتقاضى راتبا ً شهريا ً يعادل رواتب عشر معلمات من أمثالك أو عشرة مدرسين من أمثال زوجك ” .
هز ّ رأسه أسى ً وغمغم :
ـ انهم حديثو نعمة على ما يبدو من الذين فتح الأمريكان لهم أبواب خزائن العراق  على حين غفلة .
ابتسمت زوجته وقالت لزوجها وهي تومىء الى ابنتها :
ــ ها سعيد ؟ هل توافق؟
ارتفع صوت شهلاء محتدا ً ، مقتربا ً من الصراخ :
ــ  لا تحرقي دمي أرجوك يا أمي .
التفت اليها مطمئنا ً :
ــ وهل تطنين انني سأوافق على زوج كهذا ؟ كيف أسمح لنفسي أن أدع  يدا ً مجهولة  تقطف الوردة المتفتحة في حديقة روحي ؟ ! هل أنا مجنون ؟
تمتمت :
ــ شكرا ً يا أبي .
التفتت أمها اليها :
ــ لا تصدّقي انني يمكن أن أوافق . انني أمزح معك .
قرّبت ابنته رأسها من رأسه وصارت تدندن بأغنية فيروز” يا دارة دوري بينا ” التي يحبها كثيرأ وحفظت كلماتها من أجله فصار ينسجم معها . التفتت اليها أمها من جديد وقالت معاتبة ً :
ــ لاتشغلي أباك ياشهلاء . لا نريد أن نتأخر عن سيارة العروس  والعريس .
وكانت السيارة الفارهة تتهادى متبخترة ً في الشارع ، مزينة بشرائط ملونة وثمة باقة ورد ابيض على مقدمتها . انها أمام سيارتهم ، وخلفها على مقربة مسافة قصيرة تعج سيارات الكوستر بالضجيج:  تختلط الزغاريد بقرع الطبول وزعيق الأبواق والصناجات  ، ووراء سيارات الكوستر رتل من السيارات الحديثة الفارهة .
رأى خلل مرآة سيارته الجانبية صبية ومراهقين تتدلى أنصاف أجسادهم  العلوية خارج نوافذ سيارات الكوستر ويهزون صدورهم  كما تفعل محترفات الرقص الشرقي . استدارت سيارة العروس والعريس  وقد أبطأت سيرها . وصلوا الفندق إذن وشعر بالغبطة لأن تعب هذا اليوم سينتهي بعد قليل . لقد وظـّف سيارته لخدمة العروس ومتطلباتها . هو الذي أخذها بصحبة زوجته الى صالون التجميل وكان قبل ذلك وبعده يلبي طلبات أم زوجته الكثيرة. سينتهي التعب عند هذا الحد إذن ويذهب الى بيته لينام ولا يستيقظ قيل ظهر يوم غد .
أتاح رجال حماية الفندق لسيارة العروس والعريس ولسيارتهم ، باعتبارهم أهل العروس ،  بالدخول عبر بوابة الفندق الواسعة ، وانشغلوا بما تحمله سيارات الكوستر أولا ً. انتبه الى ان أحد رجال حماية الفندق قد أطال النظر اليه ، ولم يعر ذلك اهتماما ً . توقفت سيارة العروس والعريس ، فتوقف بسيارته قريبا ً منها . رأى العريس ينزل من مكانه الى جوار العروس ، يفتح لها الباب ، يمسك بيدها ، فتنزل . قالت زوجته :
ــ علينا أن ننزل ! هيا يا شهلاء .  انزلي مع أختك وأخيك .
رأى ابنته مترددة . قال مبتسما ً :
ــ انزلي يا شهلاء. تعرّفي على الفندق فقد يجيىء دورك لتزفي فيه !
رأى وجهها يحمّر وحشرج الصوت في حنجرتها وكأنها توشك أن تبكي :
ــ لن أنزل .
ضحك :
ــ انني أمزح معك . اذهبي مع أمك لتتفرجي على الفندق من الداخل في الأقل . هذه فرصة .
لحقت بأمها التي مسكت يد ابنها فمسكت هي يد أختها ، وكان سائق السيارة الفارهة قد فتح صندوق السيارة الخلفي وأخرج حقيبتي ثياب العريس والعروس . رأت أمها تفلت يد أخيها وتهمس له . أفلتت هي يد أختها فركضا وأمسكا أذيال بذلة الزفاف البيضاء وقد تأبط العريس ذراع  العروس .
مكث هو في سيارته وقد بدأ سيل ( الزفـّافة ) يجتازه ، نساء مزوّقات كأنهن خرجن للتو من صالونات التجميل، منهن من تحمل طفلا ً وتمسك بيد طفل ، ومراهقون يدبكون ويهزجون ومنهم من ينافس النساء باطلاق الزغاريد . انتبه الى ان رجل حماية الفندق الذي اطال النظر اليه يقترب من سيارته وإذ صار قريبا ً منه ، هتف :
ــ مرحبا ً استاذ سعيد .
رد على عجل :
ــ أهلا ً وسهلا ً .
ــ أنا أحد تلاميذك .
التمعت عيناه فرحا ً . هذا واحد من تلاميذه النجباء السابقين ، يلتقيهم في اكثر من مكان ويبادرون لتحيته وخدمته . وجد ان عليه أن ينزل ويصافح تلميذه السابق . شعر بتلميذه يضغط على يده بحرارة وكادت عيناه تدمعان . قال :
ــ اعذرني يا ولدي . لقد درّست عددا ً كبيرا ً من الطلاب . ذكّرني باسمك .
ــ أنا عزام ابو النور .
شهق :
ــ عزام أبو النور ؟ شعلة الذكاء التي كانت تتوهج في الصف ؟
ــ نعم يااستاذي العزيز . ولكن ما قيمة الذكاء في زمن الدولار هذا؟!
ــ لقد كنت أتنبأ لك ، وأنت على ما عليه من تميز في الرياضيات ، بمستقبل باهر. ألم تكمل دراستك الجامعية ؟!
ــ أكملتها وتخرجت مهندس ري وها انت تراني أشرف على انشاء هذا السد العظيم الذي امامك .
واشار الى بناية الفندق .
شم رائحة السخرية في كلمات تلميذه السابق وشعر كأن يدا ً تضغط على قلبه وساورته  رغبة في أن يبكي ، لكنه تمالك نفسه .
قال تلميذه السابق :
ــ كل الذين معي في حماية الفندق خريجو جامعات .
غمغم :
ــ كان الله في عونكم .
قال عزام :
ــ أنا في خدمتك اذا احتجت شيئا ً .
واستدار عائدا ً الى جماعته .
انتبه الى دربكة اقدام وإذ التفت ، رأى ابنته تسرع الخطو نحوه وقد احتقن وجهها  . فتحت باب السيارة بانفعال ظاهروسمعها تغمغم وكأنها تشتم أحداً . عاد وجلس وراء المقود . التفت اليها :
ــ ما الذي حدث ؟
ردت وقد انفجرت عيناها بالدموع :
ــ لقد تحرشوا بي ياابي .
ــ هدئي  من روعك يا ابنتي . هذا أمر متوقع في مثل هذه المناسبات . انها فرصة المراهقين للتنفيس عما ينكبت في دواخلهم . ربما ستقلق أمك عليك حين لا تراك معها .
ــ  أخبرت شهد .
انتبه الى ان زوجته  قادمة تمسك يد ابنها بيد ويد ابنتها بيد . قال منبها ً :
ــ ها قد عادوا .
فتحت زوجته باب السيارة الأمامي واندسّت الى جواره واندسّ الصغيران الى جوار أختهما . التفتت أمها اليها . قالت :
ــ انخلع قلبي حين لم أجدك أمام المصعد لولا ان شهد أخبرتني بأنك عدت الى أبيك . كنت أخشى أن تمتد يد أحد أولاد الحرام وتسحبك الى مكان ٍ ما في غفلة منا .
احتد صوت ابنتها :
ــ وهل تظنين انني كنت ساستسلم ؟ !
عقـّب على عجل :
ــ لا بالتأكيد .
التفتت أمها اليها من جديد . قالت :
ــ لست على مايرام ! هل حدث شيء ؟
ناب أبوها عنها :
ــ تحرشوا بها .
وضعت امها يدها على  فمها لتخفي ضحكة صغيرة ، وما لبثت أن قالت بما يقترب من الهمس خجلا ً وكأنها تخاطب زوجها لوحده :
ــ لقد تحرشوا بي أنا أيضا ً .
هز رأسه بمرارة ساخرا ً عادت تقول وما زالت تهمس :
ــ تصوّر ! حتى نادية  لم تسلم منهم وهي بجانب العريس  . سمعته يقذف ولدا ً بشتيمة بذيئة .
التقط سمع شهلاء اليقظ همس أمها فانفجرت ضاحكة وانتقلت عدوى الضحك الى أخيها وأختها وابيها وحتى أمها . وصلت السيارة البوابة فرفع سعيد يده ملوحا ً قبل اجتيازها . التفت الى زوجته :
ــ الى أين ستكون وجهتنا ؟
ــ الى بيت أهلي .
شعر بشيء من عدم الارتياح  . قال :
ــ ألم تنته مهمتك ؟
ــ ليس بعد . لقد استحلفتني أمي أن أعود اليها من الفتدق . تريد أن أحدثها عن كل شيء بالتفصيل .
قرّبت فمها من أذنه وهمست :
ــ كلفتني أن أحمل معي .. .
وسكتت فجأة حين لمحت ابنتها الكبيرة تقترب براسها منهما ، قالت على عجل :
ــ سأخبرك فيما بعد .
وانسحبت عنه فأدرك ما كانت تريد ان تخبره به . تريد أمها منها أن تحمل لها معها قطعة القماش البيضاء الملطخة بدم بكارة ابنتها العروس ، شهادة  لا تقبل النقض على عذرية ابنتها ، لتباهي بها . قال دون أن يستطيع أن يكتم عدم ارتياحه :
ــ الى بيت عمي إذن !
عاجلته ابنته بالقول :
ــ ولكن ليس قبل أن تأخذنا في جولة نتناول شيئا ً من الطعام خلالها . انني أكاد أموت من الجوع .
احتد صوت أمها :
ــ ولماذا لم تأكلي شيئا ً ؟ كان الطعام وفيرا ً والحمد لله في بيت جدك .
ــ ومن الذي اتاح لي فرصة أن افعل ذلك ؟  لقد كن يتناهبن المواعين من ايدينا .
ــ ستأكلين في بيت جدك عندما نعود .
ــ ومن يقول انهم بقي لديهم شيء ؟
ــ ستأكلين في بيتنا إذن . الثلاجة مليئة بالنواشف .
شعر بأصبع يد ابنته يخزه في كتفه فاستوعب الإشارة وكانت السيارة قد اجتازت الجسر . سأل زوجته وقد استدار بالسيارة يمينا ً :
ــ لا أدري من أين جاءت أختك بهذا العريس !
ــ قسمة يا سعيد .
ــ أدري قسمة ، ولكن كيف تعرفت عليه ؟
ــ تقول انه جاء الى الدائرة التي تعمل فيها ورأته يوزع اكراميات على الموظفات ببذخ  . كما انها وجدت كلمته مسموعة عند مدير الدائرة ولهذا أعجبت به .
ــ بل ربما بكرمه وسيارته الفارهة!
ــ يقولون انه يملك أكثر من سيارة  من أحدث الموديلات !
ــ وهذا سبب مضاف لقبولها به .
ــ  على أية حال .
ــ لكنه أكبر منها كثيرا ً!
ــ بل ان له أحفادا ً من ثلاثة أولاد متزوجين  . لم يقبل أحد منا في بادىء الأمر ولكنها اصرّت على موقفها . تقول انها تجاوزت الثلاثين وهي تخشى أن تجد من يعيـّرها بانها عانس .
كانت  السيارة قد صارت في شارع الرشيد عندما رن هاتف زوجته . نظرت الى الهاتف وقالت :
ــ انها أمي .
سمعها تقول :
ــ نحن في الطريق اليكم يا أمي . نعم والحمد لله وسأحدثك بالتفصيل عندما نصل . لا . اعذريني يا أمي . افرضي ان الله لم يسهـّلها عليهما الا في منتصف الليل ، فهل  سنبقى في الفندق طوال هذه المدة . تعرفين انني لست لوحدي .
كان قد ضغط على المعجـّل حين كانت منشغلة بالحديث مع امها ، وحين انتهت نظرت اليه مستنكرة :
ــ الى أين تأخذنا يا سعيد ؟
ــ الى بيت عمي ؟
ــ أي بيت عمك هذا ؟ ! اننا في الباب الشرقي . انظر الى يسارك لترى نصب الحرية . ابتسم في وجهها :
ــ أوه ! كنت أنوي البحث عن منفذ يوصلنا الى شارع القناة . فهو أقصر الطرق الى بيت أهلك . على كل ٍ لا تحملي هما .ً كل الطرق تؤدي الى بيت أهلك .
وكانت السيارة قد انزلقت من تحت جسر الجمهورية وصارت تخترق شارع أبي نؤاس . صاح وهو يضحك :
ــ نحن الآن في شارع أبي نؤاس !
فارتفع التصفيق من المقعد الخلفي . نظر الى زوجته ورآها تتميز غيظا ً . ابتسم في وجهها وقد أبطأ سير السيارة وقال :
ــ دعيهم يستمتعون برؤية دجلة وابي نؤاس .
وصار يترنم : يا دجلة الخير ياأم البساتينِ ِ .
فوجدت نفسها مضطرة للابتسام على مضض . شمّت شهلاء رائحة شواء ورأت اسطوانة اللحم تدور أمام الشواية فوخزت كتف ابيها باصبعها لتنبهه . اوقف السيارة ونزل  ، فنزلت هي الأخرى . صاحت بها أمها :
ــ الى أين ؟!
ردت دون أن تلتفت :
ــ لأساعد أبي .
لحقت به في منتصف الشارع وشبكت يدها بيده . لم يتأخرا كثيرا . عادا وكان كيسان يتدليان من يدها . قال :
ــ انزلوا .
اختار مصطبة قريبة من السيارة ، تطل على النهر . جلست شهلاء بينهما وتربع الصغير واخته على العشب . . حين انتهوا ، صارت  تتشمّم . قالت :
ــ ما هذه الرائحة الطيبة يا أبي  ؟
ــ رائحة سمك مسكوف . سمك يشوى على نار الحطب .
ــ لم اتذوقه في يوم من الأيام !
نهض ومسك يدها :
ــ تعالي .
صاحت زوجته :
ــ ما هذا الذي تريد أن تفعله ؟
ــ أختار سمكة ليشووها لنا .
احتد صوتها :
ــ أي كلام هذا ؟ تختار سمكة ويشووها ثم نتناولها ، وهذا يعني اننا سنتأخر ما لا يقل عن ساعة غير مسافة الطريق وامي المسكينة تجلس على جمرة الانتظار !
نظر الى ابنته وكأنه ينتظر رايها . قالت :
ــ حسنا ً يا ابي . لنؤجل ذلك الى موعد آخر نزولا ً عند رغبة أمي .
كانت السيارة تقترب من ساحة الخلاني حين رن هاتف زوجته . بلغه صوت ام زوجته يتهدج وكأنها تبكي :
ــ أين أنتم يا رباب ؟
ــ في ساحة الخلاني .
ــ قريبين من الفندق ؟
ــ تقريبا ً .
ــ الحقي أختك إذن .
رأى وجه زوجته يشحب . سمعها تقول :
ــ هدئي من روعك يا أمي . سنذهب اليها الآن .
قال:
ــ ما الذي حدث ؟
ــ ألم تسمع ؟ كانت أمي تتحدث بأعلى صوتها .
ــ لم أنتبه تماما . كنت منشغلا ً بالتركيز على قيادة السيارة وسط هذا الزحام.
ــ سيئة الحظ نادية . اتصلت بأمي وهي تولول . تلقى العريس مكالمة وخرج من الغرفة ولم يعد حتى الآن .
وجدوا بوابة الفندق الرئيسية مغلقة وحين تعرّف عزام ابو النور على السيارة نهض وفتح البوابة وما إن دخلت  حتى عاد رجال الحماية وأغلقوها . توقفت السيارة على مقربة من البوابة وجاء عزام اليهم مسرعا ً . قال سعيد :
ــ ما الذي حدث يا عزام  في غيابنا ؟!
ــ ماذا أقول يا استاذ ؟ ما حدث لم يحدث في هذا الفندق منذ اشتغالي فيه قبل بضع سنوات .
ــ وما الذي حدث بالضبط ؟
ــ حاول ثلاثة رجال مسلحين دخول الفندق دون أن يسلموا أسلحتهم . قالوا انهم مكلفون بالوقوف أمام غرفة العريس حتى الصباح ، وهذا ممنوع كما تعلم ، لكنهم أصروا على ذلك وحاولوا اقتحام البوابة فأغلقناها . أتصلوا بجماعتهم فجاء بضعة مسلحين وحاولوا اجبارنا على فتح البوابة ، فمنعناهم . قالوا انهم من حماية العريس وادّعوا انه آمر رتل حماية مسؤول .
قال سعيد مندهشا ً :
ــ هل هناك وظيفة بهذا العنوان ؟
ــ كل شيء جائز في هذه الأيام .
ــ وما الذي حصل بعد ذلك ؟
ــ اتصلوا بالعريس فجاء على عجل وهددنا بوجوب السماح لرجاله المسلحين الثلاثة بالدخول وحين رفضنا شهر مسدسا ً كان يخفيه في جيبه واطلق النار فأصاب أحد رجالنا في فخذه . ولحظة َ أحس بالورطة هرب مع رجاله  لكننا استطعنا أن نحتجز أحدهم وهو يخضع للتحقيق الآن .
ــ وما الذي يمكننا أن نفعل ؟
ــ ليس أمامكم سوى أن تأخذوا العروس معكم . لا تتركوها هنا تواجه المجهول .
ــ سنفعل يا عزام .
تحرك بالسيارة حتى توقف بها عند مدخل بناية الفندق . قالت زوجته :
ــ من كان هذا ؟
ــ أحد قدامى تلاميذي النجباء .
عادت تقول بصوت منكسر :
ــ ماذا ترى يا سعيد ؟
ــ ليس أمامنا سوى أن نعيد أختك الى البيت . أما سمعت ما قاله الولد  ؟ انه يعرف بواطن الأمور .
ــ ستكون فضيحة لو أخذناها الى البيت . سيقول الجيران ان العريس وجد فيها عيبا ً وأعادها مثلما تعاد بضاعة فاسدة ، وهذا ما لا تتحمله أمي بقلبها الضعيف . ستموت على الفور .
ــ انها ورطة حقا ً .
صمت للحظات وعاد يقول :
ــ ولكننا لا يمكن أن نتركها هنا . ما رأيك لو أخذناها الى بيتنا ؟
ــ ربما هذا أفضل من أخذها الى بيت أهلي .
التفت الى الخلف وقال :
ــ هل قال أحدكم أمام الجيران بأنكم ستذهبون الى زفة خالتكم ؟
شحب وجه شهد وأطرقت . قال :
ــ هل قلت لأحد يا وكالة الأنباء ؟
ــ فقط لصديقتي ربى .
قال مطمئنا ً زوجته :
ــ لا يهم . الجيران يعرفون ان لك أكثر من أخت . ستقول شهد لو سألها أحد ان هذه خالة أخرى غير العروس وقد كانت معنا في الزفة وجئنا بها الى بيتنا . انزلي واذهبي اليها.
ــ ألن يأتي أحد معي ؟
ــ لا . ضعي البذلة في حقيبة ثيابها واجلبيها معك .
ــ وحقيبة العريس ؟
ــ اتركيها في مكانها . اغلقي الباب وسلمي المفتاح الى الاستعلامات .
وقفت أمام باب المصعد في انتظار نزوله . فتحت هاتفها :
ــ  اننا في الفندق . لا تخافي يا نادية . في أي طابق وماهو رقم الغرفة ؟
وقفت عند باب الغرفة وطرقت الباب . جاء صوت العروس من الداخل خافتا ً :
ــ من ؟
ــ أنا رباب . أفتحي الباب .
سمعت  صوت حركة المفتاح في القفل . أدارت المقبض ودفعت الظلفة فلم ترها خلل الفرجة التي احدثتها حركة يدها ، وحين دفعت الباب ، وجدتها منكمشة مذعورة ً قرب السرير وهي بقميصها الداخلي ، يرين على وجهها شحوب الأموات وقد تكومت بذلة الزفاف على الأرض!

بغداد – كانون الأول 2012

شاهد أيضاً

مريم لطفي: لم اعرف الطريق

لم اعرف الطريق.. ولاحدائق كانت لنا ارجوحة الحلم اطلالها هناك تاهت بين الركام وذلك الاديم …

نايف عبوش: جماجم شهداء تحرير الجزائر ليست للفرجة

قبل أكثر من اسبوع.. رجعت إلى الجزائر.. جماجم رموز شهداء ثوار المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال …

فلنصمد وحدنا لنخرج وحدنا
(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان)
مادونا عسكر/ لبنان

(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان) كتب جبران خليل جبران قبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *