تابعنا على فيسبوك وتويتر

saad saeed 5farook aohan 3في مراجعتي لمقالة الدكتور حسين سرمك عن قصة ديك سامي، ورد الروائي سعد سعيد في موقع الناقد العراقي، تشكّل لدي التعليق من موقفين اثنين:
الأول: مستوي الوعي الكبير لدي الطرفين، وهو يدل على معرفة لتقبل الآخر، والارتقاء، من خلال الاختلاف إلى مستوى معرفي أعلى ينعكس على الجانبين.
الثاني: إن رد الروائي سعد سعيد الواعي، والبليغ، جعلني اتحسر على عدم معرفتي لمبدع مثل الروائي سعد سعيد، ولأدبه، ولكن ما كتبه يعكس فهمه الكبير لمستويات اللغتين “العربية والإنكليزية” الواعيين، والدالة على ليس معرفته اللغة الأخرى، وإنما التعايش اليومي معها، وضلوعه فيها كأدب.

الترجمة
لهذا يبدو لي أن معضلة الترجمة في العالم العربي، لا تزال قائمة، وأن من يترجم حتى الآن ليس أديباً، مثلما حصل أيام ترجمة أليوت وستانسلافسكي، وأشعار إيلوار، وتشيلي، وما نتج عنها من ملابسات في مستوى فهم hussein sarmakالقصائد، وربما الدراسات، لعل دراسة المسرحي الدكتور شريف شاكر في مقدمة إعادة ترجمة كتاب ستانسلافسكي بجزئيه تحت عنوان إعداد الممثل: في تحليل الدور، وفي التجسيد الإبداعي، على غير ما اختصره المترجمان من قبله في كتاب بعنوان إعداد الممثل، قد وضّح بما فيه الكفاية واحدة من مساوئ تقليم المترجم لما بين يديه بدراية، أو عن جهل. هذا إذا لم يدع المترجم تأليفه للكتاب، مما ساد في القرن الماضي، ويعرفه كل مطلع، وباحث. والطامة الكبرى فيمن يسمون أنفسهم نقاداً، ممن لم يقرأوا العمل لا بلغته الأصلية، ولا المترجمة، وإنما بنوا آراهم على مقالات كتبت عن الأعمال نفسها، باستثناء القلة من المترجمين وأذكر منهم نجيب المانع على سبيل المثال.
إن الروائي سعد سعيد في إيراده اسم الديك “Rooster”، وليس “Cock” فيها بلاغة فكرية، ومعرفة أصيلة بمعاني الكلمات ليس القاموسية، وإنما المصطلحية التي تسود فيما بين العامة، مثل جملة شكو ماكو العراقية، أو يعبر عن كلمة كثير باللهجات العربية المتعددة: “هواية”، “برشة”، “واجد”، “كتير”. أو كلمة “أعّيط”: أصرخ، أبكي، أنادي. ولن أضيف أكثرمما فسره سعيد نفسه، ولكن.

المعاني والمعاناة
إن كلمة كاكك لها معنى مجازي لاسم الديك، تدل على معنى الـ”Penis” وهو سلاح الرجل وقضيبه، وهو الرمز البليغ الذي أراد سعيد أن يصور أحد آثار جوانب الغزو من جهة، وعكس ثقافة الغرب، السائدة، وشمال أمريكا بالذات التي لو أوغلنا في تفسيرها لوصلنا إلى أن ثقافتهم تقدّس الذكر من جهة ثانية، ليس من قبل النساء فحسب، وإنما من قبل الرجال، بعضهم مارسوا المثلية في صغرهم راغبين أو مرغمين بحكم السفح من قبل زوج الأم، أو حتى الأب، والأخ، “لعل ما ورد في رواية الفتاة ذات الوشم، التي كتبت دراستي النقدية، والمنشورة في موقعكم في وقت سابق عنها تعري هذا الجانب، ولكن الكاتب السويدي ستيج افتخر بإيرادها، وتفنن بتجسيد ممارسة الأب للجنس مع ابنته، وإجبار أخيها على الممارسة، وهو يتفرج عليهما، ولربما مارس الجنس مع ابنه فوق وتحت” فهنا يمارسوها بنسب عالية كما تشير الاحصاءات وتسجلها بنسب للتباهي بتزايدها، وعدم الخجل منها باعتبارها واحدة من حقوق الإنسان، حتى أن رؤساء الدول عند التباري في الانتخابات، يخطبون ود هذا الرعيل، وإلا فإنهم سيوصمون بعدم الإنسانية. وعلى جانب آخر يحق للرجل أن يبوح حتى لزوجته بنوزاعه، وأن تحترم هي تلك النوزاع التي لا يعتبرونها شاذة، هذا في العلن، أما ما خفي فهو أعظم. فالعائلة مشتتة، وليس هناك من رادع أسري، ولا تسلسل أبوي كما في مجتمعاتنا، وهذه أمور متداولة شرعياً، ونمطياً، وجزء من الثقافة السائدة، ففي إحدى المحطات الإذاعية هناك برنامج اجتماعي تقدمه د. جون بروان تسألها السيدات مباشرة عن وضعهن الاجتماعي، سواء علاقتها مع أبنائها، أو زوجها ولندع مشاكل الزوجية جانباً، ونشير كمثال، لما تقوله جونز لسيدة تسألها أن ابنها تجاوز السادسة عشرة فماذا تفعل، فتجيبها بروان: اطلبي منه إيجار الغرفة، وعليه أن يدفع لك مصاريف أكله، وإلا فـ”كيك هم أوت”، أي ارميه خارج الدار. وتقول السيدة: ولكنه لا يعمل، وهو ما يزال يدرس. فتجيبها بروان: عليه أن يعمل، ويوفر للدراسة، والعيش. وهذا المثال قالته لسيدة تحكي عن ابنتها أيضاً. فماذا يفعل هؤلاء الشباب وهم خارج حضن العائلة. الأمر الخطير في هذه المجتمعات، أن العمل لديهم بالساعات، وليس بالدوام الشهري. بمعنى أن رب العمل يوظف العامل على الساعات لكي يتخلص من كثير من الالتزامات، وعلى العامل أن يؤمن على نفسه، ويدفع أجور شهرية للتأمين، لهذا عليه أن يعمل ساعات أطول لكسب مال أوفر تصل إلى 16 ساعة في اليوم، ولو تصادف أن مرض، فلا  يدفع له رب العمل، وإنما التأمين، والضمان الاجتماعي، على عكس ما نعرفه، فالموظف يتمتع بحقوق، وراتب شهري بثمان ساعات، يحق له التمتع بإجازة. وهنا يبدو الفارق، فمتى يتفرغ العامل للراحة، ومتى ستطبخ له زوجه الطعام، فالأكل صار من السوق، والأنكى أن ما يلتهي به هو الخمر، والمخدرات، والجنس بما فيه السفح والشذوذ لكي يكافئ نفسه، أو ينسى هموم الديون المتراكمة عليه، وبخاصة لو وقع تحت طائلة الاستدانة البنكية لتملك عقار مثلاً، فمن أين له أو لها الصرف على الأولاد، والمعاناة هي لو حملت المرأة فمتطلبات الطفل حتى عشر السادسة عشرة كثيرة، دوّامة لا تجعل الفرد يفكر في أي شيء يعيد له حقوقه، لأن المحامين أنفسهم من نفس عقلية المالك، والرأسمالي.
لهذا أصرّ الروائي سعيد على وضع الكلمة الأولى بدلاً عن الثانية لكي تصل مباشرة للمجتمع الذي وُجه إليه الفيلم وبلغته، والمصطلحات المتداولة لديهم كما أشرنا أعلاه، ولكن المخرج صاغها برؤياه كأمريكي ينظر إلى بلد غني، وأهله مترفين، ولم يلتفت كثيراً إلى الرموز التي صاغها المؤلف بعناية فائقة، وصلت القارئ العربي والعراقي، ولم تصل للأجنبي إلى حد ما. هذه النظرة هي إحدى جوانب ثقافة الغرب تجاه الشرق، وبخاصة العربي منه، لأنهم لم يتعايشوا يومياً مع تقاليد شعوبنا، يرونها فقط من خلال ما سمعوا، وقرأوا عنها، من مستشرقين منحازين، ولربما يحتجون هم الآخرين على نظرتنا لهم قبل دخولنا مجتمعاتهم.
المنفى بين الداخل والخارج
المعضلة التي تخفى على الكثيرين ممن في الوطن، أنهم مزجوا بين من اختار الهروب من الوطن بناء على رغبة في الاغتناء بعد أن انتهت موارد العراق، وبعد أن ظلوا يمصون بقايا عظام فضلات مآكل صدام وأولاده، وبعضهم افتخروا بأن ابن صدام المعتوه عذبهم، كما فعل أحد كتاب الصفحات الرياضية التي ارتهن للمعتوه الابن الأكبر، وذلك بساديته تفنن بتعذيب مقربيه، فكتب هذا في كتاب أصدر بكل قباحة، أن عدي أدخله في برميل من الخراء لليلة واحدة فتصوروا الوقاحة، والآن يدعي أنه مناضل ويتجرأ بالدفاع عن حقوق الأقليات ويتصدر جريدة في المهجر ويراسل قناة فضائية، ويزور العراق، ومثله العديد الذين تنصلوا عن عراقيتهم، وصار أولادهم مثلهم يتنكرون للعراق، وهم لا يعرفونه، ويقولون أنهم أمريكان، أو كنديين، وقفت مرة أمام شابين عجز والدهم اقناعهم بأنهم عراقيين، ولربما تصورا أن مجرد المولد في مكان يمحي الهوية الأصلية للتسلسل العائلي، فقلت لهما: أنتما عراقيان بالوراثة، والجذور، والهوية، ولو فقدتم هويتكم، صرتم بلا تاريخ، ولا تراث، أنتما أمريكيان بالتجنس. فتشجّع الأب لبخبرهما بقوله: هل نكر صديقكم الأرمني أصله. بعد أيام أخبرني الوالد أن ابنيه لما سألا صديقهم الأرمني، عن هويته أخذهم إلى البيت، وعرفهم على أهله، كان ذلك في اجتماع الأسرة الكبيرة لإحدى المناسبات، فقلت له: إن الأرمن والفلسطينيين قد وعيا اللعبة فتحصنا ضدها.
أما من لم يختر المنفى بإرادته فهم كثر، إبتداءً الكبير الجواهري، وحتى أصغر مناضل كان سيذاب بالتيزاب لو ظل، مقابل توقيعه على ورقة انتماء للحزب الكريه، ذو التاريخ الفاشي والعمالة للقوى الخفية العظمى، هؤلاء من عانوا وما يزالون، فليت معاناتهم أقل قسوة من التعذيب الجسدي في السجون،  بقدر قساوة عيش الكوابيس المنفي، وهو يزور وطنه المحتل كل ليلة، فالجروح الجسدية سرعان ما تنكأ، ولكن جروح الروح، والتعلق بمسقط الرأس، وممارسة حق المواطنة والانتماء، وبالتالي أن يبقى معروفاً بين الأجيال القادمة، وأن يأخذ ويعطي من إبداعه. ففي الغربة ينساه حتى الأهل والأحفاد، وتلك مرارتها لا تعوض، إضافة إلى أن المنفي في الغربة عليه أن يسعى لسنين لكي يبني له تاريخ، بين من لا يعرفه، ويقدر قيمته، ويجعل الآخر يتقبله، فيبقى معلقاً بين لا انتماء في الخارج، وتهميش في الداخل.
وهاكم مثالاً عن ما أوردته أعلاه: في شتاء واشنطن عام 1998، وبمركز الحوار العربي، الذي يديره الدكتور صبري غندور. دعيت لقراءات قصصية من المجاميع التي أصدرتها حتى ذلك الوقت، اقترحت على مضيفتي إحدى الفنانات المسرحيات العراقية التي كانت تعمل بالقطعة في إذاعة صوت أمريكا، طالباً منها أن تجمعني بشباب قدموا من معسكر رفحا في السعودية بمختلف الأعمار، لأتعرّف على مستوى تكفيرهم، ومن هم، وكيف يتفاعلون مع العراق في الغربة، وكانت مفاجأة أنني سكنت ليلتين مع ثلاثة شباب وقتها كانوا في بدايات العقد الثالث، وتفاجئت بمستوى وعيهم، وقد نبهوني بأن: ليس كل من كانوا في رفحا كما أشيع عنهم!، فهم من تيارات سياسية مختلفة، ليلتها قبل المحاضرة، تحدثت والشباب الثلاثة عما كان موقفهم عندما خرجوا من معسكر رفحا إلى أمريكا، فقال الأول: كان هدفي أن أنتقم، وأن أقوم بتفجير أي شيء وقال الثاني: أن أسرق أموال الأمريكان، أما الثالث فصمت. فقلت له ماذا كنت ستفعل: قال أن أدرس. فقلت هدفهم هو أن تصبحوا مغالين، ومنتقيمن، بل ومتطرفين، لكي تشهدوا بأعمالكم على تبريرهم لسبب غزوهم للوطن. أما الدراسة، وبالعلم فإنكم ستحاربوهم بقوة علمكم، وإصراركم على التعلم، وأنتم لم تأتوا من فراغ، تأكدوا أن ثقافة العراقي والعربي أوسع بكثير من ثقافة الأجنبي فنحن نتعلم كل شيء، وبموسوعية، وهم لا يتقنون سوى أمر واحد، ويتكفون به. لهذا سعوا لجذبكم، وعندما يعجزون عن غسل أدمغتكم، يجأون إلى الهدف الأكبر، وهم أولادكم فلسوف يسعون لنزع الهوية عنهم، فالحذر. رنة هذه الجملة كناقوس سمعت صداها فيما بعد، وانتهت رحلتي. لا أذكر إن أحد الشباب قد حضر الندوة (*).
ولما عدت بعد الندوة إلى المسكن جلست مع ثلة من الشباب كان مضيفي قد قرأ في مجموعتي القصصية: هديل على الحدود، فدعى شباب آخرين، ليحاوروني، كان من بينهم الرياضي، والمهندس، والفنان، والميكانيكي، وأصغرهم كان قد تخرج في الثانوية يريد الدراسة الكومبيوتر ودار الحوار معهم على نفس منوال الليلة السابقة، فبين أكثر ما عانوه في رفحا من عمليات ترهيب لكي يصبحوا متطرفين، وأن يعودوا للوطن للتخريب، أو العمل على تخريب البلد الذي غزاهم، لكنهم ما أن وصلوا هنا حتى انتبهوا إلى أن ما حصل لهم ليس بإرادة الشعب الأمريكي  وإنما بما أراده بوش الأب، ثم  دار حديث عما قرأوه في  قصص هديل على الحدود  ملخصه: أنني ورغم إشارتي لتغربي عن العراق لأكثر من عشر سنوات وقتها، فإن قصصي نابعة من نفس المحيط، وكأنها تتكلم عن نهايات التعسينيات من القرن الماضي، وما بدأ كل منهم في الحلقة يقرأ من قصص رسائل حب من نيرغال البرقية، وتعليقهم الآني. كانت سعادتي كبيرة أن يشعر هؤلاء بشعوري، وايقنت أن العراق مثل العنقاء كلما أرادوه أن يفنى ينبثق من الرماد ليتشكل من جديد، وبوعي أكبر.
وبعد أعوام قابلت أحدهم فقال: أن الرياضي أصبح مدرباً لفريق كرة القدم التي تدعى هنا “ساكر”، والميكانيكي انتقل إلى ديربورن في متشيغان، وصار ينافس المحلييين في مهارته، والشاب تخرج في الكومبيوتر، ويعد لدراسات عليا، وبعضهم يعمل، ويرسل نقود إلى أهله في العراق، فتغيرت لهجتهم، وصاروا يفكرون ببعد أوسع كأنما يتقنون لغات العالم كله.
محاورتي مع الشباب أعادتني لنفس الحوارات مع قراء عرب من مختلف الأقطار: من تونس حتى الإمارات، يقولون أنهم حين يقرأون قصصي يتصورنها وكأنها قد حصلت في واحدة من مدنهم، لولا الإشارة للبلدة ذاتها، وكان السؤال المطروح من القراء العرب دائماً يتركز على التنوع في أجواء، ومضامين القصص، فأجيبهم: أنسيتم أن العراق بلد حضارات، وثقافات موزائيكية لقوميات متعددة، وبخاصة لو أتقن الكاتب أكثر من لغة محلية، فما باله لو حمل لغات أجنبية إلى جانبها، واستخدمها بمستوى أدبي لا قاموسي، كما فعل الروائي سعد سعيد، فطوبى لمن يضع العراق تاجاً فوق رأسه، لا كرسياً يقرفص فوقه، ووسادة يتكئ عليها.
(*) وقتها قررت القراءة  في مجموعة رسائل حب من نيرغال للأقاصيص، ولسوء الأحوال الجوية في واشنطن، كان الحضور متواضعاً، أذكر منهم المستشار السياسي د. أدمون غريب، فجلسنا فقط لنتحاور، ودار كتابي بين أفراد الحلقة، فقدرت أن أغلبهم قد قرأ أقصوصة ما، فأيقنت أن هذه القصص لهذا الزمن، لقصر الوقت المسموح بقراءة قصة تقليدية، مما شجعني على الاستمرار في الكتابة بهذا النمط، ولكن بمتواليات، لنفس المضمون، ظهرت في مجموعة جنية الشفق.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “د. فاروق أوهان : حول فيلم ديك سامي ؛ لهجة الداخل، ولغات الخارج”

  1. سعد سعيد يقول :

    شكرا جزيلا استاذي الكريم لرأيك الحسن الذي عبرت عنه في مقالتك القيمة هذه.. يهمني جدا أن أقدم أفضل ما عندي خدمة للصالح العام، ويسعدني دوما أن اعرف أن هناك من يقدر ذلك.
    عن عدم اطلاعك على نصوصي فأعلم ان ذلك ليس ذنبي، بل هو ذنب دور النشر االعربية وحالها لذي لا يسر أبدا في بلداننا. لقد تعودت ان أوزع كتبي بنفسي والمقربون مني يعرفون عدد النسخ التي وزعتها لحد الآن، ولكني أبقى مجرد فرد ومن المستحيل أن أوصل كتبي إلى الجميع.. سأحاول التواصل معك لأوصل إليك ما استطيع الكترونيا في الأقل.
    تقبل مني الاحترام والتقدير، ودمت لي.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"