في ذكرى رحيله ..
كزار حنتوش : لســت الصـعلـوك الاخـير ولا الـشيـوعي الاخــير ولا القـروي الاخــير*

 

خالد إيما
خالد إيما

kzar 2

* حاوره: خالد ايما

من كوة بيت الطين , والدشداشه القروية , وروائح باقات (الرشاد) وهموم الأب الليلية، من مرود كحل الدغارة , واسكافي “عفك” من شاعر” غماس” والجيب الخالي يمشي شاعرنا رياناً كزهور تحت النارنج بمعدة تكفيها حفنة باقلاء وعدس , وروح تكفيها أشعار كريستال، الشيء نفسه ..ابداً يحدث الشيء نفسه, يرسم خريطة الشعرية في وردةً حب عراقية متوهجه بالاحمرار في ثاني أثنين :
قلبه الأبيض ,وغنائه الفضي في كالفونية المدن القروية . معلناً صلابته ويقظته الحنتوشية في جادة العمر الشعري الطويل الذي أنجبر في حيثيات سبخ الطفولة التي أحتمت بسدرة البيت وعصافيرالألفة, وقمصان الأخوة المشرعة على حبل الغيم الأحمر بعد أن تمرغلت بالطين. وفي جادة الطريق إلى الحوار حيث اللقاء كان هنالك ..بيت ,وشاعر, وشاعرة , وقطط جائعة تموء في انتظار شادي فيروز وأنخاب (مارسيل خليفة) التي وعدنا فيها(الدرويش) بنبيذ وبأنخاب جديدة وبأقواس قزح , وبصوت الغريب(السياب) الذي تفجر في زخم البارود والأنفجارات وضجيج الحياة ليقول . عراق…عراق…ليس سوى عراق . حينها رقصنا شعراً وابتدأ الحوار يقظاً متشابكاً مع كزار الحياة الجميلة.
 ليس بالشعر وحده يحيا الإنسان…إذن لماذا اخترت الشعر؟
ـ أنه يحيا بالخمر , والجمال , والحب , والغناء , والعصافير, والثورة , والخبز…. وحتى بالقطط , والكلاب , والأصدقاء الغادرين…. ولو أنك صهرت هذه الأشياء في بوتقة كيميائي العصور الوسطى … لتشكلت لك سبيكة ذهبية, أو سميكة ذهبية تدعى الحياة , وهذه الحياة لا تستطيع أن تعيش أطلاقا بالمعنى الروحي الخلاق ـ إلا في مياه الشعر اللازوردية.

كيف وضعك الآن؟
ـ حالي الآن ,كما هو في الماضي, حال التنور الطيني في شط الدغارة .. وقد لاحظت بأسف أن الحياة تنحدر من سيء إلى أسوأ , أليس في ذلك ما يدعو إلى التشاؤم , أنني شاعر متشائم حسب (أميل حبيبي) , فالريح عاصفة قاصفة, تقابلها روحي التي تشبه نار كركوك. الأزلية .

متى بدأت أو عرفت أنك تكتب الشعر؟ وهل للشعر علاقة بالهندسة والمسافة؟
ـ لااستطيع أن أحدد حقا , متى عرفت أنني سأكون شاعراً , لقد بدأت بكتابة الشعر وأنا في الصف الخامس الابتدائي في غمرة نجاحات ثورة تموز عام 1959 , هذا هو الهاجس الذي دفعني لكتابة الشعر … ربما أعتقد أن للشعر علاقة بالهندسة إلى حدما، بعض الشعراء كالبركان مثلاً …إنما أنا رغم كوني مهندساً لا أعتقد ان للهندسة دوراً في قصائدي فهي متدفقة عارمة لا تعرف الحدود , والسدود ومجاري المياه الهادئة التي تترقق وفق قواعد طبيعية لايمكن تجاوزها …وهذا لايعني أن لقواعد الهندسة , دوراً في تكريس الجمود والنمطية في الشعر ..

هل لسدرة وأهل الشط ذكريات وعلاقة بالشاعر كزار حنتوش؟
ـ مازالت سدرة أهل الشط رفيقة طفولتي شاخصة لحد الآن وحين تراني تهز الأوراق مرحبةً.. ومن سوء او حسن حظي أنها نجت بأعجوبة من العمليات المنظمة للبعث في أجتزاز جميع الأشجار في الأحياء الشعبية , وتبعاً لذلك فقد نجوت أنا من الهلاك . أظن أن مصيري مرتبط ارتباطا وثيقاً بهذه السدرة فأن جرى لها شيء فأغلب الظن ..أنني سأرحل معها تضامناً مع الطفولة والصمود والشعر.

في أزقة الديوانية ثمة شاعر مجنون … هل أنت هذا الشاعر؟
ـ الغريب في هذه ألمدينة كصالح في ثمود , أو كالمسيح بين يهود , لابد وأن تلصق به تهمة الجنون .. الأعور في بلد العميان ملك , والعاقل بين مجانين هو المجنون الأكبر في نظر المدينة .. أنا هذا الشاعر المجنون طبقاً للطقوس المبتذلة لأهل المدينة.

هنالك من يقول بأنك طيب .. وأنت تقول مئات الشياطين في دو اخلي ولولا أسهام الشعر وترو تسكي في ترويضها لدمرت الديوانية.
– كما يقول برشت (لكي تكون طيباً… ينبغي أن تقنع الآخرين بذلك ) لم أستطع أن أقنع أناساَ همهم الأول الثريد وأكل القديد (وبس؟) في داخلي قطبان يتجاذبان روحي : الشعر الذي يحاول الطيران الى السماء وتروتسكي الذي يريد أنتزاعي من بين براثن طائر الشعر , والهبوط الى الأرض , لكي أغير واقعاً أن( النبي الأعزل)وهو تروتسكي يعترف في قرارة نفسه بأنه سيفشل في مثل هذه المهمة ,مثلما فشل هو أمام ستالين وعليه فأن الشياطين ,.وليس بالضرورة أن يكون كل شيطان سيئاً قد قمعت في داخلي بفعل الشعر ….والشعر وحده

الشاعر كزار حنتوش لايعرف من الحب غير الحب . ماحقيقة ذلك ؟
ـ الحب هو الحب , أنني لاأقطف الوردة أنما أحلق فوقها كالفراشة .. لست راضيا بهذا المعنى …وقد أكون صوفياً دون أن أدري ..الحب ديمة معطاء ,تمطر على البساتين ,والبشر والحجر فتطهرهم تطهيراً ..ولا أعرف غير هذا الحب الذي لايدرج بين الناس على عكازتين: :الآثرة والغرور , أنما يرف كالفراشات, ويغرد كالبلابل ويطير كاليمامات .

ماالذي يجعل قصائد كزار حنتوش قصائد طيبة ومؤثرة وغير مؤذية؟
– هي قصائد طيبة , ولكن من قال لك أنها غير مؤذية…أنها تؤذي كل نمام أثم” أشر بطر ..”نظارُ في عطفيه, تفال في شراكيه”

هل حقاً أنك أسعد أنسان في العالم؟
ـ هل تريد أن أعيد وأصقل مثل الدكتور علي الوردي الذي أشتكى يوماً بأن الأخرين يطلقون عليه لقب (الصاقول) .. سأقول لك الأسباب :
الأخرون يطعنونني من الخلف , ومعنى هذا أنني أسير في المقدمة …عندي بلاد لاتعد لها كل كنوز المهراجات.. عندي شمس عراقية, وحدائق , ورسمية , بأستطاعتي أن أدعو الموت بأشارة من أصبعي أو طرده فيغادرني مثل كلب وذيله بين ساقيه …الخ ..ألخ…وفي النهاية أنا على يقين بأنني سوف أدخل الجنة (على عناد أمريكا)..

من الذي يختار…الشعر الذي يختار الشاعر,أم الشاعر الذي يختار الشعر؟
ـ أنهما يختاران بعضهما ,كالفرس الطيب وأرضه .. لاغنى لاحدهما عن الأخر ينبغي أن تحذف كلمة الشاعر وتضع بدلها الأنسان , عندها ستكون مرآتنا مجلوة كمرأة الحسناء …. ثمة مفارقة هنا فالانسان أن أراد أن يكون شاعراً , قد يرفضه الشعر .. كمن يريد أن يزرع نخلة في سيبيريا , ولكن الشعر أن أختار
أنساناً ما فقد يخسر أو قد لايخسر الرهان .

كيف تجد قميص صعكتك الآن ..وهل صحيح أن كزار حنتوش يستطيع بلحظة خاطفة أن يرمي قميص صعلكته ويبدأ من جديد يقظا متشابكاً مع الحياة الجميلة.
ـ هل ثمة قميص للصعلوك , للصوفي جبته , وللصيرفي بدلته الأنيقة ,فقد تجد شخصاً بقميص مهلهل وهو ليس بصعلوك , أو ترمق رجلاً محتشم المظهر , ولكنه قد يفوق في صعلكته الشاعر الراحل عبد الأمير الحصيري . أنوه هنا أن الصعلكة هي بمعنى رفض الواقع والأنقلاب عليه بشكل ثوري فردي يشيه الفوضوي بنواح كثيرة , ومن قال أن الصعلوك ساه عن الحياة الجميلة, وغير مندمج بها أن الصعلوك ليس راهباً .. أنه الذي يخترع الحياة الجميلة , حتى ولو كان الواقع رمادياً متجهماً .

ماذا بشأن الواقع الثقافي الديواني الآن؟
ـ أقول نظراً للظروف التي يمر بها العراق حالياً , الواقع الثقافي جيد , لدينا شعراء ونحاتون , وفنانون , وتشكيليون , وخطاطون , ومثقفون بارزون على مستوى العراق والوطن العربي , وبوصفي رئيساً لآتحاد أدباء وكتاب الديوانية لاأسطيع أن أبوح بأسمائهم , فقد يكون في تسمية البعض أهانة غير مباشرة للبعض الأخر..

ماالذي يميز شخصية كزار حنتوش الشعرية : النموذج الصعلوك , او العاشق , أم التعبير بالكلام ونبل الأفكار؟
ـ أختار العاشق , فالعاشق أشمل من الأول والثالث , فالعاشق سماء رحيبة,خيمة زرقاء واسعة , تضيف أبهى مافي الأرض من أشياء، ان حب الوردة والصديق, والحبيبة والأم , والوطن , والليل , والشمس ..الخ….ألخ.., هو عشق صوفي لامتناه مبرؤ من الأنسانية , والنرجسية.

كيف ينظر كزارحنتوش الى الشعر والنقد في الوقت الحاضر؟
ـ الشعر المغشوش, والنقد المغشوش , لايقتصر على زمننا وحده , فهو لازمة لكل الأزمان , الشعر المغشوش قد لايعمر أكثر من عقد , أو عقدين , أو ثلاثة , والنقد المغشوش كذلك , لكن الشعر الصافي , والنقدالصافي يمتدان من زمن الأغريق والرومان , ويمران عبر زمننا هذا وينطلقان الى المستقبل الأرحب بأيسر مما يتوقعه سائل متشائم مثلك

اين ولد كزار حنتوش ؟
ـ بمعنى مسقط الرأس فالديوانية هي مكان ولادتي . أما أنا فأعتقد أنني مولود منذ قابيل , وهذا يعني أنني أنسان ملعون لابالمعنى الكهنوتي للكلمة , وشاعر رجيم …أنني من فئة الخليفة الذي أراد الله أن يجعله في الأرض فردت عليه الملائكة أنك تجعل من يسفك الدماء فيها …….ولكن الله أعلم …المهم أنني ولدت في بلاد مابين النهرين , وهذا شرف مابعده شرف.

القصيده “الحنتوشية” غارقة بالمحلية . ألأ تجد أن ذلك يؤثر على فنية القصيدة؟
ـ غارقة بالمحلية ماهذا الهراء , وهل تريدها أن تكون غارقة في العالمية (أكوسموبوليتية), فالشاعر ان أستطاع أن يمسك أو يتشوف القسمات الجوهرية للواقع الموضوعي فهو الشاعر المحلي الحقيقي , والعالمي معاً . ان الخواجات الجدد , هم من يطيب لهم هذا الكلام …..هل تريدني أن أكتب مثل رامبو , أو……هؤلاء نتاج بلادهم الثقافي بكل تعقيداته , وأنا الأخر نتاج تعقيدات واقع بلادي الثقافي بكل تعقيداته …. أنهم في الخارج يتلهفون ليعرفوا العراق من خلال شعرائه , وهم في الخارج …هم لايحترمون شاعراً يشمئز من واقعه الأجتماعي , ..ألم يعبر يسنين عن (الخانكا الروسي) , ومايكوفسكي عن (ثورته البولشفية), وبابلو نيرودا عن (نضال تشيلي) , وفي هذا العصر أليس غاندي هو الذي قال ..أنني أسكن في بيتي واترك نوافذه مفتوحة في ذات الوقت لاأستطيع أن أقول أن رياح العصر لاتقرع نوافذ وجدران بيتي …..فهذا عصر العولمة .. ولكنني مشدود بقوه الى نخلة في بلادي , منجذب بكلي الى طمى أنهار عراقي وسمائه ونجومه , ولتأت العواصف حاملة لي كل شيء. وحدي الذي أنتقي الذي يناسبني , والذي أتوئمه مع شعري وتراث بلاد مابين النهرين الثقافي ..أماعدا ذلك فمحض أضغاث أحلام .

كيف يتعامل كزار حنتوش مع أزماته الحياتية والشعرية؟
– أتعامل معها وفق نصيحة الجواهري الكبير , كونوا كرقراق بمدرجة الحصى يتسربَ تأتي الصخور طريقه ٌ فيجوزهن ويذهبٌأتريدني أن أضيف كلمة بعد قول شاعر العرب الأكبر هذا ورب العباد لاأجرؤ , حتى لو كنت المتنبي .

كثيراً ماتدعي بأنك أسير المصادفة العمياء , وكأنك في ظلمة يبصرها
العميان.
– ،نعم .. فدائماً ماأتمثل قول الشاعر صلاح عبد الله نيازي (لاشرع لدي سوى الصدفة)…ولكن أو ليست الصدفة شكل من اشكال تحقق الضرورة كما يقول ماركس العظيم .. “ومن بلد يحترق لكي ينهض من رماده كالعنقاء” .. لابد أن تروج الصدفة كثيراً. أما الشطر الثاني من سؤالك , فهو يرد بنفسه على نفسه فما الذي يبصره البصير غير الظلمة, بالمعنى الحرفي للكلمة أردت أن أشير الى النور الألهي الي يختلج في قلوب العميان ويتوهج ويشع على العالم , فيرد له العالم الجزاء, بأن يزيل الغشاء عن عينيه , الأعمى الذي لايبصر في الظلمة , هو الأنسان الذي عناه المتنبي( مفتحة عيونهم نيام )

ثمة من يظن من شعراء الستينات أن الحداثة بدأت تنقض عليه وتتركه جانباً.
ـ ومن بدأ الحداثة غير شعراء الستينيات, فكيف تستطيع الحداثة التي أخترعوها أن تنقلب عليهم , قد ينقلب السحر على الساحر , فالساحر مارد , والأنسان قمقم لكن الحداثة لا تنقض على شاعرها الأ أذا أراد هو بمحض أرادته التنصل منها …..ومالنا والدعاة الغلاة من أرباع الموهوبين , أو فاقدي الموهبة, الذين يريدون وهم في البواكير أن يقفزوا على مجمل أنجازات الشعرالعراقي الحديث أن هذه القفزة في الفراغ , قد تكلفهم الكثير , عندما يسقطون على الصخور الصلدة فتتكسر عظامهم , وتدق أعناقهم , أهو ” ليركه ” الذي قال لو أستطعت أن أضيف بيتاً واحداً للشعر العالمي فسأكون أسعد أنسان في هذه الدنيا الفانية ” , فكيف بشاعر لايعرف عن العباس الأحنف شيئاً سوى أنه بائع للأنتيكات في سوق هرج .

مامدى قناعتك والبعض يقول بأنك تكتب بعض الهذيان الجميل أو غير
الجميل؟
ـ ليس الشعر سوى أحلام يقظة , هذا أعتقادي الصارم , فالهذيان غير الحلم .. وهو أمر يدركه حتى بائع السجائر في الديوانية …..من قال بأنني أكتب هذيانات جميلة أو غير جميلة , لابد أنه جاهل , أو متحامل .. والأثنان لايعتد برأيهما حسب ظني ……أن عدم الألمام بالمصطلحات العربية كارثة كبرى…هؤلاء الذين يطلقون الكلام جزافاً أكملوا دراستهم في مقاهي الثرثارين والخاملين أما أنا فقد تخرجت من كلية الحياة

في مفهوم الصعلكة ماذا يقول كزار حنتوش. هل جان دمو ونصيف الناصري وحسن النواب هم من يمثل أقطاب دائرة صعلتك؟., وهل أنتَ آخر شاعر صعلوك رشحت نفسك لتكون أباً روحياً لجميع صعاليك الشعر وأن البنية النفسية لديك أرتبطت بالصعلكة والمغامرة اليوميه وحياة السكر والعربدة والشرود الحالم على الأرصفة؟
ـ كل شاعر هو صعلوك الى حد ما , يتساوى في ذلك الدبلوماسي سان جون بيرس , والمتشرد (عقيل علي) رحمه الله….والحق أن الأخير , هو الصعلوك الحقيقي بين ما ذكرت ” فجان دمو” كان صعلوكاً لكن بدون شعر….أما أنا فالذي ألصق تهمة الصعلكة بي هو الناقد الشاعر (حاتم الصكر) في مقاله الشهير عني (تحديث الصعلكة) ويقصد هنا تحديث الصعلكه في الشعر …لا في الموقف الحياتي , وأن كان الشعر ينم عن قدر صاحبه الى مسافة معينة .. فكان أن تلقف بعض الطيبين هذه التهمة وألصقوها بي ….. وكما قال الشاعر والصديق الرائع (خزعل الماجدي) في كلمة له عني في أمسية أقامها منتدى المسرح في تسعينيات القرن المنصرم ” لو لم يكن لدينا صعلوك في الشعر العراقي الحديث لأخترعناه ” …أما الشاعران حسن النواب ونصيف الناصري وهما صديقان حميمان لي , فقد تظاهرا بذلك , للفت الأنظار , وأستطاعا أن يقنعا الأدباء بذلك الى حد بعيد …..كما وأنني لستُ الصعلوك الأخير , ولا الشيوعي الأخير , ولا القروي الشاعر الأخير …أما الحياة التي عشتها نتيجة لظروفي القاسية فليست مصدر فخر لي ولغيري …لقد تشردت , وغامرت , ونمت على الأرصفة لأنني كنت لاأجد مصيراً أفضل …والأ لأقلعت عن هذه الحياة البغيضة فوراً .,وهل من شاعر في هذا الكون يريد أن يرمي بنفسه الى التهلكة . الأجدر به أن ينتحر … وأنني أعترف بشجاعة , لم أشأ أن أنتحر ,لأنني أتمتع ببعض الجبن أولا , ولأنني أخاف أن يتهمني أحبائي الخلص وهم قلة كدراهم صعلوك بالخيانة كما أتهموا الشاعر العظيم ماياكوفسكي عندما أنتحر … مع الفارق بيني وبين مايكوفسكي … ورحم الله أمرأ عرف قدر نفسه.

كيف حال الشعر هذه الأيام؟
ـ حاله حال قائليه , والشعب الذي يردده, وينشده , ويتذوقه …الشعر هذه الأيام مَر كمساءات مدينة الصدر ,مرَ , ومظلم , وكئيب , وكما يقال (أكل القوم قدر أفعالهم ) فشعر اليوم على مقياس صارخيه , لامغرديه , هو شعرنا , لانتكدر لحاله , ولانعبس في وجهه , فجميعنا عابسون غاضبون . شعرنا الرميم هذا خير منبىء عن أحوالنا نحن الأجداد للأحفاد لكي يبكوا طويلاً على حالنا نحن الذين ذرفنا من الدموع أكثر ماذرفت أرامل هذا العالم منذ بدء الخليقة.

هل وقع كزار حنتوش في فخ (الحداثة) أو مايسمى بقصيدة النثر ؟
ـ ولماذا تسمي الحداثة فخاً , قد أسايرك في القول اذا كان هذا الفخ منصوباً للأغرار , والمتشاعرين . أما نحن فلا نبخس الحداثة حقها , ولا الكلاسيكية, نعم كتبت قصائد مائجة هائجة , أسميتها أنطباعات لأنها لاترقى الى مصاف الشعر الحقيقي , وبما أن لعبة خماسي الكرة ستسود العالم , فلماذا لاتسود مايسمى بقصيدة النثر عالم الشعر .. قرأت قصائد نثر جميلة للماغوط وأدونيس , وسركون بولص , وخزعل الماجدي , وعلي عيدان عبد الله , قد يعلو هذا البصيص ليصير فنارات ضوء , وثريات كرستالية مشعة الألوان , وأعتقد أن مياهاً كثيره ستجري تحت جسر الجمهورية قبل أن يحين الحين , ويأتي شاعر عظيم يركز الراية قرب رايات المتنبي والسياب , والبياتي , ونازك الملائكة وسعدي يوسف , وعبد الرزاق عبد الواحد وسامي مهدي وحميد سعيد وأخرين.. أنت والمنافسة الشعرية.
ـ لابد من الخلافات النبيلة , والمنافسات التي تجري تحت عباءة الفضيلة , والسمو , وألا أصبحت حياة الشعراء بدون ملح , هل الشعر مهنة كسائر المهن ؟ نعم , ولا , فهي كما يقول مهنة الأنسان المجرد من المنفعة, لأنه يجعل الشاعر سحابة بنطلون كما يقول مايكوفسكي .

ماذا يقول كزار حنتوش في يوسف, محمد خضير , خزعل الماجدي, رسمية محيبس , عبد الرحيم الصالح , ماجد موجد , محمد الفرطوسي , كريم الخفاجي .
ـ سعدي : أكثر مصابيحنا الشعرية أشعاعاً محمد خضير: أعلى مرافىء المدن الساحلية العربية , وربما العالمية شأنه شأن البريكان , ومحمود عبد الوهاب .خزعل الماجدي: الأ يكفي أن جيلين شعرين تأثرا خطاه .رسميه محيبس: هي كما وصفها الشاعر منصور عبد الناصر “أميلي ديكنسون” ولكن في العراق.
عبد الرحيم الصالح: شاعر غامض كالموت ..متأن كالمخطط لمؤامرة شعرية , شفاف , وسائغ المذاق .
ماجد موجد: هو ماجد موجد لايشبه الأ نفسه أتوقع له مكانة شعرية لائقة , لو هادنته الرياح السيئة رياح الزمن الأحمق السيئة .محمد حسين الفرطوسي: هو شاعر الديوانية الشاب الذي نعقد عليه الأمال.كريم الخفاجي: قاص ديواني مبدع ظل ينوء طويلاً تحت الكسل وعدم الأكتراث ومطاردة الجميع .

بوصفك رئيس أتحاد الأدباء وكتاب الديوانية : كيف تسير الأمور الأن في أتحادكم؟
ـ في أوائل السبعينيات ناقشت الشاعر الشعبي المعروف ” جودت التميمي ” بشأن جمهور المهرجان المرتقب , وكيف أنه سينضم طبقاً لأنتماءاته السياسية فرد ساخراً ( ها.. هسه وصلت للجمهور , جا أخي أجيبلك جمهور من الكونغو ) وهذا بالضبط ما ينطبق على هيئتنا الأدارية , رغم أنها أكثر شباباً وأشد لهباً من سابقاتها , وتسير الأمور مراتِ هوناً وعدة مرات عدواً , ونحن بين هذا وذاك لانملك الأ بأتباع سياسة الهروب الى أمام , فليس لدينا مانخسره , الأ يكفي هذه الأيام , كما يقول سامي مهدي “أننا في هذه الظروف العصيبة, مازلنا نكتب الشعر , ونتداوله , بل , ونتذوقه حتى أن أتحاد أدباء وكتاب الديوانية الذي أتشرف برئاسته ، قبل وأثناء وبعد انتخابات مجلس النواب سيكون له القدح المعلى في تبصير الجماهير الكادحة بأهمية الثقافة الوطنية ورموزها المضيئة ودورها الكبير في تمكين الشعب من أستعادة هيــــبتة وقناعاته الثابتة .

كيف أجتمعت فيروز وبغداد ورسمية في ذات الشاعر كزار حنتوش ؟
– فيروز كما يقول اللبنانيون عنها هي سفيرتنا إلى السماء ، وبغداد المدماة الأن هي قلعة العرب العصية على الخفافيش والقتلة ، ورسمية محيبس زاير هي كل نساء الأرض مجسدة في روح صافية نبيلة ، أبعد هذا تسألني كيف أختمر هذا المثلث القزحي في روحي ، فأصبحت نافورة ضوء زرقاء .. فيروز تروج لي الحلم ، وبغداد تمدني بالصمود والتضحية ورسمية تزيح عن قلبي السحب السود ، يا صديقي أني أنسان محظوظ أما السخام والفقر والغربة والمنفى داخل الوطن ماهي إلا أسمال أنزعها مرة وقد أرتديها مرات … هذا لا يهم أنها زعانف .. أنها قشور ، أنها طلاء يتقشر ويزول من تلقاء ذاته فقط الحلم والصمود والحياة هذه الأقانيم الثلاثة النورانية ، الربانية هي التي ستبقى ، ما بقي العراق أو كما قلت في أحدى قصائدي ستبقى تحكي ما حنّ بعيرٌ بفلاة أو ما مر على ( ذي قار ) فرات

هل لطين وجسر الدغارة علاقة بالشاعر كزار حنتوش ؟
– من طين الدغارة جبلت ، الدغارة هي الحاضنة الطيبة الأولى ، والمربية الأولى والصديقة الأولى وعلى جسرها عبرت مع الشاعر الشيوعي الراحل يعقوب جواد مرات ومرات نحو مستقبل غامض، فيها أنحدرت كشلال أحمر وأليها سأعود طائراً مضمخاً بالدم ، وبالحب .. الدغارة .. أو كلما جاءني الحداء من قوافل العرب الأولى فز قلبي كالقطا وأنكسر ، من له حاضنة رائعة كالدغارة ، وجسر يعبره الأصدقاء الذين غيبوا وغابوا نحو مستقبل غامض . كيف يجد كزار حنتوش ذاته.. وكيف ينظر الى الغد بدون رسمية بعد الحادث المؤسف ..وانت الذي يقول (لارسمية هذا اليوم /لأصحو غداً / اليوم غناء تحت التوت / وغداً تابوت…) فأل الله ولا فألك ياشيخ .. أن حادث دهس رسمية قد خردلني تماماً كوخني ، أصبحت نحيلاً كعود بخور ، أنها ثروتي العظيمة في هذه الدنيا لا أكتمك أنني بدونها ضائع .. ولكن الله أرحم من أن يجمع بين شقائي ، وفقدان رسمية ، فقد مر الحادث وكأن شيئاً لم يكن .. والغريب أن حادث دهسها أشمت بي البعض ، فأشفقت من كل قلبي على هذا النفر المسكين ، تصور ..؟ ، يشمتون بشاعرهم لمجرد سوء تفاهم بسيط كانوا هم السبب الأول فيه هل ينتمي هذا النفر السيء للأدباء .. وحاشا الأدباء أنهم ضفادع في برك .. وأنا طائر التم .. لا بارك الله فيك .. فقد جعلتني أسئلتك أتحدث عن نفسي كثيراً .. ومع ذلك ، فأنا فرح بها فلم يعد التواضع مجدياً في ظل زمن مثل هذا وبرفقة أدباء كأولئك .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.