مهدي شاكر العبيدي : حكاية يوسف الفهري

mehdi shaker 6       يوسف بن عبد الرحمن الفهري وُلـِّيَ ( قرطبة ) زمن العباسيينَ ، عُقيْبَ إجهازهم على دولة بني أمية في الشام ، وفلتَ من بين أيديهم ــ رغم ملاحقتهم وتعقبهم لأعيانها ورجالاتها العاملينَ ــ مَن يُدعَى في المدوَّنات التاريخية والمُجْمَع على صحَّة رواياتها وواقعية أخبارها ، بـ : عبد الرحمن الداخل الذي أراح ركابه في الديار الأندلسية كما هو معروف ، وهناك شيَّد مُلكا ً ، وبنى دولة ، بعد خوضه حروبا ً متصلة ، واشتباكه مع أخصامه المتمثلينَ في حُكـَّام البلد الذي تسلل إليه وحلَّ فيه ، وفي الرؤساء والمُتزَعمينَ الذينَ استحوذوا على تلك الجهات البعيدة ، والتي خلص فيها الزمام بالتالي لأفراد أسرته الأموية ، حتى إذا استوى عوده وضحكتْ له الدنيا وانتهى إلى شيءٍ من الاقتدار على اجتياح المدن الأندلسية ، يكون أدرك ثأره النهائي في معركة ( الوادي الكبير ) بالقضاء على مَن عهد له العباسيون بالولاية والحكم هناك ، واضطرَّه إلى النكوص والتراجع ، وأيأسه من استردادها واستعادة هيمنته عليها .

ونسيْتُ اليوم بعد خمسة عقود مرَّتْ اسم والد الأستاذ يوسف ، أحد معلمي مدرسة ( جناجة ) الابتدائية ، حيث ترتبط القرية التي تقع فيها بقصبة الهندية من ناحية إدارية ، علما ً أنَّ المسافة بينهما قصيرة جدا ً ، وبوسع الماشينَ على الأقدام قطعها بنصف ساعة أو أقل من هذا المقدار ببضع دقائق ، وكنـَّا ندعوه على سبيل المزاح والملاطفة بـ ( يوسف الفهري ) ، ولعلَّ السيد نوري المالكي يتذكره إنْ كان مداوما ً في المدرسة المذكورة حتى العام 1959م ، ففي بداية صيف ذلك العام انفصمَتْ علاقة الأستاذ يوسف الفهري بمهنته التعليمية ولأعوام ٍ تالية ، فقد سِـيْقَ للحبس أيَّام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ، الذي تورَّط الناس أو ورَّطهم في مزيدٍ من التفاؤل والتعويل على ثورته في أنْ تتبدَّل أحوالهم وتتغيَّر أوضاعهم ، فتاقوا لحياةٍ تظلهم بمواضعاتها الجديدة في تغليب شرعة العدل والاستقامة على ما سواها من انتهاج سبيل الختل والمداهنة ، وتطليق كلما يدلُّ على التمام والكمال في أشغالنا وأعمالنا ، أو أنـَّها تخلو في جانبٍ منها من الإجحاف والغبن وإنزال الحَيْفِ بلا موجب بهذا الفرد أو ذاك ، حتى إذا استفاقتِ الناس من تأثير المُخَدِّر الذي استنامَتْ به عقولها ، تنبَّهَتْ إلى أنـَّها كانتْ تجري وراء الوعود والأماني ، وتلهث في سبيل الشعارات الجوفاء والكلمات الفارغة ، وأنـَّها لم تظفر بما كانتْ تأمله وترتجيه من خلاصها وانعتاقها من آصار الكبتِ والحجر على الفكر واضطهاد الحريات ، فإذا هم يلفونَ في منجزات الثورة ــ مثلا ً ــ من قانون الإصلاح الزراعي ، وتشييد ميناء أم قصر ، وتحرير العملة العراقية من طوق الجنيه الاسترليني ، ومشروعات إسكان الموظفينَ في كلِّ مكان ، فقانون رقم ( 80 ) لتحجيم الشركات النفطية ووضع حد لانتهاكها حقوق البلاد ونهب ثرواتها  ؛ قلتُ إذا هم يلفون في منجزاتها أعمالا ً ليسَتْ بذات خطر ، ماداموا قد ارتكسوا في هوَّة الاحتراب والجدل حول لا شيء ، سوى ترجيح هذا النفر أو ذاك لرأيه ، وتناهيه في إثبات ملاءمته لصالح البلد ، وتساوقه هو وتاريخه وأقداسه ، ويعنونَ لنفس الإجراءات المألوفة سابقا ً من إطلاق المخبرينَ السريينَ ، وإباحة تغلغلهم وسط الجمهور ، والاستماع لوشاياتهم وتلفيقاتهم ، واحتساب ألف حساب لإلمامهم بـ ( القهوات ) ، وشهود تنابزهم فيها وتصارعهم حول مبادئ الأحزاب ، وأيُّها أنفع وأنصع ، حتى شهدوا إبَّان تلك الحقبة المتأخِّرة من حكم الزعيم قيام السلطات المحلية في أنحاء البلاد كافة بإغلاق هذه ( القهوات ) ، التي يعمُّ فيه الشجار والتنازع بذريعة الحفاظ على الأمن ، وإسلام أربابها وعملتها للعطالة ، وكي لا يُخَيَّل أنَّ ثورة عبد الكريم قاسم حنثتْ بما قطعته من وعود لأنصارها في أنْ تزيح عن كاهلهم طائلة الجور والعذاب ، وتزيل من عالمهم القتامة والاربداد ، وتجدِّد عهدهم بالأمل والتطلع ، ألقى الزعيم ذات مساء خطابا ً أعلن فيه عفوه عمَّن استهدفه في منطقة ( رأس القرية ) ، وشفعه ببيان ٍ في اليوم التالي أفرج فيه عن المسجونينَ من جميع الاتجاهات والفئات ، ووعد أنْ يستأنف المفصولونَ أعمالهم ووظائفهم .

وكان السيد يوسف الفهري من جملة أولاء الذينَ استردُّوا حريَّتهم ، وهو لا يدري أيَّ جريرة اقترفها ، سوى أنـَّه كان مجرَّد متفرِّج على احتفال استفزازي وكيدي من لدن فئة لفئة أخرى ، وذلك ابتهاجا ً بذكرى الثورة ، فتأمَّل .

وشرع غبَّ ذاك بمراجعة ديوان وزارة المعارف لتمشية معاملة إعادة تعيينه تنفيذا ً لأمر قائد الثورة ، فلقي التلكؤ في الاستجابة لطلبه من لدن غير موظف ينتظر صدور أمر ممَّن فوقه ، حتى وجد نفسه هو وأقرانه بمواجهة عبد الكريم قاسم ذات يوم صدفة أثناء زيارته التفقدية لأعمال الوزارة ، فشرحوا له حالهم شاكينَ من إهمال قضيَّتهم ، وصارحه السيد يوسف الفهري قائلا ً : (( إنتَ بس تخطب ، ولا أكو واحد ينفذ )) ، وقابل الزعيم الحليم هذه الجراءة بابتسامة فضحكة ! ، ودخل بهم إلى مكتب الوزير وأوصاه أنْ يستعجل تسوية شأنهم وأنْ يرفق بهم ، حتى إذا غادر الوزارة ، خاطبهم الوزير إسماعيل عارف الذي هو من ضباط الثورة بقوله : (( روحوا وَرَه عبد الكريم خلي يعينكم )) .

وبعدها بمدَّةٍ قد تكون وجيزة جدَّتْ أمور وعصفتْ أحداث ، وخلالها وبعدها استقرَّ السيد يوسف الفهري ببغداد ، وهجر بلدته ، وافتتح دكانا ً لبيع الملابس القديمة أو المستعملة ( اللنكة ) في شارع المأمون ، إلى أنْ أعيد لوظيفته إبَّان عهدٍ تبوَّأ فيه المرحوم صبحي عبد الحميد وزارة الداخلية ، الذي نِيْط َ به هذه المرَّة النظر   بأمرهم ، وأثناء مراجعته وتقديمه أوراقه لهذا المسؤول أو ذاك صادفه أيضا ً مثل ذينك التلكؤ والتواني القديمين ِ والتراخي في إنجازها على وجه السرعة ، فشكاهم إلى الوزير الذي وبَّخ منتسبيه وعابهم على استهانتهم بتدابير عبد الكريم قاسم بالأمس ، والذي لا يشبهه هو في تسامحه وإغضائه ، إنْ لم يستعض عنهما بالتأديب والردع والقساوة ، لكنَّ صبحي عبد الحميد ــ الذي لبث قعيد دارته في سنيِّه الأخيرة ــ ادَّرع الحذر والاحتراس ، وحرص على ستر الحال ، غداة جاءه صحفي عارضا ً عليه إجراء مقابلةٍ صحفية ، بغية استثارته واستنطاقه وحمله على البوح بمكنونه ، بناءً على طلب جهةٍ ما ، فشاب أقواله يومها والتي نشرتها جريدة ( العراق ) شيءٌ من المدارة والتقيَّة ، بل المُماشاة والمسايرة .

وآخر مرَّة التقيتُ بالسيد يوسف الفهري كانتْ ــ بعد تقاعده من الوظيفة الحكومية ــ في حي العامرية ببغداد عام 1980م ، وقد مارس الدلالة والتوسُّط لبيع الدور والعقارات ، فألفيته حائرا ً مستغربا ً أنْ كيف دبَّرَتْ هذه السيدة مبلغا ً طائلا ً من المال قوامه ستة وثلاثون ألف دينار ، ودفعتها طواعية مقابل شرائها لدار ٍ كان هو واسطة الخير للسعي فيها ! ، فقد كانت الحياة قبل أنْ نمنى بمآسي الحروب تجري على يسرها ، حتى تفاقمَتْ صعوباتها ، واختلتْ معاييرها وقياساتها ، وتبدَّلتْ فيها أخلاق الناس ، وتزعزعَتْ ثقة بعضهم بدخيلة البعض الآخر ، نتيجة استشراء مناكداتها وخطوبها .

مهدي شاكر العبيدي
دمشق
MahdiShakerAlobadi@yahoo.com

شاهد أيضاً

فلنصمد وحدنا لنخرج وحدنا
(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان)
مادونا عسكر/ لبنان

(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان) كتب جبران خليل جبران قبل …

قارّة يُرادُ لها أن تكون كهفاً
نزهةٌ سايكولوجية في المستوطنة الفيسبوكية العراقية
فلاح حكمت*

يحفلُ تراثنا العربي – رغم قساوته ودمويته التي لاسبيل لنكرانها – بالكثير من الأمثولات الأخلاقية …

عصام الياسري: الفلسطيني إياس ناصر.. شاعراً ومفكراً في عهدة زمانه

بعد انقطاع دام لأشهر معدودة، كتب لي في ١ تموز ٢٠٢٠، الباحث والشاعر الفلسطيني “إياس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *