الرئيسية » نقد » ادب » علي كاظم داود : الرواية بين شاعرية اللغة وشعرية الحدث
رواية (مذكرات كلب عراقي) لعبد الهادي سعدون مثالاً

علي كاظم داود : الرواية بين شاعرية اللغة وشعرية الحدث
رواية (مذكرات كلب عراقي) لعبد الهادي سعدون مثالاً

ali dawood 3

الروائي عبد الهادي سعدون
الروائي عبد الهادي سعدون

تبرز ظاهرة شاعرية اللغة في الرواية العربية بشكل لافت لدى بعض الكتاب، فالذائقة العربية ذائقة شعرية، تستهويها خصائص هذه اللغة وأجواؤها؛ لهذا عمد بعض الروائيين العرب إلى بناء نصوصهم الروائية بلغة عالية الشعرية، تضمنت الصور والعاطفة والخيال والتكثيف والانزياحات، فكما لو أنهم يكتبون نصوصاً شعرية حكائية مطولة، مما أثر سلباً على توصيل الحدث الروائي الذي يفترض بالرواية توصيله.

وإذا كان الشاغل الأوّل لأيّ عمل روائي هو إنتاج “تاريخ تخييلي” فإن الانحراف والازورار الدلالي الذي تنتجه التراكيب الشعرية يوسع مدركات الحكاية ومحتملات مجرياتها، ويذهب بالتخييل إلى “التوهيم”، وهو ما نرى ضرورة تجنبه، لضمان تشكل صورة حكائية واضحة الخطوط والترسيمات. حيث يجب عليها التأثير في القارئ، من خلال إتقان سرد أحداث ذلك التاريخ، وترسيخ القناعة لدى المتلقي بأن ما هو بصدد kh sadoonمعاينته في هذا البناء الفني ممكن التحقق، أو أنه قد حدث فعلاً على أرض الواقع، ما سيفرض على الراوي ـ ومن ورائه الروائي ـ اختيار لغة حَدَثِيّة واقعية مناسبة، تهتم بإبراز التفاصيل والجزئيات بصدقية عالية، وتؤتمن على تصوير “نثريات الحياة” الطبيعية والعادية، ولا تجنح بها إلى ان تصير عالماً هلامياً رجراجاً بفعل الشاعرية المفرطة. وهذا من دواعي القول بان اللغة الشعرية في الرواية قد انتهى وقتها، وقد حان أوان كتابة رواية بلغة سردية دقيقة في توصيل أحداثها.
وحيث أن الرواية نتاج فني غربي، ونوع وافد لا أصيل في الأدب العربي، فالجدير بنا الاحتكام ـ ولو جدلاً ـ لمميزات هذا النوع في موطنه، لنسج نتاجنا الروائي على منواله، والا لن نتمكن من مجاراته او منافسته. إذ ان تبيئة لغة الرواية وفق ما تقتضيه الذائقة العربية سيحد من منطقة تداولها في حدود هذه الذائقة، لان الذائقة العالمية لم تعتد على مثل هكذا تناول شعري للحدث الروائي.
لا أدعو، قطعاً، إلى صناعة رواية عربية تحمل هوية غربية، فمفاهيم الهوية والقيم العربية وخصوصيات الانسان والمكان هي ما سيصنع هوية الرواية العربية، لكن التقنيات والبنية والشكل الروائي يجب ان يحتكم إلى نموذج رفيع، لا ان يتقهقر إلى الوراء لصنع رواية شعرية عربية لن تكون مقروءة خارج عالمها، بل وداخله أيضاً في أحيان كثيرة، وإني أحسب أن قارئ هذا النمط من الروايات ينحصر في أولئك الذين يمتازون بذهنية رومانسية حالمة.
أما من منظور جماليات التلقي، فان القارئ المفترض للرواية يبتغي منها إمتاعه من خلال ما تقدمه له من أحداث، ومدى تفوقها في سرد وبناء عالمها المتخيّل، ووصف تفاصيله بإتقان، فإذا ما تركت الرواية فجوة في وصف حدث ما، كانت قد تطرقت له، فان ذلك سينسحب كنقص في اكتمال الصورة الذهنية، اي المظهر الذهني للنص الروائي، لدى المتلقي. واعتقد بأن استخدام اللغة الشعرية سيكون له ذلك الأثر السلبي في مخيلة القارئ.
الصورة ـ مثلاً ـ في النحو السردي يصنعها الحدث، ولا مكان للصورة الشعرية في نسيجه. لا بأس ـ حتماً ـ ببعض الصور الواضحة، والتي لا تضبب الرؤية، ولا تفرط في الإيهام، للأغراض الجمالية. لكن أن تتشبع اللغة بالصور والانزياحات والمجازات فهذا سينحرف بالحكاية عن مسارها المنشود. ودون إغفال جماليات اللغة، وتكثيفها ـ لا الاختزال الشديد المكبل للمعنى ـ ، ودون الوقوع ـ بالمقابل ـ في فخ الإنشائية المجانية، فإن على لغة الرواية الابتعاد بما يكفي عن السمات الشاعرية، التي تتمادى لدى البعض لترتمي في أحضان الغنائية، ما سينتج خللاً تجنيسياً، والارتهان إلى منطق الواقع، الذي يتفق تماماً مع ديناميكية الرواية المفترضة.
على الرواية، من هذا المنظور، بدلا عن تسخير مفردات وتراكيب تختزن الطاقة الإيحائية والمفارقات اللفظية والإشعاع والترميز، لتثري الجانب الشاعري الذي يرفع الطاقة الدلالية ويعمق مسارب التأويل ويوسع دوائر الإيهام في النص… عليها ـ عوضَ ذلك ـ السعي إلى توسيع مناطق التجريب في حدود السرد، وتحت سلطة فعل الروي… من خلال: ابتكار عوالم حكائية تخييلية غير متداولة في السرديات السابقة، والانهمام بضبط منطقها الداخلي، وبلورة جمالياتها الخاصة، فضلاً عن إبراز مدى قدرتها على الكشف عن قوانينها ومبادئ نسيجها للقارئ العادي بطريقة عفوية، ولو بحدٍّ أدنى يمكن قبوله، وللناقد بشكل منهجي أعمق؛ أي أن تعطي لكل متلقٍ بقَدَره، لا ان تقتصر على نمط قرّاء معيّن. وأن توظف ـ كذلك ـ تقنيات فنية مبتكرة، وأنماط تبئير مغايرة، ومستويات لغوية تتجاوز المألوف والسائد، وتستدعي متعلقات تناصّية أو نصّية تخدم فضاء الاشتغال… كل ذلك وغيره لتحقيق درجات مختلفة من شعرية الحدث في السرد الروائي.
فإذا أردنا التمثيل في سياق مقارني عام، سنرى في روايات نجيب محفوظ مثالاً جيداً في الاعتماد على استراتيجية “شعرية الحدث” بينما سنجد في روايات أحلام مستغانمي مثالاً واضحاً لشاعرية اللغة في الرواية العربية.
روايات كثيرة يمكن لها أن تكون مثالاً مناسباً هنا، ومن بينها رواية صدرت في عام 2012، عن دار ثقافة للنشر والتوزيع في بيروت، عنوانها (مذكرات كلب عراقي) للروائي عبد الهادي سعدون، العراقي المقيم في اسبانيا.
هذه الرواية التي تُسرد أحداثها على لسان بطلها الكلب المدعو (ليدر) تحترم عقل القارئ فعلاً؛ لأنها، على الرغم من انطلاقها من نقطة غرائبية، إلا أنها تقدم أحداثاً مقنعة، وتصنع عالمها المنضبط والمتزن، وفق اشتراطاتها وبنيتها ومنطقها الخاص. فتُقدَّم على شكل مذكرات يسجل فيها ليدر ما جرى عليه منذ ولادته، مستعيداً ومجسداً ما كان يعيشه العراقيون من ظلم واستلاب للحقوق في زمن الدكتاتورية، كما يصور بعد ذلك سقوطها، وما رافق هذا الحدث من فوضى وانفلات امني واختلال في السياقات الاجتماعية.
وإذا كان تمثيل الحدث لغوياً يتم عبر مجموعة من الأفعال أو ما يتضمّن معناها، ستشكّل بدورها الجملة السردية، فإن هذه الجملة هي ما يقع عليه تحقيق الوظائف الثلاث لعملية التواصل اللغوي، كما حدّدها المختص بالشعرية الحديثة “رومان جاكوبسون”: الوظيفة الانفعالية، التي تعني المُرسِل/ الروائي، والوظيفة الإشارية، أو الشعرية، التي تعني الرسالة/ الرواية، والوظيفة الطلبية، التي تعني المستقبِل/ القارئ… وحيث ان الوظيفة الشعرية لا تقتصر على صنع تاريخ عالمها الخاص والكبير، بل تسعى للإمساك أيضاً، وبحسب تعبير “ريجيس دوبريه” باختلاجات “التاريخ الصغير الذي يُصنَع ويُهدم يوماً بيوم”… ووفقاً لذلك فإن هذه المذكرات ترتهن لشعرية الحدث من خلال ما يصنعه الفعل ومشتقاته من كثافة حَدَثية في النحو السردي. إضافة لتركيزها الجليّ على تدوير عجلة السرد بشكل دائم نحو الأمام، وحرصها على عدم الوقوع في استطرادات معترضة، أو الانشغال بزوائد حكائية جانبية، تعطّل الرواية عن إبلاغ أو بلوغ حَدَثِها. مع تجنّب واضح لشعرية اللغة، وكبح للخيال وتلميحاته الضبابية وصوره السائدة في النحو الشعري، والتي تقع بالنقيض من مقتضيات اللغة الروائية التي بيّناها آنفاً.
ولنأخذ هذا المقطع من الصفحة 98 في الرواية، حيث يقول: “مضيت بكل فرح ونشوة، نابحاً بملء فمي، ماداً لساني، مزمجراً وعاضّاً على الصور الممزقة، راكضاً مع طفل يحمل حذاءً، وراح يكيل اللطمات لرأس حجري لذلك المسمى قائد أيضاً، فمضيت أقلده، صاعداً على الرأس الحجري لأفرغ مثانتي الممتلئة عليه. تلك اللحظة التي لن أنساها، شعرت بكل حزني وتعاستي تنزاح مع الجموع الهادرة، وأحسست بأنني أسعد كلب في العالم”… في هذا المقطع يتناوب الفعل الصريح مع اسم الفاعل ومشتقات أخرى متضمنة لمعنى الفعل، على صناعة صورة روائية تضج بالحركة، وتقرّب المشهد من الرؤية السينمائية، مع تكثيف غير مُخلّ، ومراعاة لتجسيد المظهرين الخارجي والداخلي للشخصية، ولو عبر تلميحات وافية لا تغيّب الحكاية في مجاهل بعيدة أو غامضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *