داود سلمان الشويلي : تجلّيات الاسطورة؛ قصّة يوسف بين الاسطورة والنص الديني (الحلقة السادسة والأخيرة)

dawod alshowailykh dawod 2– النص كما ذكر في كتب التاريخ الاسلامي:

يجمع هذا النص المأخوذ من تاريخ الطبري بين النص الاسلامي والنص اليهودي وما اضيف لهما مما تداولته السنة القصاصين المسلمين الذين سمع عنهم الطبري ، والذين كانوا قد سمعوا كل تلك الاضافات – ان كان ذلك في فترة النبوة او قبلها – مما كان يدور بين الناس، اقصد الاسرائيليات .
((كان يعقوب حين ولدله يوسف قد كان حضنه عمته فكان معها واليها فلم يحب أحد شيئا من الاشياء حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات ووقعت نفس يعقوب عليه أتاها فقال يا أخية سلمى إلى يوسف فو الله ما أقدر على أن يغيب عنى ساعة، قالت فو الله ما أنا بتاركته قال فوالله ما أنا بتاركه قالت فدعه عندي أياما انظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسلينى عنه أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة اسحق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ثم قالت لقد فقدت منطقة اسحق فانظروا من أخذها ومن أصابها فالتمست ثم قالت اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف فقالت والله انه لى لسلم أصنع فيه ما شئت قال وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها أنت وذاك ان كان فعل ذلك فهو سلم لك ما أستطيع غير ذلك فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت قال فهو الذى يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) فلما رأت اخوة يوسف شدة حب والدهم يعقوب إياه في صباه وطفولته وقلة صبره عنه حسدوه على مكانه منه وقال بعضهم لبعض ( ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ) يعنون بالعصبة الجماعة وكانوا عشرة ( إن أبانا لفى ضلال مبين ) ثم كان من أمره وأمر يعقوب ما قد قص الله تبارك وتعالى في كتابه من مسألتهم إياه إرساله إلى الصحراء معهم ليعى وينشط ويلعب وضمانهم له حفظه وإعلام يعقوب إياهم حزنه بمغيبه عنه وخوفه عليه من الذئب وخداعهم والدهم بالكذب من القول والزور عن يوسف ثم ارساله معهم وخروجهم به وعزمهم حين برزوا به إلى الصحراء على إلقائه في غيابة الجب فكان من أمره أرسله يعنى يعقوب يوسف معهم فأخرجوه وبه عليهم كرامة فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويقول يا أبتاه يا يعقوب لم تعلم ما يصنع بابنك بنو الاماء فلما كادوا يقتلونه فجعل يصيح قال يهوذا أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا اخوتاه ردوا على قميصي أتوارى به في الجب فقالوا ادع الشمس والقمر والاحد عشر كوكبا تؤنسك قال إنى لم أر شيئا فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها القوة إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها فلما ألقوه في الجب جعل يبكى فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فارادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه فقام يهوذا فمنعهم وقال قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه وكان يهوذا يأتيه بالطعام ثم أخبر تبارك وتعالى عن وحيه إلى يوسف عليه الصلاة والسلام وهو في الجب لينبئن اخوته الذين فعلوا به ما فعلوا بفعلهم ذلك وهم لا يشعرون بالوحى الذى أوحى إلى يوسف وأوحينا إليه لتنبئنهم بامرهم هذا قال أوحى إلى يوسف وهو في الجب أن ينبئهم بما صنعوا به وهم لا يشعرون بذلك الوحى .
خبره تعالى عن اخوة يوسف ومجيئهم إلى أبيه عشاء يبكون يذكرون له أن يوسف أكله الذئب وقول والدهم ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ) ثم خبره جل جلاله عن مجئ السيارة وإرسالهم واردهم وإخراج الوارد يوسف وإعلامه أصحابه به بقوله ( يا بشراى هذا غلام ) يبشرهم * يا بشراى هذا غلام تباشروا به حين أخرجوه وهى بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها * وقد قيل إنما نادى الذى أخرج يوسف من البئر صاحبا له يسمى بشرى فناداه * باسمه الذى هو اسمه كذلك ذكر عن السدى * في قوله يا بشراى هذا غلام قال اسم الغلام بشرى كما تقول يا زيد * ثم خبره عزوجل عن السيارة وواردهم الذى استخرج يوسف من الجب إذ اشتروه من اخوته ( بثمن بخس دراهم معدودة ) على زهد فيه واسرارهم إياه بضاعة خيفة ممن معهم من التجار مسئلتهم الشركة فيه إن هم علموا أنهم اشتروه كذلك قال في ذلك أهل التأويل * ( وأسروه بضاعة ) قال صاحب الدلو ومن معه قالوا لاصحابهم إنا استبضعناه خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه وتبعهم اخوته يقولون للمدلى وأصحابه استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر فقال من يبتاعني وببشر فاشتراه الملك والملك مسلم * لما اشتراه الرجلان فرقوا من الرفقة أن يقولوا اشتريناه فيسئلوهم الشركة فيه فقالوأ إن سألونا ما هذا قلنا بضاعة اسبضعناها أهل الماء فذلك قوله وأسروه بضاعة * فكان بيعهم إياه ممن باعوه منه بثمن بخس وذلك الناقص القليل من الثمن الحرام وقيل أنهم باعوه بعشرين درهما ثم اقتسموها وهم عشرة درهمين درهمين وأخذوا العشرين معدودة بغير وزن لان الدراهم حينئذ فيما قيل إذا كانت أقل من أوقية وزنها أربعون درهما لم تكن توزن لان أقل أوزانهم يومئذ كانت أوقية وقد قيل إنهم باعوه بأربعين درهما وقيل باعوه باثنين وعشرين درهما وذكر أن بائعه الذى باعه بمصر كان مالك بن دعر ابن بويب بن عفقان بن مديان بن ابراهبم الخليل عليه السلام ، وأما الذى اشتراه بها وقال لامرأته أكرمي مثواه فإن اسمه فيما ذكر عن ابن عباس قطين ، عن ابن عباس قال كان اسم الذى اشتراه قطفير وقيل إن اسمه أطفير ابن روحيب وهو العزيز وكان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق كذلك.
فاما غيره فإنه قال كان يومئذ الملك بمصر وفرعونها الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة ابن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وقد قال بعضهم إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه * ثم مات ويوسف بعد حى ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق ابن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام ، وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الاسلام فأبى أن يقبل وذكر بعض أهل التوراة أن في التوراة أن الذى كان من أمر يوسف واخوته والمصير به إلى مصر وهو ابن سبع عشرة سنة يومئذ وأنه أقام في منزل العزيز الذى اشتراه ثلاث عشرة سنة وأنه لما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر الوليد بن الريان وأنه مات يوم مات وهو ابن مائة سنة وعشر سنينوأوصى إلى أخيه يهوذا وأنه كان بين فراقه يعقوب واجتماعه معه بمصر اثنتان وعشرون سنة وان مقام يعقوب معه بمصر بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة وأن يعقوب صلى الله عليه وسلم أوصى إلى يوسف عليه السلام وكان دخول يعقوب مصر في سبعين انسانا من أهله فلما اشترى أطفير يوسف وأتى به منزله قال لاهله واسمها راعيل ( أكرمي مثوا ، عسى أن ينفعنا ) فيكفينا إذا هو بلغ وفهم الامور بعض ما نحن بسبيله من أمورنا ( أو نتخذه ولدا ) وذلك أنه كان فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق رجلا لا يأتي النساء وكانت امرأنه راعيل حسناء ناعمة في ملك ودنيا فلما خلا من عمر يوسف عليه السلام ثلاث وثلاثون سنة أعطاه الله عزوجل الحكم والعلم ، ( آتيناه حكما وعلما ) قال العقل والعلم قبل النبوة ( وراودته ) حين بلغ من السن أشده ( التى هو في بيتها عن نفسه ) وهى راعيل امرأة العزيز أطفير ( وغلقت الابواب ) عليه وعليها الذى أرادت منه وجعلت فيما ذكر تذكر ليوسف محاسنه تشوقه بذلك إلى نفسها ذكر من قال ذلك ، ( ولقد همت به وهم بها ) قال قالت له يا يوسف ما أحسن شعرك قال هو أول ما ينتثر من جسدي قالت يا يوسف ما أحسن عينيك قال هي أول ما يسيل إلى إلى الارض من جسدي قالت يا يوسف ما أحسن وجهك قال هو للتراب يأكله فلم تزل حتى أطمعته فهمت به وهم بها فدخلا البيت وغلقت الابواب وذهب ليحل سراويله فإذا هو بصورة يعقوب قائما في البيت قد عض على أصبعه يقول يا يوسف لا تواقعها فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق ومثلك إن واقعتها مثله إذا مات وقع في الارض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ومثلك ما لم يواقعها مثل الثور الصعب الذى لا يعمل عليه ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه فربط سراويله وذهب ليخرج يشتد فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه وسقط وطرحه يوسف واشتد نحو الباب . عن ابن عباس سئل عن هم يوسف ما بلغ قال حل الهميان وجلس منها مجلس الحائز * ما بلغ من هم يوسف قال استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه فصرف الله تعالى عنه ما كان هم به من السوء بما رأى من البرهان الذى أراه الله فذلك فيما قال بعضهم صورة يعقوب عاضا على أصبعه وقال بعضهم بل نودى من جانب البيت أتزني فتكون كالطير وقع ريشه فذهب يطير ولا ريش له وقال بعضهم رأى في الحائط مكتوبا ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد باب البيت فرارا مما أرادته منه وأتبعته راعيل فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبته بقميصه من قبل ظهره فقدت قميصه وألفى يوسف وراعيل سيدها وهو زوجها أطفير جالسا عند الباب مع ابن عم لراعيل ، وألفيا سيدها لدا الباب قال كان جالسا عند الباب وابن عمها معه فلما رأته قالت ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) إنه راودني عن نفسي فدفعته عن نفسي فأبيت فشققت قميصه قال يوسف بل هي راودتني عن نفسي فأبيت وفررت منها فأدركتني فشقت قميصي فقال ابن عمها تبيان هذا في القميص فإن كان القميص قدمن قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان القميص قدمن دبر فكذبت وهو من الصادقين فأتى بالقميص فوجده قدمن دبر قال ( إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين ) قال ما كان يوسف يريد أن يذكره حتى قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال فغضب وقال هي راودتني عن نفسي * وقد اختلف في الشاهد الذى شهد من أهلها إن كان قميصه قدمن قبل فصدقت وهو من الكاذبين فقال بعضهم ما ذكرت عن السدى وقال بعضهم كان صبيا في المهد وقد روى في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تكلم أربعة وهم صغار فذكر فيهم شاهد يوسف * عن ابن عباس قال تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة ابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم ، وقد قيل إن الشاهد كان هو القميص وقده من دبره ذكر بعض من قال ذلك * ( وشهد شاهد من أهلها ) قال قميصه مشقوق من دبره فتلك الشهادة فلما رأى زوج المرأة قميص يوسف قد من دبر قال لراعيل زوجته إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ثم قال ليوسف أعرض عن ذكر ما كان منها من مراودتها إياك عن نفسها فلا تذكره لاحد ثم قال لزوجته استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز بمصر ومراودتها إياه على نفسها فلم ينكتم وقلن ( امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا ) قد وصل حب يوسف إلى شغف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها وشغاف القلب غلافه وحجابه ، ( قد شغفها حبا ) قال فالشغاف جلدة على القلب يقال لها لسان القلب يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب فلما سمعت امرأة العزيز بمكرهن وتحدثهن بينهن بشأنها وشأن يوسف وبلغها ذلك أرسلت اليهن واعتدت لهن متكأ يتكئن عليه إذا حضرنها من وسائد وحضرنها فقدمت اليهن طعاما وشرابا وأترجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا تقطع به الاترج ، ( وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ) قال اعطتهن أترجا واعطت كل واحدة منهن سكينا فلما فعلت امرأة العزيز ذلك بهن وقد أجلست يوسف في بيت ومجلس غير المجلس الذى هن فيه جلوس قالت ليوسف ( أخرج عليهن ) فخرج يوسف عليهن فلما رأينه أجللنه وأكبرنه وأعظمنه وقطعن أيديهن بالسكاكين التى في أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن بها الاترج وقلن معاذ الله ما هذا إنس ( إن هذا إلا ملك كريم ) فلما حل بهن ما حل من قطع أيديهن من أجل نظرة نظرنها إلى يوسف وذهاب عقولهن وعرفتهن خطأ قيلهن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه وانكارهن ما أنكرن من أمرها أقرت عند ذلك لهن بما كان من مراودتها اياه على نفسها فقالت ( فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) بعد ما حل سراويله * قالت فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، تقول بعد ما حل السراويل استعصم لا أدرى ما بدا له ثم قالت لهن ( ولئن لم يفعل ما آمره ) من إتيانها ( ليسجنن وليكونا من الصاغرين ) فاختار صلى الله عليه وسلم السجن على الزنا ومعصية ربه فقال ( رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه ) . السدى قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه من الزنا واستغاث بربه عزوجل فقال ( وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) فاخبر الله عزوجل انه استجاب له دعاءه فصرف عنه كيدهن ونجاه من ركوب الفاحشة ثم بدا للعزيز من بعد ما رأى من الآيات ما رأى من قد القميص من الدبر وخمش في الوجه وقطع النسوة ايديهن وعلمه ببراءة يوسف مما قرف به في ترك يوسف مطلقا وقد قيل ان السبب الذى من أجله بدا له في ذلك ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين قال قالت المرأة لزوجها ان هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم انى راودته عن نفسه ولست أطيق ان أعتذر بعذري فاما ان تأذن لى فاخرج فاعتذر وإما ان تحبسه كما حبستنى فذلك قول الله عزوجل ” ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ” فذكر أنهم حبسوه سبع سنين ذكر من قال ذلك، ليسجننه حتى حين قال سبع سنين فلما حبس يوسف في السجن صاحبه العزيز أدخل معه السجن الذى حبس فيه فتيان من فتيان الملك صاحب مصر الاكبر وهو الوليد بن الريان أحدهما كان صاحب طعامه والآخر كان صاحب شرابه ، حبسه الملك وغضب على خبازه بلغه انه يريد أن يسمه فحبسه وحبس صاحب شرابه ظن انه مالاه على ذلك فحبسهما جميعا فذلك قول الله عزوجل ودخل معه السجن فتيان فلما دخل يوسف قال لما دخل يوسف السجن قال انى اعبر الاحلام فقال احد الفتيين لصاحبه هلم فلنجرب هذا العبد العبراني فتراءيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا فقال الخباز ( إنى أرانى أحمل فوق رأسي خبزا ياكل الطير منه ) ( وقال الآخر إنى أرانى أعصر خمرا ) ( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) فقيل كان إحسانه ما حدثنا به اسحاق بن أبى اسرائيل قال حدثنا خلف بن خليفة عن سلمة بن نبيط عن الضحاك قال سأل رجل الضحاك عن قوله ” انا نراك من المحسنين ” ما كان احسانه قال كان إذا مرض انسان في السجن قام عليه وإذا احتاج جمع له وإذا ضاق عليه المكان وسع له فقال لهما يوسف ( لا يأتيكما طعام ترزقانه – في يومكما هذا – إلا نبأتكما بتأويله ) في اليقظة وكره صلى الله عليه وسلم ان يعبر لهما ما سألاه عنه وأخذ في غير الذى سألا عنه لما في عبارة ما سألا عنه من المكروه على أحدهما فقال ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) فكان اسم أحد الفتيين اللذين أدخلا السجن محلب وهو الذى ذكر أنه رأى فوق رأسه خبزا واسم الآخر نبو وهو الذى ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرا فلم يدعاه والعدول عن الجواب عما سألاه عنه حتى أخبرهما بتأويل ما سألا عنه فقال ( أما أحدكما فيسقى ربه خمرا ) وهو الذى ذكر انه رأى كأنه يعصر خمرا ( وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ) فلما عبر لهما سألاه تعبيره قالا ما رأينا شيئا * في الفتيين اللذين أتيا يوسف في الرؤيا إنما كانا تحالما ليختبراه فلما أول رؤياهما قالا انما كنا نلعب قال قضى الامر الذى فيه تستفتيان ثم قال لنبو وهو الذى ظن يوسف أنه ناج منهما اذكرني عند ربك يعنى عند الملك فأخبره أنى محبوس ظلما فأنساه الشيطان ذكر ربه غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان * قال قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قال قيل يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لا طيلن حبسك قال فبكى يوسف وقال يا رب أنسى قلبى كثرة البلوى فقلت كلمة فويل لاخوتي * عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يقل يوسف يعنى الكلمة التى قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغى الفرج من عند غير الله عزوجل فلبث في السجن فيما حدثنى الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعانى قال سمعت وهبا يقول أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين . ثم إن ملك مصر رأى رؤيا هالته * إن الله عزوجل أرى الملك في منامه رؤيا هالته فرأى سبع بقرات سمان ياكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات فجمع السحرة والكهنة والحازة والقافة فقصها عليهم فقالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الا حلا بعالمين فقال الذى نجا من الفتيين وهو نبو ادكر حاجة يوسف بعد أمة يعنى بعد نسيان أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يقول فأطلقون فأرسلوه فأتى يوسف فقال أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خصر وأخر يابسات فان الملك رأى ذلك في نومه * لم يكن السجن في المدينة فانطلق الساقى إلى يوسف فقال أفتنا في سبع بقرات سمان الآيات * أفتنا في سبع بقرات سمان فالسمان المخاصيب والبقرات العجاف هن السنون المحول الجدوب قوله ( وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ) أما الخضر فهن السنون المخاصيب وأما اليابسات فهن الجدوب المحول فلما أخبر يوسف نبو بتأويل ذلك أتى نبو الملك فأخبره بما قال له يوسف فعلم الملك أن الذى قال يوسف من ذلك حق قال ائتونى به لما أتى الملك رسوله فأخبره قال ائتونى به فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك أبى يوسف الخروج معه وقال ( ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم ) لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة يقول هذا الذى راود امرأتي فلما رجع الرسول إلى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك النسوة فقال لهن ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن لما قال الملك لهن ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه ودخل معها البيت فقالت امرأة العزيز حينئذ الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين فقال يوسف ذلك هذا الفعل الذى فعلت من ترديدي رسول الملك بالرسالات التى أرسلت في شأن النسوة ليعلم اطفير سيدى أنى لم أخنه بالغيب في زوجته راعيل وأن الله لا يهدى كيد الخائنين فلما قال ذلك يوسف قال له لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين قال يوسف ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين قال فقال له حبرائيل ولا يوم هممت بها فقال وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء فلما تبين للملك عذر يوسف وأمانته قال ائتونى به أستخلصه لنفسي فلما أتى به وكلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين فقال يوسف للملك اجعلني على خزائن الارض * اجعلني على خزائن الارض قال كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام فسلم سلطانه كله إليه وجعل القضاء إليه أمره وقضاؤه نافذ * قوله اجعلني على خزائن الارض قال على حفظ الطعام إنى حفيظ عليم يقول إنى حفيظ لما استودعتني عليم بسنى المجاعة فولاه الملك ذلك * لما قال يوسف للملك اجعلني على خزائن الارض إنى حفيظ عليم قال الملك قد فعلت فولاه فيما يذكرون عمل اطفير وعزل اطفير عما كان عليه يقول الله تبارك وتعالى ( وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحنسين ) قال فذكر لى والله أعلم ان اطفير هلك في تلك الليالى وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة اطفير راعيل وأنها حين دخلت عليه قال أليس هذا خيرا مما كنت تريدين قال فيزعمون أنها قالت أيها الصديق لا تلمني فانى كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء وأصابها فولدت له رجلين افرابيم بن يوسف وميشا بن يوسف * ” وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء ” قال استعمله الملك على مصر وكان صاحب أمرها وكان يلى البيع والتجارة وأمرها كله فذلك قوله ” وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء ” فلما ولى يوسف للملك خزائن أرضه فاستقر به القرار في عمله ومضت السنون السبع المخصبة التى كان يوسف أمر بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيها فيه ودخلت السنون المجذبة وقحط الناس أجدبت بلاد فلسطين فيما أجدب من البلاد ولحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذى كانوا فيه فوجه يعقوب بنيه * أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التى هو بها فبعث بنيه إلى مصر وأمسك أخا يوسف بنيامين فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون فلما نظر إليهم قال اخبروني ما أمركم فإنى أنكر شأنكم قالوا نحن قوم من أرض الشأم قال فما جاء بكم قالوا جئنا نمتار طعاما قال كذبتم أنتم عيون كم أنتم قالوا عشرة قال أنتم عشرة آلاف كل رجل منكم ألف فأخبروني خبركم قالوا إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثنى عشر وكان أبو نا يحب أخا لنا وإنه ذهب معنا البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا قال فإلى من سكن أبو كم بعده قالوا إلى أخ لنا أصغر منه قال فكيف تخبرونني أن أباكم صديق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير ائتونى بأخيكم هذا حتى أنظر إليه فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ، قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون * قال فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا فوضعوا شمعون * كان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد قد آسى بينهم فكان لا يحمل للرجل إلا بعيرا واحدا ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين تقسيطا بين الناس وتوسيعا عليهم فقدم عليه إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر فعرفهم وهم له منكرون لما أراد الله تعالى أن يبلغ بيوسف مما أراد ثم أمر يوسف بأن يوقر لكل رجل من إخوته بعيره فقال لهم ائتونى بأخيكم من أبيكم لا حمل لكم بعيرا آخر فتزدادوا به حمل بعير ألا ترون أنى أوف الكيل فلا أبخسسه أحدا وأنا خير المنزلين وأنا خير من أنزل ضيفا على نفسه من الناس بهذه البلدة فأنا أضيفكم فإن لم تأتوني بأخيكم من أبيكم فلا طعام لكم عندي أكيله ولا تقربوا بلادي وقال لفتيانه الذين يكيلون الطعام لهم اجعلوا بضاعتهم وهى ثمن الطعام الذى اشتروه به في رحالهم * اجعلوا بضاعتهم في رحالهم أي ورقهم فجعلوا ذلك في رحالهم وهم لا يعلمون فلما رجع بنو يعقوب إلى أبيهم قالوا يا أبانا إن ملك مصر أكرمنا كرامة لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته وإنه ارتهن شمعون وقال ائتونى بأخيكم هذا الذى عطف عليه أبو كم بعد أخيكم الذى هلك فإن لم تأتوني به فلاكيل لكم عندي ولا تقربوني أبدا قال يعقوب هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين قال فقال لهم يعقوب إذا أتيتم ملك مصر فأقرؤه منى السلام وقولوا له إن أبانا يصلى عليك ويدعو لك بما أوليتنا * خرجوا حتى إذا قدموا على أبيهم وكان منزلهم فيما ذكرني بعض أهل العلم بالعربات من أرض فلسطين بغور الشأم وبعضهم يقول بالاولاج من ناحية الشغب أسفل من حسمى فلسطين وكان صاحب بادبة له ابل وشاء فلما رجع إخوة يوسف إلى والدهم يعقوب قالوا له أبانا منع منا الكيل فوق حمل أباعرنا ولم يكل لكل واحد منا إلاكيل بعير فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتل لنفسه وإنا له لحافظون فقال لهم يعقوب هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين ولما فتح ولد يعقوب الذين كانوا خرجوا إلى مصر للميرة متاعهم الذى قدموا به من مصر وجدوا ثمن طعامهم الذى اشتروه به رد إليهم فقالوا الوالدهم ( يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ) آخر على أحمال إبلنا * ونزداد كيل بعير قال كان لكل رجل منهم حمل بعير فقالوا أرسل معنا أخانا نزدد حمل بعير * فقال يعقوب ( لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ) يقول إلا أن تهلكوا جميعا فيكون حينئذ ذلك لكم عذرا عندي فلما وثقوا له بالايمان قال يعقوب ( الله على ما نقول وكيل ) ثم أوصاهم بعد ما أذن لاخيهم من أبيهم بالرحيل معهم أن لا تدخلوا من باب واحد من أبو اب المدينة خوفا عليهم من العين وكانوا ذوى صورة حسنة وجمال وهيئة وأمرهم أن يدخلوا من أبو اب متفرقة ( وادخلوا من أبو اب متفرقة ) قال كانوا قد أوتوا صورة وجمالا فخشى عليهم أنفس الناس فقال الله تعالى ( ولما دخلوا من حيث أمرهم أبو هم ما كان يغنى عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ) ما تخوف على أولاده اعين الناس لهيئتهم وجمالهم * ولما دخل إخوة يوسف على يوسف ضم إليه أخاه لابيه وأمه ( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ) قال عرف أخاه وأنزلهم منزلا وأجرى عليهم الطعام والشراب فلما كان الليل جاءهم بمثل فقال لينم كل أخوين منكم على مثال فلما بقى الغلام وحده قال يوسف هذا ينام معى على فراشي فبات معه فجعل يوسف يشم ريحه ويضمه إليه حتى أصبح وجعل روبيل يقول ما رأينا مثل هذا إن نجونا منه * لما دخلوا يعنى ولد يعقوب على يوسف قالوا هذا أخونا الذى أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك فذكر لى أنه قال لهم قد أحسنتم وأصبتم وستجدون جزاء ذلك عندي أو كما قال ثم قال إنى أراكم رجالا وقد أردت أن أكرمكم فدعا صاحب ضيافته فقال أنزل كل رجلين على حدة ثم أكرمهما وأحسن ضيافتهما ثم قال إنى أرى هذا الرجل الذى جئتم به ليس معه ثان فسأضمه إلى فيكون منزله معى فأنزلهم رجلين رجلين في منازل شتى وأنزل أخاه معه فآواه إليه فلما خلا به قال إنى أنا أخوك أنا يوسف لا تبتئس بشئ فعلوه بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن الينا فلا تعلمهم شيئا مما أعلمتك قول الله عزوجل ( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون ) يقول له فلا تبتئس فلا تحزن فلما حمل يوسف ابن اخوته ما حملها من الميرة وقضى حاجتهم ووفاهم كيلهم جعل الاناء الذى كان يكيل به الطعام وهو الصواع في رحل أخيه بنيامين * ( فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أحيه ) والاخ لا يشعر فلما ارتحلوا أذن مؤذن قبل أن ترتحل العير إنكم لسارقون * حمل لهم بعيرا بعيرا وحمل لاخيه بنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم ثم أمر بسقاية الملك وهو الصواع وزعموا أنها كانت من فضة فجعلت في رحل أخيه بنيامين ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية أمر بهم فأدركوا واحتبسوا ثم نادى مناد أيتها العير إنكم لسارقون وانتهى إليهم رسوله فقال لهم فيما يذكرون ألم نكرم ضيافتكم ونوفكم كيلكم ونحسن منزلكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم وأدخلناكم علينا في بيوتنا وصار لنا علكيم حرمة أو كما قال لهم قالوا بلى وما ذاك قال سقاية الملك فقدناها ولايتهم عليها غيركم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين وكان مجاهد يقول كانت العير حميرا * وكان فيما نادى به منادى يوسف من جاء بصواع الملك فله حمل بعير من الطعام وأنا بإيفائه ذلك زعيم يعنى كفيل وإنما قال القوم لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين لانهم ردوا ثمن الطعام الذى كان كيل لهم المرة الاولى في رحالهم فردوه إلى يوسف فقالوا لو كنا سارقين لم نردد ذلك اليكم وقيل إنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم فلذلك قالوا ذلك * فقيل لهم فما جزاء من كان سرق ذلك فقالوا جزاؤه في حكمنا بأن يسلم لفعله ذلك إلى من سرقه حتى يسترقه * قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه تأخذونه فهو لكم فبدأ يوسف بأوعية القوم قبل وعاء أخيه بنيامين ففتشها ثم استخرجها من وعاء أخيه لانه أخر تفتيشه * ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قرفهم به حتى بقى أخوه وكان أصغر القوم قال ما أرى هذا أخذ شيئا قالوا بلى فاستبرئه إلا وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك يعنى في حكم الملك ملك مصر وقضائه لانه لم يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يسترق السارق بما سرق ولكنه أخذه بكيد الله له حتى اسلمه رفقاؤه وإخوته بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم * ما كان ليأخذ أخاه في دين إلا بعلة كادها الله له فاعتل بها يوسف فقال أخوة يوسف حينئذ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون بذلك يوسف * وقد قيل إن يوسف كان سرق صنما لجده أبى أمه فكسره فعيروه بذلك ذكر من قال ذلك * إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل قال سرق يوسف صنما لجده أبى أمه فكسره وألقاه في الطريق فكان اخوته يعيبونه بذلك * وقد حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت أبى قال كان بنو يعقوب على طعامه إذ نظر يوسف إلى عرق فحبأه فعيروه بذلك إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسر في نفسه يوسف حين سمع ذلك منه فقال ( أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) به أخا بنيامين من الكذب ولم يبد ذلك لهم قولا * لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم وقالوا يا بنى راحيل ما يزال لنا منكم بلاء متى اخذت هذا الصواع فقال بنيامين بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخى فأهلكتموه في البرية وضع هذا الصواع في رحلى الذى وضع الدراهم في رحالهم فقالوا لا تذكر الدراهم فنؤخذ بها فلما دخلوا على يوسف دعا بالصواع فنقر فيه ثم أدناه من أذنه ثم قال إن صواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه فلما سمعها بنيامين قال فسجد ليوسف ثم قال ايها الملك سل صواعك هذا عن اخى اين هو فنقره ثم قال هو حى وسوف تراه قال فاصنع بى ما شئت فإنه ان علم بى فسوف يستنقذنى قال فدخل يوسف فبكى ثم توضأ ثم خرج فقال بنيامين ايها الملك إنى اريد ان تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحق من الذى سرقه فجعله في رحلى ؟ فنقره فقال ان صواعي هذا غضبان وهو يقول كيف تسألني من صاحبي فقد رأيت مع من كنت قالوا وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا فغضب روبيل وقال أيها الملك والله لتتركنا أو لاصيحن صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقت ما في بطنها وقامت كل شعرة في جسد روبيل فخرجت من ثيابه فقال يوسف لابنه ثم إلى جنب روبيل فمسه وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد لبزرا من بزر يعقوب فقال يوسف من يعقوب ؟ فغضب روبيل وقال أيها الملك لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذببح الله بن خليل الله قال يوسف أنت إذن إن كنت صادقا قال ولما احتبس يوسف أخاه بنيامين فصار بحكم إخوته أولى به منهم ورأوا أنه لا سبيل لهم إلى تخليصه صاروا إلى مسئلته تخليته ببذل منهم يعطونه إياه فقالوا ( يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ) في أفعالك فقال لهم يوسف ( معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا الظالمون ) أن نأخذ بريئا بسقيم فلما يئس إخوة يوسف من إجابة يوسف إياهم إلى ما سألوا من إطلاق أخيه بنيامين وأخذ بعضهم مكانه خلصوا نجيا لا يفترق منهم أحد ولا يختلط بهم غيرهم فقال كبيرهم وهو روبيل وقد قيل إنه شمعون ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أن نأتيه بأخينا بنيامين الا أن يحاط بنا أجمعين ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الارض التى أنابها حتى ياذن لى أبى في الخروج منها وترك أخى بنيامين بها أو يحكم الله لى بذلك وهو خير الحاكمين وقد قيل معنى ذلك أو يحكم الله لى بحرب من منعنى من الانصراف بأخى ( ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق ) فأسلمناه بجريرته ( وما شهدنا إلا بما علمنا ) لان صواع الملك لم يوجد إلا في رحله ( وما كنا للغيب حافظين ) يعنون بذلك أنا انما ضمنا لك أن نحفظه مما لنا إلى حفظه سبيل ولم نكن نعلم أنه يسرق فيسترق بسرقته واسأل أهل القرية التى كنا فيها فسرق ابنك فيها والقافلة التى كنا فيها مقبلة من مصر معنا عن خبر ابنك فانك تخبر بحقيقة ذلك فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه خبر بنيامين وتخلف روبيل قال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا أردتموه فصبر جميل لا جزع فيه على ما نالنى من فقد ولدى عسى الله أن يأتيني بهم جميعا بيوسف وأخيه وروبيل ثم أعرض عنهم يعقوب وقال يا أسفا على يوسف * يقول الله عزوجل ” وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ” مملوء من الحزن والغيظ فقال له بنوه الذين انصرفوا إليه من مصر حين سمعوا قول ذلك تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتؤ من حبه وذكره حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل من حبه وذكره هرما باليا أو تموت فأجابهم يعقوب فقال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله لا اليكم وأعلم من الله ما لا تعلمون من صدق رؤيا يوسف أن تأويلها كائن وأنى وأنتم سنسجد له * قيل ما بلغ وجد يعقوب على ابنه قال وجد سبعين ثكلى قال فما كان له من الاجر قال أجر مائة شهيد قال وما ساء  ظنه بالله ساعة قط من ليل ولانهار * أن يعقوب بن إسحاق دخل عليه جار له فقال يا يعقوب مالى أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبو ك قال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف وذكره فأوحى الله عزوجل إليه يا يعقوب اتشكوني إلى خلقي قال يا رب خطيئة اخطأتها فاغفرها لى قال فانى قد غفرت لك فكان بعد ذلك إذا سئل قال إنما أشكو بثى وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون * كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ولم يزل يبكى حتى ذهب بصره قال الحسن والله ما على الارض خليفة أكرم على الله من يعقوب * ثم أمر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتحسس الخبر عن يوسف وأخيه فقال لهم اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله يفرج به عنا وعنكم الغم الذى نحن فيه فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين وكانت بضاعتهم المزجاة التى جاؤا بها معهم فيما ذكر دراهم ردية زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة وكان بعضهم يقول كانت حلق الغرائر والحبال ونحو ذلك وقال بعضهم كانت سمنا وصوفا وقال بعضهم كانت صنوبرا وحبة الخضراء وقال بعضهم كانت قليلة دون ما كانوا يشترون به قبل فسألوا يوسف أن يتجاوز لهم ويوفيهم بذلك من كيل الطعام مثل الذى كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك ولا ينقصهم فقالوا له فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين * وتصدق علينا قال بفضل ما بين الجياد والردية وقد قيل إن معنى ذلك وتصدق علينا برد أخينا إلينا إن الله يجزى المتصدقين * ذكر أنهم لما كلموه بهذا الكلام غلبته نفسه فارفض دمعه باكيا ثم باح لهم بالذى كان يكتم منهم فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ) ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه ولكن التفريق بينه وبين أخيه إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا فلما قال لهم يوسف ذلك قالوا له ها أنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا بأن جميع بيننا بعد تفريقكم بيننا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * لما قال لهم يوسف أنا يوسف وهذا أخى اعتذروا وقالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لهم يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه * قال يوسف ما فعل أبى بعدى قالوا لما فاته بنيامين عمى من الحزن فقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ولما فصلت العير عير بنى يعقوب قال يعقوب إنى لاجد ريح يوسف * استأذنت بأن تأتى يعقوب بريح يوسف حين بعث بالقميص إلى أبيه قبل أن يأتيه البشير ففعلت فقال يعقوب إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون * ” ولما فصلت العير قال أبو هم إنى لاجد ربح يوسف ” قال هاجت ريح فجاءت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليال فقال إنى لاجد ريح يوسف لو لا أن تفندونى * قوله إنى لاجد ريح يوسف قد  بلغنا أنه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخا وقال إنى لاجد ريح يوسف وقد كان فارقه قبل ذلك سبعا وسبعين سنة ويعنى بقوله لولا أن تفندونى لولا أن تسفهونى فتنبسونى إلى الهرم وذهاب العقل فقال له من حضره من ولده حينئذ تالله إنك من ذكر يوسف وحبه لفى ضلالك القديم يعنون في خطئك القديم * فلما أن جاء البشير يعنى البريد الذى أبرده يوسف إلى يعقوب يبشره بحياة يوسف وخبره وذكر أن البشير كان يهوذا بن يعقوب * قال يوسف اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب وأنا أذهب اليوم بالقميص فاخبره بانه حى فأقر عينه كما أحزنته فهو كان البشير فلما أن جاء البشير يعقوب بقميص يوسف ألقاه على وجهه فعاد بصيرا بعد العمى فقال لاولاده ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون وذلك أنه كان قد علم من صدق تأويل رؤيا يوسف التى رآها أن الاحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدون ما لم يكونوا يعلمون فقالوا ليعقوب يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين فقال لهم يعقوب سوف أستغفر لكم ربى قيل إنه أخر الدعاء لهم إلى السحر وقيل انه أخر ذلك إلى ليلة الجمعة * قال حملوا إليه أهليهم وعيالهم فلما بلغوا مصر كلم يوسف الملك الذى فوقه فخرج هو والملك يتلقونهم فلما بلغوا مصر قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين . فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبو يه * لما ألقى القميص على وجهه ارتد بصيرا وقال ائتونى باهلكم أجمعين فحمل يعقوب وإخوة يوسف فلما دنا يعقوب أخبر يوسف انه قد دنا منه فخرج يتلقاه قال وركب معه أهل مصر وكانوا يعظمونه فلما دنا أحدهما من صاحبه وكان يعقوب يمشى وهو يتوكأ على رجل من ولده يقال له يهوذا قال فنظر يعقوب إلى الخيل والناس قال يا يهوذا هذا فرعون مصر فقال لا ، هذا ابنك يوسف قال فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدأه بالسلام فمنع ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل فقال السلام عليك يا مذهب الاحزان فلما أن دخلوا مصر رفع أبو يه على السرير وأجلسهما عليه وقد اختلف في اللذين رفعهما يوسف على العرش وأجلسهما عليه فقال بعضهم كان أحدهما أبو ه يعقوب والآخر أمه راحيل وآخرون بل كان الآخر خالته ليا وكانت أمه راحيل قد كانت ماتت قبل ذلك وخر له يعقوب وأمه وولد يعقوب سجدا * وخروا له سجدا قال كانت تحية الناس أن يسجد بعضهم لبعض وقال يوسف لابيه يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربى حقا يعنى بذلك هذا السجود منكم يدل على تأويل رؤياي التى رأيتها من قبل صنع إخوتى بى ما صنعوا وتلك الكواكب الاحدى عشرة والشمس والقمر قد جعلها ربى حقا يقول قد حقق الرؤيا بمجئ تأويلها وقيل بين ان أرى يوسف رؤياه هذه ومجئ تأويلها أربعون سنة ذكر بعض من قال ذلك * كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة * وقال بعضهم كان بين ذلك ثمانون سنة ذكر بعض من قال ذلك حدثنا عمرو بن على قال حدثنا عبد الوهاب الثقفى قال حدثنا هشام عن الحسن قال كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجرى على خديه وما على الارض يومئذ احب إلى الله عزوجل من يعقوب * ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة)) . (1)
***
5 – النص بإسلوب سردي ورؤى صوفية:
ترك لنا الابداع العربي القديم نصا لقصة يوسف بأسلوب صوفي، خاصة اللغة المركزة والكثيفة التي استخدمت في توصيل النص للقاريء المسلم.
ان الآلية التي كتبت فيه هذا النص هي آلية التناص ، اذ نرى ان النص يتناص مع مرجعه وهو النص القرآني ، دون الاخذ بالزيادات التي رافقته بعد نزول القرآن .
فضلا عن ذلك كان للشعر دور كبير في اعطاء النص ظلاله الدلالية الواسعة .
(( لما تمكن الحسد من قلوب أخوة يوسف – ارى الظالم مال الظالم – في مرآة: – إني رأيت أحد عشر كوكبا- فتلطفوا بخداع- ما لك لا تأمنا – وشوقوا يوسف إلى رياض- نرتع ونلعب- فلما أصحروا أظهروا المقت له ورموا بسهم العدوان مقتله ففسخ نهار رفقهم به ليل انتهارهم له فصاح يهودا في بقايا شفق الشفقة واغباش غيابة الحب :-لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب – فلما ألقوه وقالوا هلك جاء ملك من عند ملك يقول : ستبلغ أملك لتنبئهم، فعادوا عمن عادوا كالأعشى عشاء يبكون ولطخوا قميصه الصحيح – بدم كذب – فلاحت علامة سلامة القميص كي يظهر كيدهم ، فقال حاكم الفراسة: – بل سولت  –  فلما ورد وارد السيارة باعوا الصدفة ولم يتلمحوا الدرة واعجبا لقمر قومر به، فلما وصل إلى مصر تفرس فيه العزيز فأجلسه على اعزاز- أكرمي – فشغف قلب سيدته وفرى – فراودته- فسار بأقدام الطبع في فلاة غفلات-  همت به وهم بها- رد- لولا أن رأى- فانقذ قوى الفرار وما استبقى فاستبقا ، فانبسطت يد العدوان وامتدت وقدت، فلما بانت حجته في ابان- وشهد شاهد- أخذت تزكي مصراة الإصرار بيمين يمين، ولئن لم يفعل ، فاختارت درة فهمه صدفة الحبس لجهل الناقد – رب السجن أحب إلي – فلما ضاق قفص الحصر على بلبل الطبع ترنم بصوت اذكرني، فعوقب بإيثاق باب، فلبث في السجن فلما آن أوان الفرج خرج إلى الملك .هذا ويعقوب مفترش فراش الأسى على حزن الحزن لا يستلذ نوما ولا سنة ثمانين سنة حتى نحل البدن وذهب البصر.
لم يبق لي بعدكم رسم ولا طلل إلا وللشوق في حافاته عمل
إذا شممت نسيما من بلادكم فقدت عقلي كأني شارب ثمل
فلما عم عام القحط أرض كنعان خرج أخوته لطلب الميرة فدخلوا عليه في ظلام ظلمهم فرآهم المظلوم بعين- لتنبئنهم – وخفى عليهم نعمة- اقتلوا يوسف – فاقبل عليهم سائلا ، واقبل الدمع سايلا وتقلقل تقلقل الواجد ليسمع أخبار الوالد
أيه أحاديث نعمان وساكنه إن الحديث عن الأحباب أسمار
أفتش الريح عنكم كلما نفحت من نحو أرضكم نكباء معطار
فقالوا: جئنا من أرض كنعان ولنا شيخ يقال له يعقوب وهو يقرأ عليه السلام.
فلما سمع رسالة أبيه انتفض طائر الوجد لذكر الحبيب
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
فرد السلام قلبه قبل لسانه وشغله وكف شانه عن شانه وقال مقول إبدائه بعبارة صعدائه:
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى     فلاقي به ليلا نسيم ربى نجـــــد
فإن بذاك الجو حبــــــــــــــأا عهدته     وبالرغم مني أن يطول به عهدي
ثم انه طلب آخاه فاحتالوا بحجة – منع منا الكيل – فلما حملوا حال بينهم وبينه بحيلة جعل السقاية ، فلما دخل وقت التهمة أذن مؤذن فعادوا إلى أبيهم بشجى على شجن وقرح على جرح وعقر على عقر في عقر فقام وقد تقوس وعسى على باب عسى ثم بعثه لطف -لا تقنطوا – على أن بعثهم برسالة – فتحسسوا- فلما رجعوا دخلوا من قفر الفقر فاستلقوا في ساحة الضر ينادون على غليل عليل الذل وتصدق علينا تالله لقد جوزيت أيد مدها تغشرم وشروه أن مدت في طريق ذل وتصدق علينا فلما عرفوه اعترفوا، فمحى ما اقترفوا بكف – لا تثريب- فرفع من موائد تلك الفوائد نصيب الوالد – اذهبوا بقميصي – فهبت نسايم الفرح فتوغلت في خياشيم مريض كالفرخ من فرج الفرج فخر ركام الزكام عن منخر الضر فنادى مدنف الوجد إني لأجد
نشدتك الله يا نسيم ما فعلت بعدنا الرسوم
هل استهلت بها الغوادي ونمقت روضها الغيوم
وهل بها من عهدت فيها بعد على حاله مقيم
علل بروح الوصال صبا أنفاسه للجري سموم
وعد فسلم على أناس ما أنا من بعدهم سليم
واشرح لهم حال مستهام أنت بأشواقه عليم
وقل غريب ثوى بأرض في غيرها قلبه يهيم
يكابد الشوق حين يمسي وتعتري قلبه الهموم
أحبابنا تنقضي الليالي وما انقضت تلكم الكلوم
ذاك اللديغ الذي عهدتم بعد على حاله سقيم
أصبح من فقركم وحيدا فلا خليل ولا حميم
لم تجر ذكر الفراق إلا حن كما حنت الرزوم
فلما كشف يعقوب فدام الوجد بكف – إني لأجد- احدقت به عواذل – تالله تفتؤ-
تالله لو وجدوا ما وجد ما انكروا ما عرف :
للمهيار :
هل لكما من علم بالطارق الملم
سرى على الدياجي سرى أخيه النجم
يشق نجدا عرضا من شخصه بسهم
فنور الليل وليست من ليالي التم
خذ يا نسيم عني تحيتي ولثمي
وهنهم بوجدهم من الكرى وعدمي
قالوا هجرت أرضهم أهجرها برغمي
قد وصلت إلى الحشا رسلكم بالسقم
فلم تدع واسطة بين دمي ولحمي
عج كي ترى رسوما ثلاثة في رسم
سوى النحول بيننا تعرفنا بالوهم
خط هلال ليلة ودارهم وجسمي)).(2)

***
6 – النص الاسطوري : (3)

أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياة النبي يوسف ما يلي:
1- هو يوسف بن يعقوب من زوجته راحيل، ولد في “فدان آرام” بالعراق حينما كان أبوه عند خاله (لابان)، ولما عاد أبوه إلى الشام – مهجر الأسرة الإِبراهيمية – كان معه حدثاً صغيراً. قالوا: وكان عمر يعقوب لما ولد له يوسف (91) سنة، وإن مولد يوسف كان لمضي (251) سنة من مولد إبراهيم.
2- توفيت أمه وهو صغير، فكفلته عمته وتعلقت نفسها به، فلما اشتد قليلاً أراد أبوه أن يأخذه منها، فضنَّت به وألبسته منطقة لإِبراهيم كانت عندها وجعلتها تحت ثيابه، ثم أظهرت أنها سُرقت منها، وبحثت عنها حتى أخرجتها من تحت ثياب يوسف، وطلبت بقاءه عندها يخدمها مدةً جزاءً له بما صنع، وبهذه الحيلة استبْقَتْه عندها، وكف أبوه عن مطالبتها به.
3- كان يوسف أثيراً عند أبيه من بين إخوته، وقد رأى يوسف -وهو غلام صغير- رؤيا قصها على أبيه، فقال له أبوه: {لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} [يوسف: 5]، وذلك خشية عليه من حسدهم. وخلاصة الرؤيا: أنه رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، فعرف يعقوب أنها تتضمن مجداً ليوسف يجعل إخوته وأبويه يخضعون لسلطانه.
4- حسده إخوته على ولوع أبيهم به وإيثاره عليهم، فدبروا له مكيدة إلقائه في الجب، فمرت قافلة فأرسلت واردها إلى البئر فأدلى دلوه، فتعلق يوسف به، فأخذوه عبداً رقيقاً وانتهى أمره إلى مصر فاشتراه رئيس الشرطة فيها، واحتل عنده مكاناً حسناً اكتسبه بحسن خلقه وصدقه، وأمانته وعبقريته. قالوا: ودخول يوسف إلى مصر يمكن تحديده قريباً من سنة (1600) ق.م في عهد الملك أبابي.
5- عشقته زوجة سيده وشغفت به، فراودته عن نفسه فاستعصم، فدبرت له مكيدة سجنه إذا لم يُلَبّ رغبتها منه، فقال: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33].
6- أعطاه الله علم تعبير الرؤى، وكشف بعض المغيبات، فاستخدم ذلك في دعوة السجناء معه إلى توحيد الله، وإلى دينه الحق.
7- كان معه في السجن فتيان: رئيسُ سُقاةِ الملك، ورئيس الخبازين، فرأى كل منهما في منامه رؤيا وعرضها على يوسف.
أما رئيس سقاة الملك: فقد رأى أنه يعصر خمراً، فقال يوسف: ستخرج من السجن وتعود إلى عملك فتسقي الملك خمراً.
وأما رئيس الخبازين: فقد رأى أنه يحمل فوق رأسه طبقاً من الخبز، والطير تأكل من ذلك الخبر، فأخبره يوسف: أنه سيصلب وتأكل الطير من رأسه.
وأوصى يوسف رئيس السقاة أن يذكره عند الملك.
وقد تحقق ما عبر به يوسف لكل من الرجلين، إلا أن ساقي الملك نسي وصية يوسف.
8- لبث يوسف في السجن بضع سنين، حتى رأى الملك رؤيا البقرات السمان والبقرات العجاف، والسنابل الخضر والأخر اليابسات، فعرض رؤياه على السحرة والكهنة فلم يجد عندهم جواباً، عند ذلك تذكر ساقي الملك ما أوصاه به يوسف في السجن فأخبر الملك بأمره، فأرسله إلى يوسف يستفتيه في الرؤيا، فكان جواب يوسف بأن البلاد سيأتيها سبع سنوات مخصبات ثم يأتي بعدها سبع سنوات قحط وجدب. ثم يأتي بعد ذلك عام يغاث فيه الناس وتعم فيه البركة.
9- أُعجب الملك بما عبر به يوسف، فدعاه للخروج من السجن، ولكن يوسف أراد أن يعاد التحقيق في تهمته قبل خروجه، حتى إذا خرج خرج ببراءة تامة، فأعاد الملك التحقيق، فاعترفت المرأة بأنها هي التي راودته عن نفسه. عند ذلك خرج يوسف من السجن، وقربه الملك واستخلصه لنفسه، وجعله على خزائن الأرض، ويشبه هذا المنصب منصب (وزارة التموين والتجارة)، وسماه الملك اسماً يألفونه في مصر بحسب لغتهم (صفنات فعنيح)، وجعله بمثابة الملك مسلّطاً على كلّ مصر، باستثناء الكرسيّ الأول الذي هو للملك.
10- نظم يوسف أمر البلاد، وأدار دفة المنصب الذي وُكل إليه إدارة رائعة، وادَّخر في سنوات الخصب الحب في سنابله، لمواجهة الشدة في سنوات القحط، وجاءت سنوات القحط التي عمت مصر وبلاد الشام، فقام بتوزيع القوت ضمن تنظيم حكيم عادل.
11- علمت أسرته في أرض الكنعانيين بأمر في مصر، فوفد إخوته إلاّ شقيقه بنيامين إلى مصر طالبين الميرة، لأن أباه -سيدنا يعقوب- صار حريصاً عليه بعد أن فقد ولده يوسف، فلما رآهم يوسف عليه السلام عرفهم، وأخذ يحقق معهم عن أسرتهم وعن أبيهم، واستجرَّ منهم الحديث فأخبروه عن بنيامين، فأعطاهم ميرتهم ورد لهم فضتهم في أوعيتهم، وكلفهم أن يأتوا بأخيهم بنيامين في المرة الأخرى، وإلا فليس لهم عنده ميرة، فوعدوه بذلك.
12- ذكروا لأبيهم ما جرى لهم في مصر، والشرط الذي شرطه عليهم العزيز، وبعد إلحاح شديد ومواثيق أعطوها من الله على أنفسهم، أذن لهم يعقوب عليه السلام بأن يأخذوا معهم أخاهم بنيامين.
13- ولما وفدوا على يوسف عليه السلام دبَّر لهم أمراً يستبقي فيه أخاه بنيامين عنده، فكلف غلمانه أن يدسوا الإِناء الفضيّ الذي يشرب به في رحل أخيه بنيامين. ولما حملوا ميرتهم عائدين إلى بلادهم أرسل الجنود للبحث عن سقاية الملك، فوجدوها في رحل بنيامين فأخذوه، وكان أمراً شديد الوقع على قلوبهم، وعادوا إلى يوسف يرجونه ويتوسلون إليه أن يخلي سبيل أخيهم، وعرضوا عليه أن يأخذ واحدا منهم مكانه، إلا أنه رفض. فرجعوا إلى أبيهم إلا كبيرهم رأوبين، وأخبروه الخبر فظن بهم سوءاً، وحزن حزناً أفقده بصره. ثم أمرهم بالعودة إلى مصر والتحسس عن يوسف وأخيه، فعادوا إلى مصر وألحّوا بالرجاء أن يمنَّ العزيز عليهم بالإِفراج عن أخيهم، وخلال محادثتهم معه بدرت منها بادرة أسرها يوسف في نفسه، إذ قالوا: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}، يشيرون إلى الحادثة التي اصطنعتها عمته حينما كان صغيراً لتستبقيه عندها.
14- وبأسلوب بارع عرّفهم يوسف بنفسه، فقالوا: {أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ؟!} قال: {أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا!} [يوسف: 90] قالوا: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا!} [يوسف: 91] والتمسوا منه العفو والصفح عما كان منهم، فقال: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92]. وطلب منهم أن يأتوا بأهلهم أجمعين، وبذلك انتقل بنو إسرائيل إلى مصر، وأقاموا فيها وتوالدوا حتى زمن خروجهم مع موسى عليه السلام.
15- قالوا: ولما اجتمع يوسف بأبيه – بعد الفراق – كان عمر يعقوب (130) سنة، فيكون عمر يوسف يومئذ (39) سنة، ثم توفي يعقوب بعدها بـ (17)سنة. وعاش يوسف عليه السلام من السنين (110)، ومات في مصر وهو في الحكم ودفن فيها، ثم نقل رفاته إلى الشام أيام موسى عليهما السلام، ودفن بنابلس على الأرجح.
قالوا: وكانت وفاة يوسف عليه السلام قبل مولد موسى عليه السلام بأربع وستين سنة، وبعد مولد إبراهيم بـ (361) سنة. ولكن مثل هذه المدة لا تكفي مطلقاً لأن يتكاثر فيها بنوا إسرائيل إلى المقدار الذي ذكر مؤرخوهم أنهم قد وصلوا إليه أيّام موسى عليه السلام.
***

الهوامش :
1 – تاريخ الطبري – الطبري ج 1   ص 231-  255 .
2 –  ثمار القلوب في المضاف والمنصوب- والمنسوب لأبى منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبى النيسابوري- قرص مكتبة الادب.
3 – ماخوذ  بتصرف من شبكة الانترنيت .
===================================

ملحق

يوسف الصديق
مسلسل تلفزيوني ايراني يبتعد عن النص القرآني ليبشر بدولة اسرائيل

في منتصف العام (2009) شاهدت المسلسل الايراني المدبلج (يوسف الصديق) على احدى الفضائيات الممولة من دولة ايران، او انها فضائية ايرانية ناطقة باللغة العربية.
والحق يقال: كان عملا فنيا كبيرا ، كبيرا في فنه، وكبيرا في اخراجه، وكبيرا في تمثيله وانتاجه ، الا ان الذي اريد ان اؤكد عليه هنا، ان هذا العمل لم يعتمد القرآن كمصدر رئيسي له ، خاصة ان الفضائية التي قدمته هي فضائية تقدم برامج اسلامية ، وانما راح يبحث في الاسرائليات التي امتلأت بها كتب التفسير، وكتب قصص القرآن،وكتب قصص الانبياء ، وهي كلها مأخوذة عن مصادر يهودية، ككعب الاحبار وابن منبه وابن سلام وغيرهما من اليهود الذين دخلوا الاسلام.
ان السورة – القصة الوحيدة التي ذكرت في القرآن كاملة هي قصة يوسف ، مما يعطيها ميزة التكامل السردي،((* الر تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين )) الا ان كاتب المسلسل قد ادلجها وصبغها بصبغة ايدولوجية ابعدتها عن اصلها القرآني خدمة لما كان يعتقد به ، او ما تعتقد به الجهة الانتاجية.
من المعروف جيدا ، ان الاعمال الفنية التي تنبنى على عمل ادبي ، او نص تاريخي ، تأخذ الحرية الكافية في تحويل النص من سرديته الادبية او التاريخية الى ان يكون عملا فنيا ، بسردية فنية درامة تلفزيونية او سينمائية ، أي يكون التعامل مع هكذا نصوص تعاملا فنيا.
الا ان هذه الحرية تتوقف عند التعامل مع نص موحى به ، كالنص القرآني ، اذ لا مجال الى تحميله اهدافا وغايات ومقاصد غير التي انزل بشأنها .
صحيح ان النص القرآني – قصة يوسف – مليء بالفجوات التي تنتظر من يملأها ، الا ان ملأها لا يكون اعتباطا ، وانما يجب ان يرتكز على معلومات دقيقة مستقات من مصادر ومراجع معتمدة ،خاصة بما له علاقة بإمور حساسة ودقيقة ، كما هي اغلب الامور التي سكت النص القرآني عنها في هذه السورة، لانه لم يكن معنيا بها بقدر عنايته بإمور اخرى.
حاول الكاتب ، او تلك الجهة التي تقف من ورائه، ان يتلاعبوا بالنص القرآني المعجز، وذهبوا الى فضاءات سردية – لا تاريخية – اخرى.
ان هذا الاسلوب التجاوزي – التلاعب بالنص القرآني الموحى به – جاء ليخدم اغراضا معينة أُنتج المسلسل من اجل التبشير بها .
***
بين المسلسل والنص القرآني:

لا نريد ان نكون حنابلة اكثر من الامام حنبل ، او ملكيين اكثر من الملك ، ونقول على المسلسل ان يساير النص القرآني خطوة لخطوة ، فهذا غير صحيح، ولا يمكن التعامل مع الاعمال الفنية بهكذا مسطرة، الا ان هناك امورا تخرج النص القرآني من فضائه وتضعه في فضاء اخر،تحت تأثير ايدولوجي مذهبي – سياسي ،ولغايات غيرالتي نزل بشأنها .
* فالنص القرآني – سورة يوسف – لم يذكر –لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة – ان يوسف قد اعاد شباب وبصر زوجة العزيز زليخا(وزليخا ليس اسم قرآني) ، بل ان النص القرآني قد قطع العلاقة بها بعد ان اعترفت للملك ببراءة يوسف ((قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)) ، الا ان هذه الثيمة الزائدة قد اخذت من احدى حلقات المسلسل جل وقتها، وقد ارتحلت من الاسرائيليات الى النص الاصلي تحت ضغط الحاجة  الايدولوجية لمن يقف وراء انتاج هذا المسلسل.
فضلا عن ذلك ، فالنص القرآني – و حتى النص التوراتي وكذلك النص التلمودي ص133– لم يذكر ان يوسف قد تزوح من زليخا،  الا ان الجهة التي تقف وراء انتاجه – من خلال كاتب النص – وتحت ضغط ايدولوجي يحكم هذه الجهة الانتاجية ،سايرت الروايات غير الصحيحة – الاسرائيليات – فجعلت من يوسف يتزوج من زليخا بعد ان رد لها شبابها وبصرها ، (كرامة لم يذكرها النص القرآني)، لانه كان معني بامور ثلاثة : الحسد ، والمراودة ، والاقتصاد ، ومن خلالها وضّح النص القرآني مراميه الاخلاقية.
* وتحت ضغط الايدولوجية المذهبية التي تتحكم بالقائمين على انتاج النص ، اكد المسلسل على مسألة الولاية.
ان المذهب الشيعي الاثني عشري يولي هذه المسألة افضلية كبيرة ، ويجعلها من الاصول.
الا ان النص القرآني لم يذكرها ولم يشر اليها ، وانما ذكر ان عائلة يوسف – خاصة والديه – عندما وفدوا عليه مصر سجدوا له (( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ))، وقد اخذت هذه  القضية (سجود الابوين) الكثير من الحبر والورق على امتداد تاريخ التدوين الاسلامي ، حتى ان الامام الفخر الرازي جعل من هذه الواقعة شبهة اخلاقية تخرج يوسف عن كونه نبياً.(1)
نحن نرى غير ما رآه الفخر الرازي ولا من قال بمقالته ، لاننا نرى ان واقعة السجود اما انها لم تكن قد حدثت من قبل الابوين ، وانما من قبل الاخوة، لان واقعة الرفع جاءت قبل واقعة السجود، أي انه رفع الابوين الى العرش – مجلسه – ثم حدثت واقعة السجود من قبل الاخوة، لانه لا يمكن ان يسجد الشخص وهو جالس على العرش .
واذا اردنا ان لا نبتعد عن مضمون النص القرآني الظاهري :((إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين))، فنقول: ان سجود الابوين جاء تحت ضغط المكانة التي وصل اليها يوسف في مصر، كمسؤول حكومي ، لا كنبي.
أي ان سجود نبي – يعقوب الاب – الى نبي آخر – ابنه يوسف – قد حصل بسبب ذلك، وليس للولاية أي دور في ذلك ، اما التفسيرات الباطنية للسورة – القصة – والاخذ من الاسرائيليات قد اخرج السورة القرآنية من مراميها ومقاصدها وغاياتها التي انزلت من اجلها.
وقد حاول المسلسل ان يعطي تفسيره الخاص لهذا السجود ، ويجعله سجود لله ، عندما جعل يعقوب يدعو ابنائه قائلا : هلموا لنسجد الى الله . أي ان السجود كان لله ، الا ان المسلسل جعل ملك الرب يظهر مباشرة ليقرأ ما يعطي معنى نص الاية القرآنية عن سجود الشمس والقمر والكواكب ، وهكذا ضاع فهم المسلسل للسجود.
* المسلسل حاول ان يلعب على عقول المشاهدين ، عندما نسى اوتناسى ان قميص يوسف قد اخذه اخوته الى ابيهم بعد رميه في غيابت الجب، والقميص الاخر قد مزقته زليخا عند المراودة، فمن اين جاء بالقميص الفضي الى اخيه ليرسله الى ابيه ؟ على انه قميص متوارث من اجداده ابراهيم وذريته؟
* ان المسلسل قدم اكبر خدمة الى اليهود ودولة اسرائيل ، خاصة في حلقاته الاخيرة ، عندما صور – طالت فترة تصوير المشهد – خروج بني اسرائيل من ارض الكنعانيين الى مصر.
وقد وقع المسلسل في خطأ تاريخي – لاهداف سياسية-  عندما اطلق على عائلة يعقوب اسم الكنعانيين – وهذه شهادة سيفرح بها ويهلل لها الصهاينة –  ، والصحيح انهم عبرانيون سكنوا ارض كنعان بعد ان ارتحل جدهم ابراهيم النبي – حسب التوراة – من ارض اور الكلدانية الى ارض حران ومنها الى ارض الكنعانيين اهل فلسطين الاصليين، أي انهم من اصول كلدانية، الا ان الايدولوجية البغيضة ،والاهداف السياسية ، قد فعلا فعلهما في هذا المسلسل ، اذ ان القائمين على العمل – وكاتبه – كانوا يصدرون من اهداف وغايات ضد العرب والمسلمين – والمصريين خاصة – عندما غيروا حقائق التاريخ ، وما وصلت اليه الدراسات التاريخية بشأن هذا الموضوع في زماننا المعاصر من معلومات حقيقية بعيدة عن الاسرائيليات التي اعتمدها الكاتب.
يقول السيد القمني : (اذن ، فقد تسلل بنو عابر الى المملكة الكنعانية تدريجيا وعلى دفعات ، ويتضح ذلك في قصة التوراة عن هبوط النبي ابراهيم ضيفا على مملكة شاليم ، التي كانت قائمة قبل زمنه بزمان ، (…)، مما يشير الى ان ممالك كنعان كانت تعيش مرحلة المشترك المعبدي حتى هذا الوقت ). (2)
حتى التلمود، الكتاب المقدس الثاني عند اليهود لم يسمهم بهذا الاسم ، بل دعاهم بـ (بنو يعقوب)(ص135) ويذكرهم في ص154عند التنافس على عائدية مغارة مكفلاه: (ثم في اليوم التالي نشب قتال بين الفريقين، عيسو وأتباعه من جهة، ويوسيف والعبريون ومن تبع موكب الجنازة من مصر).
هكذا قدم المسلسل شهادة اعلامية فنية من فضائية دولة مسلمة الى دولة اسرائيل، بانهم هم من سلالة الكنعانيين ، مما يعطيهم الحق بالمطالبة بأرض فلسطين ،لا كبدو رحل جاء اسلافهم من اور الكلدانية ، فهنيئا لدولة اسرائيل بهذه الشهادة.
* صوّر المسلسل وصول عائلة يعقوب (3) – العائلة الرعوية الانتاج – الى مصر – الزراعية الانتاج – على انها المنقذ لمصر، وكأن الرعاة – البدو – هم حاملوا مشعل الحضارة في ذلك الوقت، لا المزارعين، خاصة اذا عرفنا ان الحضارة تتطلب الاستقرار السكاني، وهي ميزة يمتاز بها المزارعون عن الرعاة، البدو الرحل .
وقد كان القرآن – الذي اهمله كاتب المسلسل – صريحا في ذلك ، عندما ذكر ان عائلة يعقوب كانوا بدواً: ((ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ))، ومن المعلوم ان البدو لا يقدمون الحضارة الى أي بلد، بل ان من صفاتهم الغزو والقتل والاغارة والسلب والنهب، ولا تقوم بذلك اية حضارة .
ورب معترض يعترض، فيقول : ان يوسف راعي ،بدوي الاصل، وقد قام بعمل اقتصادي فذ.
هذا صحيح، على ان لا ننسى مكوثه فترة طويلة في مصر ذات الاقتصاد الزراعي، وبقائه لفترة طويلة في كنف العزيز الذي حل محله، فكان ان تثقف بثقافة ذلك البلد، فضلا عن وقوف الله خلفه كنبي يسدد خطاه.
* في المسلسل ،ومن خلال الاخذ من الاسرائيليات ، يذكر واقعة كتابة يعقوب رسالة الى عزيز مصر – ابنه.
النص القرآني لم يذكر هذا ، وكذلك النص التوراتي ، وانما ذكرها النص التلمودي (ص 140  وهي من الزيادات التفسيرية على التوراة كما يذكر مترجم التلمود) ،وبعض التفاسير التي اعتمدت الاسرائيليات.
* جعل المسلسل اهل مصر يتحولون بديانتهم من عبادة امون الى عبادة الله سبحانه وتعالى ، فسماهم – المسلسل – بالموحدين.
وهذا خطأ تاريخي كبير وقع فيه الكاتب ، عندما فهم ان عبادة امون كانت غير موحدة ، والتاريخ المصري يذكر لنا ان فرعون ذاك الوقت وحّد المصريين في عبادة اله واحد هو امون.
فضلا عن ان التاريخ المصري لم يذكر لنا ان ديانة المصريين في ذلك الوقت ، كانت عبادة الله.
* كذلك – ولان المسلسل اثقل القصة بالافكار الايدولوجية / المذهبية /السياسية ، فقد اضاف اضافة اخرى في الحلقات الاخيرة له ،لم يذكرها النص القرآني ولا أي نص يهودي ، هو التبشير بخروج:
– النبي محمد .
– المهدي.
ففي سورة الصف ، تخبرنا الآية القرآنية ان نبي الله عيسى هو الذي بشر بظهور النبي محمد: ((* وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين))، وليس يعقوب.

***
الخلاصة:
نستنتج مما سبق ، ان ابتعاد كاتب نص المسلسل عن القرآن قد اوقعه بأخطاء كبيرة ، لا يمكن ان يسامح عليها، اذا اخذنا بنظر الاعتبار، ان المسلسل قدمته فضائية اسلامية شيعية هي فضائية الكوثر ، وان العمل برمته هو ايراني – كما يخبرنا التايتل – وحتما ان هناك مراقبين – رقابة دينية –  لما يحمله هذا العمل من افكار.
ولكن هذه الملاحظات لا تنسينا جودة العمل ، من حيث الانتاج والتمثيل والاخراج.
***
الهوامش:
1 – انظر: عصمة الانبياء – الفخر الرازي – القرص الالكتروني المعجم العقائدي – الاصدار الاول.
2 – مدخل الى فهم دور المثولوجيا التوراتية- سيد محمود القمني- شبكة اللادينيين العرب- شبكة الانترنيت.
3 – ان مشهد لقاء يوسف بابيه مأخوذ من التلمود بكل تفاصيله، مبتعدا عن مصدره الاصلي القرآني.
جاء في التلمود: (كان يوسف لابسا ثوبا ملكيا، مع تاج المملكة على رأسه ، ولما صار على بعد خمسين ذراعا من موكب ابيه ، ترجل من عربته ومشي ليلاقي أباه. فلما رأى الاعيان والامراء ذلك ، احتذوا حذوه فترجلوا عن خيولهم وعرباتهم فمشوا معه.
فلما رأى يعقوب هذه الحاشية تعجب للغاية ، وسُر لذلك ايما سرور ، والتفت الى يهوداه فسأله:” من هذا الرجل المتقدم برأس هذه الكوكبة الرائعة في الثوب الملكي ؟” فأجاب يهوداه :”هذا ابنك” . ولما اقترب يوسف من ابيه ركع ارضا امامه ، فركع مقدموه ليعقوب ايضا. وركض يعقوب صوب ابنه فألقى لنفسه على عنقه وقبله، وبكيا معا. ).(التلمود – كتاب اليهود المقدس – ترجمة: احمد ايبش – دار قتيبة- ص149)
***
المصادر:
– القرآن الكريم.
1- تفسير الطبري.قرص المكتبة الالفية للسنة النبوية.
2- تفسير الثوري- سفيان الثوري  . قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
3- جامع البيان – إبن جرير الطبري . قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
4-  تفسير القمي – علي بن ابراهيم القمي  . قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
5-  التبيان – الشيخ الطوسي . قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
6-  تفسير الميزان – السيد الطباطبائي . قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
7- تفسير ابن كثير.  قرص المكتبة الالفية.
8- أحكام القرآن – الجصاص. قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
9- علوم القران الكريم – د . غانم قدوري حمد – ط3 – المطابع المركزية- 1999 .
10– عصمة الانبياء – الفخر الرازي – انظر :قرص المعجم العقائدي – الاصدار الاول.
11- أضواء على الإسرائيليات في مصادر السنة والشيعة. قرص المعجم العقائدي – الاصدار الاول   .
12- القول العطر في نبوة سيدنا الخضر- حسن بن علي السقاف. قرص المعجم العقائدي – الاصدار الاول.
13- تنزيه الانبياء – الشريف المرتضى – قرص المعجم العقائدي ـ الاصدار الأول.
14- قصص الانبياء – الجزائري  . قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
15- الكشكول – بهاء الدين العاملي. قرص الشعرديوان العرب .
16- ثمار القلوب في المضاف والمنصوب- والمنسوب لأبى منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبى النيسابوري- قرص مكتبة الادب.
17- مصارع العشاق السراج القاري. قرص الشعرديوان العرب .
‏18– الحيوان – الجاحظ . قرص الشعرديوان العرب .
19- الرسائل-  الجاحظ.قرص الشعرديوان العرب .
20-   تاج العروس – الزبيدي . قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
21-  لسان العرب – ابن منظور. قرص المعجم الفقهي– الاصدار الثالث.
22-  مجمع البحرين – الشيخ الطريحي. برنامج المعجم – الاصدار الثالث  .
23- تاريخ الطبري. قرص المعجم العقائدي – الاصدار الاول.
24- عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تحقيق وشرح:محمد عبد المنعم  خفجي،  ـ مطبعة الفجالة الجديدة ـ القاهرة  ـ ط1 ـ 1969 .
25 – مصطلحات النقد العربي السيماءوي- الإشكالية والأصول والامتداد – 2003  /   004 2-  الدكتور مولاي على بوخاتم – منشورات اتحاد الكتاب العرب- دمشق -2005 .
26- الشعر الجاهلي – د. سيد حنفي حسنين – الهيئة المصرية العامة للتاليف والنشر 1971 .
27- النص ، السلطة ، الحقيقة – د . نصر حامد ابو زيد.
28- الاسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم – د . محمد خليفه حسن احمد –  دار الشؤون الثقافية العامة – 1988 .
29- ملخص من-  اساطير من الشرق – سليمان مظهر – الكتاب الماسي –الدار القومية للطباعة والنشر – ب . ت .
30- ألف ليلة وليلة –د. عبد الملك مرتاض – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد.
31– الف ليلة وليلة وسحر السردية العربية- داود سلمان الشويلي- اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 2001 .
32 – مدخل إلى نظرية القصة- سمير المرزوقي وجميل شاكر- دار الشؤون الثقافية العامة-1986 بغداد.
33- بناء الرواية- د. سيزا أحمد قاسم- الهيئة المصرية العامة للكتاب.1984- ‏
34- مجلة المورد – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – الرؤيا في القران الكريم – عبد الجبار محمود السامرائي  – 0 1 .
35 – إشكاليَّة تأويل القرآن – قديمًا وحديثًا – د. نصر حامد ابو زيد – الشبكة العنكبوتية.
36 – الفن القصصي في القرآن الكريم- محمد احمد خلف الله – مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم – سينا للنشر – الانتشار العربي – لندن – بيروت – القاهرة – ط4 – 1999 .
37 – النقــد والإعجــاز – د. محمد تحريشي –اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 2004 .
38 – لغات القبائل الواردة في القرآن الكريم – الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام – الشبكة العنكبوتية.
39 – مدخل الى فهم دور الميثيولوجيا التوراتية – سيد محمود القمني – شبكة اللادينيين العرب.
40 – المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام – د. جواد علي – الجزء الثالث – شبكة الانترنيت.
41 – التلمود – كتاب اليهود المقدس – ت: احمد ايبيش – دار قتيبة – ب.ت.
***
الاقراص الليزرية :
1- قرص مكتبة الادب.
2 – المكتبة الالفية للسنة النبوية – 5 .1 – 1999- مركز التراث لابحاث الحاسب الآلي –  الاردن ص .ب 410354
3 – قرص المعجم العقائدي – الاصدار الاول.
4– المعجم الفقهي- الاصدار الثالث – 1421 – مركز المعجم الفقهي – الحوزة العلمية بقم المقدسة .
5- موسوعة التاريخ والحضارة الاسلامية – 5ر1 –  مركز التراث لابحاث الحاسب الآلي –  الاردن ص .ب .410354
6– الشعرديوان العرب – المجمع الثقافي – 2003.
7- موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية-  الأستاذ الدكتور :عبد الوهاب المسيرى- بيت العرب للتوثيق العصرى والنظم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.