تابعنا على فيسبوك وتويتر

shakeeb

القاص كاظم حسوني

القاص كاظم حسوني

الآن علمت لماذا هذا الحكاء الماهر يقطر ابداعه تقطيرا , كأنه يخرجه من انبيق مختبر , فهذا الفنان الذي يجعلنا ننتظر دهرا , كي ننعم بإبداعه , بإصدار جديد له , انما هو فنان ماهر باحث عن الندرة الفنية العالية , ترى لماذا كان الذهب غاليا , مع قلة حاجة الناس له , في حين تقل قيمة الحديد على كثرة حاجة الناس الية ؟ الامر ناتج عن الندرة عالية الفن , واحترامه لاسمه وفنه وابداعه , اذ طالعنا بعمله القصصي الاول سنة 1993 , اذ نشرته دار الشؤون الثقافية العامة والذي وسمه بـ ( جنون المطر ) وبعد انتظار سبع سنوات صدرت مجموعته الثانية ( رقصتها مطر ) في ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب ــ دمشق لسنة 2000 , وكان ( ظمأ قديم ) عمله القصصي المنشور الثالث , والذي تولت نشره دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 2006, ومضت سنوات ونحن نمني النفس بقراءة عمل جديد لهذا المبدع الانيق الذي لو امتلك آخرون عشر معشار موهبته لملأوا الدنيا ضجيجا وتنفجاً لكنه كاظم حسوني المبدع الواثق من فنه , المتواضع الى حد اللعنة , على لغة الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد , ظل يحسب مواقع قدميه في عالم الكتابة الضاج  بالأسماء , يحسبها بدقة واناة وذوق , كي يظل حائزاً على ثقة القارىء النادر في هذا الزمن الضاج بثقافة الميديا والصورة التي تلاحقك حتى مخدعك .
كاظم حسوني , اراه في ابداعه المكثف على مستوى القص او الاصدار إنما يضع في حسبانه صور مبدعين كبار حازوا المجد ,من خلال الندرة , وفي الذاكرة جهود مالك المطلبي وموسى كريدي , ومحمد خضير و   محمود عبد الوهاب , على مستوى العراق , وهذا الفرنسي جان مارسيل برولير المولود سنة 1902 في باريس من أب اصوله هنكارية , كتب عملا روائيا قصيرا يمكن ان يصنف من ادب الحرب ,واحتلال المانيا الهتلرية لفرنسة , عمل روائي قصير عن ايام الاحتلال اسماه ( صمت البحر) وخشية من قوات الاحتلال الالماني نشرته دار مينوي باسم مستعار هو(فيركور) الذي غطى على اسمه الاصلي جان مارسيل برولير واضاعه , لكن ضياع الاسم الحقيقي جلب شهرة ومجدا وخلودا للاسم المستعار (فيركور ) ليكون عمله ( صمت البحر ) عملا رائعا من ادب المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الالماني الى جانب اعمال ؛ لويس اراغون واندريه مالرو وفرانسوا مورياك وغيرهم .
ترى الم ينل (إمره كرتيس ) الروائي والمجري والفيلسوف والمفكر الم ينل المجد , فضلا على جائزة نوبل للآداب ؟ هو الذي كتب اعمالا قليلة , ومكثفة ستبقى في ذاكرة القراءة امدا طويلا واعني بذلك عملية الموسومين ( الراية الانجليزية ) و (المحضر) التي تولى ترجمتها ثائر صالح وتفضلت علينا (دار المدى ) اذ وضعت طبعتها الاولى بين ايدينا سنة 2005 , ويقع العملان في تسع وسبعين صفحة , ومن ضمنها مقدمتي المترجم الاولى لـ ( الراية الانجليزية ) والثانية لـ ( المحضر ) !!
احتوت مجموعة ( جنون المطر ) على تسع قصص قصيرة , في حين اشتملت ( ظمأ قديم ) على سبع . ولامر ما , ولعلها المصادفة  والمصادفة وحدها , ان تقع المجموعتان كلتاهما في احدى وسبعين صفحة .
ولأنني احاول البحث عن البنى الطباقية في القص العراقي , وهو ما يعرف ــ كذلك ــ في مصطلحات النقد الحديثة بـ ( بنى التضاد ) فلقد قرأت مرات عدة قصص المجموعة الاولى ( جنون المطر ) فرأيت الفن العالي , واللغة المحلقة الجميلة , وخشية الاطالة على القراء , رأيت الوقوف عند قصته الرائعة الموسومة بـ ( المواجهة  ثانية) التي تصور حالة زوجين ما عاشا في هناء وسعادة لأسباب شتى , حتى اذا شعرت الزوجة بدنو اجلها , سجلت اشرطة صوتية , سردت من خلالها حياتها الزوجية المنغصة , ووضعتها في دولاب ملابسه , او تحت طيات فراشه , الزوج , يعثر على هذه الاشرطة , بعد رحيل زوجته , ويدفعه الفضول , ومن حقه ذلك , الى سماع هذه الاشرطة وفيها عتاب مر له من زوجته , هو الذي فرط بحياته معها .
في هدأة من الليل , وفي هزيعه الاخير , وبعد ان يوقن الاب من استغراق ابنه الوحيد في نومه الذي اصبح يشاركه سرير نومه بعد ان خلا من الزوجة الحليلة , ولأن الطفل يخاف  النوم بمفرده , بعد ان يتأكد الاب من نوم ابنه يتسلل في الظلام الى الغرفة المجاورة يستمع بخفوت الى صوت زوجته المعاتب الشاكي ,الاب يرى نحول ولده وسقامه , وكأن الابن  فـطن الى هذا الصوت , صوت امه المعاتب اباه , شحوب الطفل يقلق الاب  الذي استمرأ هذه اللعبة  , وهذا الانصات السادي لعذاب الزوجة وعتابها ( ها انني ساترك لك كل شيء ,لأمنحك الحرية التي نشدتها في غيابي , رغم انني اعرف ان كل المسائل التي ترتادها ستفضي بك الى الارتطام بالجدار ! وتفيق مذعوراً , لتقول اهذا هو الحلم اذ سيكون عذابك مضاعفاً وابديا ..صحيح انني كنت رافضة , ادرك ما وراء ارضاء نزواتك الغريبة تلك , اجل , لقد انتزعت كل شيء , غير انك كنت لا تقوى مطلقا على ان تنتزع ابسط اوهامك التي تنسجها افكارك السود المهيمنة , فضلا على انك تمضي جل وقتك محدقا في بطون الكتب . انت لا تدري , ستضحك حتما حين اقول انني اعرف كل ما يحويه راسك , كما تعودت ان اقرأ افكارك بفطرتي , وسذاجتي التي تعرفها . لقد ادمنت مع مضي الايام على احوالك ومشاريعك التي اضحك منها في سري : اعرف انك تبتسم الان ساخرا , فانا ما زلت كما تزعم غبية , لا تحسن اي شيء وما عادت تليق زوجة لكاتب ) ص47.
واذ يمضه ويحبطه عتاب زوجته الراحلة , مجسدة في ذهنه مأساتها التي عاشتها معه , يقرر في لحظة يأس واحباط تحطيم الاشرطة واشعال النار فيها , تخلصاً من هذا العذاب , واذ يهم بالخروج عائداً الى غرفة نومه يفجئنا كاظم حسوني ويفجعنا نحن قراءه بهذه النهاية الطباقية الصاعقة التي لا تخطر على البال ( لتجد الصغير منتصبا امامك وعيناه تقدحان مثل رصاص . احسست بالنار توغل فيك فترتد الى الخلف , اذ تنكشف  عرى نظرات مخيفة بينما كانت اللحظات التالية , توسع فضاء الغربة بينكما , اذ تحولتما غريبين عن بعضكما والى الابد ..) ص52.
منذ عام 1973 , وتحديداً (13\ تموز ) منه يوم اكملت قراءة , رواية ( الشمس في يوم غائم ) للروائي السوري المبدع الكبير حنا مينه , الصادرة طبعتها الاولى  ضمن منشورات وزارة الثقافة السورية سنة 1973 مازالت النهاية الصاعقة للرواية في لقاء حاسم وفاجع بين الاب القاتل , والابن السياسي المناهض لتوجهات ابيه , ما زالت  النهاية ترن في ذهني ( نظرت اليه بقسوة بتحديقه لا تعرف الرحمة وصحت في وجهه , بحقد وجنون :
ــ قاتل!
وصاح بي , بنفس اللهجة والحدة :
ــ اخرس
وانطفأ الضوء وسادت بيننا الظلمة ــ ص294ــ من الرواية
ترى كم سنحتاج من سنوات كي ننسى , او نحاول ان ننسى هذه النهاية الصاعقة لقصة ( المواجهة ثانية) التي ابدعها الحكاء كاظم حسوني ؟
في مجموعته الرائعة الاخرى ( ظمأ قديم ) وهي مثل اختها , ضمن احدى وسبعين صفحة , وعديد القصص , منها قصص تتحدث عن مأساوية الحرب , فضلا على قصص طباقية صاعقة , تأتي النهاية الضربة , الخاتمة , لتجعلنا مبهوري الانفاس , ازاء هذا الفن الذي يقدمه لنا قاصنا المتمكن كاظم حسوني , ولقد رأيت الوقوف عند قصته ( رجل في اعلى السلم ) , هذا الرجل الاقدم في السجن , يحيا زمناً على لعبة ارتقاء السلم نحو كوة في اعلى جدار السجن , مدعيا نقل ما يجري خارج حدود السجن للترويح عن السجناء وربطهم بالحياة خارجه , ويظل نهاره مواصلا نقل مجريات الامور ,ويظل مواصلا ابتكار الحكايا والسجناء  يغبطونه على هذه المتعة و لانهم يخشونه, ويحترمونه كونه الاقدم سجناً في هذه القاعة, فلا يستطيعون منافسته على مشاركته في متعة الصعود الى تلك الكوة في جدار القاعة ومشاهدة الحياة خارج السجن , لذا يقرر الانسان الذئبي القاسي امرا لا يخطر على بال, وكما قتل يوليوس قيصر اقرب اصدقائه, وشارك حتى في مؤامرة قتله , وهو بروتس مطلقا القيصر وهو يتلقى من بروتس الطعنة القاتلة , قولته التي ستظل ترن في مسمعالدهور: حتى انت يا بروتس !! مع ان العرافة حذرته من الخروج من قصره ذلك اليوم ,لان هناك مؤامرة دبرت لقتله , فان الاخوة الاعداء في السجن , قرروا امرا, قرروا قتل رجل السلم بخنقه, ولكن بم يخنقونه ؟ الانسان الذئب قرر خنقه بحافة عمود  السلم الحديدي , اذ وضعوه فوق عنقه , فضلا على ضربات عنيفة وتكميم فمه , وما ان انتهى اخوة بروتس ومؤاب ويهوذا من فعلتهم  الشنيعة بقتله , حتى تسارعوا لصعود السلم , لينعموا ببهجة رؤية الحياة خارج اسوار السجن , واذ كانوا من الكثرة فانهم اخلوا مواقعهم لأشرسهم سارق السلم الذي استطاع ان يشق طريقه بوثبات متلاحقة ويرتقي السلم جذلا فرحا , ولكن يا لإبداعك  يا كاظم حسوني , كيف رسمت هذه النهاية الطباقية التي لا يستطيع رسمها الا حكاء ماهر .. عند السقف تباطأ الرجل , ودفع برأسه الى حافة الكوة فجفل بغته مرتدا كمن لذع , وانفلتت منه صيحة تعجب , غدا متحجرا بوقفته زائغ النضرات , وقد افزعه وجود جدار شاهق منتصب امام الكوة تماما ! يكتشف السارق القاتل ان وراء الكوة جدار عال , وان ما كان يرويه لهم السجين الذي تخلصوا منه ــ كي يخلو لهم الجو ووجه ابيهم ــ انما كانت محض خيالات و تهويمات, دفع حياته ثمنا لها , اذ قتله الاخوة الاعداء !!
ان من حقنا , او بالحري من حق الابداع علينا ان نقف احتراما لمنجز كاظم حسوني هذا القاص الماهر , والحكاء الباهر , الصامت الا من الكتابة , والنائي بنفسه عن المهرجانات والمؤتمرات والندوات , يستعيض عن كل ذلك بالكتابة ويعوضهبالإبداع ,وبهذه الندرة في الإبداع ,او بهذا الإبداع النادر .

كاظم حسوني اقف لك ؛ لإبداعك اجلالا.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"