الرئيسية » نقد » ادب » عبد الرحمن طهمازي : اللوحة القصصية وعلاقات السياق
عن مجموعة الحصان والثلج – فاروق أوهان 1997

عبد الرحمن طهمازي : اللوحة القصصية وعلاقات السياق
عن مجموعة الحصان والثلج – فاروق أوهان 1997

abdulrahman tohmazi 2farooq aohan 4سأقترح قصّة “صدره الصغير” لفاروق أوهان لتكون تمهيداً لمجموعة قصصه “الحصان والثلج”، تمهيداً يخصصّ لهذه المجموعة ملاحظات متلازمة في أصل البناء السرديّ وفي عدد من التموّجات الأسلوبي، ولم يكن هذا الاقتراح عسيراً، إذ أنّه مضمون بالفهرست الزمني للنشر “القصة منشورة في 21/11/1964” وتأتي القصص الأخرى تالية لهذا التأريخ، كما أنّه “الاقتراح” سيجد تبريراً أوضح كلمّا تقدمنا في تسمية نتائج ذلك التمهيد .
إن مُنزلق مثل هذا الاقتراح معروف : فهو قد يشجّع المقارنات بين قصّة واحدة، وعدّة قصص، من خلال مفهوم التطوّر الذي يحصل نتيجة للتراكم، وربّما يكون هذا الاتجاه نافعاً إذا كان الهدف من مقارنة تعيين التنوع والتصاعد أو غيرهما في إنتاج كاتب معيّن، ولكن نقطة في حالتنا لن يكون الاقتراح سوى المعنى الآتي : مقدار نجاح التمهيد، أو عدم نجاحه في كونه نقطة انطلاق، ولذلك فقصّة “صدره الصغير” هي هنا لحظة إجرائيّة بقدر كونها تمهيداً في سيرة قصص “فاروق أوهان”، السيرة السردية، إذا جاز التعبير، لا سيرة الأبطال وأفكارهم ورموزهم وما ينهلون منه، فالمراجع غير الصامتة “الإنسانية” من الكثرة بحيث تحتاج إلى نوع من التصنيف لا أنوي القيام به في الملاحظات المقبلة، والحقيقة إنّ في أدب الكتّاب New Pictureالعراقيين – الشعراء والقصصييّن والروائيين – في العقود الثلاثة الأخيرة، على وجه خاص، كمية من الرموز والاستعارات والمصادر المبعثرة والمتلاطمة، الناقصة والمتورمة، المتقطّعة – كالفولكلور – والمسبوكة بتصلّب غير أدبي، ما يحتاج إلى وضع معنى، أو العثور على معنى أدبي لكلّ ذلك، سواء بالإحصاء، أو التصنيف، أو أيّ إجراء منهجيّ ممكن، ومفيد ولو بشكل انتقاليّ، مع تذكّر أنّ تلكم التجارب، التي صيغت بأنواع أدبيّة مختلفة القيمة والنضج، ليست تجارب أدبيّة فحسب، وإن دم المعلّق – مهما كان بارداً – لن يكون بمقدوره أن ينسى العمق الذي يسبّب إحراجاً وغصّة والذي يقع خلف الكلمات أثناء الواقع، هناك حيث لا تكون الحياة شبكة لغوية متطوّعة لاصطياد الأدب، بل هي مثال واقعيّ جدّاً على اضطراب الوثائق الصادقة حيث يندر الأدب المتماسك . يا ترى هل تُعدّ هذه الندرة مثلبة، أم هي مناسبة لأدب غير متوقّع، آناّ بعد آنٍ؟
إن النصوص المراعاة من قصّة “صدره الصغير” تؤلف نوعين :
الأوّل له علاقة في رغبة البطل في إنتاج صوت لا يتحقّق لسبب ما، مع شدّة الرغبة في تحققّه، في حين يلمّح النصّ في السرد إلى ذلك الصوت بطريقة التوكيد اللفظي، في السرد وليس في التداول اللغويّ النفسيّ للبطل .
أمّا النوع الثاني فهو تلك التصريحات التي تتناول الحلم من حيث كونه تصحيحاً للحياة في اليقظة، أو عدم اكتراث بها، أو استراحة منها .
إنّ دلالة هذين النوعين من النصوص تقع في الرعاية التي سيقوم بها المؤلف في قصصه الأخرى للصوت وللتنويعات التي يتحمّلها الحلم نفسه، كما أنّ لهذه النصوص دلالة ثانية لها علاقة بإنتاج لوحات قصصيّة تتطلّع إلى فنّ لغويّ – صوريّ – متحرّك، وهي – إذا توخيّنا الاختصار – سيناريوهات في طور السياق اللغويّ الذي لا ينقصه انتظار فنّ آخر : –
النوع الأوّل من النصوص : –
1 – “ومع التفاتته جاءه صوت من الداخل ينهاه عن النظر .. .. ولكن من يكون
صاحب الصوت الناهي المحذ ر ؟ ”
2 – “وعجب إذْ رأى صاحب ذلك الصوت الرجوليّ الأجشّ، صبيّاً صغيراً، له
شاربا رجل يعرفه .. ”
3 – “فها هو في عرس، وأصوات ضجيج تصمّ الآذان ..”
4 – اختلط هذا الصوت بضجيج أبواق السيارات في موكب العرس المارّ أمامه
5 – “وفي المقهى ضجر كالمعتاد من محدّثه، وودّ لو ثرثر هو وفضفض، وباح،
وعربد، وخلّف كلّ العبارات، تماماً كضوضاء الناس المتناقضة في ردود
الأفعال، لكنّه ضجر حتى من الكلام نفسه، وصار يكره أو خاف أن ينطق
خشية أن تسقط من فمه الكلمات، وتتبعثر، وظنّ بأنّه ربّما نسي النطق،
أو فنّ الحديث، وظلّ صامتاً فترة طويلة، متمّسكاً بموقفه،  مفضّلاً أن
تحتشد كلّ الأفكار، وتدور في رأسه كدوّامة صاخبة، وإلاّ فما نفع الرأس
دونها .. . ” .
6 – “.. كلاّ، كلاّ .. إنّها تشبه سيلفي .. ” .
7 – “.. لا، لا، إنّها ثلاثتهن معاً .. ”
8 – ” .. كلاّ .. كلاّ .. إنّها ستصبح ملكاً لغيره، كلاّ .. كلاّ .. لن يبوح بها ..” .
النوع الثاني من النصوص : –
1 – “حدّثها بأنّه قد رأى مثل هذه البئر من قبل، إنّها تذكّره بأشياء قديمة،
أشياء لها أثرها في حياته” .
2 – “استعرضت شريط حياتي الغابرة وما تبقّى لي منها ..” .
3 – “تصوّرت في تلك الظلمة إنّ كلّ وحوش العالم قد تجمّعت حولي
لالتهامي” .
4 – “.. واختلطت أمامه المكوّنات بمكنوناتها، وكأنّه يدخل دوّامة فتجّره بعيداً
عن الواقع” .
5 – “وفجأة خيّل إليه أنّه يحضر عقد القران، فيشاهد فلانته من بعيد، واقفة
بخشوع أمام مذبح الصلاة .. .. ..” .
6 – “وفكّر : “إنني في كامل وعيي الآن، وها أنا أعود إلى هذا الواقع التعس
ثانية”، وثار بصمت، “تبّاً لي ولأحلامي” وشعر بكآبة جعلته يدمع من
الداخل بأسى، ويندم . ثم يندم من جديد على مواصلته الحلم والتمادي
فيه، لكنّه ودّ لو يعود، ليكمل تفاصيله منذ البداية وليعرف السّر .. وتساءل:
–    هل يفسّر الحلم شيئاً من الحقيقة؟”
7 – “سوف يعود لركوب سفينة أحلامه .. .. ومن ثمّ إلى أدوار البطولة في
الحلم ..” .
8 – “وأراد أنّ ينطق، لكنّه عجز، وهرب عائداً لينام، ويحلم بالقوّة، ليحمي
الفلانة ويحبّها” .
“-1 -”
إنّ افتقاد الصوت في النصوص الأولى ليس أمراً عَرَضّياً، والمقصود بالصوت المفقود هو ما لم تعبّر عنه الكتابة من حيث كونها لغة ثانويّة وحاجة الشخصيّة القصصيّة، أو الحادثة، أو السرد إلى تعبير آخر؛ هو اللغة غير الثانويّة، أو الطبيعيّة؛ فالحاجة إلى الصوت “وإلى تمثيل الصوت برموز حروفية في الكتابة” ليست حاجة نفسيّة للبطل فقط، بل هي حاجة النصّ إلى أن يتكامل نحو تطلّعاته الفنيّة المتبقّية خارج الكتابة، ولذلك سوف تتصاعد هذه الحاجة إلى مستوى التحقّق المضاعَف في القصص الأخرى للمجموعة، ففي هذه التصريحات نحو الصوت في “صدره الصغير” لا توجد مبررّات كاملة للحاجة إلى الصوت، إلاّ إذا اعتبرنا القصّة “هذه” وثيقة من وثائق الحكايات الشفويّة، ولكن  القصص التالية، من خلال التمثيلات الصوتية، تجعل تطلّع النصّ إلى الصوت مفهوماً، فالصوت كما هو وثيقة تسبق الكتابة، فسيعني أيضاً لحظة ضمنية “محايثة” للكتابة، وتعليقاً إضافيّاً، أو تتميماً للكتابة، وآنذاك ستكون الكتابة إيعازاً لإنتاج نصّ مأمول في فنّ يعتمد على كتابة أوّليّة هي القصّة بمعناها الاصطلاحيّ، وفي قصّة “صدره الصغير” إيماءات صوتيّة، تمهيديّة لما سيأتي في باقي القصص، وتتمثّل تلك الإيماءات في تجمّع التوكيد اللفظي إلى أصوات امتداديّة، أو تردّديّة في اللوحات القصصيّة الأخرى . ومنذ الآن سأترك كلمة “القصة”، وأستعمل “اللوحة القصصّية” بديلاً لها لسبب إجرائيّ سيكون مفهوماً فيما بعد ومتفقاً مع الإشارة السابقة حول القصّة “المقصودة: صدره الصغير” التمهيديّة لفنّ يعتمد عليها في السياق : السيناريو .
إنّ التوكيد اللفظي هو تكرار : “كلاّ، كلاّ”، “لا، لا” وفي النصّ الثامن سيتكرّر التوكيد مرتّين، وقد يكون لهذه الصورة اللفظيّة معنى الاستئناف، لكنّ هناك ما يزيد التوكيد باستعمال الجمل التي تبدأ بالحرف “إنّ” الذي يفيد التوكيد، وما يعنينا هو التكرار الصوتيّ . أمّا تجمّع التوكيد اللفظيّ فالمقصود به ما يعزّز التوكيد اللفظيّ بجملة إنّ : “كلاّ، كلاّ .. إنّها تشبه سيلفي” وهكذا في النصّ السابع، والثامن .
ما سينقل هذا التكرار إلى مستوى الامتداد والتردّد هو الأصوات المختلطة “النصّ الرابع”، والمتخارجة . ثم أصوات المونولوج الداخليّ الرمزيّة التي تتذبذب بين الرغبة في إنتاج صوت، أو الاحتفاظ به، أو التخلّي عن الصوت إلى ما هو أوثق منه وهو الصمت “النصّ الخامس”، سيكون المنولوج مصدراً أوّليّات للأشكال الكثيرة التي تقترحها اللوحات في “الحصان والثلج”، وفي الواقع إنّ المونولوج يحمل هذا الطابع سواء في هذا المتال، أو في غيره من كتب الآخرين .
في “صدره الصغير” توجد كلّ المستلزمات الضروريّة لسيناريو مسرحيّ، أو سينمائيّ كالتقطيع في الصور ورسم المشاهد والارتباطات الفكريّة المصوّرة بين الذاكرة اللا إرادية والذاكرة الإرادية وحركتا الذهاب والإياب – خلال الذاكرة بنوعيها والحاضر – بين الحلم واستيقاظه بين اليقظة وغياهبها، والعلاقة الشفّافة بين الواقع والتخيّل، ويتمّ ذلك بسرد تتداخل فيه الحادثة والشخصيّة في حوار معتم قد لا نجد له اتجاهاّ حاسماً في النصّ المكتوب، وإنما سنلاقي اتجاهه في مستقبل اللوحة عند تنفيذها، أو تصوّرها خارج النصّ ومعايشتها حقّاً، ولقد انتقل “فاروق أوهان” إلى تعبير أكثر صراحة عن هذه المتطلّبات  السياقيّة انتقالاً متطرّفاً في اللوحة القصصيّة “شخص في المقعد الأخير” المكتوبة عام 1966، ومنذ العنوان سنجد مبرّراً يدعم وصف أعماله بالأعمال الانتقاليّة، وهذا الدعم الاسميّ يُدخلنا مباشرة إلى استهلال ذي إيقاع مسرحي :
“إيقاع الأصوات .. ربمّا رنّات، لكنّها أصوات اصطدام .. أو احتكاك .. كلاّ .. إنّها أخيلة .. لكنّ الأصوات ترتفع .. تقوى .. تقوى أكثر .. وترتفع .. عالية .. مدويّة .. هناك وجه يلتفت بسرعة .. فيقول لنفسه .. ” .
هذا الإيقاع قلمّا ينكسر، أو يستسلم للسرد المتدرّج، بل إنه يتركّز في الامتدادات الصوتيّة والتردّدات كذلك التي هي رموز لإعطاء الصورة المكتوبة صوتاً، وهذه في الحقيقة هي قيمتها في الوصف الذي يقوم به وفي التحليل الفنيّ الذي ينبغي القيام به لمن يختار ذلك .
إنّ الامتدادات الصوتية هي امتدادات رمزيّة لأنّها تحدث في الكتابة، وطموحها كما ذكرنا : إعطاء صورة عن الصوت، أو إعطاء الصورة، كما ترسمها الكتابة ؛ صوتاً، لذلك فإنّها تُرسَم على شكل حروف متكرّرة في كلمة واحدة تتجزّأ لهذا السبب، ولا بدّ من وجود غاية لذلك، إضافة إلى الفنّ المأمول من وراء القصّة، أو السياق “السيناريو”؛ كتضخيم صوت خارجي، أو داخليّ، أو التعبير عن موقف عاطفيّ ..  أو .. إلخ . وهذا هو حال التردّدات الصوتّية أيضاً التي هي أشدّ من الأولى، والملاحظ إنّ القاصّ “فاروق أوهان” لم يعمد إلى تنويع الأداء الصوتي الرمزي، فهو يطيل الكلمة دائماً بالامتداد، أو التردّد، ولا يقوم بحذف جزء من الكلمة، مع العلم أنّ هذه الإمكانيّة متوفّرة عمليّاً في اللغة العربيّة ضمن تقنيات أداء المعنى، وهذا مبرّر آخر للإدّعاء بأنّ القصة مشروع لوحة صوريّة – صوتيّة، فإطالة الصوت هو من باب تطلّع اللغة المكتوبة إلى أن تكون لغة طبيعيّة حُذِفت منها الإيماءة بالصمت – من غير التباس – إلى المشروع الذي تتجّه إليه اللوحة القصصيّة، وقد يكون هذا المشروع مقصوداً، أو لا يكون مقصوداً إلاّ من حيث كونه إمكانيّة تجمّعت فيها عناصر تقودها إلى أن تصير مشروعاً متحقّقاً .
في ختام الملاحظات عن النوع الأوّل من النصوص المتعلّقة بالصوت، وبالامتداد والتردّد لا بدّ من تسمية هذين التعبيرين، خاصة وقد أشرنا إليهما مراراً، ولا بدّ كذلك من تعيين العلاقة القاطعة بين النوع الأوّل من النصوص والنوع الثاني، فالملاحظات المنهجيّة قد تتوسّط وصفين من غير احتكار للمقدّمة، أو إغلاق للنهاية .
الامتداد والتردّد كلاهما إطالة للصوت، فالامتداد إطالة حرّة موضوعها أحرف العلّة “الألف، والواو، والياء” والهاء، والتردّد إطالة مقتضبة للأصوات الأخرى، وقد تجتمع الإطالة بنوعيها في كلمة واحدة في اللوحات القصصيّة، وما يلفت النظر هو إنّ الكاتب جعل الامتداد والتردّد، وازدواجهما علامة تفرض نفسها، بقوة على القارئ، وذلك هو الذي يستدعي تأويلاً، أو تفسيراً ما، وتتجوّل هذه العلامة بين السرد والمونولوج والحوار .
الأمثلة الآتية نموذجيّة لكنّ الإحصاء، الذي لا أوردُ هنا نتائجهُ، يعطي فكرة عن طغيان هذه النماذج : “إرررر. ح . ممم . ن اااا(1)، بصدى متردد كالذبذبات . لكنّه صوت مدووووو(2). يرررر نننننن(3) .. الدويّ يتسع، يصبح كعمود الدخان، يحجب الرؤية .. والسمع أحياناً .. كالأخيلة عندما تعود متكرّرة .. فلا يسع المرء إلاّ الانجراف معها” – شخص في المقعد الأخير – .

قد يلاحظ القارئ أننيّ استعرت الامتداد والتردّد من النصّ نفسه إلى حدّ كبير، لأعطيهما دور البنية الأساسيّة، حيث علاقتهما بامتدادات أخرى، ذات شكل ومحتوى مختلفين، كالتخيّل والحلم والذاكرة والمزج بين كل ذلك في لوحة قصصيّة هي بمثابة سيناريو “سياق جاهز للصور غير الثابتة لغويّاً، ومن الممكن أن يكون تحويلها إلى صور متحرّكة ناطقة” هو من الإمكانات الضمنيّة.
إذن هناك امتدادان، مختلفان :
أحدُهما – ما ذكرناه، وهو متعلّق بالبنية الأساسيّة لغويّاً .
والآخر له علاقة بالموضوع الأساسي لأيّة لوحة قصصيّة، وهو موضوع مكوّن من الذاكرة، والحلم، والتخيّل، والمزج بينها .

“-2 -”
هنا، في نصوص النوع الثاني من “صدره الصغير”، سنجد الوظيفة التي يمارسها الحلم والذاكرة والتخيّل في إنتاج الحادثة القصصيّة والأسطورة التي يعاني منها البطل ولكنّه يشحب من دونها . إنّ الوظيفة مُعبّر عنها اصطلاحيّاً وضمنيّاً فالشخصية صريحة في أنّها تريد النوم والحلم وتريد التذكرّ والتخيّل وتريد مزيجاً من ذلك كلّه، والتعابير الاصطلاحية تُساير ما يقع للبطل من الحلم والذكرى والخيال، وهذا الازدواج بين الحياة الاصطلاحيّة وتصوّر الحياة سيغيب في اللوحات الأخرى، حيث ستمارس الحادثة الشخصيّة توسّطات الأحلام بين الزمان وبينها “سنستعمل الأحلام بديلاً عن بقيّة التمثيلات : التذكّر والتخيّل، والمزج، فالأحلام، وليس الحلم، هنا مفهوم إجرائي يتجاوز مبدأ الواقع ويتضمّن ما يتحملّه حلم اليقظة من تفريعات ..” ولن تقول الشخصيّات أشياء كثيرة عن ممارساتها الأحلاميّة الكثيرة، ولن تصنّفها إلى مسميّات اصطلاحيّة، فاللوحة كولاج يضاف إليها الواقع بين آونة وأخرى دون أن يخفّ وزن الأحلام . إنّ الأصوات والأحلام هما مناعة اللوحة القصصيّة للاتجاه بالحادثة والشخصيّة معاً إلى المشروع القصصيّ لفاروق أوهان .

تمثل “الأفق الأخضر” وهي آخر ما في المجموعة من لوحات؛ تسلسلاً وتداخلاً للأحلام تتناوب فيه الحوادث والشخصيّات على بعضها بشكل نظاميّ، ثمّ ينصرف الواقع إلى الشخصيّة التي أخذت اسماً دلاليّاً “عائدة” .
ويتحرّر التأليف من اشتباكات وعبوره فعائدة التي أخذتها الكوابيس من نَحْس الحظوظ تعود إلى وعد الحياة الطليقة . قد يكون ذلك مخيّباً بالقياس إلى ما كانت تُعطيه الالتباسات من حيويّة إلى اللوحات، إلاّ أنّ الشخصيّة المهدّدة بحوادث محتملة – اعتماداً على الذاكرة التي تزاحم القرار – تستيقظ فجأة على حادثة واقعيّة “الزواج مرّة أخرى” كادت تتحوّل إلى رمز لحادثة سابقة .
إن الأخذ والردّ في الفنّ، ما يجب وما لا يجب، ليس إلاّ أمراً تقريبيّاً، هذا إذا أردنا مقارنة عمل أدبي بالحياة اللا أدبية، أو مقارنة عمل أدبي بعمل أدبي آخر . إنّ مناسبة هذا التعليق هو الاسم الذي أعطاه المؤلف لزوج “عائدة” . إنّ اسم “سالم” يفسّر اسم “عائدة” وكلاهما يفسران الإفلات من ضغط حادثة سابقة “موت الزوج السابق” فجرّت الأحلام غير المواتية واستنفدتها لتعيد تسليم الشخصيّة إلى حادثتها  غير الأسطورية . على كلّ حال، إنّ الأساطير تفغر أفواهها بأمر الواقع أيضاً .
هناك، أخيراً، محوران لصنع ديكورات اللوحة القصصيّة في “الحصان والثلج” : الأوّل – مشاركة الحادثة للأحلام .
والآخر – مشاركة الشخصيّة للتمثيلات الرمزيّة الخاصّة بها “فولكلور، بيئة، عادات دينية، وعُرفية ..” .
الأوّل داخليّ، والثاني تخارجيّ، وهكذا يكون السياق “السيناريو” متكاملاً لإنتاج ينطلق من قصّة لها مناعة الأصوات والأحلام .

عبد الرحمن طهمازي بغداد – حزيران 1998

تعقيب لعبد الرحمن طهمازي في 3/9/1998
حول الحصان والثلج : كما تعرف فإن في بعض النصوص النوعيّة تطلعات نحو نصّ نوعيّ آخر، ليس تبعاً لشخصية المؤلف المتبلورة في مهنة، لأن النصّ مستقلّ، أو متحرر من المؤلف إلى حدّ كبير وفيه مراجعه الداخلية الكافية، وهكذا قراءتي الملموسة، لأنني حين التقطت الملاحظات حاولت التحكّم فيها من خلال النصّ، وقد وجدتُ توازياً بين الأبنية الصوتية “الامتداد والتردّد” ومضمون الأحلام والذاكرة الإرادية، وليس بالضرورة أن يقتنع المؤلف بأنّ الأحلام والذكريات هي امتدادات من مادّة أخرى لكنّها موازية للأصوات التي صنّفتها الدراسة . ممكن للمرء أن يجد أدلة مختلفة عن تلك التي أرادها المؤلف، ولكن أتذكر يا فاروق جملة أوسكار وايلد : إنه كلّما اختلف الناس حول عمل ما، فإنّ المؤلف يشعر أنّه قد أدّى الواجب ؟

جاء التعقيب بناء على استفسار المؤلف منه عن سبب التعامل النقدي للطهمازي مع النصوص من خلال رؤيته المشهدية، والمسرحية، هل لكونه يعرف المؤلف مسرحياً ؟ أم ذلك الإيحاء استوحاه من النصوص ؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *