حسن عجمي : السوبر تاريخانية ؛ صراع التواريخ الممكنة

hasan agmiسيطرت التاريخانية على التفكير البشري و سجنته في تحليل مُحدَّد للتاريخ. لكن من الممكن التحرر من التاريخانية و تقديم فكرة ممكنة ألا و هي السوبر تاريخانية التي مفادها أن للتاريخ ذاته تواريخ ممكنة عديدة و مختلفة , و رغم صراع هذه التواريخ الممكنة كلها تواريخ متحققة بالفعل في التاريخ البشري نفسه.

من الممكن تعريف التاريخانية على أنها تقول بوجود قوانين حتمية تحكم التاريخ فيغدو التاريخ في بعض نماذج التاريخانية مالكاً لهدف أو أهداف معينة. لذا تدرس التاريخانية الظواهر الإنسانية و الاجتماعية و الاقتصادية إلخ من خلال السياقات التي تظهر فيها تلك الظواهر فتفرض عليها معان ٍ و دلالات فيصبح التاريخ ذا معنى و دلالة. و بما أن التاريخانية تقول بوجود قوانين حتمية حاكمة للتاريخ , إذن بالنسبة إلى التاريخانية ثمة تاريخ واحد مُحدَّد. لكن السوبر تاريخانية تؤكد على أن التاريخ غير مُحدَّد , و بذلك توجد تواريخ عدة و متنوعة ضمن التاريخ البشري و الوجودي ذاته. هكذا تختلف السوبر تاريخانية عن التاريخانية. بالنسبة إلى التاريخانية, يوجد تاريخ واحد له ماهية مُحدَّدة بينما بالنسبة إلى السوبر تاريخانية ثمة تواريخ عديدة و مختلفة و بذلك يمسي التاريخ مالكاً لماهيات عدة و متنوعة. للتاريخانية قراءة واحدة للتاريخ بينما للسوبر تاريخانية قراءات عدة للتاريخ البشري. على هذا الأساس , للسوبر تاريخانية فضيلة أساسية ألا و هي أنها تحررنا من تحليل و تفسير الظواهر التاريخية من خلال نموذج فكري واحد و مُحدَّد سلفاً , و بذلك لا تسجننا في مذهب عقائدي معين. لكن التاريخانية تسجننا في عقيدة مُحدَّدة لأنها تقرأ التاريخ على ضوء نموذج فكري مُحدَّد. من هنا , تنتصر السوبر تاريخانية على التاريخانية. و بما أن بالنسبة إلى السوبر تاريخانية التاريخ نفسه يتكوّن من كل التواريخ الممكنة العديدة إن لم يكن يتكوّن من تواريخ لامتناهية في العدد , إذن تدفعنا السوبر تاريخانية نحو البحث الدائم عن التواريخ الكامنة في التاريخ البشري ذاته فتدعونا باستمرار إلى بناء نماذج و نظريات فكرية مختلفة حول التاريخ نفسه. و بذلك تضمن السوبر تاريخانية استمرارية البحث المعرفي. و هذه فضيلة معرفية كبرى للسوبر تاريخانية. لكن بما أن التاريخانية تصر على وجود تاريخ واحد كامن في التاريخ البشري , فهي بذلك توقِف استمرارية البحث المعرفي و العلمي حول ماهية التاريخ و كيفية تفسيره من خلال طرح نموذج فكري واحد و مُحدَّد قادر على تحليل و تفسير التاريخ. من هنا أيضاً , تنتصر السوبر تاريخانية على التاريخانية.

اختلف الفلاسفة و العلماء حول ماهية التاريخ فمنهم مَن رأى أن التاريخ تاريخ مادي محكوم بعوامل مادية كالاقتصاد بينما رأى آخرون أن التاريخ تاريخ عقلي محكوم بالعقل و تجلياته. لكن السوبر تاريخانية توحِّد بين التاريخ المادي و التاريخ العقلي من خلال تأكيدها على أن كل التواريخ الممكنة متحققة فعلا ً في التاريخ البشري نفسه. فالتاريخ المادي من الممكن قراءته قراءة عقلية كما أن التاريخ العقلي من الممكن قراءته قراءة مادية. فمثلا ً , نشوء التكنولوجيات المادية المعاصرة و تطورها نتيجة نشوء النظريات العلمية و تطورها علماً بأن التكنولوجيات مبنية على ضوء النظريات العلمية. هكذا التاريخ تاريخ عقلي. لكن في الوقت نفسه التكنولوجيات المادية تدفع إلى بناء نظريات علمية جديدة و بفضلها نحكم على النظريات العلمية أيضاً لأن التكنولوجيات المادية تمكننا من اختبار الواقع و النظريات على ضوء التجارب التكنولوجية الحديثة فتجعلنا قادرين على الحكم على مدى مصداقية نظرياتنا العلمية و تمكننا من التفكير بنظريات علمية جديدة على أساس ما نختبر في الواقع من خلال التكنولوجيا المادية. هكذا التاريخ تاريخ مادي أيضاً. من هنا , كل التواريخ الممكنة المتنوعة متحققة في تاريخنا البشري تماماً كما تقول السوبر تاريخانية. بالإضافة إلى ذلك , تنقسم نظريات التاريخ إلى نظريتين أساسيتين هما : أولا ً إن التاريخ تاريخ حتمي محكوم بقوانين حتمية , و ثانياً إن التاريخ ليس حتمياً و هو غير محكوم بقوانين حتمية. لكن بالنسبة إلى السوبر تاريخانية , التاريخ الحتمي كما التاريخ اللاحتمي متحققان معاً في تاريخنا البشري نفسه. و بذلك تقضي السوبر تاريخانية على هذا الخلاف الفلسفي فتحل هذه المشكلة المعرفية. فمثلا ً , بالنسبة إلى السوبر تاريخانية , نشوء الديمقراطية و الحريات يؤدي إلى نشوء العلوم و تطويرها لأن العلم كالديمقراطية عملية تصحيح مستمرة لِما نعتقد , و بذلك التاريخ حتمي. لكن لا تتحقق الديمقراطية و حرياتها سوى من خلال قبولها و تطبيقها من قبل الناس و إلا فلا تتحقق فلا تنشأ العلوم و لا تتطور , و بذلك التاريخ ليس حتمياً. من هنا , التاريخ حتمي و غير حتمي في آن كما تقول السوبر تاريخانية بالضبط . هكذا كل التواريخ متحققة.

لا يوجد تاريخ واحد للإنسانية بل ثمة تواريخ عديدة و متعارضة و متصارعة. و هذه هي حقيقة الواقع الكمي. بالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكم العلمية , الجسيم كالإلكترون يعبر من كل الممرات الممكنة في الوقت نفسه. مثل نظري على ذلك هو : إذا كان سيعبر الجسيم من نقطة ( أ)  إلى نقطة ( ب ) فحينها سيعبر من كل الأمكنة و الممرات الممكنة ليصل إلى النقطة ( ب ) فيتخذ بذلك مساراً مستقيماً نحو ( ب ) و مساراً ملتوياً و آخر دائرياً باتجاه النقطة ( ب ) ذاتها إلى ما لا نهاية من مسارات ممكنة , و يحدث كل ذلك في الوقت نفسه. لكن كل هذه الممرات الممكنة و المتحققة فعلياً تختزل بعضها البعض لكونها متعارضة فيبدو في عالم ما فوق الذرة أن الأجسام تعبر من ممر واحد فقط . بكلام آخر , في عالم ما دون الذرة يعبر الجسيم من كل الممرات الممكنة من نقطة إلى أخرى بينما في عالم ما فوق الذرة يظهر عبور واحد فقط . لكن كل الكون يتكوّن من الجسيمات الموجودة في عالم ما دون الذرة. من هنا , من الممكن تطبيق نظرية ميكانيكا الكم , لكونها نظرية علمية , على الظواهر كافة. من هذا المنطلق , لا يوجد تاريخ واحد للبشرية بل توجد كل التواريخ الممكنة العديدة و المختلفة و المتعارضة أي كل التواريخ الممكنة متحققة فعلياً تماماً كما أن الجسيم يعبر من كل الممرات الممكنة و ممراته الممكنة كافة متحققة فعلياً. على هذا الأساس , التاريخ البشري تاريخ صراع الطبقات الاجتماعية تماماً كما هو تاريخ صراع الحضارات المختلفة و كما هو تاريخ صراع الهويات المتعارضة إلخ. هكذا كل التواريخ الممكنة متحققة رغم اختلافها و تعارضها. و هذا يحل مشكلة صراع النظريات التاريخية و الاجتماعية.

النظرية التي تفسِّر التاريخ على أنه صراع بين الطبقات الاجتماعية تختلف عن النظرية التي تفسِّر التاريخ على أنه صراع بين الحضارات أو بين الهويات. لكن بما أن كل التواريخ الممكنة كتاريخ الصراع الطبقي و تاريخ صراع الحضارات و تاريخ صراع الهويات متحققة بالفعل و في الوقت عينه , إذن يزول الخلاف بين هذه النظريات التي كانت تبدو متعارضة ؛ فكلها صادقة بسبب أن كل نظرية منها تصف تاريخاً ممكناً و متحققاً و مختلفاً عن التواريخ الأخرى الممكنة و المتحققة التي تصفها النظريات الأخرى. من هنا , السوبر تاريخانية التي تؤكد على تحقق كل التواريخ الممكنة تنجح في حل الخلاف الفلسفي و العقائدي بين المدارس و الفلسفات المتنافسة , و بذلك تكتسب فضيلة كبرى ما يدعم مقبوليتها. كما أن تحقق كل التواريخ الممكنة يفسِّر لماذا تنجح النظريات المتعددة و المتنوعة في تفسير التاريخ رغم اختلافها و تعارضها. فبما أن , بالنسبة إلى السوبر تاريخانية , يتكوّن التاريخ البشري من كل التواريخ الممكنة في الوقت نفسه كتاريخ صراع الطبقات و تاريخ صراع الحضارات و تاريخ صراع الهويات , إذن من الطبيعي أن تنجح كل هذه النظريات في تفسير ظواهر التاريخ رغم اختلافها. هكذا تتمكن السوبر تاريخانية من تفسير نجاح نظريات التاريخ العديدة و المختلفة رغم تعارضها , و بذلك تكتسب السوبر تاريخانية فضيلة معرفية أساسية.

الآن , بما أن كل التواريخ الممكنة متحققة بالفعل , إذن تاريخ العولمة و تاريخ اللا عولمة متحققان في الوقت عينه. لكن تاريخ العولمة يعارض تاريخ اللا عولمة ؛ تاريخ العولمة تاريخ حيازة كل البشر للسلوكيات و المعتقدات نفسها بينما تاريخ اللا عولمة هو تاريخ انقسام البشر و امتلاكهم لسلوكيات و معتقدات مختلفة. على هذا الأساس , بما أن تاريخ العولمة و تاريخ اللا عولمة متحققان معاً , و بما أنهما يعارضان بعضهما البعض , إذن يتحوّل التاريخ البشري إلى سوبر تاريخ يتمثل مثلا ً في السوبر عولمة التي تجمع بين تاريخ العولمة و تاريخ اللا عولمة في آن. فالسوبر عولمة هي عولمة افتراضية على شاشات الأنترنت و التلفزيونات الفضائية فقط  ما يسمح بوجود اللا عولمة على مستوى سلوكيات و معتقدات الأفراد و الجماعات في الواقع المعاش. هكذا توحّد السوبر عولمة بين العولمة و اللا عولمة من خلال العولمة الافتراضية. و لقد كان من الطبيعي نشوء العولمة الافتراضية لأن الواقع ذاته افتراضي لكونه يتحقق فيما يفترض الإنسان أي فيما يفكر. فعلى ضوء ما يفترض الإنسان يتصرف , و بذلك الواقع الإنساني يتشكل من الافتراض ما يشير بقوة إلى أن الواقع نفسه ليس سوى عملية افتراضية.

بالفعل زال الفرق بين الواقعي و الافتراضي ؛ فالواقع أمسى افتراضياً , و الافتراضي أصبح واقعياً. و السبب الأساس وراء ذلك هو أن التاريخ نفسه ليس سوى مجموع كل التواريخ الممكنة العديدة و المختلفة و المتعارضة. الإنسان ذاته مشروع افتراضي , و لذا يستمر الإنسان في البحث عن إنسانية الإنسان. التاريخ الواقعي بلا التاريخ الافتراضي تاريخ بلا محتوى ؛ فمن المستحيل قراءة التاريخ من دون أن نفترض صدق بعض المسلّمات التي على ضوئها تحدث القراءة التاريخية. و الإنسان الواقعي من دون الإنسان الافتراضي إنسان خال ٍ من مضمون ؛ فمن المستحيل قراءة الإنسان من دون افتراض ما سوف يكون.

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *