الرئيسية » نقد » ادب » شوقي يوسف بهنام : حسين مردان وعوالم العقاقير المرعبة؛ رؤية نفسية لمجموعة “صور مرعبة” (6/أ)

شوقي يوسف بهنام : حسين مردان وعوالم العقاقير المرعبة؛ رؤية نفسية لمجموعة “صور مرعبة” (6/أ)

hussein mardan 5shawki 2يعرف العاملون في مجال الطب النفسي آثار التعاطي المزمن للكحول والعقاقير الآخرى على سلامة الجهاز العصبي من حيث بنيته ووظائفه . وليس من شأننا ، هنا ، الدخول في تفاصيل هذه النقطة لا لشيئ الا لانها قد  تبعدنا عن هدفنا الاساسي من هذه السطور . وفي مجموعته المعنونة ” صور مرعبة ” ينقلنا الشاعر حسين مردان الى تلك العوالم . وعنوان المجموعة عنوان موفق الى حد كبير . وكما عودنا الشاعر باسلوبه الساخر والعبثي والمباشر يضعنا حسين مردان على عتبات تلك العوالم الغريبة والعجيبة معا . وينبغي ان نعلم ان هذه الغرابة هي غرابة من طراز مرضي متخيل  بحت . وفي قصيدته الاولى والمعنونة ” مسارب الافيون .. أرجل الذباب ” يحدثنا حسين مردان عن واحدة من تلك الخبرات أو الرؤى الهلوسية اذا كانت نتيجة للتعاطي الطويل لتلك العقاقير . وفي التعليق الذي يضعه الشاعر لعنوان القصيدة وكأني به يفسر ما سوف يذكره في متن القصيدة . يقول في التعليق :-
ارتخاء عجيب وهدوء مزعج
وقلق غامض لا يوصف
(الاعمال الكاملة ، ج1 ، ص 245)
*********************
كما يلاحظ فأن في العبارة الافتتاحية هذه مفارقة عجيبة في بناء المعنى لها . هل الارتخاء والهدوء يتصفان بالازعاج ؟ يريد حسين مردان ان يكون في صخب دائم وتمرد مستمر وثورة لا تنتهي . العقاقير من هذا النمط من شأنها ان تساعد على ارتخاء الجهاز العصبي والنشاط الحركي من السلوك . وحسين مردان يؤمن بهذا الفعالية للعقار ولكنه لجأ اليه فرارا من العالم وضجيجه ولكنه وجد خلاف ما كان يريد . وبدلا من ان يجد السكينة والهدوء وجد هدوءا مزعجا ومملا علاوة على القلق الغامض الذي لا يوصف . هذه هي الصورة التي يقدمها شاعرنا لقصيدته عن عقار الافيون . لنرى إذن ما هي تلك الصور الاخرى التي تلت صورته التمهيدية هذه . يقول حسين :-
وانفض رأسي بعنف
وأحس كأرجل الذباب
تغوص في مخي
وتملأ جمجمتي بأشباح
مرعبة
(المصدر نفسه والصفحة عينها)
*****************
يقول الباحث مالك شبل عن رمزية الذباب في الحضارة العربية ما يلي ” يردّ احد الاحاديث النبوية الشريفة الاعتبار الى الذباب فيمحضه بركة توازي مضاره : ” إذا وقع الذباب في إناء احدكم فليغمزه كله ، ثم ليطرحه ، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء ” (البخاري ، الصحيح ، ص 337) (1) . ونحن لن نقحم تصورا عن الذباب على مخيلة الشاعر . ولكن من المؤكد ان الشاعر يستخدم الذباب ، وخصوصا ارجله استخداما مقرونا بصورة سلبية حيث تغوص هذه الارجل في جمجمته وتملأها اشباحا مرعبة . والصورة لجانب سايكولوجي هو وجود كوابيس مزعجة ومكدرة له بحيث تمنعه من مواصلة النوم السوي على الرغم من تعاطيه للعقار . ولا تخلو الصورة من اشارة الى جانب عضوي الا وهو دخول ارجل الذباب الى دماغه . في المقطع الثاني سوف تتجلى أو تتحدد هذه الكوابيس وتأخذ اشكالا دالة عند الشاعر ولكن بشكل مضطرب . ترى ماهي تلك الدلالات ؟ يقول الشاعر :-
سيقان عارية
ارداف بيض
نهود مقطوعة
وجوه مشوهة تطل من
كل مكان
رؤوس بلا اجسام
تدور حولها قطط ملتهبة
العيون
وتحلق فوقها طيور بلا
مناقير
(المصدر نفسه ، ص 245-246)
******************
حول رمزية القط يحدثنا الباحث اللبناني الدكتور خليل احمد خليل ما يلي ” تتأرجح رمزية القط بين النزعات الخيرة والشريرة ، ويجري تقريب رمز القط من رمز الحية . وكانت مصر القديمة تكرم الآلهة باستيت ، في صورة قط إلهية ، تحسن الى الانسان وتحميه . هناك اعمال فنية تصور القط وفي مخلبه سكين يقطع رأس بها رأس الحية ابو فيس ، تنين الدياجي . يشبّه القط بالاسد ، وهو يمنح البركة للانسان ، اللهم الا اذا كان اسود ، فعندها يكون طالع شؤم ، فالقط الاسود يملك مزايا سحرية ، ولا سبيل للتخلص من سحره الا بقتله ورمي لحمه للكواسر . للقط سبعة ارواح ، والجن يظهر في صورة قط ، حسب الاعتقادات السائدة في المجتمعات العربية – الاسلامية . في كل حال ، يرمز القط الاسود الى الظلمة والموت ” .
وفي هذا المقطع تتجسد هذه الكوابيس على شكل اعضاء للجسد الانثوي على وجه الخصوص ، علاوة على وجوه مشوه تملأ المكان . الصورة التي توحيها هذا المقطع تقترب كثيرا إن لم تك بصورة مطابقة المذبحة أو المجزرة الجماعية التي نراها في اوقات الحروب والكوارث الطبيعية منها أو الانسانية على حد سواء . هنا الشاعر يريد القول ، في تقديرنا ، ان العالم الراهن الذي يعيشه حسين مردان ما هو الا مجزرة بصورتها الحقيقية او الرمزية حيث تمثل الظلم والطغيان الذي يرزح الشاعر وعالمه تحت وطأته . وهنا في هذه الصورة تفقد الرغبة الجنسية جماليتها وقيمتها لأن الجسد الميت لا يثير الرغبة بل يثير القرف . ان الرغبة الجنسية لم تغادر حسين مردان حتى وهي في جسم ميت . ماذا رآه الشاعر بعد هذه الصورة .. هذا ما نجده في المقطع الثاني حيث يقول :-
وانفض رأسي من جديد
ولكنها لحظة
ويعود صراخ الصراصير

الحاد * يدوي في دماغي
وتنطلق في عيني دوائر
صفراء تلصق بعضها
فترسم اشكالا مفرغة
(المصدر نفسه ، ص 246)
*****************
في هذه المقطع يعيش الشاعر خبرة ما يمكن ادراجه ضمن الهلاوس السمعية غير الواضحة المعالم مصحوبة برؤية اشكال غامضة ومبهمة . وإن لم يك هذه الاعراض قد اخذت بعدا واقعيا فهي دالة على رؤية مشوشة للعالم . بتعبير ادق ان العالم من حول الشاعر ليس غير صراصير مدوية بضجيجها المزعج ودوائر صفاء فارغة المضمون . بعبارة اخرى العالم ليس غير هذه الفوضى العارمة التي تسود كل شيئ . في المقطع التالي سوف ينتظم الوعي عند الشاعر . سوف تغادره هذه الاشباح وسوف تنتابه حالة صحو الشعور . وسوف يرى انسانا محددا يعرفه الشاعر من قبل . وعلى اثر تلك الرؤية سوف تغزو مشاعر السعادة كيانه . لنرى ما هي مشاعر السعادة تلك ؟ . يقول الشاعر :-
وعند منحنى الأفق الازرق
يلوح وجهك المستدير
كقرص من الجبن الاسمر
وترتعش أهدابك الطوية
فتغمر الأرض أضواء لامعة
وتغرد عنادل صغيرة
واشعر برفيف أجنحة فراشة
خضراء
وبمثل همس أمواج بحيرة زرقاء
ولكنها لحظة
(المصدر عينه ، ص 246-247)
***************************
يعترف الشاعر نفسه بان حالة الصحو هذه لم تك غير لحظة . كل هذه المواقف التي  سردها لنا الشاعر لم تستغرق غير لحظة واحدة لا غير . لكن هناك مشكلة ستبرز امامنا . كاف الخطاب التي يستخدمها الشاعر غير محركة للدلالة على هوية المخاطب . هل هو رجل أم امرأة ؟؟ . ولكننا سوف نفترض ان المقصودة هو امرأة .. هذا الافتراض ناتج من اعتقادنا ان حسين مردان لا يهوى غير النساء فقط . النساء ونفسه لا غير . رؤية وجهه كانت وراء كل تلك المشاعر التي رآها في لحظة الصحو تلك . الشاعر ينقلنا من مشهد الابادة الجماعية الى مشهد الحبيب . الحبيب فقط هو العالق في الذاكرة دون غيره من الموجودات . ولكن يالخيبة الشاعر بعد رحيل تلك اللحظة الى غير رجعة . لنرى ما هي خيبته هذه المرة ؟ هذا ما سوف نراه في المقطع التالي والاخير من القصيدة . يقول الشاعر :-
وتعود الحشرات الغريبة تزحف نحوي
من جديد
ويمتزج نعيب البوم بنقيق الضفادع
وتتمطى العناكب الحمراء
وترقص الافاعي على اصداء موسيقى
خشنة
فارتجف فرقا ** واضرب رأسي بقوة
فيختفي كل شيئ
ويمر حمار ضخم
فأحدق بوجه صديقي وترتفع يدي با (السيكارة)
الى فمي
(المصدر نفسه ، ص 247)
************************
فقط في المقطع السابق يرى الشاعر العنادل وهي تغرد ويشعر بكونه يطير على جناحي فراشة . ما عدا هذا الشعور فان القصيدة كلها تعج بالحشرات والحيوانات ذات الوقع السيئ على الحس الانساني . فهي اما ان تكون مقرفة واما ان تكون مخيفة . ولكن الحيوان الوحيد الذي رآه يمر من امامه وهذا المرور يقترن مع رؤية الشاعر لصديقه ، فهذا يعني في تقديرنا ، ان صديقه بل كل من حوله اهم شبيهي هذا الحمار الضخم . وارتفاع يده وهي حاملة السيكارة وهي متجه الى فم الشاعر فهذا يعني ، في تقديرنا كذلك ، سخرية الشاعر من صديقه ذاك بل من كل هذا العالم .. سخرية مشحونة بالحسرة على هذا العالم الذي لا يعجب بل لا يسير وفق ما يريد حسين مردان ان يسير .
في القصيدة التالية والمعنونة ” الرجل النحيف ” او ” دنيا الحشيش ” ينقلنا الشاعر الى عوالم عقار الحشيش . وكعادته فيصدر الشاعر قصيدته بعبارة تعد بمثابة مدخلا لها . والعبارة هي على النحو التالي :-
بلاهة عميقة
وانهيار ارادي فضيع
(المصدر نفسه ، ص 248)
*********************
ان الشاعر بهذه العبارة يصف لنا ان دنيته ما هي الا مثل ما وصفها او نعتها في عبارته الانفة الذكر . ان في هذه العبارة ايضا موقفا من تعاطي الحشيش . و لا ادري هل ان الشاعر كان على مستوى الواقع مدمنا على هذه العقاقير . الكحول مادة منتشرة الاستعمال في بيئة الشاعر ولذلك لا نرى مانعا في تعاطيها او ادمانها لا سيما ان فلسفة الشاعر هي فلسفة العبث بحصر المعنى للمفردة . لنرى ماذا رأى الشاعر وهو يتعاطى جرعة من الحشيش : يقول الشاعر في المقطع الأول من قصيدته :-
وتتعلق عيوني بقطعة مجهولة
وأغور في الأعماق
وتنفلت من شفتي همهمات خافتة
وتمرق سيارة او امرأة ثم يأخذني
البحران
وأسبح في وديان السراب
ويترامى حديث أصدقائي في مسمعي
كأصداء طاحونة قديمة
فتستقيم خطوط جبهتي العريضة
وأحدق في بطون عيونهم ببلاهة
مضحكة
(المصدر نفسه ، 248)
***********************
النص هنا ينطلق من ما يمكن تسميته بلغة علم النفس بخبرة استبطانية للشعور معبر عنها بلغة . النص بهذا المعنى تجربة استبطانية . ما يمكن ملاحظته في النص هو هذه الحيرة البادية على الشاعر . ما هي القطعة المجهولة التي تعلقت عينا الشاعر بها ؟ . ان هذا التعلق بهذه القطعة اصبحت بمثابة محور بصر الشاعر إذن . وفجأة يغور في الاعماق . ونحن نفترض مسبقا انه يشير الى اعماق ذاته لا غير . الهمهمات التي انفلتت من شفة شاعرنا كانت بمثابة رد الفعل لتعلقة بتلك القطعة المجهولة . وفي هذا النسق يمكن عدها هلوسة بصرية إذا افترضنا انه يتعامل مع مدمن الحشيش . لم يحدد شاعرنا مثلما فعل في القصيدة السابقة عندما وصف المشهد الذي شاهد زمنه واعتبره مجرد لحظة . هنا الزمان لا يزال مفتوحا . وفجأة يخرج من الاعماق الغائرة التي غاص بها لأن سيارة أو امرأة مرقت من امامه . هنا يخلط الشاعر بين المرأة والسيارة . لكن فعل التأويل واردا هنا . انه ايحاء جنسي صرف . السيارة والمرأة لهما فائدة هي ان السيارة تستخدم للركوب والتنقل والمرأة تستخدم للركوب من خلال الفعل الجنسي . يمكن ان نسأل الشاعر لماذا هذا الخلط بين الاثنين إن لم يك استعارة لنقل رغبة جنسية ؟ . حتى على مستوى اللغة السيارة والمرأة دالان من دلالات الجنس الانثوي . الشاعر يلعب لعبة لغوية عميقة . من جانب أخر يمكننا عد هذا الخلط بين الاثنين الى الصراع القائم في لا شعوره على ان جميع الاشياء في العالم ينبغي ان تكون على هيئة امرأة . والا فما علاقة المرأة بالسيارة لو لم تك هذه الرمزية أو التأويلية لهذه العلاقة ؟؟ . بعدها .. اعني بعد هذا الخلط الرؤيوي يغرق الشاعر .. يأخذه البحران فيسبح في وديان السراب . هذه السباحة هي الاخرى متخيلة ولكنها ، على المستوى النفسي ، تعنى هروبا كبيرا من الواقع . وهذا يعني ان واقع الشاعر واقع مؤلم ومنغص الى حد كبير . ومن هنا لجوئه الى هكذا وديان . وهو يدرك تماما انها وديان من سراب . الا ان هذا التيهان في تلك الوديان لم يمنعه من ان يكون على عتبة العالم .. اعني عالمه الذي هرب منه . وأول ما يسمعه من خلال تلك العتبة هو حديث اصدقائه الذي  يترامى الى مسامعه كاصداء طاحونة قديمة . في تقديرنا ان الترامي وبهذه الكيفية دلالة على النمطية او التقليدية في ذلك الحديث . ونعني بالتقليدية هنا هو ذلك المفهوم الذي ساد في زمن حسين مردان . وبتعبير ادق ان حديث اصدقائه هو حديث لأشخاص رجعيين بالمفهوم الماركسي لهذا المفردة . بينما هو يحلم ببناء عالم جديد كالعوالم التي حلم ببنائها زملائه الآخرين من الشعراء مثل البياتي ولميعة وسعدي يوسف وآخرين ممن تبنوا الفكر الماركسي وجسدوا مقولاته في منجزهم الشعري . ولذلك فلا غرابة ، البتة ، من ان يرى في ذلك الصوت صورة أو صدى لطاحونة قديمة مما اثار سخطه وسخريته معا وكانت نتيجة تلك الإثارة انه عاد الى وعيه وخرج من تلك الوديان الغائرة في السراب فاستقامت خطوط جبهته العريضة وذلك دلالة  على السخط والتعجب والسخرية معا . استقامة الخطوط هذه وسخريته قادته الى نمط سلوكي يتمثل بتحديق في بطون عيونهم ببلاهة فما كان منه الا ان يطلق ضحكة ، نحن من حقنا ان ننعتها بالضحكة الهسترية دلالة على ذلك السخط والسخرية معا .
في المقطع التالي ينطق الشاعر بزلة لسان ، إذا استخدمنا تقنيات التحليل النفسي ، ان نطقه لهذه المفردة لها دلالتها هي الاخرى . لها دلالة في دنيا المشردين الذين لا تقبلهم الا الفنادق الرخيصة والمبتذلة . انها طعام المتسولين من السكارى في الساعات المتأخرة من الليل الذين يمضون كل اوقاتهم في تعاطي الكحول واجترار ذكرياتهم والنحيب عليها . لنرى ما هو هذا الطعام الذي اشتهاه حسين مردان وهو تحت وطأة جرعة من الحشيش . يقول الشاعر :-
كبة !!
ماذا تعني ؟؟

هل قلت كبة !؟
انا قلت ذلك !؟
ولماذا
ويضحك الجميع ، واضحك انا
(المصدر نفسه ، ص 249-250)
********************
إذن ” الكبة ام المصارين ” اذا استخدمنا التعبير العراقي لها .. هي ذلك الطعام الذي اشتهاه شاعرنا وهو يركن في احدى الحانات او منتقلا من احداهن الى أخرى وفي منتصف الليل او ما بعده . لقد نطق الشاعر بها إذن . ولا ندري هل نطق بها على شكل همهمة ام بصوت جهوري ؟ هذا ما نطق به الشاعر . ويرد عليه اصدقائه : ماذا يعني ؟ الا ان الشاعر ينكر بانه قال ذلك .. اعني انه لم يشته ” الكبة ” ولم يتفوه بها باي صيغة كانت . وهذه ظاهرة مألوفة لدى المدمنين عموما لأنهم يكونوا تحت تأثير الكحول او العقاقير الشبيه به فينطق لا شعورهم بحاجات عميقة قد لا يستطيعون التفوه بها وهم في حالة الوعي وتحت ضغوط الرقابة على ذلك الوعي . ونحن لا نعني ، على وجه التحديد ان مفردة ” الكبة ” التي استخدمها هي شبيهة بمثل تلك الكلمات الخارجة من اللاشعور . ولكنها خرجت لأن حسين مردان كان جائعا حقا وقد اشتهى ” الكبة ” ولم يتناول شيئا منذ ايام !!! . ونيتجة ذلك الانكار هو الضحك . الضحك رد فعل نفسي معقد يحمل دلالات مختلفة ومتنوعة (3) . وحتى يخفي الشاعر إشكالية زلة لسانه ضحك مع الجميع للتمويه والتغافل … إذن نحن بازاء ضحك هستيري جماعي . ومرة اخرى ينكص الشاعر الى وديانه السرابية لكي يحس هذه المرة بتغيير في تكوين دماغه . لنصغي اليه حيث يقول :-
وتتلقفني الأمواج من كل جانب
ويستحيل عقلي المتوثب الى كتلة
من الطين
ما هذا ؟
أتسمعون ؟
لقد خرجت أصوات من فمي
(المصدر نفسه ، ص 249)
********************************
ينتقل الشاعر.. أو تنتقل مشاعره من الوديان الى البحر . ولذلك فمن المنطقي ان تلفه امواج البحر هذا . وعلى اثر هذا اللف الموجي يستحيل عقله المتوثب الى كتلة من الطين . ينبغي ان نلاحظ هنا ان الشاعر يشعر بالنرجسية إزاء عقله فيصفه بالمتوثب . الوثبة بمعنى السرعة . وبالتالي فان عقله وثاب التفكير اي سريعه . ولكن من فرط ضغوط الحياة وكوارث الزمان استحال ذلك العقل الوثاب الى كتلة من الطين . في الفقرة الثانية من رمزية الطين يخبرنا الدكتور خليل احمد خليل عن رمزية الطين ما يلي ” لئن اعتبرنا الماء منطلقا (وجعلنا من الماء كل شيئ حي ؛ والمني مثلا ، ماء ، كالدم ) الماء بطهارته الاولى ، فإن الوحل يبدو كأنه مسار استبطاني ، بداية انحلال . من هنا رمزية الماء في اعماق التراب : الماء المدنس ، الفاسد ..”  ولا ادري ان كان الشاعر قد كتب مقطعه هذا وهو يستلهم هذه الرمزية ام لا ، فأنه كان موفقا الى حد كبير في الوصول الى رمزية الطين . لقد فسد عقله الوثاب إذن . وفي المقطع ثمة تعجب من الذات : كيف تخرج من فمه تلك الاصوات او الكلمات أو قل زلات اللسان ؟ . هذا سوف يقوده الى ما نسميه بضياع الهوية ها هو الشاعر يقول :-
خرجت أصوات من فمي ؟
فمن أنا !؟
كلا ..
واضع كفي على قلبي
لا شك اني ميت
وقد مت منذ زمان بعيد
بعيدا جدا
ومع هذا فاني ارى بعض الناس
يتمشون بجمود قاتل
واخفض أجفاني بخوف
(المصدر نفسه ، ص 249-250)
*************************
لقد كان الشاعر مندهشا ، على ما يبدو من سياق النص ، من انفلات لسانه بتلك الزلات . ولذلك اعتبرها غريبة عن سياق تفكيره وتوجهاته . الشاعر المارد .. الفريد .. السوبرمان .. يطلب ” كبة ذات المصارين ” يا له من شقاء ما بعده شقاء . شقاء على المستوى الوجودي ؛ حيث ان الشاعر كان مؤمنا بمسلمات فلسفته . ان اراداته قد خارت وضعفت … بل انهارت وسوف تصاب بالشلل الارادي . عندها اللاشعور كله هو الذي يتحكم بالسلوك بكل جوانبه .. فليس من المدهش إذن ان يتساءل الشاعر :-
فمن أنا !؟
واضع كفي على قلبي
*******************
انه سلوك انسحابي بل نكوصي . هو لم يواجه المحنة بل تقهقر نحو الذات . ووصل الى نتيجة مفادها :-
لا شك  إني ميت
وقد مت منذ زمان بعيد
بعيدا جدا
********************
الا انه ورغم هذه النتيجة المأساوية لضياع الهوية لديه بل موته النفسي ، إذا صحت العبارة على المستوى السايكولوجي ، فأنه لا يزال يتمتع ببعض القدرة على الإطلالة على العالم الخارجي من حوله . وحتى هذه الإطلالة البسيطة قد خيبت ظنه هي الأخرى من خلال رؤيته لعالم جامد . الناس فيه أشبه بالدمى تحركهم شهواتهم ورغباتهم ومقدراتهم ولا يعملون وفقا لمشيئتهم وقراراتهم هم . ولذلك يسلك الشاعر سلوكا انسحابيا مرة أخرى بل يمارس آلية الإنكار .. إنكار النعامة عندما تغرز رأسها في الأرض عندما يواجهها مشكل ما ويتجلى سلوكه الانسحابي هذا بقوله :-
واخفض اجفاني بخوف .
في المقطع التالي نراه لا يستطيع الحركة بل تعطلت كل قواه وهو يحتاج الى من يسنده فيقول لأحدهم من أصدقائه الأقل ثمالة :-
ضع ذراعك تحت إبطي
ماذا يقولون
” حشاش ” ، ” حشاش ”
(المصدر نفسه ، ص 250)
الترنح دالة واضحة على فقدان الجهاز العصبي وخصوصا المخيخ على اداء وظيفته في حفظ التوازن الحركي . وهذا الفقدان هنا هو نتيجة اخذ جرعات كبيرة من الحشيش . والشاعر سوف يبرر كل زلات لسانه والأصوات الخارجة من فمه لا إراديا وامتعاضه من العالم وتبرمه الوجودي هذا من وصف الآخرين له بأنه حشاش . بمعنى أدق هو يخفي أحزانه والالامه ومأساته تحت خيمة الحشيش وعندها فلا حرج عليه . سيمضي الى حيث يريد ويقول ما يريد ويفعل ما يريد .. فهو لا يهاب الناس ولا القانون ولا القيم والمعايير .. انه حشاش .. حشاش لا غير . هل هناك حرج على الطفل حتى يكبر او النائم حتى يصحو او المجنون حتى يعقل .. هاهو حشاش حتى يتخلص من تأثير الحشيش . فليفعل ما يفعل لأنه حشاش وحشاش كبير . الشاعر لا يهمه بما يطلق عليه من نعوت ومسميات على ما يبدو . سوف يعود ، في المقطع التالي الى ذات الاسلوب الذي رأيناه في المقطع السابق . هذه المرة سوف يشتهي لحما مشويا . وكما هو معروف فان اصحاب اللحم المشوي يكونون قريبين من الحانات ان لم تك تلك الحانات نفسها تقدم اللحم المشوي مع مشروباتها . يقول الشاعر :-
اريد قليلا من اللحم المشوي
قلت لك اريد ان انام
الا تفهم
مطعم ؟
هل قلت اني جوعان ؟
واقف لحظة
. . ثم اسحب صديقي واسير بسرعة
خارقة
اين نحن ؟
اخرجني من هذه الظلمة
ظلام ظلام
واعدو كالحصان
يا الهي
ولكن اين الفندق !؟
على اليسار
جهة اليسار
اليسار ، اليسار
هل سمعت ؟
اليسار (فندق السعادة)
السعادة !
اه ..
وارتفعت قدمي اليمنى كبرميل من
رصاص
وصفر احدهم  ، فارتعش شعر
رأسي أليس لهذا الدرج من نهاية
. . ؟؟
(المصدر نفسه ، ص 250-251)
*******************
هنا الشاعر يعيش حالة تأثير الحشيش باوسع معنى للمفردة . الخلط في التفكير واضح . بل هو يعيش ما  نسميه بتطاير الافكار والقفز من فكرة الى اخرى . فهو مثلا يريد لحما مشويا ثم يريد ان ينام . يترآى له انه رأى مطعم ولكنه غير متأكد من انه قال جوعان . وقوفه للحظة دالة من دلات الحيرة والتردد ، ثم يسحب صديقه بسرعة خارقة لكي يسأله :
اين نحن ؟
العالم كله بدا له مجرد ظلام في ظلام . انه يريد النور والحرية والضوء في مفهومه النفسي . نحن نعلم ان بعض الاثار الجانبية لهذه العقاقير هي جعل متعاطيها خفيفي الحركة ولهذا كان جريه مثل الحصان . الحشيش يعمل على اطلاق الطاقة وانفلاتها من معايير الرقابة والسيطرة . ينتقل الشاعر من المطعم الى الفندق . الفندق مآواه الوحيد في هذا العالم . لقد فقد التوجه المكاني لولا صديقه ليشير له الى ان الفندق يقع في اليسار . هناك في اليسار فندقه المسمى بفندق السعادة . هذه الاسماء كانت شائعة ولا زالت في المناطق التي تكتض بالمشردين والمتسولين .. فندق السعادة .. فندق الاحلام .. فندق ليالي بغداد …وما الى غير ذلك من مسميات . المفارقة تتجلى عند شاعرنا انه يسكن فندق السعادة وهو لا ولم يعرف معنى السعادة في حياته على  الاطلاق . ولذلك كانت تأوهاته عندما وصل الى فندقه .. ان ارتفاع قدمه الايمن إشارة الى عدوانية نحو العالم .. الشاعر يريد ان يدمر العالم .. ان يجهز عليه .. ان يغير من خارطته  بكل ابعادها .. وانتبه الى صفير احدهم فارتعش رأسه وكان سؤاله الازلي :-
أليس لهذا الدرج من نهاية
.. ؟؟
*************
في تقديرنا ، هذا السؤال تعبير عن محنة الشاعر الوجودية . اليست لهذه الالام والمأساة والاحزان من نهاية . يحدثنا الباحث اللبناني خليل احمد خليل عن رمزية السلم ما يلي ” تنحصر رمزيات السلم (المعراج ، المرقاة ، القياس) في مسألة واحدة : العلاقات بين السماء والارض . فالسلـّم هو الرمز الابرز للصعود والتقويم أو التقييم ؛ وهو يتصل برمزية العمود او التعامد . يتضمن السلم درجات (مراتب) . وفي الاسلام ، رمز العروج النبوي إلى السماء ؛ وعند الصوفية رمز صعود النفس ، المنعتقة من قيود العالم الحسي ، واتصالها بالعرفان أو المعرفة الحكمية (5) . وايا كان الاستخدام الذي يكمن في وراء استخدام مفردة السلم .. يبقى السلم في نظر شاعرنا دالة من دالات الملل والضجر والانتظار . علاوة على ان استخدام الشاعر لمفردة السعادة كعنوان لفندقه ملحقة بعلامة تعجب (!) هو دليل على ان لا سعادة في حياة الشاعر او لم يذق لها طعما في تلك الحياة . نرى من خلال المقطع التالي سردا وصفيا لاحلامه وهو يصل الى الفراش بمعونة احدهم . لنرى كيف كان ذلك السرد من هذا القطاع المهم من خبراته . هاهو يقول :-
وتهاويت على الفراش كجدار من
رماد
ونزت اعضائي عرقا
وبدأت الأحلام
فتيات عاريات ، معلقات على صلبان
من ذهب
عجلات مختلفة الاحجام ، تدور
بلا انقطاع
صرير نوافذ لم تفتح منذ زمن
ثيران مجنحة
خنازير مبقورة البطون
جثث باردة اللحم
عصافير ميتة
وتمطر السماء ريشا اسود

ويغيب كل شيئ
وامسح شعر صدري بأنامل مثلجة
(المصدر نفسه ، ص252)
********************

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *