د. عايدي جمعة : جماليات الفن القصصي في مجموعة “وقت إضافي للغرام وتكسير العظام”

fuad kindil 2

د. عايدي جمعة
د. عايدي جمعة

تقع هذه المجموعة القصصية للروائى المصرى فؤاد قنديل فى 135 صفحة، وتتضمن
تسعا وثلاثين قصة قصيرة .ويبدو ارتباط العنوان بالزمن  بوضوح من خلال
كلمة “وقت ” التى تشير لذلك، كما أن هذا الوقت جاء موصوفا بكلمة “إضافى” مما
يستدعى جو المسابقات الرياضية التى لم تحسم نتيجتها فى الوقت الأصلى
فاحتاجت إلى وقت إضافى كى يتم الحسم فيها، ثم ينكسر أفق توقعنا حينما نجد
أن هذا الوقت الإضافى للغرام، وكأن الذات الساردة تستعذب وقت الغرام
الأصلى، وحينما ينتهى فإنها تحتاج إلى وقت إضافى، لكن حرف العطف بما
يجلبه بعده يحرك مؤشر الدلالة إلى معنى العنف والقسوة، وذلك حينما تأتى
كلمتا “وتكسير العظام” وكأن الذات الساردة تجعل المتلقى يتوقع أن هذا الوقت
الإضافى ليس ذا عذوبة خالصة، وإنما فيه من العنف البالغ الكثير. ولا تخفى
الموسيقى الصوتية التى تبدو بوضوح من خلال هذا العنوان.
Picture 013فإذا غادرنا العنوان إلى القصص نفسها فإننا نجد هذه المجموعة تنتمى إلى
السرد الشعرى، حيث يبدو بوضوح أن السرد أصل والشعر فرع، وإذا جاءت بعض
الملامح الشعرية فيها فإنها تأتى فى إطار السرد، ومن خلاله.
ويلفت النظرفى هذه المجموعة القصصيية لفؤاد قنديل التشكيل الكتابى
للصفحة، حيث نجد طريقة التشكيل الكتابى تستدعى طريقة كتابة شعر التفعيلة
فالسطور ليست متساوية الطول ، يقول في قصة ” النافذة العمياء”
“لا معنى للحياة بغير الأحبة
كانت إلى جوار بيتنا شجرة ضخمة
أسندت ظهرى على جذعها العريض الدافئ
لم أجد وسيلة لفك الخيوط التى تشابكت . . . فكرت
ورحلت ثم عجزت”.
كما تبدو الكثافة التشبيهية بوضوح فى هذه المجموعة القصصية، ومن تجلياتها
قوله فى قصة ” السماء تبدع الشعر أحيانا” عن حمامة بين الحمائم
تمايلت وتهادت ومثلها فعلت الحمائم
صبية فاتنة ووديعة كالحلم . . كالأمل . . كالعاشق حديث
العهد”.
يبدو تعدد التشبيه بوضوح فى الاقتباس السابق بطريقة  تذكر بأبى القاسم
الشابى فى قصيدته ” صلوات فى هيكل الحب” ، حينما يقول عن حبيبته:
. عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديد
كما أننا لا نعدم تقنية أخرى من تقنيات الشعرية هى المزج بين
المتناقضات، مثل ” النافذة العمياءـ الجحيم الفردوسى”.
ومما تتميز به هذه المجموعة القصصية لفؤاد قنديل الانحسار الواضح لأدوات
الربط اللغوية. يقول فى قصة ” النشوق”
“الشحاذ يحتل مكانه المعتاد بالقرب من باب البنك
كانت حالته جديرة بأن يأسى لها العابرون
ساقه اليمنى حتى أعلى الفخذ فى الجبس الأبيض. ذراعه
الأيسر مشلول. يتدلى بجانبه كبندول الساعة دون أن
يتحكم فيه . . عينه اليمنى حولاء وشفته السفلى
معوجة تضامنا مع الذراع الأيسر المشلول”.
كما نجد أسلوب  التكرار الذي يسجل كثافة عالية فى هذه المجموعة القصصية
“وقت إضافى للغرام وتكسير العظام” فنجد مثلا فى قصة ” مع ذلك”
التي تأتي على لسان المقربين للمخاطب فقد توفي أخوه وهو يستنكف حضور جنازته
هكذا قال الأهل و الأصدقاء”
لو استولى على أغلب ما ترك والداك فهو أخوك
وإذا كان ذا سمعة سيئة بين زملائه فى العمل فهو أخوك
إذا كان قد استغل منصبه ليرفع رصيده فى البنك فهو أخوك
إذا كان قد اغتصب عدة نساء فهو أخوك
إذا كان قد قتل وتسبب فى قتل عدد من الرجال فهو أخوك
إذا كان قد زوّر فى بعض الأوراق واستولى بها على ممتلكات الآخرين فهو أخوك
إذا كان قد تملق أقاربك بشكل مقزز فأورثوه بعض ما يملكون
إذا كان قد ارتكب خطايا كبيرة وصغيرة فهو أخوك
في العزاء..سوف يسأل عنك الجميع  . . لتكن روحك شفافة ومشبعة بالتسامح”
فنجد ” إذا كان ” ترسخ  حضورا كثيفا فى الاقتباس السابق، وعند مجيئها فى
كل مرة تأتى معها جمل مختلفة لكنها متعلقة بها.
كما تبدو بوضوح ظاهرة انحسار الشخصيات، والاكتفاء بسارد واحد فى الغالب،
وتراجع الحدث الخارجى فى قصص كثيرة من هذه المجموعة، والتركيز على شعور
الذات الساردة بأثر الحدث عليها أكثر من تصويره الخارجى.
كما تبدو الرموز بكثافة سواء على مستوى الجملة أم على مستوى النص ككل
كما يبدو توظيف التراث بوضوح فى هذه المجموعة القصصية، وقد يأتى توظيف
التراث من خلال  ظاهرة التضمين التى تسجل  حضورا ملحوظا فى هذه المجموعة،
حيث تلتقط الذات الساردة أصواتا أخرى لها شهرتها فى الوجدان العام،
وتجدلها فى صوتها دون إشارة إلى صاحبها، أو يأتى التوظيف من خلال الإشارة
التراثية، كما فى قصة “غيمة الدرويش ” التى تستدعى فى وجدان المتلقى السحابة
التى كانت تظلل رأس النبى عليه الصلاة والسلام فى رحلته التجارية إلى
الشام لحساب السيدة خديجة رضى الله عنها، والتى كانت من أسباب رغبة
السيدة خديجة فى الارتباط به.
كما أن واقع البيئة المصرية ينضح فى هذه المجموعة القصصية، خصوصا فى قصة
“النشوق” حيث نجد صورة المرشح كثير الوعود لأهالي دائرته
الانتخابية، ولكنه حينما ينجح فى البرلمان لا يفى بشئ مما
وعد به، أو بالأحرى يفى بشئ واحد، حين يبعد المتسول الذى كان واقفا أمام
البنك ، لأنه وعد بأن يقضي على المتسولين ، وكان هو ذاك المتسول.
كما أن العمق الفلسفى لا نعدمه أيضا فى بعض القصص، ومنها قصة “حصتى من
الزمن” التى تصور الزمن حصة للإنسان تضيع منه فى التفاهات، والانشغالات
التى تفرض عليه، ويأتيه الموت وهو فى شرخ الشباب، على غير إرادة منه.
وأحيانا نجد النهاية المفتوحة التى تترك الباب مواربا أمام المتلقى كى
يحاول هو وضع النهاية بنفسه، فيكون مشاركا فى إبداع القصة، على النحو
الموجود فى قصة “سد الفراغ”.
ويلفت النظر بشدة الغلبة الطاغية للجملة الإسمية  مما كان له دوره فى
تقليص عنصر الحركة والحدث  فى قصص هذه المجموعة، وأسهم بطبيعة الحال فى
الرحلة إلى داخل الشخصية الساردة أكثر من الرحلة خارجها.
كما بدا الإلحاح على وصف المشاعر الداخلية للشخصية ذا دور فى تقليص
الحركة فى هذه المجموعة القصصية، وكان له تأثيره على عنصر الإيحاء، وما
يرتبط به من مد دلالى ..
يقول : دموعى تتبعنى إلى كل درب ..
قلبى أصبح كورقة السيجارة . . هشا ومنهارا .. عقلي بلا عقل
رأسى قلة ماء فارغة وصدئة.
ولا يخفى دور الذات الساردة فى التقاط تشبيهات تتسم بالبكارة و تلفت
ذائقة المتلقى بشدة، كما هو واضح فى النموذج السابق مما يسهم ـ مع تقنيات
أخرى سبق ذكر بعضها ـ فى ضخ سمات شعرية لافتة تمتزج مع السمات السردية فى تآلف عميق.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.