علوان السلمان:تجاوز وحدات السرد في أجنحة جيم

alwan_alsalman السرد القصصي تعبير عن واقع معاش وانعكاس له بتداخله مع الخيال والإبداع الفني لتحقيق هدف يطمح إليه القاص يحدده بذاته .. لذا فهو لا يقتصر على كونه يحقق وظيفة جمالية .. بل تصوير واقع وتحفيز لواقع جديد .. لذا فهي تخرج من قلب الواقع النابض بالأحداث معبأة بما يحمله هذا الواقع من تداخلات ومفارقات برصدها العلاقات الاجتماعية واستلهام تناقضاتها.. كونها تتعامل مع اليومي لتشكل همها وتحتضن دفئها الإنساني ولحظتها باستخدامها الأساليب الفنية وتيار الوعي الذي يميز بناءها الفني الذي يحرك القوى الفكرية للمتلقي من اجل الوصول الى فحوى القصة والدلالات والمعاني المترتبة على طبيعة أسلوبها ومضمونها الفني وأبعادها الانسانية ..
و(أصوات أجنحة جيم) الكتاب القصصي الثالث المسبوق برواية(هدى والطواهر) و(طريدون).. كتاب قصص من إصدارات جيم/2009 للقاص جابر خليفة جابر والذي تضمن (مقدمات وأصوات اجنحة جيم وقاريء الدم والحصان قائد العربة) عبر عن تجربة سردية تتخطى الخطوط الواقعية المرسومة والمحاطة بمقولاتها ..كونها تتفتح على قيمجابر خليفة

اكتسبتها من حريتها التعبيرية التي قربتها من الوعي الشعري للحياة وإعادة خلق الواقع لا من خلال تفاصيله ومظاهره الخارجية.. بل من منطلقه الداخلي الذي يشكل الجوهر الذي لا يمكن استبصاره إلا من خلال وسائل تعبيرية تكفل له صورة موضوعية في التجسيد والتأثير .. كونها تشكل مجموعة مقاطع تجري بأسلوب تيار الوعي لبطل القصة الراوي العليم الذي عايش الأحداث .. إذ أنها تتوجه الى الواقع بعد أن استلهمته مجمل المضامين السردية المتوجهة له.. باعتباره حالة وصفية اجتماعية.. فالقصة عنده تبدأ بالوصف الذي يحيل على حالة شعرية سكونية تبطيء من عملية السرد وتشد الى التأمل وإشغال الفكر ..
( على ساحل أخير ورث الموانيء الأول واستقصاها .. تقوم قاعة الفلك مهبطا للقبة الزرقاء .. ويقف البحر جاذبا السباخ إليه والبطائح.. مبتدأه حمرة صلصال وغرين .. وأقاصيه بنفسج..) ص/9
لذا فهي تهتم بالمشهد وتجتهد في تمظهر المكان مستقلا عن حركة الإنسان فيه..لكنه يظهر مع إسقاطات الحالات النفسية الخاصة بالشخصية ..
( من معركة الجمل ومزارع الطماطة الى ملعب الفروسية مرورا بدوار العظام والدائري السابع .. أزاح حقيبة الجلد جانبا ومشت بهدي الخرائط قافلتنا كما مشي جيم يوما الى مملكته ومعه مشت زوادة الطعام خطوة .. خطوة.. حتى أتى عليها الرجال تحت الأرض وجدهم ..في البدء لم ير سوى أعناق المدافع ثم بدت حافات الخنادق …) ص28
فهو يظهر أما مغلقا( في فضاء المختبر تتماوج الأدوات بألوانها..)ص11 .. أو مفتوحا(أنفاق للنمل الأسود أحيطت فوهاتها بسواتر دائرية صغيرة من حبيبات الرمل فبدت كموضع أسلحة م/ط..) ص25 ـ ص26 .. أو فضاء اجتماعي( دار الدليل ودارت القافلة القصيرة .. ثلاث سيارات(نيسان باترول)..)ص26 ..وهذا يكون حسب مرجعية ذهنية أو خيالية مع ظهور تقنية الاستذكار عن طريق دفتر يوميات جيم الأزرق((CHANGER واعتماد السرد الممزوج بالوصف والتحليل بتأمل وجداني ذاتي للأوضاع الاجتماعية ..فالراوي من خلال فعله في الأحداث يحقق مستويين من السرد : أولهما تأملي في الماضي البعيد القريب وسرد يعيش اللحظة .. ومن خلال تداخلهما بصيغة ضمير المتكلم الذي يلغي المسافة بين الزمن السردي لصالح جمالية التأثير في المتلقي .. كون أصوات أجنحة جيم ترفرف مشكلة نزوعا صوب المشهدية التي تفسح للعقل المجال التأملي .. إذ أن هناك محركا داخليا في تجربة الكاتب يدفع الى تطوير الشخصية القصصية .. فهو يعتمد تشكيل المواقف على نحو فني يتجه الى استقطاب قوة الموقف الإنساني عن طريق الإيغال خلف الحركة الدرامية المكثفة بالوسائل السيمية .. وهذا يساهم في اكتناز التجربة السردية وامتلائها بالحيوية ومن ثم خلق تشكيل سردي أكثر استبصارا بالموقف الاجتماعي ..
( خيم الليل بعد قراءة مانشيتات(CHANGER ) وأوراقه السود.. فقضيت الظلام ضجرا بانتظار الفجر الذي عقبناه بنهارين قائظين لنعاين ما خلفه جيم والآخرون من شواهد وآثار.. لم نجد سوى خنادق دارسة وأسلابا ( خوذ/ بساطيل/ خرق عسكرية /أعتدة فاسدة / زمزميات ..) /ص39
فجابر في أصواته عوالم ممتلئة بالقيم والصور الفنية المجسمة لظروف الواقع وكان الوعي الشعري متداخلا بالوجود الفني ..
للذاكرة ..
ألوانها ..
وللشفاه الخضر أيضا لونها
وكفه التي .. رعاها
شدوا على كلابهم
ولطخوا شفاهنا والذاكرة /ص52
فهو يضعنا أمام الإنسان المحاصر .. المستلب ومدى ثقته بنفسه للتعبير بإمكاناته المتخطية للقيم اللاعقلانية .. فالبطل عنده (الراوي) يعيش رؤيا نابضة من معاناته وتجربته .. إذ أننا لا نجد تحديدا مظهريا للشخصية كإضفاء أسماء أو أوصاف جسمانية او سلوكية .. بل نواجه شخصيات ذات نمط اطرادي فهي رغم الأجواء المعتمة تواصل التفكير وتحلم داخل عوالمها وهذا ما يجعل التجربة بعيدة عن اليأس والعدمية ..
( انتصب الجدار شاهدا وحيدا .. وامحت الكينونات الأخرى .. محاها التصحر وأمامه وقف الشيخ الشاب لينفض عن جبينه وحشة الطريق وليجاهد في فك الغاز الحكاية لصاحبه .. حكاية الدم الطازج الطريد ..) ص44
فالتجربة السردية في أصوات جابر توظف الرمز واللغة الشعرية والطبيعة من اجل الكشف عن التناقض الكامن في الحياة من خلال خبراته وسيطرته على وسائله الفنية بالرغم من خروجه على قواعد الفن السردي فجعل من تجربته وطريقته التعبيرية عالما متفردا أنتجته ذاكرته التجريبية بما تختزن .. وأفرزته أحاسيسه المعمقة والمشبعة بهموم واقعها الذي يعج بالمتغيرات ومظاهر القلق .. لذا جنحت الى مقاومته ونقده باسلوب يختلف عما هو سائد في كتابة القصة القصيرة التي تعتمد البناء التقليدي والبحث عن هوية اجتماعية للشخصية والالتزام بوحدة البعد الدرامي (البداية / الوسط / النهاية) بل تبدأ مباشرة بانغمارها في الموقف وبما يكتنزه من دلالات .. فكانت معبرة عن أقصى الطموحات السردية الملائمة للواقع بتثوير الامكانيات الفنية التي يواجه بها المبدع أشكال الاستلاب والاغتراب .. فكانت تجربة متميزة بعالمها الفني المتجرد من التقاليد والأطر الجاهزة .. بالتجائها الى المنطق الداخلي الذي يدل عليه الواقع ..
( بين رتلين متوازيين من أشجار الأثل اكتشفت مملكتي .. كانت جزيرة خضراء صغيرة وسط احتراق البادية ..بعيدة عن الظمأ وعن أنظار الجنود على مسافة ثلاثمائة متر تقريبا من موضع البطرية.. وعلى أرضها تراكمت طبقة كثيفة من أوراق الاثل الإبرية الميتة تتخللها حشائش وأعشاب نضرة وأخرى حائلة تنتهي عند أجمة قصب تعترض الرتلين لتحد المملكة شرقا .. وعلى هذا البساط الأخضر الظليل تغوطت لأول مرة .. ثم كررت المرات حتى انتشرت الألغام الطرية واليابسة على مساحة المملكة ..) ص25
وهنا يكشف القاص عن واقع متهريء بقيمه عبر عوالم لعلاقات غير مألوفة بين الإنسان والواقع أو بينه والأشياء المحيطة به ..
فالمجموعة تبدو بمثابة عمل فني بارع بمشاهده التي خرجت عن المألوف بتعبيرها عن أجواء المواجهة بين الانسان ولاعقلانية الواقع .. وبالرغم من ذلك فالتوحد قائم بين عوالمها عن طريق تأكيد مظاهر المواجهة بما فيها من تناقضات لا يقبلها العقل أو الموقف الواعي بحكم عتمتها أحيانا .. وهذه العتمة مستمدة من التشكيل الفني لا من الموقف الاجتماعي .. بتداخل الأزمنة في اسلوب منبثق من الوعي الداخلي يجري بتعابير مركزة ومكثفة الألفاظ تمتاز بشاعريتها وإيقاعها المنبثق من داخلها.. والذي يجعل من لحظة اليأس لحظة عبور الى الضفة الأخرى.. ضفة الأمل بخلق موقف انساني عن طريق الوعي الشعري بالحياة والذي يبعد المتلقي عن الرتابة والجمود.. كون الشخصيات تنمو مع نمو وعي الكاتب وهواجسه الواثقة بالإنسان والمرتبطة به ..

شاهد أيضاً

جنوننا الجمعي
فلاح حكمت*

• في أعماق الجنس البشري توق راسخ للتواصل • الطبيعة البشرية تقوم على التعاون لاالتنافس …

عبد الرضا حمد جاسم: راي في التخلف (5)

ملاحظة: اعتذر عن الاضطرار لتضمين الموضوع بعض العبارات باللهجة العامية العراقية المموسقة استدعاها الحوار بين …

من أقوال “شارلي شابلن”

لا بدّ للمرء أن يكون واثقاً من نفسه .. هذا هو السّر .. حتى عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *