الرئيسية » مقالات » حسين مردان : الشعر العربي في خطر *

حسين مردان : الشعر العربي في خطر *

بورتريه للشاعر الكبير حسين مردان
بورتريه للشاعر الكبير حسين مردان

إشارة : ستقوم أسرة موقع الناقد العراقي بإعادة نشر بعض مقالات المبدع الكبير الراحل “حسين مردان” بين وقت وآخر ، لأنها وجدت فيها تشخيصا دقيقا وحيّا للكثير من أمراض الثقافة العراقية في الوقت الحاضر ، الأمر الذي يجعلها متجددة برغم رحيل مردان منذ أكثر من أربعين عاما ! هي دعوة للقراءة والتأمل في افكار المبدع حين يكون صادقا .

يتخبط العالم العربي اليوم داخل شبكة من الازمات الحادة: سياسية واجتماعية واقتصادية.. ويتمخض بعضها عن طفرات ايجابية في سلم التطور الحضاري, كما ان بعضها الاخر على جانب كبير من التعقيد تحتاج الى اعمال بطولية ومواقف جريئة لحلها بالشكل الذي يرضي كافة الشعوب العربية: منها(قضية فلسطين وحقوق المرأة السياسة والقضاء على هذا النفور القائم بين القاهرة وبغداد ومسح ظل الاستعمار الفرنسي من ارض المغرب العربي) ولما كان الادب هو انعكاس صادق لاوضاع المجتمع تعرض هو ايضا للاضطراب والتناقض ففي مصر تدور الآن معركة عنيفة بين الدكتور طه حسين كعميد للادب التقليدي  وانصاره وبين طليعة ادباء الجيل الصاعد وقد كشفت لنا تلك المناقشات عن حقيقة مهمة وهي ان طه حسين وزملاءه من ادباء القوالب القديمة وسدنة الادب الارستقراطي قد مضى عهدهم, وان بقاءهم في الساحة الى اليوم ليس له غير مفهوم واحد هو الوقوف في وجه القوى الجديدة النامية في الادب العربي الحديث.. ولن تستطيع جذوع الاشجار الميتة مقاومة العاصفة طويلا. فالصراع بين القديم والجديد قد اشرف على نهايته والناس(وهم الذين يقررون النهايات دائما) قد اصبحوا يشمأزون من مؤلفات شيوخ الادب البائد وبدأ عدد من الشباب الادباء يأخذون مقاعدهم في مقاصير(الاولمب) وحول رأس كل منهم هالة مضيئة من النجوم: وكما يحدث في كل نهضة ادبية جديدة من تطرف واندفاع فقد سقط معظم الشعراء والادباء الجدد في هاوية الاغراب واصبح الغموض هو العمق في مقاييسهم الحديثة فبزغ نفر من الشعراء الثائرين على المعاني الجامدة في الشعر القديم فحطموا وحدة البيت في القصيدة ووجهوا طاقاتهم الابداعية نحو الالفاظ نحو المنغمة والكلمات المشحونة بالرنين وكانت(المجدلية) لسعيد عقل اول محاولة من هذا النوع، ثم انتهى عمر هذه الدعوة الجديدة بكتاب(لحن) للالبير اديب ولو اننا شاهدنا بداية موتها في ديوان(رندلي) لسعيد عقل! أيضا..! وارتفع ضحك القراء ثم اخذوا يصرون على اسنانهم احتجاجا على تلك المعميات والموسيقى الفارغة التي كانت تتموج في كتابات وقصائد هذه الجماعة! فقد كانت غريبة على اذواقهم وبعيدة عن اجوائهم الواقعية! وكل شيء لا ينبثق منهم، من صميمهم.. فهو عمل باطل ولا قيمة له مطلقا.. وفي هذه الفترة بدأت سيول الادب الانساني تتدفق من كل مكان في العالم واخذ بعضها يصب في جداول الشرق الادنى الضيقة.. ومضت هذه الامواج الهادرة كانت تمنع اتصال هذه الجداول الصغيرة بالاقيانوس العظيم.. وهكذا حدث الانقلاب الثاني في تاريخ الادب العربي المعاصر، فتجمد ادباء غرف العاج وجفت مستنقعات الادب الرخيص وتصدر الادباء الذين يغمسون رؤوس اقلامهم بدموع الشعب ويكتبون بدمه فتساقطت الاصنام ورفعت الجثث المتعفنة من طريق الادب وتعالت الاغاني التي تمجد الانسان وبطولته في خلق عالم افضل فسيطر هذا التيار الحار على افئدة العامة واكتسب اصحابه قوة عظيمة وحصانة ضد النقد.! تلك الحصانة التي كانت السبب المباشر والمنفذ الخطر لتسرب السطحية الى اساليبهم الفنية فهبط مستوى بعضهم الى الدرك وصاروا يمضغون الكلمات السوقية ويرسمون الصور الساذجة الهزيلة زاعمين ان هذا هو الطريق الوحيد لتقريب الادب من افهام الجماهير وفاتهم ان الجمهور نفسه قد بلغ حدا من الوعي الادبي يجعله يرفض هذا الانحطاط في التعبير وهذا الاسراف في(التوضيح) أما الالتزام في الادب فنحن نؤمن به(مثلهم تماما) وندعو اليه ايضا ولكن على شرط ان لا نقدم الاسلوب قربانا رخيصا في معبد هذا الالتزام لاننا لا نريد ان نعود في المستقبل فنفكر به..ولان الشكل في رأينا هو عنصر الاثارة في العمل الادبي وهو الحقيقة الثابتة ايضا: ولا اعني بذلك ان نهمل الموضوع وانما علينا ان نوفق بين المواد وطريقة البناء بعناية وانسجام وان اي اهمال لأحد الجانبين يشوه عملنا الفني ويعدمه ولقد قام(جدانوف) بمساعدة ستالين وبوحي منه باكبر محاولة في تاريخ الاداب العالمية للقضاء على(التكنيك) والتركيز على المضمون وتحديد الافق الذي يجب على الفنان الروسي ان يستوحيه فكانت النتيجة ان ظل الادب في الاتحاد السوفييتي يدور حول بحيرة واحدة مدة ثلاثين سنة ولم يستطع- خلال خضوعه للاوامر الحزبية- ان يقدم للعالم ماكان يقدمه قبل ذلك ادباء الروس العظام من اعمال ادبية مدهشة واذا ما خضع الادب لروتين معين فإن مصيره(التثلج) وعندما توقف قلب ستالين عن الحركة خرج صوت ايليا احرنبرغ الى العالم مطالبا بتحرير الادب الروسي من عبوديته وقد حدث ذلك فعلا وقذفت مطابع موسكو بمئات الكتب التي تتحدث عن الحب وتصور العلاقات العاطفية(والمجتمعية) بطريقة لا أثر للخوف والتكلف فيها: لقد اراد الحزب الشيوعي ان يظهر المجتمع الروسي مجتمعا مثاليا سالما من كل عورة ولكن التطورات الاخيرة برهنت على ان الاتحاد السوفياتي مازال يحمل الكثير من بقايا الجذور الفاسدة والامراض الاخرى وعلى الادباء الروس اليوم ان يعملو على اصلاح ذلك دون ان يفزعهم شبح جد انوف المخيف وبذلك حقق الادب اكبر انتصار له في القرن العشرين.. اقول هذا ليدرك القراء ان الادب الانساني الذي ندعو اليه ويدعو اليه جميع ادباء العالم لا يختلف في جوهره ومنازعه بين بلد وآخر وليدرك الشيوعيون ان الادب الانساني الذين يدعون الى احتضانه ليس وقفا عليهم فقط ولسبب آخر هو اني اريد من ادباء وشعراء العراق الذين يعالجون مشاكل الانسان ان يبتعدوا كثيرا عن استعمال(الكلائش) والتعابير التي يكثر الشيوعيون في العالم من استعمالها لكي لا تسقط عليهم لعنة الشيوعية فتذهب بأرواحهم: هذه مقدمة قصيرة كتبتها بمناسبة صدور ديوانين من الشعر اولهما للسيد موسى النقدي وعنوانه(اغاني الغابة) والثاني بعنوان(طيبه)للسيد عبد الرزاق عبد الواحد وقد نهج الشاعران في مجموعتيهما نهجا انسانيا وعلى الطريقة الحديثة في نظم الشعر وقبل أن ابدأ بنقد الديوانين احب ان يفهم القراء بان النقد ليس معناه الشتم وليس معناه الاطراء وانما مهمته الكشف عن قيمة العمل الفني ومقدار نصيبه من الفشل والنجاح.إن عبد الرزاق عبد الواحد شاعر موهوب وقد لمسنا هذه الحقيقة في شعره القديم ولكن يبدو لي ان موهبته هذه لا تتلاءم مع نظم الشعر الحر فقصائده في هذه المجموعة لا تختلف كثيرا عن الأحاديث التي تسمعها في مقاهي بغداد عن مشاكلنا الاجتماعية وان هذا النقل الفوتوغرافي لحالات المجتمع وشقاء الانسان لا يدخل في مجال الشعر ولنقدم للقارئ هنا مقطعا من قصيدة (في مندلي) ليمسك بيديه كيف تتم عملية تحويل النثر العادي الى شكل آخر من النثر:

بيك لاخ تعال
تحشرج، الفم بالشهيق
ثم استقرت بصقةٌ كبرى بقارعة الطريق
مازال جورج – هنا.. عجيب أمره لم لا ينام
افلم يزل يرجو زبائن.. أي زنديق كبير يأتيه في هذا الظلام؟
– ( تفضل ولو فد بيك..)
ورأسك لا افضل أن أسير
ولعل بعضهم يعترض قائلا اني قد اخترت اضعف المقاطع في القصيدة أو في الديوان كله لكن أثبت أن(عبد الرزاق) لا يستحق لقب شاعر ولكن الحقيقة ان قصائد هذا الديوان برمتها على هذا المستوى من الانخفاض مع الاسف و(عبد الرزاق) يعرف جيدا اني احبه وكنت اتمنى ان أجد شيئا رائعا في ديوانه لاشيد بنبوغه ولكن ماذا افعل تجاه هذا الكلام الموزون! اما ديوان موسى النقدي فهو لا يرتفع قليلا على ديوان عبد الرزاق انّ موسى يتعب نفسه كثيرا في اختيار الكلمة وان كان لا يعرف كيف يستغلها ويفرغ ل ما فيها من حيوية وليس موسى هو الشاعر الوحيد الذي يمتاز بهذا النقص فإن معظم الشعراء الشباب الناشئين الذين يمارسون الشعر الحر وعلى رأسهم السيد(عبد الوهاب البياتي) لا يجيدون تفريخ الكلمة وتوليدها واستخراج كل ما فيها من حركة ورنين ولنقرأ هذا المقطع من قصيدة رسالة الى خضراء:
انا ذاهب..
خضراء، لا تبكي فعيناك اللتان
يتلألئان
كشعلتين صغيرتين – ستطفئان
بالدمع من هذا البكاء
ان النساء
ينسين والاحزان تفنى كالدخان
وحكاية الحب الصغير
ستفوح ياخضراء من احلى الاغاني
كالعبير
الا يرى القارئ الذكي ان الشاعرين لم يصلا بعد الى حد النضوج وانَّ الحموضة تطفر من انفاسهم فتنفر منها حتى الاسنان الصلبة !
إني أقرر أنَّ الشعر العربي اليوم في خطر فاذا استمر هذا الهبوط  فسوف ترتطم الحركة الشعرية بالقاع حتما فعلينا ان نعمل منذ الآن للقضاء على هذا النوع من الشعراء الذين يستهينون بكل القيم الفنية ويستعملون ضروب الاساليب لاستدرار عطف الجماهير لينالوا شيئا من المجد الادبي. واني اهيب بالنقاد الاذكياء في مصر وسوريا ولبنان وسائر الاقطار العربية الى محاربة كل محاولة تهدف الى اهانة الشعر العربي الحديث الذي اخذ يشق طريقه الى الاوساط الادبية في العالم.

*- الاخبار، العدد 4363، الجمعة 1 حزيران 1956.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *