الرئيسية » مقالات » د.محمد طالب الاسدي:بنية المتاهة..قراءة في (( إغماض العينين )) *

د.محمد طالب الاسدي:بنية المتاهة..قراءة في (( إغماض العينين )) *

ـ 1ـ
mohamad_alasdeبمشغلها السردي المنتج والفاعل ـ على مر الازمنة ـ تطالعك البصرة ، منذ الجاحظ ، وحكاياته ومروياته الآسرة ، وصولا إلى جيل من الكتاب ، لاكته الحروب بأنيابها الشرسة ، وأزكمت أنفه روائح البارود و الموتى والاجساد المتفحمة ، و ملأت مساحات رؤياه ثنائيات الوجود والعدم الضارية ، التي يختبر تفاصيلها في النهارات الماثلة على نوافذ الرؤيا المطلة على المصير .
الموت والحياة ، الموت بكل تفاصيله الداكنة ، وأجوائه الموحشة ، والحياة بكل جمالياتها وعطاياها الخالدة ، كانا معا معلما استمد منه هذا الجيل سرانيات إنتاجه ، عبر العمل الدؤوب على تفكيك شيفراته ، وتأويل تفوهاته الاكثر دهشة وشجنا ومباهج .
وحين نتصفح ما أنتجته هذه المدينة من أدب ، سنصل إلى اسماء متميزة قدمتها في مختلف الاجناس الادبية ، وبينها سنجد قاصا له أسلوبيته التي تشتق فرادتها بعمل دؤوب على النص ، لقد درَّسَنا د. لؤي حمزة عباس مادة السرد في مرحلة الدكتوراه ، فأخذنا عنه ـ من أسرار هذا العلم ـ في أشهُرٍ ، ما قد لا تُعلـِّمُهُ سنواتٌ من قراءة السرديات ، لم يكن استاذنا منتجا للنص السردي فحسب ، بل كان موسوعة سردية ناطقة تمد المتلقي بالتفاصيل الدقيقة والاكثر اهمية لتاريخ السرد الانساني ومناهجه وأعلامه ونصوصه ، ولم يكن مطلعا على أبرز ما انتجه العقل السردي في تاريخ الانسانية الادبي فحسب ، بل كان ناقدا لهذا التاريخ ، لم يكن شارحا فحسب ، بل كان مؤوّلا وقارئا من النوع الذي يعيد إنتاج ما يقرأ ، وكان قادرا على الجمع بين المنهجية العلمية الموضوعية الاكاديمية ، والمرونة الحداثوية للقراءة النقدية ، مرونة غير قائمة على الابتعاد عن عصمة المناهج ، وإنما هي قائمة على إثراء الكتابة النقدية الحرة ، بمقدار لا غنى عنه من الخبرة الاكاديمية في معايشة النصين الادبي والنقدي ، وطرحهما في سياق تداولي حي وممارسة نقدية تطبيقية ، وأذكر luay_hamzaلاستاذنا القاص ابتهاجه بمداخلاتنا ، و حفاوته بأسئلتنا ومناقشاتنا ، بما ينم عن شغف متأصل بالعالم السردي ، كرس له حياةً بأكملها .
ـ 2 ـ
لا أزعم أبدا إحاطة مطلقة بما أقرأ ، فيما أنتجه من نقود ، وإنما أطمح إلى توثيق ما تخلقه بعض النصوص الادبية في نفسي من أفكار ورؤى ، وأستشعر في قراءة النص الابداعي متعة وفائدة قد لا تضارعها إلا متعة منتجيها لحظة انتاجهم لها .
لا وجود في النقد الادبي للقراءة النهائية ، مادام النص حيا وفاعلا ، ثمة حقل منفتح من القراءات لا يحده إلا أفق الرؤيا ، وعليه ، فإنني أقر ابتداء بقصور القراءة ، قياسا بالاتساع اللانهائي للممكنات ، والفروض ، وقياسا بما يملكه النص المقروء من حراك ، وما يكتنفه من محمولات تضعنا دائما لدى بوابة فلسفة التأويل .
أرى ـ إن حق لي أن أرى ـ أن مجموعة قصصية كـ ” إغماض العينين ” جديرة بحقل متعدد من القراءات ، لما تحمله بين طياتها من وعي حاد بفلسفة الكتابة الادبية الموازنة باعتدال بين معطيات الواقع والمخيال الابداعي ، في سياق كتابي يحدث تنويعاته المستمرة على تشكلات الدوال ، مقدما الدلالة للمتلقي بوضوح تام حينا ، ومستدرجا إياه حينا الى غواية السرد الكثيف ، وفي الحالة الثانية ، يكون انتاج الدلالة مرهونا أكثر بكفاءة هذا المتلقي ووعيه .
ـ 3 ـ
ابتداء بالاهداء ” إلى تميم ومؤمل ” ( 1) ، ننخرط مع الراوي في سيمياء الزمن ، فالاهداء إلى طفل ، هو إهداء لما يأتي ، لا لغودو الذي لا يأتي ، ما سيأتي هو الطفولة التي ستكتب نص النهاية / البداية ، وتبني المكان الاليف ـ الوطن ـ الرحم الخالق للبدايات ، المكان الذي يحلم به الرائي في يقظته الفادحة .
لقد بدا للعتبات وظيفتها المنتجة للدلالة ، لا في بنية الاهداء ـ العتبة الاولى بعد العنوان الخارجي على غلاف المجموعة الذي احتوى تخطيطات قوية لجسد في وضع الرفض والغضب والتمرد مكتس بزرقة مائية شاحبة والتماعات مرآتية كما لو كان غريقا يخرج للتو من القعر ، مستجمعا كل ما أوتي من قوة للفكاك من لزوجة الزوال ، غريق يذكرنا بمن سيقع في النهر في إحدى قصص المجموعة .
طالعتنا عتبة أخرى ، بعد الاهداء ممثلة بحديث عن إحساس داكن كثيف يتوعد الراوي ، الباحث عن اليد التي افلتت القلب يوما (2) ، ستحيل على بنية الغياب التي تفترس شخوص القاص الذين يبتلعهم الظلام فجأة ، أو ببطء ، تارة بالموت ، موت يَعلَمه ، وموت لا يَعلَمه ، وإنما يوحي به اتصال ، وأخرى بالسفر عبر العوالم ، داخل الذات ، أو عبر الامكنة ، شخوص ينزلون الى الظلام ، أو يصعدون إليه عبر المصعد المعلق بين السماء والارض ، تماما كبطل القصة في منفاه في المدن المعلقة بمصاعدها بين السماء والارض ، بعيدا عن مدينة غير فاضلة يحبها ، مدينة لا يراها غير انه يعيش فيها ، لم يعد يعلم ان كانت موجودة ام غير موجودة غير انه يتذكرها جيدا .
ثمة عناية ظاهرة بالعتبات النصية ، المتعاقبة ، التي تترك أثرها في الاشتغالين الفضائي والدلالي للمجموعة ، فثمة ـ علاوة على ما تقدم من عتبات منحها القاص ارقاما ضمن المتن النصي للمجموعة مما يؤكد على كونها جزءا من النص الكلي ، لا محض إهداءات او اشارات خارج نصية عابرة ـ عتبة الرائي ، الذي رأى الطفل في اللحظة التي أطلقت النار فيها ، يركض في شوارع غريبة موحشة (3) ، عتبة يظن متلقيها للوهلة الاولى انها مقدمة نص ، ثم يكتشف اكتفاءها بذاتها ، فكأنها قصة قصيرة جدا ، تمهد لتمفصلات مركزية في النسيج النصي للمجموعة ، من هذا الطفل ؟ ستشعر تارة انه شخص رصده الراوي في مشهد سردي ، وترجح تارة انه الراوي نفسه وقد انزلق في لحظة سردية ضارية الى حلم يقظة طفولته ، ربما لم يكن أصيب بإطلاقة مماثلة للتي استقرت في الجسد الطري لذلك الطفل ، إلا ان الطفل ذاته علامة سيميائية ناشطة في إحالاتها الدلالية على هواجس وأفكار ورؤى تموت وتحيا وترى ولا ترى ، الطفل هو إنسان المدينة البرئ ، في مواجهة الإنسان الآثم ، المتربص بالوطن وأبنائه ، والطفل يموت برصاصة طائشة لان ذلك الآثم يرغب بملء فراغه الكبير بدوي الرصاص وأزيزه وصرخات الهلع توفر له لحنا مترفا باعثا على التطريب ، الطفل المجهول يركض في شوارع مجهولة وتقتله رصاصة مجهولة ، شئ ما يقول للمتلقي ان هذا الطفل هو الوطن نفسه .
ـ 4 ـ
بعد العتبات ، نصل إلى بوابة أولى للدخول إلى فضاء المجموعة ، المحتدم بدراما الخير والشر ، والمولد للسؤال الفلسفي حول الواقع والمثال والجمال والقبح ، عبر تحقيق المعادلات الموضوعية المناسبة للأفكار من النصوص القصصية ، التي تطرح تلك الافكار وتعبر عن تلك الاسئلة في سياق رمزي يرتفع عن المباشرة ، ويمتلئ بالاحالات والايحاءات المنبثقة من سيمياء العلامات .
تمثلت هذه البوابة بنص ( منطق الطير ) الذي نجد اسفله كلمة صغيرة هي ( مقدمة ) ، تمثل إشارة للمتلقي الى الطابع التمهيدي للنص ، الذي تبنى حكاية من منطق الطير ، جعلها مركزا تلتقي عبره مسارات المجموعة ، وتتقاطع الرؤى والمشاهد ، يؤهله لتأدية مثل هذه الوظيفة الصعبة سَمْتُهُ الرمزي الحكمي ، بوصفه ممهدا لما سيخوضه المتلقي مع الراوي من جغرافيات النصوص ، انه النص الذي سيجري عليه تنويعاته متداخلا معه ومنفصلا عنه ، تداخلا لاستشراف الجوهر الفلسفي المنفتح على الازمنة والامكنة ، وانفصالا لتخليق المسار القصصي الجديد .
تحيلنا حكاية الرجل صاحب الفأس على بنية المتاهة ، ثمة رجل منهمك في تحطيم جبل ، أو بتعبير آخر ، ذات محدودة القدرات والقوى ، تجري حفرياتها وحيدة في اللامتناهي في الكبر / الجبل ، ليس هذا فحسب ـ وإن كان كافيا تماما لتخليق ديمومة المستحيل ـ بل إن دموع صاحب الفأس الذي يغرقه وعيه لغايته المستحيلة في الحزن العميق ، تستحيل هي الاخرى الى احجار تعيد بناء ما يجهد الرجل المتعب في تفتيته من بنية الجبل ، بما يطبق طرفي المتاهة ، في دائرة لا بداية لها ولا نهاية ، حركة دائرية مغلقة ، تؤسس بنية المتاهة .
لماذا حكاية الرجل المشغول بتحطيم الاحجار ؟ ـ الجواب وديعة النص ، وهنا لم تعد المقدمة عنصرا معماريا شكلانيا يمكن تجاوزه او اقصاؤه ، ولا هو زيادة يمكن الاستغناء عنها للاكتفاء بالمتن النصي للمجموعة ، بل بدت المقدمة جزءا من النسيج الدلالي للنصوص ، كلما قرأت نصا أحالك بطريقة أو أخرى على بنية المتاهة تلك ، وسمعت رنين الفأس المحدود المستبسل في تفتيت الجبل اللانهائي الابدي ، وتذكرت أو تخيلت الملامح الكالحة الحزينة لذلك الرجل ، الذي يطل من وجهه المتعدد ، وجها فريد الدين العطار ، ومغمِض العينين ، المحكومين بأشغال النص / العقل ، الشاقة المؤبدة (( وحيدا في مواجهة العالم )) ـ كما عبر القاص ـ (( وفي صلب وحدانيته يواصل رجاءه )) (4) ، هكذا يضعك الكاتب باستمرار على مشارف السؤال الفلسفي بغير تكلف ، ولكنه يبقى محافظا على أدبية النص ، يكتفي بطرح الاسئلة او الايحاء بها ، ويدع للقارئ مقاربة الإجابات .
ـ 4 ـ
في ( اتصال ) (5) يتلقى شخص مكالمة من صديق يسأله عن صديقهما المشترك المجاور له في السكن ، بتفاصيل قليلة ، وتعبيرات بسيطة ، وحدث يبدو للوهلة الاولى عابرا ، تتشكل الدلالة الكلية للنص ، فالسائل ، يجعل الصديق مصعوقا بما شاهده ولم ينتبه اليه ، لقد كان باب شقة صديقهما مفتوحا والمبنى خاليا ، مما يعني أن حدثا جللا ، وخطبا عظيما قد أحاق بالصديق الغائب ، هكذا يمارس الغياب سياحته الصامتة مبتلعا الوجوه الاليفة ، ومطبقا حول الذوات المتبقية متاهة مغلقة من حلكة المجهول المتربص .
ـ 5 ـ
يلتئم حوار الدلالات في (( قطرة دم لاكتشاف الجسد )) (6) عبر محاور عدة ، يمكن وصف النص بكونه مقاربة سردية لفلسفة الجسد ، الجسد الذي يعد نقطة التقاء الزمان بالمكان ، أو محورا يتنضد عبره الزمان على المكان ، يقول مارلوبونتي (( لا ينبغي لنا ان نقول ان جسدنا في الزمان ولا انه في المكان ، بل إنه يسكن الزمان والمكان ، فأنا لست في المكان والزمان ، بل أنا للمكان والزمان ، وإن جسدي ينطبق عليهما ويحتضنهما )) (7) .
أجسادنا جزء من إحساسنا بوجودنا ، تأثيث خارجي للكينونة ، مؤثر في ملامحها ، وتصورات الآخر عنها ، وسط عالم من المتناقضات ، ثمة في القصة ذات تبحث عن جوهرها ، تحفر في غيابها توصلا واقترابا من حضورها ، ذات رائية تتموضع خارج الجسد وداخله ، بحثا عن روحها اللامرئية ، وهي لا تجد الاثنين في كل مرة ، لانهما ذاتهما سؤال في الغيب ، وظل خاطف على سفر حثيث ، نحن هنا مع نص محتدم بجدل المرئي واللامرئي ، يمزج فيه الناص الوجود والعدم عبر علامة سيميائية ناشطة بين الرموز الانسانية هي الجسد ، وابتداءا باستهلال النص يقترب المتلقي من كيان سديمي ليس روحا ولا جسدا ، إلا انه كلاهما معا ، روح تمنح جسدا ، وجسد عالق في لحظة صادمة كثيفة ولانهائية ، منها (( يتولد إحساسه بالجسد )) (8) .
وهو إحساس يتولد عن عمليات التفكيك الحلمي لأيقونة الجسد ، وبعثرته ، حيث تتباعد اجزاؤه ، ويستحيل أجزاء طافية ، مهومة ، لكيان سديمي مفترض الوجود ، وتستمر عملية التفكك الذاتي وتجزئ المجزأ ، وصولا إلى جزيئات أصغر ، تتشظى الى أعضاء أصغر آيلة الى التبدد وصولا الى الامحاء والغياب (( يحس جسده تباعد أعضاء مشغولة بذواتها قبل ان تنفصل هي الاخرى لتتوزع في أعضاء صغيرة في طريقها الى التبدد النهائي في حركة مديدة واسعة فالاعضاء الصغيرة ماضية للتحلل الى اعضاء اصغر يحتفظ كل منها بحيزه في فكرة الجسد مثلما يحتفظ بذاكرته وروحه اللامرئية )) (9) .
وسط عالم يعوم بين أقطاب التفكيك ، تستبسل ذاتٌ في البحث عن غائية وأوالاتٍ تستجلي ظهورات الغياب ، تحفر في هذا الغياب اللجوج بحثا عن حضورها المتراخي ، عن ولادة الذات في سجن الاسئلة ، وتداخل العوالم ، ذات رائيةٌ تتموضع سرديا ، سؤالا في الغيب وظلا على سفر .
يطرح الحفر في سيمياء الجسد سؤالا فلسفيا للكتابة تتداوله دراما الاضداد عبر ثنائيات ضارية : المقدس ـ المدنس ، الخير ـ الشر ، الضوء ـ الظلمة ، الأرضي ـ السماوي ، ويحافظ الراوي على حياديته في خوض هذا الجدل ـ أو يحاول ذلك ـ مكتفيا بتوليد الاسئلة ، ويمكر بالمتلقي لتحريضه على البحث عن المغزى ومشاركته في تحطيم الجبل الحجري .
ـ 6 ـ
يستشعر المتلقي الحراك الدلالي الذي ينتجه النسيج السيميائي الكثيف للمجموعة ، والذي من أمثلته البينة تلك المحمولات الدلالية لوقائع مثل النظر الى سيدة المقبرة التي تؤنس وحشة الاطفال الموتى ، مقبرة الاطفال التي يطل عليها الرائي تارة عبر اغصان شجرة البمبر المفضية في خياله الى مقبرة الاطفال ، وتارة عبر نافذة الفندق ـ المكان العائم بالذوات العالقة بين الوجود والعدم في سفرها القدري ، من نافذة الحضارة المترفة ، تنبثق رؤيا الزوال ، لتختلط معها أزمنة الرائي بين أغصان البمبر وجذوع العمارات الشاهقة ، ومثل واقعة السقوط في النهر والاشراف على الغرق ، ذلك الامتزاج بين الترابي والمائي / المدنس والمقدس في الذوات والعوالم ، الذي سيبقى يلاحق بطل القصة في مفاصل حياته ، حتى في العالم الضبابي لحمام الفندق الفاخر ، ينبثق في وعيه ذلك الشعور الذي تركه في ذاته تلاشيه المؤقت في الماء العنيف ، الذي استحال في زلة قدم من مشهد آسر لطفولة حالمة ، إلى قبر مطبق حول النفس ، ولحظة تمارس تثبيتاتها المبهمة ، ولعل في هذه الواقعة دلالة العودة الى الرحم الاول ، إذ يمثل الماء بنظر يونغ اتصالا خفيا بالارض ـ الام ، وشكلا من أشكال الانماط (10) ، ليس هذا فحسب ، بل إن للماء ارتباطا وثيقا بالتطهر والولادة الجديدة ، فالسقوط فيه والانغماس بين جزيئاته ونفاذه الى انسجة الطفل الذي زلت قدمه على الجرف الهادئ يجسد حالة من الانغماس الجسدي الكامل في قوة التطهر التي يحملها الماء ، ولعل من المناسب هنا ان نستشهد بباشلار العميق إذ يقول (( إن واحدة من الخصائص التي يجب تقريبها من حلم التطهر الذي يوحي به الماء الشفاف هي حلم التجديد الذي يوحي به ماءٌ طري ، إذ نغوص في الماء من أجل ان نولد ثانية متجددين )) (11) ، حالة سبقى بطل القصة يستعيد دهشتها ، ويعيش لذتها اللاذعة كلما انغمس في العالم المائي ، وهي لاذعة ، لارتباطها بلحظات من الاقتراب الشديد من حدود عالم الموت ، لولا يد تلك المرأة ، التي بدت نظيرا للخلاص ، تمتد في لحظات مأزومة لتطلق الذات من أسر المجهول ، والخوف ، و العوائق القاهرة .
ومن الوقائع المحملة بالفيض السيميائي للعلامات واقعة النزول الى الظلام في القصة التي حملت العنوان نفسه ، وتسلق الجدار الصغير الذي اتخذ فيه المكان شخصية زمانية احالته عتبة بين ازمنة الرائي ، ثمة ايضا واقعة السفر ، التي برزت في أكثر من موضع في المجموعة ، سفرا في الزمان والمكان ، يجسد مشاهد مقنعة لاسفار الرائي نحو الكينونة المثقلة بالسؤال ، السفر من المجهول الى المجهول ، ومن الذات اليها ، ومن الوطن اليه ، ومن الجسد الى الروح ، ومن الزوال الى التمرئي ، ومن الغرق الى النجاة ، ومن الموت الى الحياة ، في عوالم متجاورة ، السفر الذي يبقي الذات وجودا مفترضا عالقا بين الوجود والعدم ، بوصفها حضورا مؤجلا : دالا سابحا في بحر الرموز الكوني ومدلولا يعوم .
ثمة رحالة هو الرائي والراوي والناص ، ذاتٌ مفردةٌ تحيل على الجماعة ، ذات تعتنق أحد النماذج الصوفية الكبرى ممثلا بالمسافر إلى السر ، المنقب في المجاهيل ، الحافر في اللاشئ بحثا عن شئ ما ، قد يجده وقد لا يجده ، المسافر المحيل من بعيد على رجل العتبة صاحب الفأس المنقب في الجبل الحجري ، يخوض مسافر الناص تجربة البحث عن الذات ـ الوصول ـ فيكتشف مقدار ابتعاده الهائل عن غائيته المتعِبة ، كلما هجس منها اقترابا ، وقد برز وصف الامكنة بقدر هيمنة الزمن على تمفصلات السرد في المجموعة ، عبر عناية الراوي بتفاصيل الامكنة ، اللونية والصوتية والحركية ، أمكنة مثل الفنادق ، العمارات ، الشوارع ، أمكنة العمل ، المطعم ، الاسواق ، النوافذ ، الابواب ، المصاعد ، الطرق ، الكراجات ، الباب الشرقي ، أمكنة الارتجاع الزمني : المسفن القديم ، الشط ، الضفة المقابلة ، مقبرة الاطفال ، الساتر الحربي ، البيت القديم ، الارصفة ، المعقل ، جويبدة ، ، الجسر والمفرق ، سكة الحديد المهملة ، بيت حامد النقيب ، مقام الخضر ، جسر نظران ، ثانوية البصرة ، السياج القصير مدبب النهايات ، المدرسة ، سرت ، أمكنة عبر الراوي نفسه عن علل الحفاوة بها ، وقدم للمتلقي استبطانا لاغوارها وامتداداتها في النفس الانسانية ، حين يقول (( في هذه الاماكن تنشأ القصص ، تنمو وتحيا ، أنها مثل أماكن للأبد ، مثل سحر روائي دائم ، هناك ستجد التاريخ الحقيقي لحياتنا يدب ببطء مثل بزاقة ، وهناك يكون للصداقة معنى ، وللزمن مذاق الانزواء والعزلة واللامبالاة ، وحيث يتدبر الناس احوالهم بمخزون من الحيلة الساذجة والاكتفاء )) (12) ، مضافا إليها موجوداتها الدالة فضلا عن الوصف الدقيق للشخوص ، وصف يقترب في احايين كثيرة من الرسم ومدارسه التشكيلية ، مع عناية بالجانب النفسي لما يتم وصفه ، عناية تخرج بالموصوف من التجسد الفوتغرافي إلى التجسد النفسي المرتبط بمناطق العمق السيميائي الناشطة فرديا و جماعيا .
ـ 7 ـ
بدت العلاقة جدلية بين العنوانات والنصوص ، ومن هذه العتبات ـ العنوانات ، ” إغماض العينين ” ، التي بدت نصا مركزيا في المجموعة ، استمدت منه عنوانها ـ عتبتها الاولى ، وتلاقت عبرها مسارات السرد ـ السدى النصية ، لتشكيل شبكة من العلائق ، تتحاور خلالها الدلالات وتتوالد الرؤى .
الموظف البسيط ، الذي يتابع يومياته التكرارية ، في المركز الصحي ، والذي بدت دورة حياته متكيفة مع زمنه الدائري الرتيب ، زمنه الميت ، الذي يقيسه بما يقتطعه من اوراق دفتر البطاقات ، ويقسم كوب الشاي على مراحل متخيلة من سيرورة نهاره الثقيل ، هذه الشخصية العالقة في أزمة وجودها ، تمارس فعل الوجود مع وعي مثبط لكثافة ما يحيط بها من عدم مقنع بحضور مفترض ، متاهة يجهد بطل القصة للفكاك من حيزها المضبب الغارق في التحنط الراسخ عبر حيلة حلمية تخدر وعيه بهيمنة الخراب ، تمثلت هذه الحيلة بفاعلية إغماض العينين .
لماذا تعطل عينيها بإرادتها ، هذه الذات المحاصرة بين حواسها ، بخثرة حياة تتجلط ، وتكرار نسقي ، انطفأت فيه الحضارة المتحولة ، والكلمات والافعال والاشياء ؟ .
إنه يغمض عينيه كلما ازداد وعيه بضيق الامكنة ضراوة ، ولذا ، يبدأ باغماضهما في ذروة الزحام ، تاركا دراجته تنزلق بجسده الطافي عبر لذة مغامرة بطل عادي جدا ، وبسيط جدا ، لا يملك خيارا سوى مواصلة حركته الدورانية حول اللاشئ ، لم يُحمِّـل القاص شخصية البطل اكثر مما تحتمل ، فلم يجعله ينطق بكلام المفكرين ، أو يناقش جدل الوجود والعدم ، بل تركه يمارس بساطته الخلاقة ، ليحيل المتلقي على فلسفة الوجود والعدم التي تناقشها المجموعة عبر افعاله التلقائية التي تناسب شخصا عاديا متساميا مثله ، يعبر عن اشياء وحقائق كبرى تحيط به ، يشعر بوجودها وتأثيرها وإن لم يحط بها ، أو يقرأها في كتاب ، ويعبر عنها بما يناسب شخصيته ، انه يغمض عينيه فحسب ، ويغمضهما ثانية وثالثة ، في لحظات الحبور بنداوة هواء الصباح الذي يملأ رئتيه في طريقه الى عمله اليومي ، وفي لحظات الانكسار والوعي الحاد بفوضى المكان ، فوضى تؤسس مشهدا بانوراميا طويلا من الخراب الغير مفهوم ، حيث لامكان لمدينته ، بين فوهات تستشيط ، وأزيز متواصل لسمفونية الرماد ، وحيوات تتشظى عبثا ، وصوت انساني يتناهى ويتلاشى ، يغمض بطل القصة عينيه ليحظى بعالم اكثر اتساعا ، بحلم يقظة خلاص ، بانعتاق زائف من سلطة الامكنة التي تفقد الفتها ، وتنمسخ متاهات تتناسل وتنمو ، قاذفة بالرائي الى عمق الذات ، يستغرق في التمحور حول الذات والكمون فيها ، يمارس امجاد العزلة وهناءة المكان النفسي المدقع ، و إن عبر الانخراط في الظلمة التي تطبقها على أفقه الاجرد إغماضة العينين ، حين تنطبق الاجفان ليختنق النهار ويتقهقر الضوء الى ما وراء البصر ، لتستيقظ البصيرة ، هذا الاستغراق في الذات والاستعاضة بالرؤيا عن الرؤية هو جزء من ثيمة السفر المهيمنة على مسارات السارد ، سفر الى الذات بوصفها مكانا أخيرا لم يسقط ، أي بوصفها ملاذا لم يطأه الخراب ، وفردوسا مفقودا في قرارة جحيم الآخر ، الآخر الذي تجسد بأكثر صور الانمساخ بشاعة ممثلة بشخصية القاتل ، بوصفه قمامة نرجسية طائشة تمارس انمساخها بلامبالاة تامة ، تجعل من شوارع المدينة ميدانا لمحكمة هو فيها القاضي والجلاد معا ، القاتل ذو الاوجه الثلاثة يحيل على سقوط الحضارة و عجزها عن حماية انسانها أو تحقيق عدالتها ، وتطهير نفسها من خطاياها .
أمام الخراب السريالي تترسخ في بطل القصة عادة إغماض العينين ، تستحيل ـ من إجراء يرسل الذات حرة في مكان افتراضي ، لتحظى بلحظات نادرة من القطيعة مع الواقع المكتظ ، لحظات تطفو فيها الذات في ظلام الاغماض ، محيلة كل ما حولها الى بقعة من عتمة كثيفة ـ إلى حالة يعود فيها إغماض العينين تعبيرا عن رفض مشهد هزيمة الانسان ، وإدانة الارهاب الذي يتغذى على جوهر الحضارة فيحيلها مشهدا طلليا من مشاهد استطيقا القبح .
ـ 8 ـ
ترصد قصة (( رجل كثير الاسفار )) (13) ، فوضى وجودية من زاوية نظر أخرى ، وتجسدها عبر تمفصلات سردية مغايرة .
للقصة بنية استهلال لافتة ، إذ يُحدِث الراوي ـ منذ اللحظة السردية الاولى ـ انشطارا رؤيويا لمسارات القصة ، بوصفها حدثا قد وقع وحدثا يمكن أن يقع ، ومنذ تلك اللحظة ، ينخرط المتلقي مع الراوي في مسارين سرديين متحايثين متداخلين هما مسار الواقع ومسار الرؤيا ، أو الوقائع الموضوعية والوقائع الرؤيوية التي يبتنيها الناص ، وهما مساران يتواشجان ويتداخلان في التلقي لإنتاج الدلالة ، ولانتاج قصة داخل قصة .
كان إجراء سرديا نافذا أن يتخذ الراوي من بطل قصته راويا ثانيا يشاركه سردها ، بوصفه الشاهد والغائب ، على الحدث الذي لا يمكن تأويله أو تبريره أو تصنيفه ضمن أية طريقة للتفكير ، حدث العبور من الوجود الى العدم عبر سيارة مسافرة بين مدينتين ، السيارة اصبحت بإرادة أشباح متربصة بالطريق قبرا جماعيا للركاب ، استحالت رحلة البطل الروتينية من البصرة الى بغداد إلى مسار لمصادفة عمياء ، فحين توشك سيارة الركاب على بلوغ وجهتها يتم تصفية الجميع بعد ان يوقف السيارة حفنة من المجرمين ، ينزلون الركاب ويبدؤون بذبحهم ، مشهد طالما رآه شعبنا ، وطالما افاقت عليه صباحاتنا لتصطبغ بالحزن والسواد ، مع فرار القتلة ، مخلفين لوحة السقوط الانساني مرسومة على التراب بدماء الابرياء وأجسادهم .
تحمل هذه القصة ـ ونصوص إغماض العينين عامة ـ إدانة للقبح الوجودي المستشري في لحظات عمياء ، وما اختبره الانسان العراقي من مشاق وإحباطات وفجائع تترى ، أحالت يومياته معرضا لمشاهد الخراب اللامفهوم ، تتحدث نصوص المجموعة بلغة الحدث اليومي المعيش لا الحدث المهوم .
يواصل الراوي الميت الرؤية بعد فنائه ، يرى جثث الركاب الآخرين الذين كانوا قبل قليل يتبادلون الاحاديث ويستمعون الى راديو السيارة قبل ان يخرج اليهم القتلة من جانب الطريق قبيل اكتمال رحلتهم اليومية والعادية جدا الى وجهتهم ، والتي أحالها الظهور المفاجئ للظل العبثي الى رحلة غير عادية ، قد غادرت الرؤوس الاجساد المضطرة ، ولم ينج من المذبحة سوى رجل ميت ، يرى إلى أعينهم المفتوحة تكتسي بلون الموت ، ينهض الراوي الميت ـ الشهيد الحي ، بين شخير الموت في الارواح ، يمر مسافرون آخرون على الحافلة ، وآخرون ، فآخرون ، يتبادلون الاحاديث والتخرصات عما جرى في المكان قبل برهة ، يروونها هي ، أو ربما يروون حكاية أخرى لا تشبه ما حدث .
ماذا كان يمكن ان يحدث لو لم يطل وجه القتلة من الطريق على تلك الرحلة بين عشرات الرحلات الاوفر حظا ؟ ، كان أبطال القصة الموتى سيكملون طريقهم الاعتيادي الى وجهتهم العادية ، هذا ما فعله الراوي الميت / الشاهد ، الذي سار حثيثا الى منزله ، وقدور زوجه والمطبخ ويوميات الحياة الانسانية التي كانت له ، ستشعر الزوج بدخوله البيت فتظنه صغيرها عاد من المدرسة (( وفي الغرفة يخلع حذاءه ثم يفتح ابواب قميصه ويرميه على الارض ليتمدد على السرير ، وقد بدا القطع اسفل رقبته اقرب في دكنته الى السواد ، ستدخل زوجه الغرفة ومازالت رائحة الطعام عالقة بثيابها ، تنظر نحوه فيفزعها ، إنه يحدق باتجاه السقف ، وقد بدأت عيناه تكتسيان بطبقة من سائل ابيض كثيف )) (14) ، هكذا تنتهي القصة ببساطة وعمق ، مؤكدة فداحة أن تستحيل يوميات الانسان العادية حدثا غير عادي في مأساويته وفوضويته ، غير مفهوم ولا مبرر ولا يمكن توصيف محموله المطلق الاف الاسئلة الكونية معا ، أسئلة تبحث مستبسلة عن إجابة شافية ، تأويل لرمزية حياة مبهمة ، سيرة فرد ـ مكان عائم في السواد .
ـ 9 ـ
احتل الزوال ، بجغرافياته الحالكة مساحة كبرى من الجسد السردي للمجموعة ، الموت الذي تفوح به التواريخ ، في اللحظات الخاثرة ، من زمن الانسان ، تطل هذه البانوراما السردية من قصص ” اتصال ” ، ” العدسة ” ، ” عشق الحدائق ” ، ” طائر من معدن ” ، ” رجل المترو ” ، الملأى بالتفاصيل التي تبدو صغيرة وعابرة ، إلا انها كبيرة في دلالاتها وإحالاتها السيميائية ، عبر عين راويها الراصدة لجدل الحياة والموت الذي اختبره الانسان العراقي طيلة عقود مبهمة ، من التفتيت الممنهج لكينونة الفرد والجماعة ، بمعاول الحرب و القهر ، حيث تتراجع الذات على نحو متواصل من الخارج المختل إلى مساحة تجوس خلالها بين الحواس تقهقرا متزايدا منها الى ما هو اكثر إيغالا فأكثر في عتمتها الداخلية ، وخلال ذلك ، تعي بأسى بالغ ، ما يفعله الخراب في فردوسها ـ الوطن الحالم بغد الحضارة ، الذي تحاول قوى الظلام إطفاءه ، المكان المبتلى بتطفلات اللامنتمين اليه ، الذي يعيش دراما الخير والشر بضراوة بالغة ، ويرى فيه الانسان من المشقة أكثر مما ينبغي .
تمكنت ” إغماض العينين ” ـ بنصوصها الاحدى والعشرين ـ أن تجري حفرا سرديا عميقا في هذه الدراما الكونية التي يكتبها الابد ، وتتلوها الازمنة والشخوص الابديون ، حفرا في المرئي نفاذا للامرئي ، وفي القبح نفاذا للجمال ، وفي الموت نفاذا للحياة ، وفي المابين عبورا الى الضفة الثانية ، وفي الغياب الماثل على عيون ترصد يوميات المصير وصولا إلى الحضور الغائب ، وفي الشر نفاذا الى الخير ، عبر الحدود الحزينة للجغرافيات الانسانية .
وبالرغم من التنوع البالغ للامكنة والازمنة والشخوص والاحداث وما تحمله من تمفصلات السرد ، ومحمولاتها الدلالية ، أطل جدل المنتمي واللامنتمي بوصفه علامة كبرى مولدة للانساق والتفاصيل والرؤى ، يتواشج عبرها النسيج العلاماتي النصي للمجموعة في سيمياء المكان الاليف ـ الوطن الحلم الواقع الامس والغد ، الوطن الحاضر في رؤيا الراوي يستشرف صباحاته المثقلة بالندى والاسئلة ، وعتماته الملأى بلغط الاصداء ، يقرأ تمظهراته الجحيمية والفردوسية عبر ذاكرة سردية ناشطة تدلف بأناة ونفاذ الى البدايات وتستشرف النهايات ، الوجوه ، الاشجار ، الثياب ، الاسفار ، أحاديث البيوت ، حواريات الذوات في غياهب وجودها المؤجل ، نداءات الاستغاثة القادمة من البعيد القريب ، العادي الغريب ، يستنطق الهواء والروائح ، الماء والطعوم ، التراب والنار ، يطفو على كيانه المادي ، خارج النفس وداخلها ، ينفذ الى الذوات المجاورة ، في تضاريس العتمة ، يقرأ شوارع المدينة وارصفتها الرمادية وأنهارها وإنسانها وطيرها ، لا أحد مستثنى أو مقصى عن رؤيا إغماض العينين ، حتى الطفل الذي ينجز تمارينه التواصلية الاولى مع الآخرين في كتابة الرسائل على هدي معلم الانشاء ، يمتلك القدرة على الرؤيا بنقاء الروح البدائية التي تسكنه ، الاشبه بالانسان الاول قبل الاسماء والاشياء والاعراف والالقاب ، بلغة طفولته المتشوفة يخاطب المرسل اليه نفاذا ببصيرته الناشئة خلال ما يتخلق في حديقة البيت ـ الوطن ، من تكوينات عجائبية ونباتات تسقى دما وتورق جثثا وجماجم ، الطفل ـ الزمن الآتي المتوجب انقاذه من نباتات الموت ، لئلا تكتمل هذه الرؤيا ، لئلا تتنامى تلك النباتات الرمزية وعطاياها المقذعة ، وهنا تتحاور الازمنة فليس المتلقي لزمن هذا الرائي منقطعا عن زمن الرائي الاول في حكاية ـ عتبة منطق الطير ، إن التناقض الوجودي الذي يرصده طفل ” عشق الحدائق المنزلية ” ما هو الا امتداد سردي محكم لزمن أولئك الذين (( قبل ما يقارب ربع قرن من الزمن العراقي ، ولد جيل من الكتاب ، وتلك حكاية أخرى ، لم يكن أمامهم من الجبال ما يحد من قدراتهم على النزول الى قاع المشقة ، ومواجهة الوهم ، لإنجاز عوالم لم تكن تطمح لنسخ العالم او لسلخه وإقامة عالم بديل عنه ، كانوا مشدودين لطموحهم في ابتكار عوالمهم وسط روائح الدم والرماد ، وقتها لم يكن الوطن وطنا ، كان ثكنة رمل تسورها اناشيد الحرب في غيب الصحراء ، مات منهم من مات ـ كما في الحكايات ـ وعاش من عاش ليجد نفسه وقد مر ربع القرن سريعا يخطو داخل منطق الطير ! )) (15) .
ـــــــــــــ
• إغماض العينين ـ مجموعة قصصية ـ لؤي حمزة عباس ، دار أزمنة للنشر والتوزيع ، عمّان ، الطبعة الاولى 2008 .
1 ـ إغماض العينين : 7 .
2 ـ نفسه 9 .
3 ـ نفسه : 11 .
4 ـ نفسه : 13 .
5 ـ نفسه : 15 .
6 ـ نفسه : 17 .
7 ـ فلسفة الجسد ، د. جلال الدين سعيد ، دار أمية ، تونس ، ط2 ، 1993 : 75 .
8 ـ إغماض العينين : 17 .
9 ـ نفسه : 20 .
10 ـ ينظر اشكالية المكان في النص الأدبي ، ياسين النصير ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 1986 : 119 .
11 ـ الماء والاحلام ـ دراسة عن الخيال والمادة ، غاستون باشلار ، ترجمة د. علي نجيب ابراهيم ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2007 : 212 ـ 213 .
12 ـ اغماض العينين : 102ـ103 .
13 ـ نفسه : 39 .
14 ـ نفسه : 41 .
15 ـ نفسه : 14 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *