عبد الزهرة لازم شباري : رؤى ما بعد الألف

abdulzahra lazem 2فضاءات الألم
هكذا كانت تجلس خلف شباكها القديم وأمام موقدها البارد تغفو على وهج السنين ، تتدافع من حولها الأشباح ، أشباح الشباب وهي ترمز لها بعنفوان من بين وريقات الدفلى ، من ذات الشجرة العقيمة كل صباح ، تحرك أصابعها  وتفرك عيونها التي أطفأها السهد ، وتزرع في الخيال تعب المسافات الطويلة ، ثم ينجلي ضباب السنين وتقاسمني ابتسامتها ، أراها لوحدها تجلس قبالة أسلاك شباكها الصدئة بوجهها المصفر وعينيها الذابلتين ويديها المرتعشتين ، تتناغم ابتسامتها من بعيد وتشكل علامة الحنو !
عيونها المتألقة ترقب خطوي وتزرع في روحي الحلم ، عندها صدقت
المنام وعدت أعوم لوحدي بين نخيلات عوجاء  ، تراءت لي وهي تلوح بعباءتها السوداء الممزقة ، وفي البعيد المعتم ألمح عودها النحيل يترنح في فضاء العتمة وهو يصارع فضاءات الألم !!

                                                 البصـــــــــــــــــــــــ2013ـــــرة

     كوينزكيت  !

في دروب مدينة الضباب الظليلة ، ترمقني من بعيد بعودها الرشيق ، وفستانها الأحمر ، ووجهها الشمسي ، خلف شجرة البلوط المنتصبة وسط الشارع الكبير وأمام نصب الحرية الشامخ ، بين الوجوه الكئيبة التي تبحث عن مبغى ، جاءوا من هناك ، من شتى العوالم ، يلبسون الهموم وفراء القرود ، ويسهرون كأرتال النمل على حبيبات السكر في الأكواخ البائسة ، جاءوا يسرقون العيون الغريبة وهي تبل كالندى شجو المغرمين ، وتسلب لب الوالهين  !
يملؤون جلابيب الفجر بدبق الفواحش  ، ويقتسمون الشرفات والنوافذ ويلثمون الجروح في المخافر  !
أسترق السمع من بعيد لأنغام صوتها العذب وهي تردد أغنية ( أم كلثوم ) أنت عمري .
تبتسم لي وتقول :
أنت وحدك ؟
صباح الخير !
ومن معي يا ترى ألا ترين ؟
ألست مثلهم ؟
من ؟

هؤلاء الذين يلبسون الصحراء ، ويلثمون الجروح في المساء ، وفي الليل يبكون الصديد فوق المرايا !
يصفق الريح البارد شباك غرفته المطلة على الشارع ، يستيقظ على نوبة الضجيج !!

                                                        البصــــــــــــــ2013ــرة

                 غالية الرباب

بوجهه الكئيب وقامته المنحنية إلى الأمام ، وجلبابه الرث الممزق ، يهمهم بكلمات تنبو عن بؤس ، يقول على ما تبدو عليه حركة يديه وهو يلوح بهما كمن يرسم شيئاً ما في الهواء !
سأرسم قامتي هنا ، واريق ماء الليل فوق مرآة الفجر ، وأصقل صمتي وعذابي ، ثم أرحل بعيداً إلى فجوات النجوم المنتشرة في الفضاء ،وهي تسري فوقي !
يصمت ويسكن عن الحركة في حين تبقى يده معلقة أمامه في الهواء ، يفكر يقتله الوجوم على ما أرى ، يلقي شيئاً على ما أرى على البساط ، يسبقني إلى الباب ، يلملم أسماله البالية ويهرب ، اتبعه لعلي أسترجعه إلى محله لكنه يقول لي بعنف وعصبية حادة :
أسمع يا هذا ؟
أن للشوارع هنا أصداء الشظايا ونزف الغيوم .
ألا ترى في بغداد وحدها ألف قتيل كل صباح ، والناهدات فيها يقتسمن اليباب ؟
ترى من الذي كسرها غالية الرباب ؟
يغيب عني ويختفي في ضباب الصباح الكثيف !!

    البصــشباطــــــــــــــــ2013ـــــــرة
العودة

كان أكثر حكمة ، يهيم لوحده تائها  في تفكير دائم ، تزدحم مخيلته بمفردات قدرته على السيطرة في أن يدير من حوله ويزرع فيهم النخوة والغيرة ، يميل إلى المزاح أحياناً ، يعاتب هذا ويلاطف ذاك ، ويعمل ماراثونا حول ما بناه لأحفاده حيناً آخر !
ينظر إلى القلعة المنسية التي تقف أمامه في وسط السهل الممتد نحو الشمال ، بجانبه تنبش الطيور في مكامن يراها أصبحت يباب ويبس ما فيها من نبات وزرع ، يكاد لا يرى منها سوى أوراق التوت المتساقطة على باحة داره القديم الذي يتوسط أرضه ، يسأل نفسه ، يا إلهي أين ذهبت هذه الخضرة والنظارة من هذه الأرض ؟
وأين ذهب الماء عنها ؟
إنها غارت في أعماق الأرض لا أستطيع أن أستخرجها لوحدي ، ولم أجد من يساعدني ، أرى في النهاية تصبح نهباً لغيرنا ، هؤلاء لا يستطيعون الحفاظ عليها ، سوف يتفرقون في أصقاع الأرض بعدي ، أنها الحيرة يا رب  !
أوراق التوت المتساقطة أمامه تنقلها الريح إلى مكان بعيد تسمعه الحفيف ، يتشاءم  منه  وتكاد تزهق روحه من بين جنبيه !
يمد يده المعر ورقة إلى زوجته قائلاً :
ترى هل يأتي الماء يوماً ؟
وهل تطل علينا المزرعة من جديد ؟
ونرى السنابل وهي تميل بغنجها كأنها العرائس ، لتقبل وجه الأرض بما تحمله من الحبوب ؟
هل تخرج مرة أخرى حتى على الأقل آخر مرة أراها بالعمر ؟
تبتسم بوجهه مازحة ، دع عنك هذا أيها الشيخ الطيب إنها الإشارة بالعودة إلى ما كنا فيه !
ماذا تعنين ؟
نعم إنها النهاية ، سوف نرحل إلى هناك ، حيث النخيل الشامخة في الجنوب ، حيث المرح والشمس ، إنه نداء القلوب يا عزيزي ، أم أنت تريد أن تموت وحيداً دون أهلك ؟
تريد أن تقبر هنا ولم يزرك أحد في ديار الغربة ؟
يصمت قليلاً ، تنازعه روحه إلى الرحيل ، وكأنه صدق كلامها ، يتكأ على عصاه ترتعش يداه وقدماه ، في حين يسمع مؤذن القرية النائية في الشمال يصدح بصوته معلناً للصلاة !!

                                            البصـــــشباطــــــــــــــــــــ2013ــرة  

                   هموم

كان قد أدرك يوماً ما سيفترق عنها ، أنها حالة أكيدة لا بد منها ، هكذا هي الحياة يتمتم مع نفسه وهو يسير بين هياكل وكتل الثرى والمدر الجاثمة فوق رفات الأموات ، توقظ في نفسه بريق دافئ ينقله نحو الكون الواسع ، يسري الدم في عروقه ، تتوهج فيه الحياة ، حلاوتها ، رجسها ، عتمة مساوئها ، وغنجها !
يفترش عباءته الممزقة ويرقد عليها متوسداَ أحد القبور التي أنهكها الزمن ، لا بد أن هذا الراقد هنا أعطا لعمره شيئاً من اللهو والترف ، ومر بضجيج هذه الدنيا الفانية !
تسري في جسده قشعريرة ، يحس بعظامه تتكسر ، ينهض مسرعاً يلف عباءته تحت أبطه ويسير بضع خطوات ، تدمع عيناه وينهمر منها ماء لزج يسيل على خديه ، يفرك عينيه بقوة مهمهماً ، كلنا سنكون إلى هذا الرمس البالي سوف تمر علينا الأقدام حتما ، وسبحان من ذكره الناس بخير !
سائراً بين الرموس يكلم نفسه ويصلح ذيال عباءته التي تسح عجاجاً بدا وراءه ، يلتفت كمن يتبعه أحد ، يصرخ في أعماقه ، هكذا نفنى دون أن يبقى نبضاً يومئ لنا ، وينذر الحياة ، ودون أن نخلد إلى نوم هادئ !
حاملاً همه الثقيل مستقبلاً منائر بدى له بريقها واضح على أشعة الشمس التي تسللت من خلال الغيوم الكثيفة ، وقف قبالتها ساكناً : لا أحمل سوى جسدي ، وجعي ، وهمومي التي أثقلت كاهلي ، لا أدري أين أجد ماء الحياة يتحسس شيب لحيته التي كست وجهه ويسح دمعة من جديد  !!
تتوهج فيه رغبة في الطيران حولها والصاق جسده بها ، إلاَ أن قدمه تتعثر بأحد القبور المثقوبة ويسقط على الأرض ، بهلع صارخاً توقظه زوجته ليجد نفسه في فراشه ترتعد فرائصه !!!

في البصــشباطــــــــ2013ــــرة    

المائة بعد الألف

مسرعاً إلى بيته دون أن ينبس بكلمة واحدة تعتريه نوبة من الرعدة في جسده ، يخيم عليه البؤس والاكتئاب والألم ، يدخل غرفته ويوصد الباب وراءه ، يلقي بجثته على السرير ويخلد إلى النوم !
يتقلب في فراشه كما الأسماك في بطون البحار والمسطحات المائية ، ينتابه قلق وبؤس ، يشعر أنه يحمل هم الدنيا ، الأشباح تتراقص أمام عينيه ، أعظمها شدة ما رآه في الطريق العام ( السريع ) !
سكنت ضوضاء نفسه واصطخاب الشارع والناس والمركبات عليه ، وبدء سلطان النوم يدب في أعضاءه ويغطي عينيه بغشاوة ظليلة ، لا يكاد يستطيع فتحهما ، زحف ظلام دامس على جسده ليغطي ما تبقى من شدو روحه سوى ما بقي من أنفاسه المتعالية ، يراوده منظر الشارع العام والحركات البهلوانية التي ما زالت تلهب رأسه وتفكيره المتعب ، يندلع في صدره لهيب الغصة ومرارة القسوة والظلم ، وجوه شاحبة  خالية من الرحمة ، أستحكم عليها شعاع الفرعنة والغطرسة والجهل وقبح التحكم وظلال العقول !!
الهلع ينتابه ، لا يستطيع الترجل بسرعة والدفاع عن صاحبه الجالس بجانبه ، خلف مقود سيارته ، بسرعة مذهلة ، وخفة بهلوانية ، وأصوات نكرة ، تزعق كالوحوش الضارية :
توقف يا بن  ………؟ !
ينزلق على يمين الشارع ويبقى جالساً في مركبته الصغيرة ، في حين تهجم عليه ذئاب العصر ، تسحبه بقوة وعنف ، دون سابقة كلام ويلقى على الرصيف وينهال عليه الأربعة بالضرب من كل مكان ، يتقلب على الشارع من شدة الضرب وقساوته !
تجمع الناس من كل مكان الرائح والغادي دون أن يجرء أحد بالتكلم أو أسعافه ، الكل مذهولون ، يسمعون كلامهم النابي وقبح أخلاقهم وتعسفهم الجاهل !
بطريقة بهلوانية يصفق كل منهم يديه ويعدل من هيئته ويذهب إلى محله ،
هكذا يجب أن تتأدبوا عندما ترون أحدنا ، ولا تتجاوزوا مركباتنا  في الشارع ؟
حتى تكون للجميع عبرة ، فاعتبروا يا أولوا ابصار ؟
ملقى على الشارع ، تتجمع عليه الناس ، يحركه أحدهم ، ينهض مذهولاً ويصفق بيديه صارخاً ، لقد فارق الحياة !!!

    في البصــــــــــــــ2013ــــرة

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كفاح الزهاوي : مجلس العظماء.

    دخلت قاعة التهريج، رأيت القرود مجتمعين، متوضئين وملء أشداقهم أصداء ضحكات هازئة تتعالى مستهينة …

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.