وليام دافي:موت الرواية الجدية في الولايات المتحدة الأمريكية*

William Davey
The death of serious Fiction in the United States

ترجمة : حسين عجة

hussein_ajaهناك أسباب عديدة لموت الرواية الجدية في الولايات المتحدة في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين. العلة الأولى هي طبيعة الشعب الأمريكي نفسه. فالأمريكان هم أناس دائماً ما يتعاملون بازدراء مع الماضي، وينظرون إليه من زاوية نظر الدفاع الذاتي لأنه يذكرهم بأوروبا والشرق، اللذان تربطهم علاقة عميقة بذلك الماضي فيما لا يتمتعون هم بمثلها. لقد كان “برتراند رسل”، ذو الماضي العظيم، قد شخص صفات الذكور الأمريكان عندما تحدث عنهم باعتبارهم “قساة، ولا يعرفون التأمل”. أن تعبير “رسل” هذا صحيح، ذلك لأن طبيعة هؤلاء الذكور الذين لا يميلون إلى التأمل ترتكز على احتقار كل ما لا يمتلكونه. ففي الحقيقة لو كان رجل اللاتأمل الأمريكي هذا قد أضطلع بكتابة يوميات الفيلق الروماني في الحرب “الماركومانك” الثانية القديمة، لما كان بمقدور خلفه قراءة “تأملات” “ماركوس أيريليوس” Marcus Aurelius.william_davey

لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية دائماً ذلك البلد الذي يمجد الفتوة ويتألم على فقدانها. وهذا معناه بأن أي روائي يكتب عن أحداث جرت قبل بضعة أعوام، سرعان ما يُتهم من قبل وكلاء الأدب الأحاديّ الجانب ويُصَنف ضمن قائمة منْ “يكتبون عن أحداث الماضي”، وتلك خطيئة قاتلة في الولايات المتحدة، ماعدا منْ يكتبون عن “الحرب الأهلية” “Civil War”، التي يتمّ التعامل معها باعتبارها استثناء عن القاعدة. وذلك ما يشاركهم فيه كل أصحاب الصناعة وحتى العديد من الشعراء الأمريكيين. فهنري فورد، بثقته بنفسه، التي وفرها له جهله، كان قد أطلق كلمته الشهيرة : “التاريخ هو بنك”، أما الشاعر “كارل ساندبورغ” Carl Sandburg، فيشاركه بذات الحكم الجاهل عندما يقول “التاريخ دلو من الرماد”.

إذا ما توخينا فهم شتائم العقاب الذاتي هذه، فأنها ستكشف لنا عن شيئين : في الميدان الأدبي، يُقتطع ويُستثني حقلاً بكامله من كتاب الرواية، أما في ميدان السياسة، فهي تضمن لنا بأن السياسة الأمريكية الخارجية “American foreign policy” سوف لن تتعلم أبداً من أخطاء الماضي. في الحقيقة، غالباً ما يسمع المرء عبر الخطب التي تُلقى في المؤتمرات الأمريكية التعبير التالي : “أنتَ تاريخي”، وذلك يعني بأنك شخص لا يتمتع بأية جدارة ولا يستحق الاهتمام وبالتالي يمكن إهمالك. ولذا سيكون الكاتب الجدي مرغماً على التساؤل مع نفسه إذا ما كان لظلم كهذا دلالة أعمق. وستكون إجابته في الواقع بنعم، وذلك بالقدر الذي تعني به تلك المقولة بأن الروايات التي تتعامل مع أشياء تافهة في الحاضر تحظى على حظوة الوكلاء الأدبيين، الذين سيدفعون بها إلى الناشرين، الذين سيوافقون، بدورهم، على نشرها على حساب الروايات التي ترتبط بأحداث جدية في الماضي.

وذلك يُدلل بأن كل سوقية هي شعبية في الحاضر، وكل ابتذال يتمّ قبوله باعتباره شيئاً مُثيراً، مهما كانت لغته (أيّ كانت حماقتها) ويمكن استخدامه من لدن العديد من الكتاب لنيل موافقة الناشرين والجمهور. فحتى المجلات “الصغيرة” صارت تُخبر من يساهم فيها بأنها تُريد منه تقدّيم شيئاً “معاصراً”، ولا أحد يزعج نفسه كما يبدو لمعرفة بأن مفردة “معاصر” سوف تكشف حالاً عن جانب من أكثر جوانب الحداثة تكبراً -عن عمر غير متوقع بعبثيته. أن هذا الاحتقار للماضي، التقديس للحاضر، وذلك الهوس بالشباب وبكل ما هو جديد، قد أدى لتدمير الآثار النفسية القومية والمجتمع ذاته، الذي لا يشكل الأدب سوى جزء منه. لقد خلقَ ذلك حالة من الصبيانية والتفاهة في الحياة حداً صار يرغب فيه البالغون بزيارة “دزني لاند” Disneyland، ومشاهدة أفلام خلاعة ترتكز على ما هو كوميدي. إذ غالباً ما يتم استقبال كلمة “جدية” في الحقيقة بنوع من التكلف الذي ترافقه الدهشة، وكأن الفرد الذي يستخدمها فاقداً لمزاج الدعابة، ولا يدرك بأن الجدية تعني ما هو “مهيب” “solemn”.

لكن دعونا الآن القيام بتحليل للكيفية التي أوصلتنا إلى تلك الحالة من التخلف الثقافي. كلما ضاعفنا تمعننا فيها كلما وجدنا (شأنها شأن أي شيء آخر في الولايات المتحدة) بأنها مرتبطة بالمال. كذلك سنلاحظ بأن العامل الرئيسي في تطوير مناطق مُفاجئة من الفرص الرأسمالية هو ليس حركة الشغل الكبير “Big Business”، ولكن الجامعات القومية. فأسباب الجشع المُريبةِ لم تكن يوماً غائبة عنها، بل على العكس من ذلك تتضاعف يومياً، كأي شيء آخر. كما أن أول الخاسرين من هذا الاختناق الفردي المتنامي هم الكتاب الذين يحملون شهادات بالتربية الجامعية تهتم بالتاريخ الأدبي، والذين أخفقوا بإدراك أنه إذا ما كان المرء يرغب في تلقي شيكات كبيرة فما عليه سوى التحول ليكون واحداً من كتاب مجلة “نيو يوركر” New Yorker، أو إذا ما حالفه الحظ عليه أن يكون من بين كتاب أفضل الكتب بيعاًً “best sellers”. لكن وبالرغم من حركة “النجاح” الموعود هذا، يواصل الكتاب الذين كانوا هم أنفسهم قراء نقاد ملاحظة الخيط الواهن والقناعة الذاتية الفارغة لكتاب “نيو يوركر”، فيما أصبح من الواضح، على المستوى القومي، بأن موضوع آخر للرواية قد شرع يلوح في الأفق وكأنه أضخم من الطريق الذي تمت كتابته من فوقه. لقد كان ذلك الموضوع هو تيمة “الغني والشهير” “Rich and Famous”، التي تقتضي دائماً اشتمال إرغامي لمشاهد جنسية مبتذلة تقبض على انتباه القارىء الأمريكي الجاهل، الذي لا تتوقف عملية غسل دماغه.

بعد ذلك بقليل، شرعت رسائل مساعدو رئيس التحرير تأخذ لنفسها عناوين تخبر عبرها المتلقين بأن لديهم معايير “للكتابة الإبداعية” “Creative Writing”، فيما لا يمكن للعناوين العادية الإشارة على تمييز كهذا. ليس ذلك وحسب، بل وكانت لرسائلهم خاصية تهريجية أيضاً في الملاحظة وصياغة الجمل التي تُوَلدُ لدى المرء انطباعاً بأنها كانت مصاغة من قبل “معلم” “master” – لكنه ليس ذلك المعلم الذي يرجع إليه الكتاب، كفلوبير أو تولستوي- لكنه أداة ميكانيكية من أجل ضبط أداة أخرى بذات الطريقة المتماثلة.

أن احتقار الأشياء الجدية، ونكران ما أطلق عليه الفيلسوف الأسباني “آنومنو” Unamuno تسمية “المعنى المأسوي للحياة”، قد أدى منذ وقت قريب إلى عبثيات أكثر خزياً، وذلك بإعادة كتابة ونشر الحكايات الخيالية الكلاسيكية، بعدها أزيلت هالة التهديد هذه، ليتم أبدالها بحلوى مزيفة، عاطفية، معدومة الخصوصية، وخالية إلى الأبد من أي أذى يمكن أن يلحق بتجار الأوهام الأمريكية الحلوة. من بين هؤلاء التجار الذين يسعون لإسقاط الواقع الشعري الذي يتحدث عنه “برونو بتلهايم” Bruno Bettelheim، في كتابه “استخدامات الجذل” “The uses of Enchantment”
هناك “مارغريت سيندر” Margaret Snyder، رئيسة تحرير “النشر الغربي” “Western Publishing”، وصاحبة شركة “الكتب الذهبية” “Golden Books”، وحالياً الناشرة المُشذبةِ للحكايات الخيالية للأطفال. فالسيدة “سندر” تقول عن تلك الحكايات : “هناك أشياء كثيرة فيها يمكنها أن تفزع أي واحد”. أن ضعف وشحوب تفكير “حارسة الطفل” هذه يتناقض بوضوح مع قوة ما قاله “بتلهايم” : “تُلَمحُ الحكايات الخيالية بأن الجزاء، وكذلك بلوغ المرء الحياة الطيبة ممكناً بالرغم من أي عائق، لكنه لن يفلح بالوصول إلى ذلك إلا إذا لم يهرب من الصراعات الطارئةِ”. وكذلك هو الأمر بالنسبة للتفكير القوي والمعافى “لموريس سنداك” Muarice Sendak الذي يتحدث عن الأطفال : “نحن لا نعينهم عن طريق الكذب والرقابة المفروضة على الكتب. نعينهم بفضل قول الحقيقة…”.

يَعْرفُ الكتاب الكبار ذلك. فقبل مئات الأعوام كتب غي دي موبسان قصة أسماها “المغفرة” “Le pardon”. تظهر تلك القصة العواقب السيئة في تربية الأطفال، عندما نربيهم بطريقة تجعلهم “لا يشكون بأي شيء، لكنهم حين يبلغون، بدورهم، مرحلة معايشة الحياة وعيونهم وعقولهم مغلقة بعصابة وضعت من فوقها، فسوف لن يساورهم الشك أبداً بأن هناك أنواعاً أخرى من الوجود، ولن يعرفوا بأن المرء لا يفكر دائماً بذات الطريقة التي يتحدث فيها، ولا يتحدث كما يفعل، كما أنهم لن يدركوا بأنه من الضروري أن يعيشوا حتى أثناء حربهم مع العالم، أو على الأقل في أيام السلام المُسلحِ، ولن يخمنوا بأن العباقرة دائماً ما يخيبون، ويُتفه منْ هو مخلص، ويُخطأ الفاضل”. تظهر هذه القصة الكئيبة كيف أن طفلاً قد تربى وهو يجهل ظروف الحياة الفظةِ، سينشأ بلا سلاح حيال أشكال الواقع المؤلمةِ التي ستهاجمه بغتةً بالرغم من كل “الحماية” الأبوية السابقة. قد ينبغي علينا الذهاب مع ذلك المرض إلى شوطه البعيد لكي نقول، في النهاية، بأن مجتمعاً قد تربى تحت هذا القناع التجاري غير الواقعي لا بد وإن يكون، حين يواجهه مجتمع أقسى منه، عاجزاً عن حماية حضارته الخاصة. أن ذلك الكذب الذي يمس الأشياء الأساسية قد أصبح الجزء الأكثر أهمية في النجاحات التجارية لأميركا، ويشكل فلسفياً ملامحها الأشد كآبةً، وذلك ما تشهد عليه شعبية “دزني لاند” Disenyland، فلآباء الذين لا حس نقدي لديهم سيكون أطفالهم محرومين منه أيضاً، ومجتمع فاقد للعزيمة كهذا سيواجه عاجلاً المحاكمات القاسية التي تولدها الحياة.

والآن، ما الذي يمكن أن يفعله كاتب جدي في مجتمع ينظر حتى للحكايات الخيالية باعتبارها شيئاً غاية في الجدية؟ ذلك لأنه من غير تهريب المخطوطات إلى بلدان لا تخلط ما بين “بريق” ملايين الدولارات والقدرة الأدبية، لم يبق هناك سوى القليل من الإجابات على هذا السؤال. لكن يمكن لتهريب المخطوطات أن يجعل كتاب آخرين للرواية الجدية يترددون، كتاب لم يشعروا بعد بأن مجسات الكارتل الإستيطيقي “aesthetic cartel” تطوقهم، وكتاب ما زالوا يتشبثون بأمل يقظة الجامعات القومية على حقيقة أن أرنست همينغواي Ernest Hemingway قد حصل على جائزة نوبل دون أن يذهب إلى أية مدرسة ثانوية، أو من دون أن يحظى على شهادة الـ “summa cum laude” “للكتابة الإبداعية”. لسوء الحظ، هناك المال الممتزج بالإنجاز الموعود للأحلام اللاشرعية، ولذا يمكن للسلسلة الربحية “للمؤتمرات”، “ورش العمل”، و”التفرغ” مواصلة عملها إلى أن يتم تحويل الأدب الأمريكي من فاعليته الفردية إلى نشاط مجموعة من الأشخاص. فهناك سلفاً مئات المئات من آلاف الحاصلين على شهادات “الكتابة الإبداعية” الذين يُفَرْخون على طول وعرض الولايات المتحدة، والمغتبطين بمجرى الشغل الكبير “Big Business” الذي يبحث عن التنميط في كل شيء “seeks standardization in everything”.

يمكنني أن أقدم لكم مثلاً ملموساً على ذلك. في عام 1987 -أي قبل أن تتولد الحكمة لدى أولئك الذين الغوا في عام 1988 ظهور الإتحاد- كان المجلس الاستشاري للمجلات الأدبية، الذي تمّ تجهيزه من قبل مجلس التنسيق العام للمجلات الأدبية، قد أعد قائمة بأسماء “المساهمين”. أما أولئك الذين لم يفكروا بأن الشغل الكبير يتمتع بروح إستيطيقية أنعم من الليل نفسه، فكانت تلك القائمة قادرة على جعلهم يدركون إلى أي حد كانوا على خطأ (وقد يندم المرء حتى على وفاة ذلك الذي علم رجال الأعمال الأمريكيين “القساة والمحرومين من التأمل” قبل سبعة عشر عاماً لكي يعرف كمية “التأمل” الذي قدمته نقاباتهم من أجل ضبط الأدب الأمريكي من منبعه). من بين هؤلاء الذين قاموا بذلك التأمل هناك البنك الكيميائي “Chemical Bank”، مُدمج أديسون “Consolidated Edison”، أكسون “Exxon”، جنرال اليكترك “General Electric” ، ومؤسسة موبايل “Mobil Foundation”.

حسنا، ما الذي أنجزه اتحاد الجامعات والشغل الكبير “Big Business”؟ لقد خلق مناخاً أدبياً للتنميط مع كهانته الشرعية التي ينبغي على الكاتب الأمريكي المعاصر الخضوع لها أولاً. أما إذا ما رفض ذلك، فسوف لن يكون له أي حظ في النشر، ذلك لأنه سيتم التعامل مع عمله، في هذه الحالة، باعتباره فردياً بالأحرى، وسينظر له من قبل المدرسة الثقافية للكاردنالات باعتباره عملاً يشذ عن التنميط الكامل للنتاج المُتماثل. لقد تمّ تعميم هذا الموقف عالمياً أيضاً. فمنذ وقت قريب، كان كاتب أعرفه تلقى رفضاً لقصة من قصصه الممتازة من قبل أستاذ في أحدى الجامعات الإنكليزية. فقد أعاد هذا الأستاذ ذلك النثر الهجومي بالتعقيب النمطي لهذه المرحلة القبيحة قائلاً : “أن قصتك فردية، وهذه خطيئة. فالفردي لم يكن أبداً قوياً كعمل ينهض من الصلابة الجماعية”.

لقد أدت كل تلك الأحكام المسبقة « idées reçues » إلى توافق خطوات وكلاء الأدب مع كتاب التعقيبات الصحفية على الكتب، مادام أن الطرفين قد أخضعا حريتهم الإستيطيقية إلى أوامر الأرثوذكسية الجديدة. فالمعقبون على الكتب، الذين يخشون من فقدان عملهم، ما عليهم سوى التخلي عن مسؤوليتهم الأدبية وذلك بتقديمهم للمديح للروايات المولودة ميتةً التي أخرجتها الصحافة واستولى عليها ابتذال الأفكار والغنى الفاحش. فما هو صاعق بتلك الروايات المكتوبة والمنشورة تحت مثل هذه الظروف هو خلوها المرعب من الحياة. في الحقيقة، هناك ملاحظة أخرى ينبغي إضافتها لموضوع ذلك التعقيب القذر. فاليوم، حين يرغب كاتب التعقيب الاستشهاد بشيء يظنه مقطعاً متألقاً، على المرء تحصين نفسه بدرع فولاذي لكي لا يلتقي بتلك اللغة التي تشبه تصريحاتها المتشنجة حالات الشلل المخي.

ليس من الصعب اكتشاف سبب ذلك. فتحت الظروف الحالية للنشر لا تُجمع الأموال من الأفراد -ذلك لأن الأدب هو فردي دائماً- ولكن من تنميط الناتج المتماثل. وماذا يمكن أن يكون هذا غير تطبيق لقاعدة تجميع الأدوات الميكانيكية على الفن الأدبي؟ بيد أن هذا يحدث أيضاً كنتيجة طبيعية. لأن بقايا حطام الجزر المهجورة والأرض الخراب الثقافية قد كيفت الجمهور على التفكير بأن تلك هي الحالة العادية للأمور. فبروست يطلق تسمية “الروائيون المبتذلون” على أولئك الأفراد الذين يتمّ التعامل معهم في مراحل بعينها باعتبارهم عباقرة لأنه لم يبق هناك فنانين لكي يكشفوا عما تعنيه الموهبة الحقيقة ولأن ذات الابتذال قد تمّ تقويته وتعميقه عند الجمهور نفسه.

لكن ليس هناك من هزة أرضية لا تتبعها لحظة ما بعد الصدمة، فالمستوى الأدبي لمدينة نيويورك أعقبه فقدان استقلال محلات بيع الكتب، كما حدث لمكتبتي “برنتانو” Brentano و”سكربنر” Scribner، إذ جرى استبدالهما بسلاسل كتب “والدنبوكس” Waldenbooks، “بارنس” Barnes ونوبل. فلأول مرة يتولد عند صحيفة “النيويوركرز” نظرة حنين نحو الاختفاء المادي للمكتبات الذي سببه التحطيم التنميطي : لقد فقدت مدينتهم مكانيين ممتعين. فحتى ما تبقى من استقلالية المكتبات قد سُحَبَ البساط من تحت قدميه عبر التقارير المالية الحديثة التي مُنحت للسلاسل التجارية من قبل ناشرين تجار.

غير أن هذه هي اللحظة التي ينبغي على الكاتب ومؤرخ الكوارث أن يقول فيها لنفسه : “حسناً، يجب عليَّ القبول بهذا الحساب خشيه التفريط بالأشياء”. لا بد له من قول ذلك، غير أن المزيد من الأحداث القادمة ستمنعه من تحقيق رغبته. لأنه حتى السرد المتوازن، في هذه القصة المفرطة بشناعتها، قد تنكرَ لحظوظه في الصفاء الأسلوبي وذلك بالقدر الذي تتواصل فيه الأحداث الجديدة الأكثر سوءً من سابقتها. فمنذ وقت قريب، أسس الناشرون ما يطلقون عليه “شهرة الرواية” وهو نوع مما يُسمى الأدب يُوعد فيه رياضي مشهور أو شخصية مُعتبرة بربح ملايين الدولارات إذا ما كتب بضعة “روايات”، وهم سيقومون بذلك في الواقع، فشيء كهذا يبدو أنه لا يؤذي لا الناشرين ولا الجمهور. بطبيعة الحال، ستتنافس كتب كهذه فيما بينها من فوق رفوف السلاسل التجارية، وستكون كتب الكتاب الحقيقيين وحدها منْ يعطي أساساً للكتب “المكتوبة” من قبل الكتاب الدجالين.

وفيما كانت المصائب المُخطط لها تتواصل، ظهر نوع ضخم من “خطف” الأموال، أطلقه نمط جديد من مليارديري الأعمال (واحد منهم وبعد أن أتعبته تجارته في الخطوط الجوية، شركات الكومبيوتر، وغيرها من مراكز الربح)، قرّرَ غزو الثقافة الأدبية وإخضاعها لعلاج طائش من “جذورها”. ففي تاريخ 4 يونيو أخبرتنا مجلة “التايم” بأن السيد “سيمون إسحاق نيوهوس” قد أمتلك أو صار يدير شؤون دور نشر الكتب التالية – “رنادوم هاوس”، “الفريد.أ كنوبف”، “كروان ببلشنك”، “بانتون بوكس”، “شوكن بوكس”، “تايمز بوكس”، “فيلارد بوكس”، “فانتاج بوكس”، “كلارسون بوتر”، “هاموني بكوس” و”بلانتين”/دل ري/فاست. لكن التملك وحده يبدو لم يكن كافياً، إذ عزم السيد “نيوهوس”، بخطفة جشع تشبه لقطة التصوير الفوتغرافية، شأنه شأن الطائش “سامسون” العديم الثقافة؛ عزم على تهديم أعمدة شركات نشره وجعلها تنهار كأعمدة منزل مدمر. وكان أول ضحايا ذلك التدمير هو دار نشر “بانتيون هوس” الشهيرة، وإلى جانب تلك الدار المهدمة طُرح أرضاً أكثر الناشرين تميزاً “أندريه شفنر” Andre Shiffrin. مع أن “بانتيون” كان هو ناشر غنتر غراس، بوريس باسترناك، جان بول سارتر، “زويه أولدنبورغ”، “برانس لامبدوزا” وغيرهم، أما السبب الذي يتم تقديمه لتبرير مثل ذلك التدمير الثقافي، الذي جلبه هذا النموذج الجديد الذي ذكره من قبل برتراند رسل، عندما تحدث عن “رجال أمريكا القساة، المحرومين من التأمل”، فيكمن في أن هؤلاء الكتاب لا “يدرون ربحاً” “not profitable”.

بعد ذلك -أي بعد التدمير المخطط له من قبل المُختلس الرأسمالي على حساب الناشرين، المحررين، الكتاب، القراء، أصحاب المكتبات، لكي تتم ترقية صيغة الرواية “المدرة للأرباح” لكتاب بمستوى دوني مثل “جودث كرانتس” Judith Krantz- شرع في الظهور شيء لا يمكن ضبطه حتى من قبل مختطف الأموال ضمن صف النثر الجديد هذا، وصار يتقدم لكي ينشر ظله الضخم العبثي من فوقه. أتحدث هنا عن انحطاط اللغة، المادة التي تًصنع منها الرواية. فهنا، على الأقل، لا يمكننا توجيه اللوم للسيد “نيوهوس”، ذلك لأن تدهور اللغة قد بدأ منذ ستينيات القرن المنصرم. فهذه الإنكليزية المُسفهةِ هي لغة عشائرية تبنتها مجموعة من الكتاب (جميعهم كانوا قد تلقوا دروساً وشهادة في “الكتابة الإبداعية”، أو، أفضل من ذلك حتى، معلمين لها)، وتبنتها كذلك مكاتب التحرير، وكلاء الأدب، المعقبون على الكتب، ومفبركي أنطولوجيات القصة الرائعين مثل “رايموند كارفر” Raymond Carver، والتي تخلو من الحد الأدنى من المحتوى الذهني واللغوي. فكل شيء مكتوب بفطنة ويتطلب اللغة سرعان ما يتمّ استقباله بعداوة من قبل تلك الجماعة وبالتالي يتم إهماله باحتقار وتلصق به صفة النخبوي “elitist”. وخلف هذه المفردة تتخفى فرضية الجماعة التي تحكم بأن نقص الذائقة عند الجماهير تكتفي بشيء أقل من كفاية الفرد.

غير أن مشاكسة تلك الأفكار قد ولدت لغة ميتةً، و، مع أنها فاقدة للحياة، انتشرت. إذ لم يمر وقت طويل، حتى صار كل “Good Ole Boy” يمتلك شاحنة مخطوفة تحتوي على 600 طلقة فارغة في 6 علب تقعقع في الخلف ويحمل بيده “كلاشينكوف” Kalashnikov يطلقه على الجيران، ثم يستيقظ جذلاً في صباح اليوم القادم لأنه تعلم بأنه يتمتع الآن بأسلوب-حياة “life-style”. “فستيف دورز” Stevedors ، الذي كان معتاداً على التفكير بأن المراكب غير المحملة “unloaded ships” هي المستفيدة كذلك من حالة الإثارة الجديد هذه، سرعان ما أكتشف بأن ما كانت تقوم به تلك المراكب هو التفريغ off-loading. فحتى سواق السيارات أخبروا بأن النقص في البترول ناتج عن أزمة طاقة “energy crisis”. لم تكن هناك من نهاية لهذا التضخم القومي للاعتداد الذاتي self-importance.

بالرغم من أن الولايات المتحدة لا تبدو مدركة للمخاطر المترافقة مع الاستخدام المسيء للغة، لكن أمة أخرى غيرها قد أدركتها سلفاً. فالصين عرفت منذ خمسة وعشرين قرن سوء استعمال اللغة. فعندما سُئلَ عن ماذا ينبغي القيام به من أجل أصلاح الكوارث التي سببتها الظروف المدمرة، كان كونفوشيس (كما يقول ياسبرز) قد قدم “إجابة مهمة”. يجب وضع الكلمات في مكانها الصحيح، قال، فإذا أسيء استخدام اللغة حينئذ ستستخدم المفردات لمعاني لا تتوافق معها، ومن ثم سيتولد انفصال ما بين الوجود واللغة. لذا، إذا ما بقيت اللغة في حالة فوضى، سيصبح كل شيء خاطئاً. ثم أضاف : “إذا لم تكن الكلمات صحيحة، آنئذ لن تكون الأحكام واضحة”.

واليوم منْ الذي سيطالب بالوضوح لصالح نوعية الأحكام الأدبية في الولايات المتحدة؟

*تمت الترجمة عن النص الإنكليزي المنشور في مجلة “The Long Story” عدد 13.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالله نوري الياس : (ذاكرة الطين) .

فصل في ترتيب الخلق  خلق على معلقة الارض ذاكرة تملأ الطوفان  بالعشب والمياه  الغبشة تبحث …

| فهيم عيسى السليم : لسان العراق-اللغة العراقية المحكية لغة الشاعرة فدعة – الحلقة الثامنة عشرة.

  أضفت هذا المبحث في هذا الكتاب كونه واحداً من المصادر القليلة المتوفرة عن اللغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *