د. يانوش سغيدي : هواتف وأجراس الغربة تحليل لمسرحية المقامة الغجرية (1) من تأليف فاروق أوهان

 

 

 

د. يانوش سغيدي
د. يانوش سغيدي

farook ohan 4تقديم
هل يمكن لأحد يتمتع بالحرية، والمساواة يقول:” امنحونا الحب” ذلكم هو عنوان المدخل لمسرحية المقامة الغجرية لفاروق أواهان، فمن هم هؤلاء يا ترى؟ إن المسرحية التي اتخذت أسلوب المقامة المعاصرة كما يقول مؤلفها، قد استعان بفرقة التخت الغجرية، التي تعيش في المجر حيث تجري أحداث المسرحية، ولهذا طالعنا البرولوغ بتقديم لأحوال الغجر في المجر، وكأنهم هم أنفسهم مغتربون في وطنهم.
هذه لمحة واحدة من الملامح التي أسسها المؤلف لمسرحيته التي عصرن فيها أسلوب المقامة، فجاءت المشاهد باسم مقام أي الموقف، لكي تتساوق مع الأحداث التي تجري لمغترب في المجر، وليس هناك مبرر لإلباس المسرحية ثوب المقامة ما لم يكون لها قاعدة تتمثلها هناك. لهذا اتخذ المؤلف من التخت الغجري وشخوصه رواة، ومداحين لا يتكلمون عن أنفسهم فحسب، بل ويجعل المؤلف وجودهم مقارباً لوجود الغرباء المنفين في تلك البلاد.
يقسم المؤلف مكان العرض إلى: حديقة في الوسط. وشـرفة تمتـد إلـى منتصـف مكان العرض كلسان في البحر. يجلس، ويتحرك فيها الراوي الأول. أما المساحة الباقية إلى اليسار فتنظم كمسرح داخل مسرح لإعادة الأحداث).في هذا المكان يستعرض لنا المـدّاح، المقاماتي الغجري الملقب بـ”أرباد الاتيلي” وامرأتـه “ماريكا”. طفلاه أحداث الممقامة المسرحية، ويشخصون أدوارها. من خلال الرواية المصحوبة بالضرب على الدف لتوقيع الكلام المسجوع، إضافة لحركات بهلوانية، فيرتجل الأتيلي وهو يعزف على الكمان هذا الوصف ليقول: اسمي أربـاد الأتيـلي.(ثم) إن الممثـل المغـترب جـليل الواســطي المتخصص في التأريخ. واللغات القديمة، وصديق الأوهاني. ممن تابع تطـورات المجـتمع المجـري القديمـة. قد اعترض علينا بعنف. فهو لا يؤمن بالبت بالرأي الجازم. وتقديم معلومـات قطعيـة، فيقول: (يكون مشخّص دور جليل قد آتى من عمق المسرح، ومن خلال ضباب كثيف، وهـو يرتجـف مـن الـبرد، يـنزع عنـه نظارتـه السوداء التي يعتقد بأنها تخفيـه، أو تغـير شـكله، لهاجس يسكنه بأنه ملاحق) لماذا تلاحقونني، من دلكم على مكاني، وكيف؟ دعوني وشأني لقد تركت كل المهن منـذ أن استعار شخصيتي ممثل بديل في الوطن. (ينفخ في يديه) اللعنة على البرد.. آآآه لكن هّـم التـأريخ يلاحقني دائماً، ولا يبارحني بإلحاحه، لذلك سـأجيب قدر ما يتعلّق الأمر بي. باختصار. (يتقمص شـخصية المـؤرخ) إن مـا  يمكـن أن يعوّل عليه مؤخراً. أن الأقوام المجرية، ثلاثة عناصر لأقوام هم “الهون، والمنغو، والآشور”، ما هذا البرد.
وبهذا التقديم تعترض الزوجة، وتطالب زوجها بالدخول في صلب الموضوع الخاص بالعرض، والذي جاءت هي وعائلتها لترويها كآخر ما وصلهم من حكايات عن المغتربين، وكأننا نرى فرقة إرتجالية في شوارع أية عاصمة أوروبية، أو تلك التي تنتشر في المغرب وبخاصة قرب جامع القنا في مدينة فاس، وحتى مقاهي في دمشق القديمة، والقاهرة، وبغداد، والموصل، وكثير من البلدات العربية البعيدة عن العواصم، ومظاهر المدنية الزائفة: (يعود إلى التنغيم, وربما توجيه الزوجة،والأطفـال. ثم يقوم من جديد إلى دوزنة آلة الكمان العتيقة التـي بقي منها وتر واحد، مع دقات دف زوجتـه، وصفقـات أكـف الطفلين. تترك هذه الارتجالية الحرة لإبداع المخـرج والممثلين)، فيعلن الأتيلي عنوان المقام الأول: غربة بلا ضفاف( ).
قبل غربة يونس
الغربة إذن عالم من الوحشة، والتوحد، عالم من الحنين، عالم من التوق للمكان، والشغف بالعودة بأية وسيلة؛ في حلم، أو على أجنحة طائر، أو نبتة لها مثيلاتها في الوطن. أو حتى من خلال الحواس، ومنها الشم على سبيل المثال وهذا الأتيلي يقول: ألم أقل لكم إن هذه الروائح. أو ربما تناغم لون خاص من الروائح، والألوان، قد خلق نوع من الاستدعاء الآني لدى بطلنا يونس، ربما يكون سببها التناسق بين صفـرة الأرض، والسماء الملبدة بالعواصف. (ثم) وحدها ظلت أعشاش الطيور ناشزة، ها هو أحدها يبدو مبنيّاً بيد هاوية. هاهـو جسد الطائر الذي لم يستوعبه العش. ترى ما السبب في كل ذلك. لا أظن أن العاصفة وحدها هي السبب( ).
ويبدو أن ما لدى المداح، والمداحة أكثر مما نعرف، فلقد وضع المؤلف على لسانيهما ما له علاقة بخلفية هجرة البطل يونس، وكيفية وصوله إلى بودابست، أسباب تتعلق بمعاناة الوطن تحت ظل حكومات مستبدة، وسلطات شمولية، بل وحكم دكتاتوري يتسلح بقوة ما لديه من أجهزة مخابرات، وشرطة سرية، يحارب كل من يقف ضده حتى وصل الحال بالعراقيين أن يصفوا عدالته تهكماً، بأنه يساوي بظلمه كل من يخالفه، ولا يميز بين هذا وذاك، ولعل معاناة يونس تمثل واحدة من آلاف الحالات للهروب من جحيم الطغيان: ( المداحة تضرب بالدف): إن “يونس” الذي نسيناه بين الضفتين، عندما يصل إلى الضفة الثانية يكون قد وضع ملابسـه عـلى رأسه، طوال قطعه المسافة، كما يفعل طوال مدة غربته، لكي لا يضطر العودة من جديد.  لأنه سيقوم بزيارة بساتين فستق محلة الدوّاسة، يقطف الفستق الأخضر من على الأغصان، ويتزوّد بالعطر والحب. فهو على موعد مع حبيبته،  فهذا موعد خروج الحبيبة من مدرسة الدوّاسة المتوسطة، وقد انتهت من دروسها للدورة الصيفية( ).
وغربة من ترك الدار
وكعادة من يهرب من بيته على عجل، أن يترك أغراضه الثقيلة، أو التي لا لزوم لها في هذه العجالة، وعدم معرفة المصير، فإن أهال هذا البيت قد تركوا  ركاماً من الأشياء المبعثرة بين ألعاب أطفال، وصور، وبقايا ملابس قديمة، ربما يعود هذا إلى محدودية الكمية التي سيستطيع المهاجر حملها معه، ولمسافة لا يدري أين، ومتى الوصول إليهما. قدر ضرائب المنفى، فماذا سيكتشف يونس الساكن الجديد من أحوال من سكنوا هنا قبله، وما أسرار هذه الأغراض المبعثرة، إن ما جعل يونس يهتم في البحث بين الركام ليس غير أن مسؤولة التأجير أخبرته بأنه سيجد النسخة الثانية في البيت، فأين يا ترى سيراه، ليس في أية زاوية من زوايا البيت، وليس من أمل غير البحث في الركام، لنرى ما يقوم يب ويقوله كردة فعل: كأنها بقايا بشر في مقبرة آثرية. أو ربما في قرية اضطر أهلها للهرب فجأة. (يرفع شريط تسجيل أصوات، يضعه بحرص في جيبه) لعل هذا الشريط يساعدني على معرفة ما كان يدور تحت هذا السقف. وما طبيعة أهـل هذه الدار؟ وما جنسـيتهم؟ أتمنى أن يكون ما في الشريط, بلغة أفهمها( ).
 استغراب
وبسماعه ما يدور في الشريط، يتأكد من أن من سكن البيت ليسوا سوى منفيين مثله، ومن نفسك بلده، اضطرتهم حالة طارئة للرحيل العاجل، وهنا يعتري يونس الفضول في أن يتعرف على أحوال الأسرة من خلال التسجيل فيسمع ( ): (ثم) إذن يا أولاد اسمعوا جيداً. تقول أنثى الفخاتي لصديقتها . أو جارتهـا التي حضرت لتجاور عشها على الشجرة: كوكوختي، منين أختي؟ وترد عليها جارتها التي جاءت لتستجير بها( ): ويعثر يونس في الركام دفتر مذكرات عمر رب الأسرة يدون فيه يومياته،وكيف كان وزوجته يتعاملون مع الغربة، ويجيبون على أسئلة وليدهما، بل إن زوجته ليلى كانت ولانقطاع الاتصال بالوطن، حيث لا هاتف، ولاسالة، وصديق يأتيهم بخبر عن الأهل، وأحوال الوطن، كانت تتأمل بطائر من نوع الفخات الشائع في العراق، أن يحط على شرفتها، فيجلب بغنائه ألحان الوطن التي فقدتها، فتحت عنوان هاتف من الوطن، يقرأ يونس في مذكرات عمر التي جاء فيها: إن الطائر قد جاء كهاتف دعته زوجتي في حلمها  لزائـر مـن بلادنا التي طالما طال انتظارنا له، خصوصاً بعد طـول مـدة الحرب التي اشتعلت لثمان سنوات، وقد جـاء الهـاتف عـلى شـكل طائرالفخات.
ويننتقل يونس بين صفحات المذكرات البقية التي تقول: (يقلّب أوراق في يـده) ويقـول الـزوج عمر فـي مـوضع آخـ، على لسان زوجته ليلى: إنني أتوقع قدوم شيء ما من هناك، من هذا الفضاء الفسيح، أليس من هاتف قادم من الوطن أي هاتف كان( ). وهكذا يكون للطائر معنى لدى العائلة، وأمل في أن يأتيهم على جناحيه بأخبار سارة في يوم ما، وكأن هذا الطائر قد نزل بمرحمة من السماء ليشغل الأسرة عن همومها في الغربة، حاولت الأم من خلالها أن تسرد لولديها الكثير من القصائد الشعرية، والحكايات التي تدور على لسان الجدات، وما ورثته عنهن، لكي لا ينسوا وطنهم وهويتهم، في خضم التيه في دروب المنافي المتعددة في محطاتها.
مذكرات عمر
أما يونس فقد استدرجته المعلومات التي قرأها في أوراق عمر، والشريط إلى العديد من الذكريات يوم كان يعيش مع أهله في الموصل، وبين أولاد أخواته، وكأنه معلهم، وملهمهم في الكثير من الأمور، كان يقود ألعابهم الصغيرة، ويرشدهم إلى الأغاني، والحكايات، وهم يستمتعون في حديقة البيت الخلفية، ولربما كان منظر عش الفاخات في شرفة بيته في بودابست مرتعاً لايتدراج خياله لتلك الألعاب التي كان يمارسها مع الأولاد في حوشهم الخلفي، وعش الفخات على شجرة التوت: “هكذا أتخيله مبنياً على غصن شجرة تـوت في الحـوش الخلفي لدارنـا في محلة النجارين في مدينة الموصل. ففي القيلولة تأتي أصوات الفخاتي دون غيرها لكي تلحن أغـاريد النعاس بعد غذاء موصلي دسم”( ). فتنطلق على عملية انتقاء التوت بألوانه العديدة حسب النضج أهازيج شعبية مطلعها توت، توت، حبة توت. ومن هذا التداعي ينتقل يونس إلى تداعيات أخرى أهخما تذكره لعملية الاستحمام الجماعي في حمام البيت، بعدما يعرق الأولاد، وتتسخ ملابسهم، وعلى الجدة أن تقوم بشطف أجسامهم بكل ما علق من أوساخ، وأتربة لكي تدخل كل واحد منهم في فراشه ليخلد لنوم هانئ. لكن حدثاً قاسياً يخترق كل تلك الصور الجميلة المتخيلة، حين تستدي ذاكرة يونس هجمة الشرطة، والعسس للبحث عنه، وإلقاء القبض عليه، لكنه بالمصادفة يكون قد هرب إلى بيت الجير ان، ومنها إلى الغربة الطويلة فيقول يونس:  وتقـوم الشـرطة بـاختراق كل محرّم دون رادع. وتسطو على ما يقع تحت يديها. ولما ترى الجرائد المحروقـة تنقعها بالماء، لتقـرأ فيها الأخبار الرسمية فقط ( ).
ولكي يؤكد المؤلف على وحدة مصير المنفيين، وتوحد معاناتهم، يأتي المؤجران: عمر، ويونس عند زيارة الأول للبيت لكي يسلمه مفتاح البيت، وتجري محاورة بينهما عن أمور عديدة منها كيفية الهروب من سعير الوطن، واللجوء، وحتى حكاية الطائر الكائن المشترك بين المنفيين فيسأل يونس: كيف هربت، أقصد كيف تدبرت أمر خروجك.
عمر: زورت أمراً إدارياً، برشوة عاملة طباعة الرونيو.  وفي ساعة متأخرة من ليلة                  الخميس، طفحت رائحة المستكي في نقطة المـرور الحدودية. فختم جواز سفري على عجل. وماذا حصل معك؟ أقصـد ما المضحك في الأمر.
يونس: تتشابه أمور الهروب، وتختلف تفاصيلها.
وبعد أيام يأتي عمر وعائلته ليدوعان يونس فلا يجدوه، فينهرهم الناطور، ويطردهم وهو يشير إلى أنهم ليسوا سوى غجرا ( ). (ثم) (تكون العائلة قد وصلت إلى باب الدار، وتخرج. يبعثر الناطور حاجيـات الأطفـال بقدميه، بحقد مقصود، ويخرج، صوت أزيز الطائرات). (ثم) تحدث مفارقة بأن يهجم نسر أقرع على الطائر وهو يتمشمس فيقتله، ولكنه يتركه مضطراً لأن الجيران، والأطفال صعقوا، وصار صراخهم كصوت لسارين إلهة الرعد:
المجموعة – فعطفنا عليه، بذبحه. ولم ننتظرك. والآن نطلب منك المساعدة على دفنه. وعند الباب يرى يونس الورقة التي كتبها عمر وعائلته، بقولهم أنهم بسبب هجرتهم القسرية الجديدة يهبونه الطائر كرمز للوطن( ).
وفي المقام الختامي يقوم الأتيلي بتلاوة أحكام تتعلق بقسم المواطن على أنه مهما تغرب لن ينسى وطنه، وينشد مع الجمهور أنشودة العودة للوطن، ويقترح المؤلف أن تكون الخاتمة ارتجالية يشارك فيها الجمهور تنتهي لمناقشة العرض لو توفر الجو المناسب.
الخاتمة
يقول المؤلف أوهان في مقالة ملحقة بالمسرحية بعنوان لماذا هذه المقامة: إن فن المقامة المستقى في هذا النص، لم يكن ليتخذ بالضرورة، ذلك التقليد الحرفي لسياق نمط جنس المقامة، وإلا لما فعلنا غير نوع من الإلباس قد لا يتجانس مع الشكل. لهذا فإن ما جاء أسلوب “المقامة الغجرية” لا يعدو أكـثر من التأثر بالروحية للنمط، وليس في تبني أساليب نمـط المقامـة. لهذا يقتفي المؤلف أثار الأحداث من خلال المداح مرة، والراوي يونس داخل الحدث نفسه، من خلال مستويين من التداخل في الرواية، وهما مستوى الرواية من خارج الحدث، ومستوى الرواية من داخل الأحداث التي يرويها يونس، مرة بالكلام، ومرة باستنطاق الشريط، ومرة بقرأة مذكرات يونس الذي نراه شاخصاً ليروي هو الآخر من داخل الحدث، ويضيف المؤلف في تعليماته، بأمكانية تبادل الأدورا بين المشخصين، ويمكن استخدام الدمى بمختلف أشكالها. ويضيف: وإذن فليس مـا جـاء فـي “المقامـة الغجريـة”، كلـه نقـلاً حرفياً للمقامة، لكنه غير مبتعد كثيراً عن روحيتها. بل إنه ينبع من الجذر البنائي للأسلوب، ويضيف: وإنما بالانزلاق المتدرج ما بين الحقيقة والحلم، مـا بين الرواية والتشخيص، نتفرج على أنفسنا مثلما نحادث الآخر في داخلنا.
هوامش :
1- المقامة الغجرية، مسرحية من تأليف فاروق أوهان، إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب لعام 1994.
2- الدكتور يانوش تاماش سيغدي   (Yanous Thamas Szygasy)متخصص بعلم الاستشراق: نشر هذه الدراسة في مجلة المستعرب المجرية\ خريف1999 بودابست، ترجمة د. يوسف سعيد.
3- مرجع سابق، المقامة الغجرية: أ.الأتيلي: بعيداً عن حكايات الغجر، حدثني ابن “الأوهـاني”، أنـه كان في يوم من أيام في أم الربيعين شـاب يـدعى يونس، تقلبت به الأقدار بعد أن تـرك أهلـه والـدار، وغاب عن بلاده ففضل البعد والأسفار، فاستوطن في بـلاد الشمال، لكن قدره كان يسوقه في كل بلد يطأه مـن بـلاد الغربة إلى مدينة لها ضفتان لنهر عظيم، وهذا مـا كـان يعوضـه  ذلك الحنين والشوق الكبير، لوطنه وأهله.
4- مرجع سابق، المقامة الغجرية (يفتح “يونس” الثلاجة) ما هذه الرائحة الفوّاحة؟ ليست كرائحة ثلاجات البيوت الأخرى هنـا كلها عفونة. إن لهذه الثلاجة رائحة ليست بغريبة على حواسي، تذكّـرني بـروائح سوق”السـراي” وقد انتصبت دكاكين البقالين. (ثم) آه الحمام، من الواجب عليّ تنظيفه أولاً، قبل الاغتسال، إن هذا البيت يدهشني لكثرة الاستدعاءات التي يحدثها لديّ كأني أتذكّر وبعد مضي كـل هـذه الأعـوام مـن الغربـة، أتذّكر حمام بيتنا الموصلي، وكيف كانت جدتي توقد فرنهـا بمهارة، كم تشتاق نفسي الآن للاغتسال، يا لها من ذكريات.
5- مرجع سابق، المقامة الغجرية: يونس: هل راقبك أحد؟
سهام: لا أحد من الصديقات رآني.
يونس: لم أقصد الصديقات، المخبرون يا ذكية، إلى متى لا بد لنا من تذكر دروسنا؟ هل استلمت الرسالة، من “شعلة” ؟ أي موعد آخر سيكون وأين؟
سهام: أسئلتك مزدحمة يا رفيق، أيهـا الحـبيب لنقـل لبعضا كلام حب في البداية.
يونس: الحب لتغمر الوطن ضياء تزيل كل الظلمات، وعندها يكون معنى لحبنا.
سهام – والآن إنني أجد له معاني أعظم، لأنه متوج بحب الوطن والتفاني في سبيله. (ثم) هل ستعود من حيث أتيت كما في كل مرّة.
6- مرجع سابق، المقامة الغجرية: آه لو عثرت فقط على النسخة الثانية من المفتـاح، لانتهيت من هذا العبث غـير المجدي. (تبرز آلة التسجيل الصوتيـة  فيحملها بلهفة) ها قد حصلت على بغيتي, من هذه النفايا التي أحتقرها. (ثم) مهما كان حال آلة التسـجيل هذه. سوف أسعى حـتى لقضاء نصف يومي هـذا مـن أجـل أن أصلحهـا. كيف لا ؟ وهي المفتاح لعالم سيفك الشريط, والجهاز أسراره لي دون جهود كبيرة ووقت طويل. (يجـرّب الهاتف) إن مزاج الهاتف وراء الخطوط غير رائق هذا اليوم. (يضحك معلقاً) لا بد أن الغيوم قد منعت الاسـتجابة. (ينصت) وكأن الهاتف حجـر. (يرفع الهاتف مرة ثانية، وينتظر، فيسمع صوت الهاتف). (ونننننننننننننننننن).
7- مرجع سابق، المقامة الغجرية: البنت: اقـترح أن يكون اسمه هنغارياً، مثـلاً “أرباد”، اسم زميلي في الصف.
الولد: لا بد أن يكون اسمه يمام”. اسم ابن العم “وليد”. أو الأفضل أن يكون اسمه عراق.
البنت: إن اسم فيان أحلى. ألا تذكرين ابنة صديقتك التي هربت إلى ألمانيا( ).
يونس: (من على الكرسي الهزاز الذي صار الآن في الشـرفة) هذا هو إذن مصير النسخة الثانية من مفتاح البيت! (ثم) (يقوم بربط الجهاز بالكهرباء وتشغيله يبدأ الصوت أولاً. ثم تظهر العائلة لتؤدي إيمائياً).
صوت صفية: لا أريد ليبدأ بيان قبلي إنه الأكبر وهو يعرفها أكثر مني، هيا يا بيان هيا.
صوت بيان: لا أريد،لا … لا،هيا يا أمي أعيديها لنا.
صوت ليلى: حسنا أسمعوها ولكن لأخر مرة، كيف لكما أن تعرفا الوطن وأنتما لا                              تجيدان أبسط أناشيدها، ألا تذكران نشيد : جبهة الشعب وحدي (ثم) لا يا صفية القصيدة هكذا: يا مطراً يا حلبي\ عبر بنات الجلبي\ يا مطراً يا شاشا\ عبر بنات الباشا\ يا مطرًا من ذهب.
8- مرجع سابق، المقامة الغجرية: يونس: يا لهذه أصوات إنها من بلادي. كأنني في حلم. (يقـرص خـده) أتمنى أن ما                     يحدث ليس في المنـام. إن مـا يحـدث دون سـابق إنذار هو حدث يستحق الاحتفاء به. بل والبحث عن أصوله.
9- مرجع سابق، المقامة الغجرية: ولكن ماذا سيكون هذا الشـيء, وكـيف سـيقدم إلينـا مـن فضـاء الشرفة.
يونس – وهكذا كان لها كل يوم أمنية، وقصة، ووسيلة تتخيلها، لعله يكون في الختـام طـائر تحاول أن تسـتعجله بالنداءات المتكررة، لعلها تفيد، أو تشعر القادم بالآلفة، (تظهـر ليلى وهي تحوم في بقع ضوئية متعددة، وهي تنفخ فـي أصابعها كأنها تنـادي غائباً جـاء ليطـير في هذا الفضاء تحاول استدراجه)تبدأ نداءاتها الجديدة من أغاني الطفولة: كو كو ختي وين أختي (ثم) لعل هذه الترنيمة تجتذب بنغماتها أحد طيور الفخـات الضالة، ولن يغيب عن بالها منذ ذلك اليوم نشيدها الصبـاحي بـل إنها تحاول أن تستبق فجر هذه البـلاد بسـاعتين لتوقتـه مع فجر وادينا العريق، حتى استجاب لها الحظ, وُقبلت نداءاتها، وذلك  عندما هرعت إلى زوجها في أحد الصباحات مولولة كالخرساء، وقد  عقدت المفاجأة لسانها.
10- مرجع سابق، المقامة الغجرية: هذه حلوة، وهذه حلاوتها ممزوجة بالحامض “ألمّز”. وتلك فجة وتلك بأربعة خدود. إن هذه الألوان. تشبه ما جـاء فـي رؤى “حزقيال” النبي, للوجوه الأربعة التي تخيّلها بخدود ملونة هي, خدّ أبيض، وخدّ وردي، وخدّ أحمر، وخـدّ رابـع شـرابي. وهذا هو لوني المفضل، شرابي مثل لون أصباغ قماش الموسلين التي تشتهر به مدينة الموصل منذ زمن بعيـد. ولحبـة التـوت الشرابية اللون ميزة أخـرى، وهـي أنهـا تكـون كلهـا ناضجـة نبيذية المذاق والرائحة.
11- مرجع سابق، المقامة الغجرية: شرطي 1: آآآه أنظروا ماذا وجدت،،، كتاب غلافه أحمر ها،ها،ها.
شرطي 2: أنظروا الكارثة, لقد حرقوا صورة الحاكم.
ر.عرفاء: ما هذا الهذر، لقد فرّ الفأر من المصيدة. (ثم)
شرطي 2: لنأخذ معنا الجرائد التي حرقت فيها صورة الحاكم.
شرطي 1: ماذا سنفعل بها مادام الفأر قد هرب؟ (ثم)
شرطي 2: (يشير إلى عجوز يقف ويده تـرتعش مـن شـلل)، وهل هذا ليس بقادر على تحمل التهمة؟ إنه منذ الآن خائف، وسوف يدلنا على الفأر.
12- مرجع سابق، المقامة الغجرية: ليلى: الطائر ليس في عشه. (ثم) ماذا نفعل إذن؟ فعلينا أن نخرج قبل قدوم أحد غريب.(ثم) هل ستقول له أننا مضطرين للهجرة ثانية؟
بيان: (صوت أزيز، وضوضاء) آآآه آذاني تؤلمني من الصوت.
صفية: (تصرخ, وتهرب إلى الشرفة) الطائر، سوف يقتل.
الناطور: (يطل الناطور برأسه) هل عدتم من جديد؟ يا غجر. (ثم) لو تتأخر قليلاً سترى.
عمر: هذه الدار لقريبنا (يترك ورقة مكتوبة في مكان بارز).
صفية: (تنتحب) طائرنا سوف يقتل، ونحن بلا دار.
13 – مرجع سابق، المقامة الغجرية: عزيزنا السيد يـونس، لقـد قررنـا أنـا، وزوجـتي، وولديّ بالإجماع أن نهبك الطائر سلمان نهائياً. لأننا قد وُعدنا بالحصول على حق اللجـوء إلـى إحدى الدول الشمالية أخيراً. وليس لنا من خيار آخر حتى الآن. فها قد ضـاع منـّا كـل شـيء.

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: ملاحظات سريعة عن السخرية في “عجيبة بيت أبي بشارة” لنبيل عودة

أولاً) لا مكان للهزل في العالم الساخر “النبيلي”، فالسخرية تبنى بالجاد، منذ الكلمات الأولى حتى …

سميح صباع شاعر غادرنا قبل الأوان
انت حي بشعرك أيها الشاعر !!
نبيل عودة

تحل في هذه الأيام، الذكرى السنوية لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه، مخلفا …

عصمت دوسكي بين الإحساس والوجود
كلستان المرعي- سوريا

* نعلم أن العدالة مستحيلة في أوطاننا فوزعوا الظلم بالعدل . !! * غنى التشابيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *