عبد الستّار ناصر : كاظم الحجاج الشاعر في محنته

kadum alhaggagnaser 5لا أحد يعرفه غير العطارين والكشوانية والشعراء، ما من أحد تجرأ على الاعتراف به غير الكتبة وزبائن مقهى الشابندر. وعندما حلت جماعة (الأمر بالمعروف) أحس أن الدنيا صارت تضيق عليه، إنهم يرفضون احتساء الخمرة، وينظرون إلى الشعر على أنه رجس من عمل الشيطان.

جاء السادة كتاب التقارير إلى تلك المقهى برفقة (النكرية والقفاصة والجندرمة) ومثلهم الطبالون والمطربون والعطارون وقراء الطالع، يسألون عن كاظم الحجاج الذي قيل إنه يكتب القصائد لصالح المتصوفة والثوار والفقراء وباعة الحشيشة في سوق السراي. من المؤسف ـ طبعاً ـ ما قيل عن الموساد الذي يدفع له، منذ عشر سنوات، مئات الماركات حتى يستمر في كتابة الشعر، بشرط أن يوحي للقراء أنه مع النظام، وفي الوقت نفسه مع الماسونية ضد العرفان!

لم يفهم كاظم الحجاج ما تعنيه تلك (الفوازير)، فهو يمشي منفرداً على جسر من التلقائية، من دون تخطيط مسبق، لهذا وقع في مطبات أكبر من سنواته، يقطع الحياة على صراط غير مستقيم من (حسن النية) و(سوء النية)، معاً، مشاكس، صعلوك، غير مؤهل للحزبية، ربما يراه الآخر محض عميل للحكومة لكنه في نهاية الشوط ليس أكثر من عميل هلفوت للوطن الذي يحب، قال ذات مساء:

ـ لكل البلاد الغريبة عيب وحيد: أنها، أينما وجدت، فالعراق بعيد

لا علاقة له بالحجاج بن يوسف الثقفي، لا من قريب ولا من أقرب، هو من عائلة سافر أبناؤها سهواً إلى مكة والمدينة قبل أربعمئة سنة، وصار اسمها، كما هي الحال منذ مئات السنين، عائلة الحجاج، محض لعبة مع الزمان: أنك تأخذ الصفة المقدسة هكذا، دون بيع ولا عناء.

كما أنه، طوال حياته، ما أطلق حتى رصاصة واحدة صوب السماء، هو البصراوي الذي أبداً ما ارتدى الثياب (الميري) بسبب أن تلك الملابس العسكرية لا تناسب هزال هيكله الذي يوازي (ثلث) جندي في ساح المعارك!

لعل أقرانه، من دون ريب، يتذكرون قوله عن نحول جسمه: إن خير الرجال ما قل ودل.

مساء الجمعة، الثاني من تشرين 1998، واعتراضاً على جماعة النهي عن المنكر، جاءه الشاعر منذر الجبوري وأنذره، طوعاً أو كرهاً، بالمشاركة، في حزب الخضر للعناية بخضرة المدن وشؤون البيئة، فما كان من الحجاج غير أن وافق (مكرهاً) وهو يبتسم كمن وافق (طوعاً) حتى لا يتهمونه بالعمالة لصالح جنس آخر، وما كان من شرط له سوى أن يكتب فوق حائط فرع البصرة (حزب الخضر.. عليه السلام)!

أعتقد، أنا عبد الستار ناصر، مؤلف القصة، أن الحياة يمكنها أن تضحك كما البشر، لا سيما مع العساكر والنساء والعشاق والشعراء، ربما كانت تضحك مع كاظم الحجاج يوم قال:

ـ أجمل موت للسكر في أقداح الشاي، ولهذا ما أحلى ذوبان الشعراء!

وأي رجل في العالم، هو واحد من اثنين: وجه شاعر، أو ملامح قاتل، والثالث لا غبار عليه، إنه البشر جميعاً في كل مكان، والحجاج يمشي بملامح الشاعر ويقاتل (من؟) عن طريق القصائد، ها هو يحتمي بالجدران لئلا يدهس مخلوقاً في الطرقات المزحومة بالشر، أعني ـ معذرة ـ لئلا يدهسه مخلوق في الشوارع الخلفية، إذ تكفيه ضربة كف سيموت بعدها من دون ريب (تكررت «من دون ريب» للمرة الثانية لضرورات فنية)، وهو حريص على كل (فعل) يقوم به، وعلى كل حرف يكتبه:

ـ إننا، في الجنوب،

نأكل الخبز حتى يعيش بنا،

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

| صبحة بغورة : الراحلون الصامتون .

استيقظ نسيم قبل آذان الفجر وقد ارتعش وجوده شحنا وسرت بين جنباته هفهفات النبض المتدفق …

2 تعليقان

  1. جمانة _ نجـــــــد

    رائعة بحق شكرا لك استاذ

  2. جمانة _ نجـــــــد

    “جماعة الأمر بالمعروف”لفتت نظري هذه العباره ياترى هل بالعراق مثلها وين وفي اي زمن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.