داود سلمان الشويلي : تجليات الاسطورة ؛ قصة يوسف بين الأسطورة والنص الديني (4)

إشارة : يقدّم الناقد والباحث البارع الأستاذ “داود سلمان الشويلي” محاولة جريئة في فهم مغاير لأسطورة (يوسف) مراجعا ومفككا نصوصها الأصلية ، إسلامية وتوراتية وصوفية .. ونظرا لأهمية هذا البحث فقد قسمناه بطريقة تيسّر قراءته وتحافظ على وحدة موضوعه . فتحية للأستاذ الشويلي . 

dawod alshowailykh dawod 22- الجنس في قصة يوسف :
كثيرا ما تحدث القرآن عن الجنس ، واعتبره – في تجلياته غير المحكومة بالشرع الالهي – شرا و اثما كبيران .
واذا نظرنا الى قصة يوسف – بصورة عامة – لوجدناها صراعا بين الخير والشر ، وان مسألة الجنس فيها ليست مسألة عابرة ، بل هي جزء مهم من هذا الصراع، وثيمة رئيسية فيه ، ذلك لان الجنس في الادب والاساطير فضلا على ما جاء في الشرائع الدينية – سماوية او وضعية – هو صراع مستمر بين الخير والشر ، فالتوراة على سبيل المثال كدين سماوي يعكس هذه الثيمة على هذا الشكل ، وما قصة شمشون ،  وقصة داود واوريا ، وقصة لوط مع ابنتيه او بين قومه،الا مثلا حياً عما نقول .
يتجسد الخير في يوسف ، فيما يتجسد الشر في زوجة العزيز ،ولا شيء بين هذين الوجهين ، الخير خير والشر شر ، فإما ان ينتصر الشر على الخير كما في قصة شمشون ، وهو مثل توراتي  ، واما ان ينتصر الخير على الشر كما في قصة قوم لوط القرآنية، وقصة يوسف كذلك .
ولما كانت قصة يوسف واحدة من قصص القرآن الكريم التي جاءت للعبرة، فان الخير هو المنتصر ، هذا يعني ان يوسف قد خرج من هذا الصراع – الامتحان – مبرء، سالماً حسب المفهوم الاسلامي ، وان الله سبحانه وتعالى هو الذي اراد ذلك ، أي ان النصر كان من الخارج ،من قيم غيبية ليس لارادة الانسان أي تدخل فيها ، اما الداخل فأن (النفس امارة بالسوء ) ، وهذا يذكرنا بالبطل الاسطوري – اذا اعتبرنا يوسف بطلاً – الذي تأتيه المساعدة من خارج ذاته ، من قوى غيبية، وهذه احدى اسباب النظرالى هذه القصة كأسطورة بالمفهوم الادبي لا الديني.
تروي القصة القرآنية ، ان امرأة العزيز قد هامت حبا ً( بفتاها) يوسف ((ولقد همت به)) اما يوسف فقد ((هم بها ))  ، ولكي تسقطه في حبائلها، اعدت لذلك اسباب السقوط ، فأغلقت ابواب قصرها ،واعدت مكان الممارسة الجنسية:))  وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الابواب وقالت هيت لك )).
هنا يرد سؤال عن تبادل الـ ( هم ) ، فالنص القرآني يذكر صراحة ان الـ ( هم ) كان متبادلا بين زوجة العزيز وبين يوسف ، الا ان بعض المفسرين للقرآن – بسبب نظرية تنزيه الانبياء – يؤكدون على ان يوسف لم يهم بها جنسياً بل كان  الهم من باب الصد ، أي انه همّ بصدها او همّ بضربها.
يقول الجصاص:(( قوله تعالى ولقد همت به وهم بها روي عن الحسن به بالعزيمة وهم بها من جهة الشهوة ولم يعزم وقيل هم جميعا بالشهوة ان الهم بالشئ مقاربته من غير مواقعة والدليل على أن هم يوسف بها لم يكن من جهة العزيمة وإنما كان من جهة دواعي الشهوة قوله الله إنه ربي أحسن مثواي وقوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فكان ذلك إخبارا ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية وقيل إن ذلك على التقديم والتأخير ومعناه لولا أن رأى برهان ربه هم بها وذلك لأن جواب لولا لا يجوز أن يتقدمه لأنهم لا يجيزون أن نقول قد أتيتك لولا زيد وجائز أن يكون على تقديره تقديم لولا )) .(2)
ويقول الزبيدي عن معنى (هم): ((  الهم ( ما هم به في نفسه ) أي نواه وأراده وعزم عليه وسئل ثعلب عن قوله تعالى ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه قال همت زليخا بالمعصية مصرة على ذلك وهم يوسف عليه السلام بالمعصية ولم يات بها ولم يصر عليها فبين الهمين )).(3)
يقول الشريف المرتضى :   (( … فإن قيل : فهل يسوغ حمل الهم في الآية على العزم والإرادة ؟ ويكون مع ذلك لها وجه صحيح يليق بالنبي ( ع ) ؟ . قلنا : نعم ، متى حملنا الهم ههنا على العزم ، جاز أن نعلقه بغير القبيح ويجعله متناولا لضربها أو دفعها عن نفسه ، كما يقول القائل : قد كنت هممت بفلان ، أي بأن أوقع به ضربا أو مكروها )).(4)
ومها كان الهم ، فأن حادثة ( هم ) زوجة العزيز جنسياً – وهي المبادرة في ذلك – قد حدثت وليس في ذلك ادنى شك .
ومن خلال الدراسات التي تناولت البطل – الشخصة المركزية – الاسطوري ، توصلت هذه الدراسات الى ان المساعدة تأتيه من الخارج ( خاصة من القوى الغيبية ) ،ولا تنبع من داخله ، كالبطل الواقعي ، ولهذا نجد ان يوسف يمتنع عن فعل ما ارادت منه زوجة العزيز،  لا لانه رغب في ذلك – كأن يكون لانه ابن نبي ، او ان تربيته العائلية تأمره بذلك ، او لان والده النبي يعقوب قد ظهر له كما يقول بعض المفسرين ، او لخوفه من سيده  –  بل نجد ان العون يأتيه من خارج ذاته ، من قوة لا يملك دفعاً لها ، انها من الله سبحانه: ((ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين )) ، فما هو البرهان الالهي ؟ لم يذكره النص القرآني ، الا ان المفسرين قد غربوا وشرقوا في ذلك.
يقول الطبري : ((حدثني زياد بن عبد الله قال حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال سألت ابن عباس ما بلغ من هم يوسف قال استلقت له وجلس بين رجليها ،حدثنا ابن وكيع قال حدثنا يحيى بن يمان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة ولقد همت به وهم بها قال استلقت له وحل ثيابه  )) . (5 )
((وأما آخرون ممن خالف أقوال السلف وتأولوا القرآن بآرائهم فأنهم قالوا في ذلك أقوالا مختلفة فقال بعضهم معناه ولقد همت المرأة بيوسف وهم بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه ويبن به مما أرادته من المكروه لولا أن يوسف رأى برهان ربه وكفه ذلك عما هم به من أذاها لا أنها محرس من قبل نفسها ،قالوا والشاهد على صحة ذلك قوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء قالوا ينحازوا هو ما كان هم به من أذاها الفحشاء  ،وقال آخرون منهم معنى الكلام ولقد همت به ، فتناهى الخبر عنها ثم ابتدىء الخبر عن يوسف)). (6)
وجاء في تفسير الثوري: ((عن بن عباس في قوله همت به وهم بها قال أسلمت له وحل التبان وقعد بين فخذيها فنادى مناد يا يوسف لا تكن كالطاير قال إذا دما ذهب ريشه فلم يعظ عن الندا شيا فنودي الثانية فلم يعظ عن الندا شيا فتمثل له يعقوب فضرب صدره فقام فخرجت الشهوة من أنامله)).(7)
نتساءل: من اين جاء ابن عباس بهذا التفسير ، علما ان كتب الاحاديث لم تذكر ان النبي (ص) قد ذكر ذلك ،الا اذا كانت كل هذه المعلومات قد سمعها من محيطه الاجتماعي ، أي ما كان يتداوله العامة من الناس ، أي ما هو اسطوري من النص، او من استاذه اليهودي المتأسلم كعب الاحبار .
وكذلك القول عما جاء به ابن جرير في تفسيره :
(( حدثنا ابن وكيع ، قال : حد ثنا عمرو بن محمد ، قال : حد ثنا أسباط ، عن السدي : ولقد همت به وهم بها قال : قالت له : يا يوسف ما أحسن شعرك قال : هو أول ما ينتثر من جسدي . قالت : يا يوسف ما أحسن وجهك قال : هو للتراب يأكله . فلم تزل حتى أطمعته ، فهمت به وهم بها . فدخلا البيت ، وغلقت الابواب ، وذهب ليحل سراويله ، فإذا هو بصورة يعقوب قائما في البيت قد عض على أصبعه يقول : يا يوسف تواقعها فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق ، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات ووقع إلى الارض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يعمل عليه ، ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه . فربط سراويله ، وذهب ليخرج يشتد ، فأدركته ، فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه ، فخرقته حتى أخرجته منه ، وسقط ، وطرحه يوسف ، واشتد نحو الباب  )). (8)
وهناك اسطورة مصرية – فرعونية ( حكاية الاخوين ) تتناول ثيمة المراودة  ، مراودة زوجة الاخ الاكبر لاخيه الاصغر.
وملخص الاسطورة ، ان ” انوبو ” الاخ الاكبر ، وشقيقه الاصغر” بايتي “،كانا يعيشان سوية في بيت واحد، يعود “بايتي ” الى البيت من الحقل ليحضر كيس البذور، وكانت زوجة شقيقه الاكبر الذي كان “بايتي ” يعيش معهم في بيتهم ، تمشط شعرها ، وعندما تراه تعجب بقوته وجماله وفتوتة، فتغلق ابواب البيت وتراوده عن نفسه ، فيرفض ويهرب ، وعندما يعود الاخ الاكبر تخبره زوجته زاعمة ان شقيقه حاول ان يعتدي عليها، وانه ضربها بعد ان رفضت ، ثم قالت لزوجها يجب ان تقتله ، وعندما عاد ” بايتي ” بالبقرات من الحقل ، كان شقيقه يختبيء بحضيرة الحيوانات ليقتله ، الا ان البقرات تحذر “بايتي ” منه ، فيترك البيت هاربا . ( 9)
اذا كانت الثيمة الرئيسية للقسم الاول هو الحسد ، فأن الثيمة الرئيسية للقسم الثاني من قصة يوسف، هي الجنس .
***
3 – الرؤيا وتفسيرها :
في دراستنا هذه سوف لا ندخل في متاهات تفسير الاحلام الفرويدي ، او كتب تعبير الرؤيا العربية- الاسلامية مثل كتاب تعبير الرؤيا لابن سيرين ، ولكننا سنتابع التفسير الذي جاءت به كتب التفسير التي اخذت من العامة ، او مما كان متداولا بين العامة من تفسير لرؤيا يوسف عن الكواكب ، اما الرؤى الاخرى فقد قدم النص تفسيره او تعبيره لها .
وقد توصلت الدراسات الحديثة الى ان الاحلام ترجع الى احد نوعين ، هما : ((  اما شعوري ، وهو ما يشغل النفس من مشاكل في واقع الحياة ، واما لا شعوري ، وهو ما رسب في النفس من رغبات مكبوتة ، فيتخذ العقل الباطن من الاحلام متنفساً لهذا الكبت الذي يقع في اليقظة )) .(10)
ولما كان النص الذي بين ايدينا نصا مقدسا ( من القران الكريم )(11) فأنه اضاف نوعا ثالثا لهما وهو الرؤيا الصادقة ،وهي اضافة اسلامية ، تتراءى لبعض خلق الله ، وهم الانبياء او الاولياء الصالحين، كما هي الرؤيا التي رآها نبي الله ابراهيم في ذبح ابنه ، والرؤيا التي رآها النبي محمد(ص) قبل  معركة بدر وقبل فتح مكة ، والرؤيا التي رآها يوسف.
هذا النوع من الرؤى هي قراءة للمستقبل و كشف للغيب  .

آ – رؤياالقمر والشمس والكواكب:
((إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)).
يمكن القول مع علماء التفسير ، ان هذه الكواكب يمكن تفسيرها بـ :
– القمر = الاب .
– الشمس = الام ( ان العرب تؤنث الشمس ، وتذكر القمر).
– الكواكب = الاخوة .
واذا اردنا ان نتمحل كثيرا مع النص كما تمحل الذين تناولوا القصة – المفسرين خاصة- فأن النبي (ص) عندما سئل عن اسماء هذه الكواكب من قبل اليهود ، اجابهم باسمائها  : ((أتى النبي ( ص ) رجل من يهود يقال له بستانة اليهودي ، فقال له : يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ، ما أسماؤها ؟ قال : فسكت رسول الله ( ص ) ، فلم يجبه بشئ ، ونزل عليه جبرئيل وأخبره بأسمائها . قال : فبعث رسول الله ( ص ) إليه ، فقال : هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها ؟ قال : نعم ، فقال : جربان والطارق ، والذيال ، وذو الكتفان ، وقابس ، ووثاب وعمودان ، والفليق ، والمصبح ، والضروح ، وذو القرع، والضياء ، والنور . فقال اليهودي : والله إنها لاسماؤها )).( 12)
والكاتب يرى ان هذا الخبر موضوع ، لا لأن الكواكب وقتذاك كانت غير معروفة كلها ، ولا لأن العرب قد عرف اكثر من كوكب وان هذا الذي عرفوه ليس من الكواكب المعنية بشيء لانهم ذكروا اكثر من هذا العدد، لذا فانها ليست هي المعنية، وكذلك فأنهم لم يذكروا هكذا اسماء ولا ذكرها كتّابهم  .
ومن الطريف ان نذكر ان الكواكب التي تم اكتشافها حتى الآن هي : عطارد والزهرة والارض والمريخ والمشترى وزحل وأورانوس ونبتون وبلوتو . وقد اكتشف  احد العلماء عام 2005 كوكبا جديدا وهو الكوكب العاشر ، الا انهم في مؤتمرهم عام 2006 اتفقوا على ان بلوتو ليس بكوكب.ونحن في هذه الدراسة غير معنين بأثبات صحة عدد الكواكب او تسمياتها.
الا ان ما يعنينا هنا هو ان الكواكب تعني الاخوة.
ونلاحظ ان التوراة تذكر ان يعقوب يزجر ابنه يوسف بسبب هذا الحلم : ((ما هذا الحلم الذي رأيته أترانا نجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك إلى الأرض)) (تكوين 37/10)
***
ب –  رؤى السجينين :
((  ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين)). [ يوسف: 36 ] ((  يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان)). [ يوسف: 41 ] ا- عاصر الخمر= متابعته لعمله السابق (سقي الخمر).
ب – حامل الخبز الذي تأكل منه الطير= الصلب.
يهيء هذا الحلم وتعبير يوسف له ،الى ان يكون يوسف مذكورا امام الملك ، اذ انه كان غيرمعروف في البلاط الملكي، حتى راح بعض مفسري النص الى القول ان الله – وهو من القوى الغيبية – هو الذي رتب ان يكون مع يوسف هذين السجينين ، وان يكونا من خاصة الملك ، وزاد البعض من المفسرين الى ان هناك اتفاقا بين السجينين لان يختبرا يوسف بتعبير الرؤى ، وانهما لم يريا أية رؤيا ، وانما احتالا عليه ، حتى اذا قام يوسف بتعبير رؤاهم ، اخبروه انهم لم يريا اية رؤيا ، عندها قال لهما : ((قضي الامر الذي فيه تستفتيان)).
(( وقوله قضى الامر الذى فيه تستفتيان لا يخلو من اشعار بان الصاحبين او احدهما كذب نفسه في دعواه الرؤيا ولعله الثانى لما سمع تأويل رؤياه بالصلب واكل الطير من رأسه ويتأيد بهذا ما ورد من الرواية من طرق ائمة اهل البيت ( ع ) ان الثانى من الصاحبين قال له انى كذبت فيما قصصت عليك من الرؤيا فقال ( ع ) قضى الامر الذى فيه تستفتيان اى ان التاويل الذى استفتيتما فيه مقضى مقطوع لا مناص عنه )) . (13)
وجاء في  تاريخ الطبري: (( عن عبد الله في الفتن اللذين أتيا يوسف في الرؤيا انما كانا تحالما ليختبراه فلما أول رؤياهما قالا : انما كنا نلعب فقال : ( قضي الامر الذي فيه تستفتيان ) … )).  (14)
(( وقال الآخر ( اني أرانى احمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه ) ولم يكن رأى ذلك فقال له يوسف انت يقتلك الملك ويصلبك وتأكل الطير من دماغك ، فجحد الرجل وقال اني لم أر ذلك ))(15).
(( و ” اما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ” فروي ان صاحب الصلب ، قال ما رأيت شيئا ، فقال له قضي الامر الذي فيه تستفتيان )).(16)
(( وقوله قضى الامر الذى فيه تستفتيان لا يخلو من اشعار بان الصاحبين أو احدهما كذب نفسه في دعواه الرؤيا ولعله الثاني لما سمع تأويل رؤياه بالصلب واكل الطير من رأسه ويتايد بهذا ما ورد من الرواية من طرق ائمة اهل البيت ( ع ) ان الثاني من الصاحبين قال له انى كذبت فيما قصصت عليك من الرؤيا فقال ( ع ) قضى الامر الذى فيه تستفتيان أي ان التأويل الذى استفتيتما فيه مقضى مقطوع لا مناص عنه )) . (17)
(( قالا : ما رأينا شيئا ، إنما كنا نلعب قال : قضي الامر الذي فيه تستفتيان )). (18)
(( لما قالا ما قالا وأخبرهما قالا ما رأينا شيئا )) . (19)
من المسكوت عنه في النص – اسطوري وقرآني وتوراتي – هو لماذا صلب الخباز ؟
وألا يكفي ان يدخل معه السجن سجين واحد ليعرف قدرة يوسف على التأويل وليخبر الملك ؟ اذ ظل السجين الاخرلا فائدة منه ، فقد صدق تعبير يوسف لرؤيا هذا السجين.
***
ج – رؤيا الملك :
((وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون* قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين * وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون  * يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون  * قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون  * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون  * ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون)) . [ يوسف: 43-49] وكان تعبير يوسف من خلال فك رموز الرؤيا بعد ان اعتذر مفسروا الاحلام والمنجمين من تعبيرها ، كما يلي :
– بقرات سمان = سنين خير.
– بقرات عجاف = سنين مجاعة.
– سنبلات خضر = مؤنة كثيرة .
– سنبلات يابسات = مؤنة قليلة او معدومة.
ويذكرنا هذا الحلم الفرعوني بأسطورة جلجامش الرافدينية حيث تمر سبع سنوات مجاعة تستعد لها الآلهة عشتار .
فضلا عما في الرقم سبعة من رمزية ليست خاصة بالدين الاسلامي ،وانما هي عامة في الاديان السماوية الاخرى، وكذلك الاديان الوضعية منذ فجر التاريخ الى يومنا هذا.
ولو تصفحنا آيات القرآن لوجدنا ذلك بيّن واضح.
فالرقم سبعة او مضاعفاته كثيرة الورود في القران، إذ يقول الله سبحانه وتعالى :
“والبحر يمده من بعده سبعة أبحر”  (لقمان:27)
“سبع سنبلات خضر وآخر يابسات” (يوسف: 43)
“ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات” (البقرة: 29 )
“كمثل حبة أنبتت سبع سنابل” (يوسف: 261)
“ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق” (المؤمنون: 17)
“الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن” (الطلاق: 12)
“سخرها عليهم سبع ليال” (الحاقة: 7)
“لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم” (الحجر: 44)
“ولقد أتيناك سبعاً من المثاني” (الحجر: 87)
“في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا”  (الحاقة: 32 )
“فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لميقاتنا” ( الأعراف : 155 )
“إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم” ( التوبة: 80) (20)
فالبحور سبعة ، والسموات السبع،والاراضي سبعة او بسبع طبقات ،والسنابل التي تخرج من سنبلة واحدة هي سبعة،وعدد الليالي التي سخرها الله عقوبة لاهل عاد هي سبعة،وجهنم لها سبعة ابواب،والمثاني سبعة، وسلسلة جهنم طولها سبعين ذراع، والعدد الذي اختاره موسى من رجال قومه هو سبعين،وحتى لو استغفر النبي للكفرة سبعين مرة فالله لا يقبل مغفرته.
***
4 – رمزية القميص :
ما نقصده بالرمز هنا هو ما ترسخ في الوجدان الجمعي من دلالات معرفية عن حدوث شيء ما.
فليس القميص الذي نحن بصدد الحديث عنه هو المعني بالرمزية ، وانما هي العلامات التي يحملها والتي تحمل معها دلالات تعارف الناس عليها .
وقد بين اكثر كتاب النقد الحديث ان : العلامة Signal والأمارة Indice والرمز Symbile والمثال Allègorie هي مصطلحات متقاربة ، وقد صرّح رولان بارت بأن: (( العلامة حدث مدرك مباشرة يعلمنا بشيء ما عن حدث آخر، غير مدرك مباشرة)). (21)
و قد استخدم هذا القميص ثلاث مرات في النص وبرمزية ذات قيمة دلالية عليا ، وهو يحمل علامته في كل مرة ، وقد تجلت هذه الرمزية بصور ثلاث ، و اعطت دلالاتها المرجوة منها ، وهي :

آ –القميص الملطخ بدم كذب:
(( وجاءوا على قميصه بدم كذب  )) . ( يوسف: 18 )
فالقميص هنا ليس هو المعني ، ولكن ما حدث فيه هو الذي يعنينا هنا ، وهو الدم.  فالدم هو اشارة ترمز لشيء مذبوح = مقتول ، اذن فالقميص يحمل الاشارة الدالة على القتل ، وعلى الافتراس بقرينة ما ادعاه الاخوة 0
والذي تعارف عليه الوجدان الجمعي هو ان كل: ثوب + دم + اداة القتل او آثارها = الافتراس ( الذئب) = الموت .
الا ان الاب في هذا النص – كما تخبرنا النصوص التي حايثت النص القرآني  عند المفسرين – عرف الادعاء الكاذب بأكل الذئب لابنه ، بعد ان رأى القميص غير ممزق (افتقاد لاداة القتل) ، والذئب عندما يفترس الفريسة – الانسان خاصة – يتمزق ما يلبسه من ملابس، لهذا نراه يقول لهم  : (( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون  )).
اذن كان الادعاء كاذبا ، وكان الفعل فعلهم .
(( حدثني عبيد الله بن أبي زياد قال حدثنا عثمان بن عمرو قال حدثنا قرة عن الحسن قال جيء بقميص يوسف إلى يعقوب فجعل ينظر إليه فيرى أثر الدم ولا يرى فيه خرقا قال يا بني ما كنت أعهد الذئب حليما  )).(22)
أي لو كان الذئب هو المفترس لمزق القميص .
وكان هذا القميص هو الذي سبب الحزن والهم ليعقوب ، كما كان مرة اخرى السبب في اعادة الفرحة له.
***
ب- القميص الذي قـُدّ من دبر :
((واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم * قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين  * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين  * فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم)) . [ يوسف : 25- 28 ] يعتبر هذا القميص هو الدليل الجرمي الوحيد على جريمة المراودة التي قامت بها امرأة العزيز، وعلى صدق قول يوسف ان الذي قام بالمراودة هي وليس هو.
اذ ان القميص يحمل دلالته ، وهذه الدلالة هو ما فيه من اثار التمزق من الخلف ، وهذا يعني ان الذي مزق القميص كان يقف خلف مرتديه .
كان القميص  في الحادثة الاولى غير ممزق فكانت براءة الذئب من اكل يوسف، و في الثانية قميص ممزق من الخلف ، فكانت براءة يوسف من المراودة، وهكذا يكون حالة القميص علامة دالة على البراءة.
يرسم لنا ابن كثير في تفسيره اول تحقيق يقوم على اسس علمية قام به شخص ما للوصول الى الحقيقة التي حاولت المذنبة تغييبها عن زوجها وصاحبه الشاهد (وجه العدالة) :
(( وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل أي من قدامه فصدقت أي في قولها إنه راودها على نفسها لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره فقدت قميصه فيصح ما قالت وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدت قميصه من ورائه)) . ( 23)
***

ج – القميص الذي اعاد البصر ليعقوب:
من المعروف ان الرائحة الخاصة بالشخص تبقى في ملابسه ، وقميص يوسف على الرغم من تغيره فهو يحمل رائحة جسده طالما كان يلبسه، ولهذا استفاد النص من هذه الثيمة المعرفية في اعادة البصر للاب حسب ما كان يتصوره التفكير الجمعي .  (24)
((اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين)) [ يوسف : 93 ] والجدير بالذكر ان القميص هو ليوسف رغم تبدله ، أي ان هناك ثلاثة قمصان ، الا انها تعود لشخص واحد ، وهذه القمصان حملت علامات مادية  : الدم ، التمزق ، الرائحة ، ورمزت الى ثلاثة حوادث، هي :كذب اتهام الاخوة للذئب ، وليست المراودة من يوسف ، ورد البصر للاب .
***
5 – الحيلة والمكيدة :
يذكر النص القرآني اربعة حيل قامت بها الشخصيات للايقاع بالآخر ، ويمكن اجمالها بـ :
آ – الاخوة يحتالون على ابيهم ليسمح لهم بمرافقة اخيهم يوسف ليكيدوا به .
((قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون  * ارسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون)).
ب –  تحتال زوجة العزيز على يوسف بغلق الابواب لتكيد به جنسيا .
((وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون)).
ج – حيلة زوجة العزيز لاحضارالنساء الى بيتها ليرين يوسف، وذلك بأقامة المأدبة لهن.
(( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين* فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين )).
د – بحيلة اخرى يأمر يوسف جماعته بدس بضاعة الاخوة التي جاؤا بها في حمولتهم ليغريهم بالعودة مرة اخرى .
((وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون  )).
هـ – وبحيلة السرقة يحتفظ يوسف بأخيه عنده .
((فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم  )).
هكذا نرى ان النص مليء بالحيل والمكائد المسببة للفعل  ، الكل يكيد ، والكل يحتال .
***
 الهوامش :
1 – يقول الجاحظ في فصل من صدر كتابه في الحاسد والمحسود: (( تسألني عن الحسد ما هو؟ ومن أين هو؟ وما دليله و أفعاله؟ وكيف تعرف أموره وأحواله، وبم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه، ولم صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء؟ ولم كثر في الأقرباء وقل في البعداء؟ وكيف دب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين؟ وكيف خص به الجيران من بين أهل جميع الأوطان.
والحسد – أبقاك الله – داء ينهك الجسد، ويفسد الود، علاجه عسر، وصاحبه ضجر. وهو باب غامض وأمر متعذر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء”. وقال بعض الناس لجلسائه: أي الناس أقل غفلة؟ فقال بعضهم: صاحب ليل، إنما همه أن يصبح. فقال: إنه لكذا وليس كذا. وقال بعضهم: المسافر، إنما همه أن يقطع سفره. فقال: إنه لكذا وليس كذا. فقالوا له: فأخبرنا بأقل الناس غفلة. فقال: الحاسد، إنما همه أن ينزع الله منك النعمة التي أعطاكها، فلا يغفل أبداً (…) والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، وحرب البيان. فقد ذم الله أهل الكتاب به فقال: “ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم”. منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنتج كل وحشة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء، وملقح الشر بين الخلطاء، يكمن في الصدركمون النار في الحجر. ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه ووسواس ضميره، وتنغص عمره وكدر نفسه ونكد عيشه، إلا استصغاره نعمة الله عليه، وسخطه على سيده بما أفاد غيره. وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه، وأن لا يرزق أحداً سواه، لكان عند ذوي العقول مرحوماً، وكان لديهم في القياس مظلوماً. وقد قال بعض الأعراب: “ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم”. والحاسد مخذول وموزور، والمحسود محبوب ومنصور. والحاسد مغموم ومهجور، والمحسود مغشي ومزور.
والحسد – رحمك الله – أول خطيئة ظهرت في السموات، وأول معصية حدثت في الأرض، خص به أفضل الملائكة فعصى ربه، وقايسه في خلقه، واستكبر عليه فقال: “خلقتني من نار وخلقته من طين”، فلعنه وجعله إبليساً، وأنزله من جواره بعد أن كان أنيساً، وشوه خلقه تشويهاً، وموه على نبيه تمويهاً نسي به عزم ربه، فواقع الخطيئة، فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى، ومضى اللعين الحاسد في حسده فشقي وغوى.
وأما في الأرض فابنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه، فعصى ربه وأثكل أباه. وبالحسد طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين. لقد حمله الحسد على غاية القسوة، وبلغ به أقصى حدود العقوق، فأنساه من رحمه جميع الحقوق، إذ ألقى الحجر عليه شادخاً وأصبح عليه نادماً صارخاً. ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنياً أن يوبخه على المال فيقول: جمعه حراماً ومنعه أثاماً. وألب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماء، وأعانهم في الباطن وحمل المحسود على”خلقتني من نار وخلقته من طين”، فلعنه وجعله إبليساً، وأنزله من جواره بعد أن كان أنيساً، وشوه خلقه تشويهاً، وموه على نبيه تمويهاً نسي به عزم ربه، فواقع الخطيئة، فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى، ومضى اللعين الحاسد في حسده فشقي وغوى. وأما في الأرض فابنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه، فعصى ربه وأثكل أباه. وبالحسد طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين. لقد حمله الحسد على غاية القسوة، وبلغ به أقصى حدود العقوق، فأنساه من رحمه جميع الحقوق، إذ ألقى الحجر عليه شادخاً وأصبح عليه نادماً صارخاً. ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنياً أن يوبخه على المال فيقول: جمعه حراماً ومنعه أثاماً. وألب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماء، وأعانهم في الباطن وحمل المحسود علىقطيعتهم في الظاهر وقال له: لقد كفروا معروفك، وأظهروا في الناس ذمك، فليس أمثالهم يوصلون، فإنهم لا يشكرون. وإن وجد له خصماً أعانه عليه ظلماً، وإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشه، أو تفضل عليه بمعروف كفره، أو دعاه إلى نصر خذله، وإن حضر مدحه ذمه وإن سئل عنه همزه، وإن كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلة عظمها، وقال: إنه يحب أن يعاد ولا يعود، ويرى عليه العقود. وإن كان المحسود عالماً قال: مبتدع، ولرأيه متبع، حاطب ليل ومبتغي نيل، لا يدري ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل. قد أقبل بوجوه الناس إليه، وما أحمقهم إذ انثالوا عليه. فقبحه الله من عالم ما أعظم بليته، وأقل رعته، وأسوأ طعمته)). انظر : الرسائل-  الجاحظ قرص الشعر.
–    فيما أعد  د. خمساوي أحمد الخمساوي الأستاذ بجامعة الأزهر بحثا بعنوان ‘الحسد بين القرآن والعلم الحديث’.. والذي يقول فيه  :  ((إن الحسد يطلق على ثلاثة معان مختلفة: المعنى الأول هو الغبطة أو المنافسة وهي تعظيم الأمر عند صاحبه وتمنى أن يكون لصاحبه هذه النعمة، والحسد بهذا المعنى ورد في الحديث الشريف [لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق” وبالتالي فهذا النوع من الحسد مطلوب ففي ذلك فليتنافس المتنافسون.
والمعنى الثاني هو الحسد البغيض وهو تمني زوال النعمة من المحسود وهو مسألة نفسية لا ينجو منها أحد إلا بتدريب نفسه وتعويدها على الأخلاق الكريمة لأن النعمة تأتي من الله وحسب حكمته وتمنى زوالها إنما هو اعتراض على حكمة الله. وبهذا المعنى ورد في الحديث الشريف [لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا” وورد أيضا [إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب” وورد كذلك [ثلاثة لا ينجو منهم أحد وقل من ينجو منهم الظن والطيرة والحسد”. والمعنى الثالث يقصد به التأثير المادي الملموس الذي يحدث للمحسود بتأثير من الحاسد وهو ما نطلق عليه النظرة أو العين. والحسد بالمعنى الأول الطيب لن نتحدث عنه.
–    الفرق بين الحسد السيئ والعين:
الحسد شعور نفسي يتمنى فيه الحاسد زوال النعمة من المحسود كراهة فيه، أما العين فهي شعور نفسي يتمنى فيه الناظر زوال النعمة من المنظور لاستكثارها عليه وهذا الاستكثار قد يكون مصحوبا بالكراهية أو لا، ولذلك قد يحسد الحاسد ولده. والحسد أيضا شعور داخلي يمكن أن يوجد في جميع الأشخاص، أما العين أو النظرة فهي حالة توجد عند البعض فقط.
والحسد أيضا شعور أخلاقي يمكن مقاومته بالإرادة وحسن الخلق، أما النظرة فهي حالة شبه حيوية لا يمكن للشخص منعها. والحسد يتم بمجرد علم الحاسد بنعمة المحسود، فيمكن لشخص هنا أن يحسد شخصا آخر في فرنسا أو الصين إذا علم أن عنده نعمة وتمنى زوالها، لكن النظرة لا تتم إلا برؤية الناظر للمنظور. ولا يتفاوت مقدار الحسد من شخص لآخر لكن يتفاوت مقدار النظرة.
والحسد الذي ورد في القرآن الكريم هو الحسد بمعنى تمني زوال النعمة عن المحسود كراهية فيه، وقد ورد في أربعة مواضع. الموضع الأول في سورة الفلق في قوله تعالى [ومن شر حاسد إذا حسد “، والموضع الثاني في قوله تعالى من سورة البقرة [ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم”، والموضع الثالث في قوله تعالى من سورة النساء [أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله” ، والموضع الرابع في قوله تعالى من سورة الفتح [فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا”.
أما الحسد بمعنى النظرة أو العين فلم يرد في القرآن ولكنه ورد في السنة الشريفة في قوله صلى الله عليه وسلم [العين حق”، وقوله [العين حق تستنزل الحالق” والحالق هو الموت.
وقوله [العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقت العين وإذا استغسلتم فاغتسلوا” [وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين”.
الحسد نوع من الطاقة:
وقال د. خمساوي إن الوجود من حولنا عبارة عن أربعة نطاقات متداخلة وهي نطاق الطاقة ونطاق المادة ونطاق الحياة ونطاق النفس. ونطاق الطاقة يدرسه علم الفيزياء، ونطاق المادة يدرسه علم الكيمياء، ونطاق الحياة يدرسه علم البيولوجي، ونطاق النفس يدرسه علم النفس. وهناك مناطق عبور بين كل نطاق من هذه النطاقات. فهناك منطقة بين نطاق الطاقة والمادة يدرسها علم الكيمياء الفيزيائية، وهناك منطقة عبور بين المادة والحياة يدرسها علم الكيمياء الحيوية، وهناك منطقة عبور بين الحياة والنفس يدرسها علم الأعصاب، ثم هناك منطقة عبور بين النفس والطاقة يدرسها علم جديد يسمى السيكوترونيك.
والطاقة التي تم اكتشافها حتى الآن وجد أنها عبارة عن موجات كهرومغناطيسية، وكل التأثيرات التي تحدث منها تحدث نتيجة للاختلاف في طول الموجة. وهذه الطاقة تصل لنا من الشمس والنجوم وتصل إلينا بين أطوال موجية [10-14 – 10- 8″ وفي هذه المنطقة كل اختلاف له تأثير. فمثلا الاختلاف في طول الموجة من – 14 حتى – 10 هو ما نعرفه باسم أشعة جاما ومن – 10 حتى – 6 هو ما نعرفه باسم أشعة إكس، والأشعة الأطول منها هي فوق البنفسجية، ثم الضوء العادي، ثم الأشعة الحمراء، ثم الحرارة، ثم أشعة الراديو واللاسلكي.. الخ.
والذي تراه العين يمثل شريحة ضيقة فقط من الطاقة الموجودة في الكون وهو الذي يحدث فينا كل التـأثيرات الحيوية التي نعرفها.. فهل يعقل أن كل الأطوال الموجية الأخرى التي تسقط على الجسم البشري ولا يراها لا تؤثر فيه؟ ..إذن الطاقة تؤثر على الجسم البشري بصور مختلفة. ومن الأمور التي تم اكتشافها حديثا أن الجهاز العصبي ما هو إلا نظام طاقة مضبوط عند مستوى معين ومنتظم، وهذه الطاقة تؤثر فيها مراكز موجودة في المخ. وقد أمكن حل كثير من شفرات هذه الطاقة.. ووجد العلماء أن الاستجابة التي يستجيب لها الجسم نتيجة لمرور هذه النبضة العصبية التي أمكن معرفة شفرة الكود الطاقي لها وليكن تؤدي إلى رفع اليد مثلا. وقد ركبوا هذه الشفرة على جهاز يصدرها بنفس الشفرة وسلطوها على عضو ثم قطع الجهاز العصبي بينه وبين المخ ثم سلطوا عليه نفس الشفرة فأحدث نفس التأثير. وهذه الشفرة إذا ما تم الشوشرة عليها فإن الأوامر التي تذهب إلى الأعضاء تكون خاطئة وتستجيب الأعضاء استجابات متعاكسة ويحدث الضرر، كما أن شفرة الطاقة يمكن ضبطها إذا كانت مشوشرة.
العلم يؤكد أن العين حق:
قام مدير معهد النفس الديني بطوكيو بإجراء عدة بحوث حاول فيها أن يوجد علاقة بين الطاقة والنفس فاستخدم بعض الناس الذين وجد نتيجة ملاحظته لهم أنه يمكن أن تخرج منهم أنواع من الطاقة فوجد أن هناك مجموعة من الناس تزداد فيهم هذه الطاقة ولاحظ أن لهم خصائص معينة ولذلك سماهم [أناسا لهم قدرة على أمور نفسية”>. وتبين له أنهم دائما يكونون من نوعية ذات تدريبات خاصة فهم منطوون على أنفسهم وكثيرو التأمل العقلي وهذه التأملات تساعدهم على تنمية بعض البؤرات الموجودة في أجسامهم وهذه البؤرات عندما تنشط بالتدريج تستطيع أن تخرج الطاقة فتنفذ وتصل إلى الآخرين. وفي أبحاثه وجد بؤرا موجودة على امتداد العمود الفقري في المحور المتماثل للإنسان، وأن البؤرة التي توجد بين العينين هي أقوى أنواع البؤرات وهي البؤرة التي تخرج منها الطاقة، أما البؤرات الأخرى فهي ضعيفة. ونحن نستطيع أن نستنتج أن الرجل العائن غالبا ما يكون منطويا على نفسه وهو دائما حاقد يتمنى زوال النعمة من الآخرين، وهو مصاب بالقلق النفسي ونتيجة لذلك فهو في تأملات عقلية كثيرة يحسب فيها ما في أيدي الناس، وهذه التأملات تنمي عنده نشاط البؤرات فتنطلق منه الأشعة دون رغبته ودون إذنه وهذه الطاقة تكون مرتبطة بالشكل الذي يفكر به، وتكون على نفس الشفرات الموجودة في الجهاز العصبي للمعين [المحسود” وبالتالي يحدث التأثير الضار والخلل في جسم المنظور.
لماذا طلب رسول الله من العائن أن يتوضأ أو يغتسل؟
قال العلماء في شرح الحديث إن الأفضل أن يغتسل العائن [الناظر”> فإذا لم يتمكن فيتوضأ، فإذا لم يستطع فليغسل وجهه. ونحن نعرف أن البؤرة موجودة في الجبهة فتتعرض للماء.
لكن هل هذا الماء ينقل طاقة ويوصلها إلى المكان الآخر المصاب ويصلح بها ما تم إفساده؟
إن المعروف أن الماء يتكون من الهيدروجين والأكسجين وهو قطبي أي تكون إحدى الذرات عليها شحنة سالبة والأخرى تكون عليها شحنة موجبة مثل القضيب المغناطيسي. وهذه الجزئيات الموجودة في الماء تكون موزعة توزيعا عشوائيا في الماء الطبيعي، ولو مررنا مجالا مغناطيسيا ذا قوة محددة في هذا الماء فسوف تنسجم هذه الجزئيات بحيث تكون الأقطاب الموجبة في اتجاه والسالبة في اتجاه وتصبح منتظمة في خطوط. وقال العلماء إن الماء لما خلق أول مرة كان على هذه الصورة الصحيحة ثم حدث له عدم الانتظام. والعلماء يسمون الماء عديم الانتظام بالماء الميت ، والماء المنتظم الأقطاب بالماء الحي. وعلى هذا فالماء الحي هو الماء الذي تم إعادة ضبط رتمه بتسليط طاقة مغناطيسية محددة القوة عليه. وقد وجد العلماء أن الماء الحي له تأثيرات طيبة وتأثيرات في زيادة النمو وزيادة الإزهار في النبات.
وبتطبيق ذلك في حالة اغتسال العائن نجد أن العائن إذا ذكر بخطئه وتذكر وطلب منه أن يغتسل فإن نيته تتغير وتصدر عنه موجة غير الأولى فلما مر ماء الوضوء على وجهه حمل هذه الطاقة بهذه الشفرة الجديدة فيصلح الجزء المصاب من الإنسان المحسود.
والعجيب أن الحديث طلب من العائن أن يغتسل أو يتوضأ بينما طلب من المعين أن يغتسل وذلك لأن البؤرة في العائن محددة ومعروفة بينما الجزء المصاب في المعين غير معلوم.)). نقلا عن موقع دهشة الالكتروني.
2 –  أحكام القرآن – الجصاص -ج 3   ص 220  .
3 – تاج العروس – الزبيدي- ج 9   ص 109 .
4- تنزيه الانبياء – الشريف المرتضى – ص 75 – برنامج المعجم العقائدي ـ الاصدار الأول.
5 – تفسير الطبري: 12 – 184 .
6 – المصدر السابق:12 – 185  .
7 – تفسير الثوري- سفيان الثوري  ص 140 .
8 – جامع البيان – ج 21   ص 239 .
9 – ملخص من-  اساطير من الشرق – سليمان مظهر – الكتاب الماسي –الدار القومية للطباعة والنشر – ب . ت .
10- مجلة المورد – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – الرؤيا في القران الكريم – عبد الجبار محمود السامرائي  – 10 .
11 – لان النص المتداول قبل الاسلام لم يصل الينا ، أي كان هناك نصا متداولا بين العامة ، والا كيف يكون نصا توراتيا دون ان يتداوله العامة من الناس ؟
12 – جامع البيان – إبن جرير الطبري:+ ج 21   ص 197 . وكذلك : قصص الانبياء – الجزائري – 201 .
13 – برنامج المعجم العقائدي ـ الاصدار الأول – مركز المصطفى – (ص)  ص 8 .
14- تاريخ الطبري- ج 1 ص 343 – مركز المصطفى (ص) – ص 375 .
15 –  تفسير القمي – علي بن ابراهيم القمي: ج 1   ص 344 .
16-  التبيان – الشيخ الطوسي: ج 6   ص 143 .
17 –  تفسير الميزان – السيد الطباطبائي: ج 11   ص 180 .
18 –  جامع البيان – إبن جرير الطبري: ج 21   ص 285 .
19-  تفسير ابن كثير – ابن كثير: ج 2   ص 496 .
20 – مصطلحات النقد العربي السيماءوي – الإشكالية والأصول والامتداد – 2003/    2004-  الدكتور مولاي على بوخاتم  : ص 169 .
21 – للمزيد من المعلومات عن الرقم سبعة راجع دراسة د/ سيد محمود القمني : ســر الأســماء المقدســة المنشورة في كتابه : “رب الزمان ودراسات أخرى”، طبعة مدبولي الصغير-1996- ص 227 -232
22- الطبري :12 – 164 .
23- تفسير ابن كثير – ج2 ص 476 – المكتبة الالفية.
24-  قال صاحب الكشكول : (( من كلام بعض أصحاب القلوب: إنما بعث يوسف على نبينا وعليه السلام قميصه من مصر إلى أبيه، لأنه كان سبب ابتداء حزنه لما جاءوا به جاءوا به ملطخاً بالدم، فأحب يوسف أن يكون فرحه من حيث كان حزنه)).انظر : الكشكول – بهاء الدين العاملي. قرص الشعر.
=======================================

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.