د. فاروق أوهان : ثالوث قاسم خوف وشوق ورجاء(1) (تقييم وتحليل)

 

الراحل الكبير قاسم محمد
الراحل الكبير قاسم محمد

farook aohan 3

تمهيد
إنها لغبطة كبيرة عندما أحصل على مخطوطة لقراءتها، فهي واحدة من النوازع التي تمتلكني، ربما لأنني اعتدت فحص النصوص لأكثر من ثلاثة عقود، من جهة . ولأن هذه الحالة تضعني أمام حالة من التفرد التي لا يشاركني فيها أحد لو كان النص مطبوعاً، وذلك لإحساسي بأن ما سأقوم به من ملاحظات سوف تلقى لها استجابة بأية نسبة كانت لدى المبدع ذاته، فالفرصة لم تفت (2)، كما يحصل عندما يحلل ناقد نصاً سبق طباعته، وعرضاً أُنجز، واكتملت جوانبه، ولا مجال للتعديل، أو الاستفادة على الأقل من بعض الجوانب التي يضيئها التحليل، ولهذا نرى أن كثير من المبدعين، ليس في حالة اللوحة، والقصيدة، وإنما في كل من أجناس المسرح، والرواية، والقصة، وإلى حد ما السينما والتلفزيون لا يصفون النقاد إلا بالغموض، وتفسير النص بأكثر مما يحتمله، وتحميل العرض بأكثر من طاقته .
من هنا جاءت الغبطة، وتبعتها المسرة في أن قاسم محمد قد خرج من دائرة النار التي كانت تصطليه، وتحرق إبداعه في أتون يحجب عنه رؤية الأمور بمنظار أصفى، وأعمق، وأبعد، وقد احتاج الأمر لفترة نقاهة كبيرة وصلت لما ينيف عن السنتين. ومن هنا ابتدأ النظر إلى الذاكرة التي كانت تحترق بلهيب المعاناة، ولم يعد الخوف، وهواجس العسس المزوعة في الداخل، وكأنها الآخر حتى في قلب الملائكة الأنقياء، وصار الآن متاح للمبدع أن يرى ما كان هو عليه، وينظر إلى عريه المخزي من فوق، من ثقب، ومن زاوية أكثر استقرار، وطمأنينة .. ولكن؟
استهلال
المبدع قاسم محمد بحر من الإبداع، فقد أتحفني قبل وفاته بأعوام بمسرحية أمسية للتأمل في (الخوف، والشوق، والرجاء) هي سيناريو عرض مسرحي كتبها بين 1984 و عام 2000، لكي أقرأها، وأحللها له قبل طباعتها، أو إنتاجها للمسرح، قال في رسالته لي بالحرف: إنها خطوات – قد لا تجدي – لكنه شكل من أشكال الحركة مصحوبة بمودتي ومحبتي، قاسم محمد في 17 حزيران 2000. فالمسرحية تقول في نهاية الحكاية على لسان الجميل: لقد أدركت..! دعوا بصيرتكم تتوغل في دواخلكم، أيقظوا الذاكرة بعيون الإدراك..! أديروا أبصاركم في فيحاء أرضكم، سترونها أخرى بجوهر آخر.
ويضيف في نهاية الرحلة المسرحية بقوله: بل عبرنا الحلم إلى الحقيقة.. إنني استعيد ذاكرتي وصوتي ووجودي.. وحواسي الآن تصدقني الخبر، ويكفي أن نستخدمها بصدق ومحبة وأمانة. كل ما جرى لنا حقيقة.. الهدهد حقيقة.. والرحلة حقيقة.. والحكيم حقيقة..
وينتهي العرض التمرين الحالي ليبدأ فينا حين يقول قاسم محمد على لسان تايروف: إن ازدهار المسرح كان تماماً عندما ابتعد عن المسرحيات المكتوبة، وخلق السيناريو الخاص به.
ولا ينسى قاسم محمد تسجيل مصادره بأمانة، فيكتب أن عمله مستوى من مقاطع من كتاب جامع البدائع للشيخ الرئيس ، والدستور وفيلسوف الدهور لابن سينا، ومن رسالة الطير  ابي حامد الغزالي(3).
مهارة المبدع
يؤسس قاسم لعروضه أمكنتها، وأزمنتها قبل كل شيء فيقول: إن هذا العرض ينبغي أن يستمر تمرينا في جميع مراحل إعداده وتجهيزه وتمارينه، والمتعددة، ولكل عنصر من عناصره تكوينه، ويضيف: إن مكان العرض، التمرين هو فراغ، فراغ أسود، ذلك أن الفراغ مكان برئ غير مشوب بأية دالة تدل على أنه: مسرح، وبخاصة إذا كان هذا المسرح مُصطنعاً. إن الفراغ معبر، ومعد للرسم، والتشكل، وإقامة معمار أثر معمار. إنه فراغ البناء.. وإعادة الصياغة والخلق، وانثيال الدلالة من تراكم المعاني التي يبدعها الإنسان المؤدي للإنسان المتلقي، داعياً إياه إلى المشاركة في تشغيل المخيلة، واستدعاء التجربة الإٌنسانية، لبناء عرض، تمرين مشترك يعتمد الذاكرة المشتركة في الحياة، وفي المنجز الأدبي والفني لكل منهما. إن هذا الفراغ، أيضاً يكتنفه شعور تأملي بفرح إبداعي آت حالما يبتدئ شعور فرح أكيد هو: أن هذا العرض كان، وسيبقى تمريناً وإلى أجل بعيد.
فسواء أكان المؤدون موجودين أم غير موجودين، لكن دخولهم إلى إعمار عالم الفراغ الأسود القائم، ووجودهم فيه، يبدأ متسماً بالهدوء التأملي المطلق والمليء. وفي لحظة ما .. يحاول كل منهم أن يبتدئ مرحلة التجسد (روحاً) ثم التصوير (جسداً) محاولاً التحول إلى طائر.. أي طائر من الطيور التي: كان يملكها المؤدي الآن. أو طائر يحبه المؤدي.. أو رآه وتمنى أن يمتلكه، أو طائر سمع به المؤدي، يتخيله، أو يحلم به، أو ربما يخافه.. (ذلك أن الطير من أقدم من رافق الإنسان منذ فجر حياته الأولى في الحياة. والطير تبعاً لذلك أصبح جوهر الأساطير الشعبية الكبرى لمختلف الشعوب والأمم في مختلف مراحل التأريخ الإنساني. كما أن للطير خاصية ملحمية وقدرة ميثولوجية عظيمة). ويتابع قاسم ما سبق بقوله: إن تجربة محاولة المؤدين في التحول وتجسيد طائر معين، خاص بكل واحد منهم، تجربة مهمة وعميقة في هذا التمرين، وينبغي لها أن تبدأ أول ما تبدأ من (الداخل) من تمرين (الرؤية الداخلية) ومن (الإيمان الداخلي التام) ثم ينتقل هذا التمرين والتحول والتجسد الداخلي إلى (الخارج) أي يبدأ، ويعمل وينشط ذاكرته، ومخيلته، وعضلات جسده، لكي يقوم ببناء معمار للجسم، والمزاج، والصوت، وصولاً إلى بناء (الشخصية) التي سيؤديها في هذا التمرين منطلقاً من نوع الطائر الذي سيرسي اختياره عليه، وسيؤديه.. لا من محض شكل خارجي، بل هو (فعل) داخلي، وبناء حركي. هنا (عند الشغل على الجسد) علينا ألا ننسى الصوت، وشطحاته التعبيرية الغريبة العجائبية، من العبث في هذا المجال، الاعتماد على (المظهر) و(التظاهر) الخارجي لتجسيد الطائر المطلوب من قبل المؤدي. إذ لا بد من شغل على: الذهن، المخيلة، النفس، الرؤية، الحلم، والروح. والأهم أيضاً هو: (الابتكار)، و(تغذية) هذا الابتكار.. وما أن تكتمل مهمة المشهد الافتتاحي، حتى تبدأ حركة فعل العرض.. التمرين.
النص القابل للعرض
إن هذه الأطروحة بعينها تحتاج للعديد من الدراسات لتحليلها، وإجراء التمارين عليها، ولربما يكون من المناسب أن ندخل صلب النص، سيناريو العرض، التمرين: فرغم أن قاسم محمد، وغيره من المبدعين في هذا الشأن، من أمثال روجيه عساف، والصديقي، وبرشيد، ودياب، ومطاوع والعديد العديد ممن أبدعوا في هذا المجال، وبعضهم من أعضاء جماعة المسرح والتراث إبداعاً وتنظيراً، لكنهم بجلهم يعتمدون على الجهود الفردية من غير تجميع الجهود في وحدة جامعة لتطوير أفكارهم، وإصدار بيانات جدلية مبنية الواحدة على الأخرى في تصاعد هرمي وصولاً لصياغة نظرية عربية أصيلة في فن المسرح، ونقده، كما أشرت مراراً في كتاباتي، وفي مناظراتي، والمنتديات التي حضرتها، لكن هذا كما يقول الكثيرون بحاجة لإرادة علياً، ونحن دائماً بحاجة إليها، إرادة جمعية من ذاكرتنا المشتركة، وبرأي أن ما كتبه قاسم محمد في صدر المسرحية العرض، التمرين ليس غير بيان نظري متبوع بالتطبيق العملي.
ويبدأ العرض على إيقاع موسيقي رتيب وعميق آت من بعيد، ومجموع المؤدين في جلسة تأملية صامتة ساكنة، وبين اللحظة واللحظة يدخل أحد أتباع الطائر الغريب حاملاً عدة القنص من الحبال المختلفة. كل منهم يدخل بسرعة يتوقف.. ينظر ويسرع بالخروج.. وبعد اكتمال ظهور الاتباع يبدأ الكورال وبهدوء عميق بأداء مفتتح العرض، التمرين. هكذا يبدأ قاسم محمد افتتاح عرضه التمريني بملاحظات مخرج مجرب، وبمقاربة واضحة من تعليمات كل مخرج مؤلف، ولربما استثناء لدى الكتاب المسرحيين هو سعدالله ونوس الذي تعتبر ملاحظاته هو الآخر صميمة، ولكن بتقنية المؤلف المجترح لنفسيات شخوصه العالقة بين السطور، والخشبة منتظرة مخرج مفسر.
إذن فقاسم محمد يضعنا منذ البداية أمام محك، واحتدام بين غريب، وسواد أعظم من جمهرة تأئهة لا يعون وجودهم بذاتهم، ولذواتهم، حتى تتصارع ثلل الطيور التائهة لا لاختلاف، وإنما للانتماء وقتي ما، ومنها التحام الأخوان في معركة دامية تجعل بقية الطيور هلعة نافرة تتراكض في المكان:
الجميل: النجدة..
الطيور: النجدة..
الكورال: النجدة.. النجدة.. النجدة.
الجميل النجدة.. إن أخاً يقتل أخاه..
حينها يتدخل الطائرالغريب فيرمي الكل ما بيده ويمتدون على الأرض.
الغريب: كفاكم تساؤلا. أنا منجدكم.
القوي: من أنت؟
الغريب: لا أسئلة ولا متسائلين. استمعوا إلى: أنا منقذكم من حالكم هذا. لذا أنصحكم من أجل
خلاصكم. أن تنضموا إليّ تماماً كهؤلاء، استسلموا لمشيئتي تسلموا.
الكسير: (بصوت واهن) عد، عد، عدو..
الجميل: (تكمل بصوت عال) عدونا.. أنت عدونا لا مخلصنا.
الغريب: أيها الطائر الجميل، لست أكثر عداوة منكم أنتم لبعضكم ولأنفسكم.
هكذا يدخل قاسم محمد محنة احتلال الوطن ومن خلال أتباع لكيانات رثة مهترئة، يقتنصون الطيور بحبالهم وحبائلهم، ولا يرى الطيور أنفسهم إلا وهم مسجونون في أقفاص عليهم أن يتقنوا الدروس الجديدة.
الغريب: الدرس.. الدرس.. الدرس.. الدرس عندي أكثر منعة من السعادة، إذن ليستمر الدرس..
الأقفاص هي درسكم، ومدرستكم، علموهم، علموهم درس الدخول في قفص آخر…
ومن الأقفاص نتبع رحلة قاسم محمد في تحدي الرموز، وعبر التأريخ كعادته يوظف الدلالات لتشير إلى المغزى بغير مباشرة بل بتوريات تشتمل الوطن الصغير لتعم الوطن الأكبر.
وبمعاناة كبيرة يحدث قاسم محمد تطوراً، وتراكماً، وتصاعداً مؤداه الإرادة في فعل الصوت ليؤدي لانتفاضة عظيمة فيشير قاسم في تفصيل تالبوه من تابلوهاته المسرحية هنا: تعلو صرخات الطيور المقفوصة، وتمتد مدوية، مبتدئة من القرار العميق، لتتصاعد إلى أقصى الجواب العالي، إلى أن يتفكك القفص الكبير، فتنتشر الطيور كل محبوس بعصابته.. وتدلي الجسد المصلوب، واليدان ممتدتان إلى أقصى ارتفاع الغصا، وبتغير الإضاءة إلا من بقعتين شاحبيتين في الخلف بلونها الأزرق الميت.
من هذه اللحظة تبدأ تغييرات يرسمها قاسم محمد ساعياً لرسم أفاق مدينة فاضلة في أية أرض، ولا بد من هداية تحقق هذه الرغبة.
المأخوذ: الهداية .. الهداية… (ينعزل لوحده) ما الهداية؟ كيف الهداية؟ إلام الهداية. (يلطم رأسه) حراكاً.. حراكاً.. حراكاً أيها العقل أهدني إلى الحركة.. لا بد من هداية حياة وسط الممات..! أيتها أهديني إلى من ينير عتمة النفوس، ويخلصني من عبوس هذا الهوس الحقيقي، أيتها الهداية يا يقيني.. أهديني .. اهدينا ما من أحد أفرض في الهداية من الأخ الشقيق أيتها الهداية؟.. إن حيرتي لكبيرة..! ماذا أفعل. ماذا أفعل؟ (يتحرك لمكان آخر ثم سرعان ما يعود..) لا .. لا بد من هداية إلى فعل ما..! ما الفعل المحرك للحياة وسط هذا الممات..(يتحرك منتقلاً إلى مكان آخر)، و(الطيور الآن مقيدة جميعها، تهيم في الفراغ المعتم ظلالا ممتدة وطويلة).
صناعة الأحدث في فراغات السديم
هذا التيه في سديم الفراغ المفترض لقاسم محمد أملته مخيلة المبدع كبديل لما يحدث في الوطن الأم، والأوطان السليبة سواء بفعل احتلال أجنبي، أو باحتلال شرذمة لتمجيد الدكتاتورية، واستشراف لما ستؤول له الحال على هذه الأرضية إذ ليس من بصيص يرين في أفق الرؤية الطائرة على أجنحة أسراب الطيورالمقفصة رغم أنها تحاول تلقائياً أن تجد لنفسها حلولها، ولكن من غير قيادة، وفكر موجه ستدور الطيور في دائرة مغلقة، وعقيمة.
وينبري قاسم محمد بشرح تابلوهه الجديد فيشير: ترمي الطيور عصيها بقوة على الأرض.. وعند الصمت تبرز أحد المؤديات من الطيور، وتبدأ بالغناء، بآهات من صوت عميق الحزن، ممتد بلا كلمات.. فقط منظومة لحنية من القرار العميق، وتتصاعد بصدى، إلى أعلى.. يلحق بها بقية الطيور بذات اللحن.. حتى الذروة الأخيرة لوحدة اللحن..، ثم يسود صمت ثقيل بعد الآهات.. في الصمت بأتي من بعيد صوت)، و……. الصوت يتلعثم حتى يجد صالته في كلمة نبحث، وتدور كلمة نبحث في فراغ المكان، والرؤوس حتى يدخل الهدهد معترك القيادة وريادة التوجيه بقوله: بالرجاء، التي يكررها ثم يختفي ليظهر من جديد في أكثر من مكان لينفي من أفواه الطيور مقولة: لآننا خوف.. بلا شوق،.. ولا رجاء. وهذا ما يشجع الطيور لتلتقط عصيها من جديد، ويبدأ صراخها المدوي المتصاعد، تتطور لصرخة عالية تتشكل معها العصي في هيئة سقف ثقيل فوق رؤوس الطيور، فيما يعودوا للجلوس البطيئ تحت وطأة ثقل السقف.
ويرسم قاسم حالة حصار جديدة لا بد من مقال لهذا المقام: فيضع مفصلاً جديداً وهو دوران الطيور في المكان، مستغربين من ظهور الطائر الجديد، وهو الهدهد حتى يقول الطائر الجميل: (تندفع إلى مكان الهدهد) تذكرت.. تذكرت.. لقد سمعت عنك. عن حكمتك.. وهدايتك أيها الهدهد الهادي.. أعنا. فيندفع بقية الطيور نجو الهدهد طلباً للعون. ويلحظ الطائر القوي أنه سيفقد السيطرة على الوضع فيشجع على التفرقة لينخرط الجمع في معارك بينهم، مما يؤقر ذلك على معنويات الطائر اليائس عندما يهم الجمع بالالتحام بمعركة جديدة يوقفها الطائر الأخ: توفقوا.. ثوبوا إلى عقولكم.. كفانا عراكاً. فيندفع إلى صف الطيور المتنازعة ويشقه إلى قسمين اثنين، كل في جانب، ولشدة تأثره ينهار على ركبته.. فيزحف نحو مكان الهدهد المعلق وسط فضاء المسرح يدعوه لاطلاق حكمة، أو فتوة للتخلص من الوضع القائم، فيبدأ الهدهد بالهبوط، ويهبط معه كل من الطائر الجميل، والطائر الأخ، فيضيف الهدهد بقوله: لا بد أن تتكلموا. قولوا ما يجول بخاطركم ولا تصمتوا، تبينوا بعضكم بتبيان ما في نفوسكم. فتنسحب الطيور متأملة فيو وضع الركوع، ليسمعوا حكمة الهدهد حيث يختم قوله: أرى يا أخوة الحقيقة أن ترحلوا، ولا تؤجلوا… كأنما قد قُسم الشر عشرة أجزاء، فكان عُشر الشر لكل العالم.. وتسعة أعشار الشر كانت هنا.. في هذا المكان، لا عذر لكم في المقام.. ارحلوا.. وابحثوا… ما من موت أقسى من الاستقرار في مكان الضياع الواحد، والقرار لزمان ضياع واحد.. القعود قيود، والقيود ركود، والركود صدأ يعلو الروح، ويسود الجمود، من منكم يريد الطيران، والبحث، ومن لا يريد؟ فيسود الصمت، وتبدأ العصي باللانحناء، الأجساد الراكعة إلى حد التساوي بالأرض في صمت مهين، البأس يلف الهدهد الراكع هو الآخر. وبين الحسم بالقرار، والتردد تحسم الطائر الجميل الأمر، وتتجه نحو الهدهد في إشارة لقرارها في الرحيلن فيتبعها رهط يكبر حتى ينضم الكل، وهنا يطلق الهدهد حكمته الأخيرة ليحسم موضوع التردد فيقول: ما طار طائر حائر.
ويعبر قاسم محمد بنا إلى فكرة الرحيل إلى المنافي، ولربما إلى ما يتصوره المهموم، المسجون، المكسور، واليائس بأنه ربما يجد لنفسه وطن بديل، وطن مثالي، وطن يجمع الفرقاء، ويوحد الآراء، ويزيل الشقاق، وليس بغير الرحيل بعيداً بديل للبحث عن الوطن السعيد، ولكنه لا يحدد مكاناً للمدينة الجميلة، المدينة الفاضلة على لسان الهدد الذي يقول: الحق أقول لكم.. لا تسألوا عن المكان. ولكنه يحذر بقوله: تجرعوا المصاعب تعيشوا، وأبحثوا.. ولا تتخذوا وكراً تأمنون إليه، فإن مصيدة الطيور في أوكارها. ويضيف: أناشدكم يا أخوة الحقيقة.. أن تعلنوا بواطنكم ظواهركم.. وأن تنفوا عن أنفسكم الريبة والخوف.. وأن تلوذوا بالرجاء. أناشدكم: ألا تستينسوا فتستأنسوا بالبلوى، أذكر أن الحكماء الأولين أخبرتنا عن مدينة عظيمة تقدم العون لكل محتاج يقصدها..
ولكي يبرز قاسم الحيرة في اتخاذ القرار، يدور جمع الطيور في دوامة بين اليقين، والشك، بين القرار والرد، بين التحذير والحث، وبين الحركة والقيد يأخذ المأخوذ جمع الطيور في دوامته فيقول: يسكنني الآن الحنين، ويستبد بي الشوق، فيفقدني كل اتزان، (يدور في رقصة صوفية منتشياً وهو يصيح) آن الآوان.. افسحوا فسحات ممتدة امنحوا أنفسكم قبل أجنحتكم ساعة الفرح، واجتازوا الزمان والمكان (ترافقه فرقة الكورال، وفرقة الموسيقيين.. كذلك تصيب العدوى الطيور الذين يكونون في الخلفية سندا لرقصة الطائر السعيد.. عندما تصل الرقصة إلى ذروتها.. تعود إلى الاصطفاف استهداداً لطيران.. والهدهد في طريقه إلى الطيران.. يسمع صوت الكسير: (بقعة ضوئية ضيقة) بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم.. وأنتم ملوك ما لمقصدكم نحو؟ فيعيدها الكورال بغناء صوفي عميق، ويضيف اليأس: لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة.
الكسير: لا.. لا تستمعوا إليه.. وليمتط كل منكم مطية الهمة..
اليائس: الهمة غمة.
الكسير: الهمة نعمة. الجموا الهمة بلجام الشوق، وقوموا بقوام العشق.. عادروا قيودكم.
اليائس: توطمنك قيودكم دهوراً عديدة.. إن أنتم فارقتم ما توطنتم عليه ضاعفتم أشجانكم.
الكسير: طيروا إلى خلاصكم..
اليائس: إن طرتم ستزدادوم حيرة وقلقاً.. الأحرى بكم مساكنة الأوكار، قبل أن تستدرجكم
الاخطار.
الكسير: ارحلوا من محجة الاختيار، ولتستدرجكم محن الضطرار..
اليائس: وهل ستصمد أجنحتكم لمجن الاضطرار..
الكسير: لا تترددوا.. ستصمد..! آآه لو استوى جناحيّ لآفنيت روحي في عناق الرياح.. (صمت). الطيور: ما القرار..؟ الحل أم الترحال..؟
الهدهد: بل الترحال.. فليس من حال أسوأ مما نحن عليه من الأحوال (يتجه الهدهد إلى اليائس، وأثناء لقائهما تكّون الطيور وأجنحتها جداراً في العمق) لماذا لا تريد الرحيل؟ لماذا تدعونا إلى البقاء في حال الفناء؟……. ويجيب اليائس بعد حوال: ماذا أغير..؟ المنفى..؟ القفص..؟ الأحبولة..؟ أرحل لا غير منافي، من منفى داخلي إلى منفى خارجي..؟ ماذا غير .. لا عدل.. إذن لا خلاص.
ويحتوي قاسم محمد التردد بهجرة الطيور (الإنسيون)، لا هجرة الصيف والشتاء، وإنما هجرة الضياع في المنافي، هجرة اللا قرار، واللا استقرار، هجرة العذاب، والتعذيب، هجرة المكان لا هجرة الذاكرة، هجرة الأبدان لا هجرة الأرواح، وتبقى الأوطان ل معادل لها في الوالقع، ولا في الأحلام، هكذا يعكس قاسم محمد عذاب المنفيين الذي تاهوا في الغربة بلا اختيار، وعانوا أعوام النفي من دون أمل، فمن معضلة إلى أخرى يلفها الوطن السعيد، والأغراب وأعوانهم ينهبون الخيرات بلا شبع بل بجشع، ومن غير ورع، متستيرن تارة بالدفاع عن المقدسات، وتارة بأستر الدوغمات التي هي براء منهم، والشعب يهيم في منافي الداخل أكثر من منافي الخارج، هذه بعض محصلات أطروحة قاسم محمد وقد انتزع عن نفسه الخوف، والهواجس، وتجرأ أن يبوح بحزنه على وطننا السعيد المبتلى، وكأنه كان يعرف أن أيامه معدودة، وقد آن له أن يصدر بيانه الفني، فما من شيء يخشى عليه بعد الآن، تماما كما فعل ونوس في أيامه الأخيرة مصدراً مسرحياته التأويلية العظيمة، التحولات، والأيام المخمورة (4).
حكمة بلا جدوى
بعد طيران توهومي للطيور اجتازوا الفيافي، والصحارى، والسهوب، وعبور جبال ما وراء جبال، عبر الرهط جبال خربة فيستعرب الطيور من واقع الجغرافية بالقول:
السابع: ما هي هذه الجبال..؟
الهدهد: هذه جبال الجدب الخربية.. إن الوقوف عليها، والوقوع في حيزتها لهو الهلاك.
الثاني: ألا يحسن بنا أن نتوقف عندها قليلاً لنتعرف عليها..؟
الهدهد: لا تتوقفوا..! أعرفكم بها دون التوقف عندها.. إنها ديار خربة، أهلها بأيديهم.. تنافروا وتصارعوا وتفرقوا.. فأباد بعضهم بعضا، فخلت من الحياة وأجدبت. سارعوا لا تترددوا.. فلن نأمن إلا بعد أن نجتاز الجدب والخرتب لننجو (الطيور تضرب أجنحتها بسرعة وقوة بعد أن تزداد ضربات الدفوف.. سرعة وقة، وربما رافق الكورال الطيور بأداء مقطع من أغنية تناسب الوضع، وبالتدريج يتغير مكان أداء المؤدين).
ولعل قاسم محمد على الرغم من تجسيده لشخصية الهدهد بالحكمة، لكن شيء في باطن النص يشير إلى زهو الهدهد، وغلوائه، في أرائه، وفي توصياته، ولربما تنتهي الأمور بمفاجأة تخفى حتى على الهدهد نفسه، ولكنها ليست بخافية على المؤلف، ولا المحلل، وربما الجمهور المشاهد نفسه. إذ أن عسس السلطة عندما تعرف برحيل الطيور، تلحقها، وتقوم بقطع الطريق عليها ورميها في شباكها، وأغلالها حتى وهي خارج نطاق قوتها في المنافي، إذ ربما يشير قاسم محمد لسطوة عسس السلطات في متابعة المنفيين حتى وهم في منافي بعيدة، وقد يسقطونهم في حبائلهم الفكرية، وأغلالهم المقيتة، حتى القوي من بين الطيور.
(تبرز شباك عدة في عدة أماكن.. شباك متينة عريصة.. على خلفية سوداء.. تفتنص القوي..  كما يتعلق بعض الطيور على شباك أخرى لانقاذ القوي.. تتبلور تشكيلات عدة، وحركات مهارة ولياقة. في هذا المشهد تنقذ الطيور الطائر القوي وهو منهك).
الهدهد: لم تستمع ولم ترتدع، فعميت عيونك عن الشرك.
القوي: شرك.. شرك..! أينما اتجه شرك السكون، شرك الحركة، شرك البقاء، الصعود شرك أما
من نجاة من هذا الشرك.
الهدهد: ادخر نفسك لنا أيها الصاحب فتنجوا بنا، وننجوا بك، عودوا إلى طيرانكم.
الكورال: (يؤدي مقطعاً مناسباً لمرحلة الرحلة.. بينما تجدد الطيور مكانها الجديد لطيرانها الجيدي بتشكيل جديد، وتبدأ بضربات الأجنحة، وضربات الدفوف.. فترة من الطيران، ويظهر التعب على الطيور.. الطائر الجميل يتهاوى.. ينفصل عن السرب.. ليطير طيراناً متقطعاً.
ولنرى إلى الوصف التصويري الذي يبدعه قاسم محمد في محنة الشباك، والتخلص منها فيشير:  (تحاول الطائر الجميل الطيران كما البقية، لكنها وبلحظة تنعزل تماماً عن بقية الطيور.. مع ضربات الدفوف المميزة، تتحول حركات طيران الطائر الجميل إلى رقصة وحشية.. مرهقة.. ومبتكرة تماماً..ـ الطيور تشارك كخلفية في أداء الرقصة….والكورال يصدر آهات بلا كلمات تعبر عن الحال الذي عليه الطائر الجميل.. كل هذه المعطيات التعبيرية تسهم في خلق جو التعب الممت، والهدهد يصرخ، ويدور بين الطيور دافعاً أياهم إلى العودة إلى صف الطيران.. الأخ يجمل الجميل… القوي يحمل طائر آخر، وطائر آخر يحمل طائر ثالث، وتبدأ الأجنحة مرة أخرى بالطيران… ثم .. وبعد فترة تهب ريح عاصفة.. رعد.. يسقط مطر شديد ، الستائر متطايرة من جوانب المسرح (لاحظ هنا المزج بين الحالة داخل الحكاية، والحالة التي يتصورها المخرج في قلب المؤلف) وعلى مختلف الارتفاعات  وتشتت الطيور.. ونفورها.. وتفرقها في أماكن شتى يخلق جو العاصفة… ثم .. يعلو صوت العاصفة.. تتشتت الطيور من جديد، والعاصفة وأصواتها، وصوت الريح والمطر، يبتكر عملها أفراد الفرقة الموسيقية بآلات شعبية (المخرج من جديد)، عدد من الدمى التي تمثل الطيور.. تملأ المكان، الدمى الطيور بيضاء مثيتة على أطراف أسلاك مرنة.. (تعليمات المخرج المؤلف) كل مؤد يمسك بأكثر من سلك عدد من الطيور الدمى.. يهزها المؤدي لتمثل ترنح الطيور في العاصفة، وذلك بواسطة الإضاءة فوق البنفسجية التي تظهر الدمى وحدها تنازع صاعدة هابطة. تتساقط الطيور الدمى .. فترتفع قطعة قماش أبيض لتغطي أرض الخشبة، وجميع المؤجين الآن تحت هذه القطعة التي تكون مضاءة بالإضاءة فوق البنفسجية، نرى حركتهم العشوائية وهم يتخبطوم في اتجاهاتهم المختلفة ….ثم …. تختفي تماماً الطيور تحت قطعة القماش، ومن جانبي مقدمة الخشبة، تخرج قطعتي لوحة لتكون كالبوابة التي تغلق فتحة المسرح لتحول بين المشاهد والعرض، اللوحة مرسوم عليها منمنمات شرقية (وما أكثر إعجاب قاسم محمد بالمنمنمات في العديد من عروضه) لعدد من الطيور في حالات مختلفة، ثم كتابة بخط عريق.. تقول: وهكذا سقط الطائر فاقد البصيرة في الهوة السحيقة فاقداً الحياة، والوجود.. والحقيقة..، وبعد أن تفتح اللوحة البوابة.. تكشف الإضاءة عن بقية الطيور في مناحة.. تضرب خدودها وأرجلها.. وتسف التراب فوق رؤوسها.. وبمعونة الدفوف وآهات الكورال نرى ظقس عزاء بيني.. إنهم الآن فوق قطعة القماش البيضاء التي مثلت العاصفة… ثم .. ينهض الأخ، والقوي، والمأخوذ ليساعدوا الهدهد في انهاض بقية الطيور، فتنضه لتمسك أدوات طيرانها وتصطف في نسق سرب طيران… ثم ….. الطيور في سكون وصمت، وتشكيلات والهدهد يدور بينهم ينهضهم بالقوة، فينهض الأخ، والقوي، والمأخوذ ليساعدوا الهدهد في إنهاض بقية الطيور، التي تقوم لتمسك بأدوات طيرانها من جديد، وتواصل السير، لكنها تتستت مرة أخرى لتقف متحفزة فتحاصر الهدهد مهددة والغضب في أيديها، وعيونها، وأصواتها…. ثم …. وبعد مداولات تجرب الطيور الطيران بقطعة القماش الممثلة للعاصفة، أو بعدة قطع مربعة، لكل طائر قطعة منها، وتبدأ عملية الطيران.. وعند انتهاء التوقيت المعين لها.. تتغير الإضاءة إلى إضاءة بهيجة هضراء، ومن أعلى المسرح ينزل حجاب أبيض.. بعد دورة للطيور.. تنزل أوشحة بيضاء أخرى في أماكن متفرقة من الخشبة… وتحوم الطيور لتهبط على الأرض، المكان، بوضع خشوع، ثم تسود لحظات انتظار صامتة.. تسورها ضربات الدفوف التأملية، وفجأة يتوقف ضرب الدفوف… يكون الهدهد قد عاب لفترة فيعود، يختفي لعدة مرات وراء حجبب متعددة الأبعاد، وما بين حيرة وذهول الطيور يدخل الهدهد وراء الحجاب الذي في عمق المسرح ليسود صمت مرين.. برهة ثم يأتي صوت من وراء الحجاب، هو صوت المستقبل آذناً للطيور بالكلام، فيتصوره الحكيم مرة والهدهد نفسه مرة ثانية، ثم تسري كلمة المخلص من طائر إلى آخر، بسرعة وبهمس شديد، ثم يرين صمت شديد، ويبعث الكورال أنات خفيفة أتية من بعيد.. ثم .. يشترك الكورال مع الطيور باطلاق آهة، هي بمثابة صرخة عالية.. سريعة، وحادة، يليها صمت…. ثم …. تشرع الطيور مع الكورال في اطلاقة صرخة أزمتها المدوية، المتصاعدة من عمق القرار إلى الذروة.. لكن الصوت يقطع الصرخة عند مرحلة معينة من تصاعدها.. وفي الصمت المطبق يسود أنين خافت مشترك بين الكورال والطيور، يكون خلفية لكلمات الصوت… ثم… ينشأ سؤال هو: أين الخلاص على لسان كل الطيور… ثم …. يتجه الكل للبحث وراء الحجب ليسألوا الصوت عن من يكون، وأين هو، فيقطعون الحجب من أصولها، ويتراكضون متلفعين بها، حتى يخلو الفضاء من الحجب إلا الرئيسي منها فيدلفون وراءه، ثم يسحبونه إلى مقدمة الخشبة، إنهم في الفراغ، أمام الفراغ… ثم… فيدور جدل فيما لو أن الطيور قد قامت بالرحلة، أم أنها لم تغادر مكانها قط، فيبين الطائر الجميل لجماعة الطيور: إنهم لو حكموا بصيرتهم لتتوغل في دواخلهم فأيقظوا ذاكرتهم لنظروا بعيون الإدراك، ولأبصروا في فيحاء أرضهم سيرونها بجوهر آخر، فالمدينة كانت حلم عبرناه، يختتم الطيور العرض التمرين بالقول: أيتها الحقيقة.. قودينا إلى الإدراك).
الخاتمة
إن هذه المسرحية القادمة من عمق التأريخ الأدبي والفكري بقلم وفكر مبدع معاصر هي لون من ألوان مسرحنا الذي نريد له أن يكون ميزة، وخصوصية للمسرح العربي، وأن يوحي النص للمخرج المبدع بفضاءات مناسبة للعرض، لا أن يحبس العرض في علبة المسرح، ويسقم العمل، وهويته،؛؛؛ على المخرج أن يصوغ من النص أطروحة حية، ومثال تطيبقي للنظريات الجمالية في العروض المسرحية العربية القديمة، وأن يحترم المخرج فكر المؤلف المبدع، ويصنع للفضاءات التي رسمها المؤلف\ المخرج سينوغرافيا تتناسب مع العرض، وتقدره، وتضيف للنص جمالياته الشرقية، فيما أبدع فنانون عرب قدامى من منمنمات، ورسومات للواسطي، وطرز معمارية لقصر الحمراء، وبمجمل الكلام أن يجعل من يحضر العرض ينتقل لتلك العصور العربية الزاهرة رغم المفارقات في معاني العرض، ومجريات أحداثه، وتجريدات المشاهد الحركية، وانقلاب الشخصيات عن إنسانيتها إلى طيور تتكلم بألسنتنا، وأن يستلهم المخرج على الأقل من كليلة ودمنة أطر تساعده على فهم النص، وتعميق أبعاده الجمالية صوتاً، وحركة، وصورة.
هذه المسرحية برأي هي إكليل غار توج قاسم نفسه بها، وغادر بصمت، لم ننصف كلنا فن قاسم بعد، وهي تستوعب أطروحات، ولربما يأتي من بعدنا من يقدر ما سعى إليه بعمق، وفهم كبيرين ليخدم تأصيل المسرح، وليجد للمسرح في العالم العربي هوية يستحق بها أن يسمى مسرح عربي؛؛؛
أقول في الختام أنني ورغم بعدنا “هو، وأنا” عن بعض لسنوات، وقلة لقاءتنا التي كانت مفعمة بالفهم المشترك، والتواصل، فقد اشترك كلانا بهواجس غمرت أقراننا ممن نادوا بتأصيل المسرح،؛؛؛؛ ولكني تفردت معه بدائه، غير أنه لم يقاوم، أما أنا فمصر على البقاء، وتوظيف المعاناة لإعمال إبداعية قد تعوض ما كان يريد أن يبدعه لو طال به الوقت، وتأجلت رحلته قليلاً.
هوامش:
(1) نص مرقون لمسرحية “مونولوغ: الخوف، والشوق والرجاء” من تأليف قاسم محمد.
(2) ليس في هذه الحالة فالمؤلف قد توفي.
(3) لقد كان الهم الكبير أن ينعكس ما في الذاكرة من تجارب في عمل السيناريو المسرحي المعنون مونولوغ الخوف والرجاء، يبدأ باستهلالات ومونولوغات لشخصيات ثلاثة هي أبو حيان التوحيد، والسندباد، والحلاج. مارواء النص بقايا دمار، ذري، أو بالأحرى نيوتروني ليس التبديل الثنائي بالحواس، وإنما اختلاط متراكب (عقرطان، غرمامة، ذئمل) وهكذا مونولوغ ..المونولوغ من غير وجود أبطال، والحدث متوقف .
(4) أما قاسم فلربما في إيداعه هذه المسرحية لدي، كأنه يسلمني أمانة علي أن أحرص عليها، وأن أسجلها في بيان على بيانه، وها أناقش حيثيات المسرحية، وقد مضى عليها عشر سنوات في مكتبتي، ولا أدري فيما لو طبعت، أو أنتجت على المسرح.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.