منذر عبد الحر : ما يقوله التاج للهدهد للشاعر وديع شامخ
الصيد في وحشة التقويم وانفتاح على أفق معرفي

montherwadea shamekhيتمتّع الشاعر وديع شامخ بمزايا شعريّة ، منها ما هو عفويّ آتٍ من طبيعة فيه , ومنه ما هو إبداعيّ خالصٌ له يد طولي في تأثيثه وصناعته وإطلاقه إلي فضاءات التعبير الخلاّق الذي يستحقّ الوقوف والتأمل, وما قصدتُه بالعفويّ هو ذلك الذي ينشأ من علاقاته بالطبيعة والأشياء ومفردات الحياة المحلقة منه, فجاءت علاقته بديوانه من خلال ترقّب, وخجلٍ في السؤال عن المولود الذي سينطلق إلي الوجود وهو بعيد عنه , وكان لي أن أتعقّب قلقه, وأتابع مراحل كتابه , الذي خرج أنيقاً جميلاً جذاباً في شكله ومحتواه .

قد أجدني هنا عاطفيّاً , فلا أذهب مذهب الدارس الصارم الباحث المتصيّد عن الهنات والأخطاء والعيوب, والعاطفة هنا ليس عيباً, لأنني وأنا أدخل عالم وديع , الشعريّ, وجدتني متفاعلاً معه, لا علي أساس الاتفاق الأسلوبي , أو التعبيري, فهو ينظّم ألمه وبوحه بمفردات دون غيرها, تكاد لا تفارق بوحه وشجنه , وأكثرها مثولاً أمام انتباه القارئ , هي التقويم والأيّام, التي تنم عن وحشة وغربة وتوحّد يراه الشاعر ويشعره وهو في بلاده البديلة.

العنوان مدخلاً

يبدأ الشروع بالدلالة الشعرية من العنوان المركّب علي أسس فنيّة تنهل من الموروث والأسطورة تعبيرها ودالتها علي مشروع الشاعر, حيث التاج والهدهد , الذي يحيلنا مباشرة إلي هدهد سليمان, وتاج الملكة بلقيس, وما حصل في هذه القصة الفريدة في إيقاعها وأبعادها وإشارات سورة (النمل) في القرآن الكريم, ودور الهدهد في جلب أخبار التاج, وما آل إليه مصير الملكة التي سلّمت أمرها للنبي (سليمان), و (ما) التي أدخلها الشاعر علي رؤية الحدث, هي التي تشتغل عليها العملية الشعرية هنا , وعليه تكون بنية فنية تمتثل كبؤرة ينطلق منها الشاعر لتحقيق شعريته , لذلك تتقدم التعريفات , مشظاة وفق الرؤية التي يتبناها الشاعر, فنأتي إلي (الوجود في صيغة العدم), والتي تساوي دلاليا فكرة العدم , حيث يقول الشاعر :

كلّ يوم أشطب عاماً من التقويم/ أرفع مظلّتي خوفا من سقوط رأس اليوم الجديد/علي حلمي.

نلاحظ هنا الإحساس بفجيعة الوقت, وثقل الزمن الذي يشير إلي الأزمة الإنسانية التي يعيشها الشاعر , كفرد ضمن جماعة , لا كفرد منعزل, وهو إحساس يرتبط بكابوسيّة الرؤية إذ يقول:

جثث ٌ متعفنةٌ تقود رأسي/ إلي متاهة اليوم التالي/ كيف أرفع رأسي إذن/ لميلاد السنة القادمة؟

وتستمر قصيدة (الإحساس بالعدم) هذه بلغة تتلفع مفرداتها باستعارة المعاني بدقّة حرفيّة عالية من أجل إعطاء النصّ بعدا إشاريّا يقود المتلقي إلي معرفة هواجس الرائي – الشاعر.

أما القصيدة الأخري التي تنطلق من رؤية فلسفة الوجود والعدم , فهي اللوحة القصيرة الغنية بالإشارات الإبداعية ا التي هي (خارج النفق), حيث تبدأ بصرخة لأنشتاين (الله لا يجازف), وهذه اللوحة تتضمن متقابلات معني, حيث الرأس والجسد والقلب وهي تفضي إلي الذهن والحواس والعاطفة أو الوجدا , والسؤال المتدفق الدائم التجدد, والذي لا يحقق أية إجابة:

بين الرأس والجسد والقلب/ لا بدّ من فضّ الاشتباك / من يسأل وردة الليلك عن سوادها ؟

من يوقظ زهرة الصباح ؟/ أيّام رأسي تتكوّم علي متاهة الجسد.

والضربة الأخيرة هي عودة لثقل الزمن وإشاراته والإحساس بأحجاره الثقيلة, لتكون اللوحة مجسّدة بصورة معبّرة , حيث الأيّام التي تتكون علي متاهة الجسد, تدعمها الأسئلة النازلة مطراً من أفق الرؤية.

أما قصيدة (لزوجة) فهي تتناسق أدائيا مع سياق المجموعة ونسق بنائها , فتؤكد توليد الشرارة الشعرية المنبثقة من فكرة (الجملة الأولي) الاستهلالية التي تولّد مصبّاً من الدلالات المتداخلة التي تشير إلي طابع اللصق (الكولاج) الذي تتداعي معانيه ليؤسس رؤية كاملة منتزعة من أشلاء:

تأتي الحياة كولاجاً / لشهوة فنان في جمع شتاته/ لمراهق يريد تلصيق العالم بحيامنه/ لمجنون/ يرفع صورة جيفارا/ يستجدي سكرة في البارات الأممية/ تأتي الحياة/ صديقا نزل توّاً من خانة الخفافيش .

وتتواصل القصائد , لكلّ قصيدة منحي جماليّ ونفسي وفكري , يقتضي الإشارة والكشف ودراسة الرؤية الفنية المعطاة, ورغم الانفصال الشكلي بين النص والآخر, إلا أن هناك وحدة رؤية تجمع القصائد, وبؤرة فنيّة تتجاذب لغة البوح , فيكون المناخ واحداً, والتعبير عن مفاصله, متعددا, فمثلاً, نقرأ جملة طويلة, تأخذ نسقها النصي المنفصل من شراراتها الشعريّة, لكنها تنساب طويلة لا تسمح بتجزئتها وهي قصيدة (كل القبعات) التي تتأسس علي طقس اجتماعي يدخله الشاعر إلي حيز تعبيره وهو حزين ٌ يائس ٌ يرسم صور الملل والإحباط , وقد نجح الشاعر بنقل هذه الأحاسيس المحتدمة لقارئه , وعبر الجملة الطويلة التي جاء فيها:

انحنت , لليوم العقيم , لليلة العانس/ أنا النادل في التقويم (نلاحظ هنا الإلحاح في مفردة التقويم التي تحمل دلالاتها العميقة الخاصة)/ أقدّم لمتاهة الأجساد فاتورة لظلمة الرأس/ صباح الخير: أيتها المعاطف المعتقة علي مشجب الفصول/ قبعات الصيف غادرت يومها, لتنحني للبوم الماثل علي المواسم .

وهكذا تتسلسل قصائد الشاعر المرتبة – كما أظن – بهندسة عالية أرادها الشاعر ليصعد مع نسق قصائده سلالم البوح ويؤدي مشروعه كما يريد أن يطلقه, ويكرّس وعيه وموهبته الشعرية فيه , حيث أدي فيها حرفيّته وطبيعة قراءته الفاحصة للشعر الجديد:

سنحتاج إلي لغة أخري/ جسد لا يناوب الديكة/ لا يقطع الجسور نكاية بالنهر/ هكذا تغدو الأشياء وتبدو مؤنسنة , تشير إلي تجاور ممكنات الحياة من خلال فضاءات الشعر المنفتحة علي العالم بأقصي سعة ممكنة, لا يصل أبعادها إلا الشاعر المجيد, الذي طالما تطفح علي أحاسيسه الرؤية البودليرية, التي تظهر بهاجس نفسي , فتؤدي جملاً , صادمة ً, فتولد الجمال الفني من خلال الإطلالة الواعية الرائية علي القبح الذي يسقط فيه الإنسان بحياته العسيرة.

السؤال الحائر

في قصيدة ( لمن أنتسب ) التي وردت على الغلاف الأخير للمجموعة , صرخةٌ دلالية , وسؤال ٌ عميقٌ تتناسل منه أسئلة وارفة الوقع عن الوجود الإنساني , ودور السؤال الأكبر في نشيج حياته المليئة بالأسئلة المتراكمة التي لا تفضي حتما إلي نهاية تشير ؟إلي جواب , بل هناك سؤال يطلّ علي سؤال , برؤية متداخلة معقدة , تؤدي إلي صرخة ( لمن أنتسب ؟ ) :

كان بودي أن أكون علامة استفهام؟/ السيف علامة استفهام/ الخنجر علامة استفهام/ الرغيف الذي لا يستدير برأس الخبازة علامة أيضاً/ المرأة في المرآة/ من النار وإليها يذهب الرأس/ تاركاً كلّ قوارب النجاة/ تاركاً فضلات الطعام للنعامة/ تاركاً الخبز للطيور….

بعد هذه الصرخة تأتي الأسئلة , متناوبة , ويأخذ شعر وديع طابع السؤال الفلسفي – الحياتي – النافر, الخارج وجوداً حائراً, باحثاً عن حلولٍ ذهنيّة , فتتوالي قصائده (عسل السماء, وزرقة الفلاسفة ), وهو عنوان ذهنيّ يكتسب شعريته من إفصاح اللغة عن علاقات ٍ خاصة بين مفرداتها, وهي تبدأ بإفصاح سرديّ , يشير إلي الحكائية:

يوماً ما.. مرّ الفلاسفة كلهم علي طريق معبّد بالإسفلت..

ثم تتوالي الأسئلة العميقة :

أليس من السهل أن نبني إهرامات بغير فراعنة/ أليس من العدل أن نبني مسلاّت دون دماء؟

وهكذا تنطلق هذه القصيدة الطويلة نسبيا, في بناء ملحميّ, تنهض به مقاطع متواصلة تفصل بينها حدة النبرة , لتتصاعد دراميا , وهي تنهل من الأسطورة تارة ومن الأفكار الفلسفية تارة أخري, لتنجح في النهاية في تحقيق مدي شعريتها والصعود بالنصّ إلي عافية تعبيره الفني والموضوعي أيضا ً.

أما قصيدة (لحظة مكتنزة لرأس ماطر) , فهي تبدأ بعنوان جميل يتضمن إزاحة لغوية وبعداً جماليأً آسراً, ثم يمضي النص ليؤنسن الأشيا , حتي يصعد إلي لغة الخطاب المسرحي من خلال أفعال الأمر والنهي وحدة النبرة:

لا تنطق أيها الببغاء المتوّج بالصدي/ ابلع لسانك ونم/ فيما تأتي (ما خرم من اللوح) لتكون إشارة دلالية علي أزمة راهنة يصوغها الشاعر برؤية عالية الأداء الشعري:

يا أخي السوط/ أنام علي فتوي/ وأصحو علي طريقة/ منتظراً أقواماً تجيء/ أو تهبط/ هاربة من فزعها/ أين أعلّق ملابسهم يا أخي ؟/ والبيت مشجبٌ للوصايا والبنادق والسياط؟

بعد هذه القصيدة تتدفق الشرارات الشعرية عبر قصائد قصيرة ترصد لحظات وإشارات وحالات متنوعة , فيما يذكرني عنوان قصيدة (ملامحٌ سيئة الصيت) بعنوان مجموعة شعرية للشاعر جمال جاسم أمين وهو (سعادات سيئة الصيت ), والشاعر هنا استدعي العنوان فقط , فيما جعل الملامح عبارة عن نصوص قصيرة تشير إلي الجسد وتعبر عنه , لتأتي بعد ذلك , صرخة ألم جديدة هي (كمّادات منتصف الليل), وفيها تلحّ مفردات الوحشة والألم وثقل الزمن وجسامة حركة الوقت عبر بوح جميل يصنع منه الشاعر كمّادات لتخفيف حمّاه الشعرية! .

أما قصيدة غابة الشوك, التي لم ترسُ كما أراد لها الشاعر ذلك علي عنوان , فاقترح عنواناً بديلاً هو لمن أفتح بابي ؟ , وكما نلاحظ الابتعاد الكلي في مؤدي العنوانين, اللذين ينفصلان بـ (أو) التي ترسم إشارة دلالية عميقة في نسق العنوان, وهو أسلوب تعبيريّ , ينمّ عن طبيعة اشتغال الشاعر , وقصديّة تحريك عنوان نصّه، فغابة الشوك دالة علي رؤية نفسيّة ترسو علي شاطئ مستقر الدلالة , فيما لمن أفتح بابي؟ , تنطلق إلي فضاء سؤال يبتعد عن المكوث في هاجس معني أو دلالة ثابتة , وهذه العملية الفنية – الشكلية هي في كل الأحوال خارج جسد النص, وتجري بمعزل عن أدواته وهواجسه ونسق حركته.

ثم تنساب شرارات شعرية أخري, تتضمن رؤي شعرية وصورا جميلة , وأحياناً , تلجأ إلي الطرافة , والسخرية المرة أو الكوميديا السوداء (آلام خمس نجوم) مثلاً, وأحيانا اعتماد الضربة المؤثرة في نهاية النص لتفصح عن موقف ( أين يذهب الباب والملوك يصنعون رعاياه؟) , وكذلك قصيدة الألم الأخري (الألم بكامل أناقته) حيث ترد فيه:

لماذا ترتبك أيها الألم / في الطريق إليك كان الشوك عدّتنا للرحيل؟

بعد هذه القصائد القصيرة , تطلّ علينا قصيدة ( أتذكرك دائما .. كحمّي طازجة .. وأهذي ) وهي قصيدة تتنوع فيها نبرة الأصوات, وتدلي بالوصايا العشر, ضمن طقس يأخذ المنحي المسرحي المحلّق في عالم غرائبي , ثم ينصبّ في صرخة الاحتجاج الإنساني من خلال النزول من هرم التعبير الهادئ إلي نبرة الصراخ ودلالاته الإنسانية, مبررة بما تمرّ من أحداث وغرائب , حتي يهدأ الصوت ليميل إلي الشجن الصادح بالغناء:

يا نخلتي/ ويا زيتونتي/ ويا ما اخضرّ من يابس الروح/ أعزل أنا/ لا سيف لي ولا ظل/ أسري

وأعرج/ في متاهة حلمي/ أرسمك/ بميسم وردة/ وأطير بك نحلة/ أحط بك علي دار أحلامي

ومملكتي عسلا…

الحديث عن (ما يقوله التاج للهدهد) يطول ويتشعب, ويأخذ جوانب كثيرة, في اللغة وقاموسها, والمفردات وطبيعة أدائها وخلق علاقاتها الجديدة, لذلك سأختصر الحديث مشيراً إلي القصيدة الأخيرة في المجموعة والتي حملت عنوانها , وهي أطول القصائد وأكثرها احتشاداً برؤية الشاعر, وطبيعة اشتغاله الشعري, فهي ذات رؤية ملحميّة, تبدأ بتمهيد دلاليّ, ثم تفضي إلي مفصل حكائيّ, يشير إلي أسطورة يتمثلها الشاعر, وهو يصغي لإيقاعات علاماتها الواضحة, ليشتغل عليها من جديد ويعطيها أقنعته, وقناعاته أيضا فينجح في ذلك ويقدّم نموذجا حيويّاً حرا, للقصيدة الشعرية العراقية الجديدة

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.