مؤيّد داود البصّام : هايدي شاكر … الحب يحتضن الجراح

hidi shakermuaiad albassam 1الفنانة هايدي شاكر سبق لها أن قدمت إعمالا خزفية جميلة في معارضها السابقة أن كانت معارض فردية أو جماعية، تنم عن إمكانية في فهم طبيعة الخزف إضافة إلى المواظبة على روح الإبداع في اكتشاف الجديد والحديث، وبالروح الشفافة في التعامل مع اللون والكتلة، ولكنها في المعرض المشترك لأساتذة معهد الفنون الجميلة في بغداد الأخير لسنة 2012 في قاعة وزارة الثقافة، تتحرك هايدي لتخرج فن السيراميك من فن جمالي نفعي إلى فن تركيبي يقترب من العمل النحتي، وأقرب إلى تماثيل النصب، ولكن هذا لا يعني أنها تخلت عن الخزف نحو النحت، فالعمل بمجمله عمل خزفي، تحرك من بعده الجمالي النفعي إلى الرؤية الفنية لوقائع الحياة، في احتدام وصراعاتها ورؤية الفنان وفيض مشاعره تجاه الواقع، وهي مسألة أنتج فيها الكثير من الخزافين في أنحاء العالم ، إعمالا تقترب من فن النحت أن لم تكن هي عملا نحتيا أكثر منه خزفيا، فمن المعروف منذ أن بدا الإنسان يصنع بيده من الحجر والخشب والطين ما يساعده على العيش، بدأت الأحاسيس الجمالية تأخذ طريقها بعد أن استنفذ منافعه من الإشكال التي صنعها، فتاق إلى إيجاد البعد الجمالية الظاهر في الأدوات التي ينتفع بها، لتكون المتعة مزدوجة مادية وروحية، وهو ما وصل إليه فنانوا الباو هاوس وأحدثوا ثورتهم الجمالية في الإنتاج الصناعي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أن هذا الانزياح الذي عملت عليه الفنانة هايدي شاكر، منح عملها أبعادا متعددة، بين القيمة الجمالية للمنتج وبين النص المحمول ضمن فكرة التقطيع حتى لا تتخلى عن منهج الخزاف وبين التكوين العام من حيث إيحاءات الشكل كونه خزف منحوت، هذه البنائية التي صاغتها على الشكل بطريقة التركيب ومزجت عدة مواد في تركيب الجسم العام للمنتج، أبقت النسق باتجاه فن الخزف ولم تخرق السائد، لأنها جعلت عملها يستمر في الانتماء للخزف أكثر منه لنسق آخر، حتى لا يختلف التشكل والبناء العام، وهي إذ ذهبت إلى هذا البعد التقني  حتى لا تجعل من عملها مفارقة بعيدة عن طبيعة اشتغالها، فلو جعلت الكتلة قطعة واحدة لتحول إلى عمل نحتي خارج مفهوم الإعمال الخزفية، إن النص الذي اشتغلت عليه يتمتع باقترابه إلى مفاهيم النحت أكثر منه إلى الخزف، على الرغم من إن كثيرا من الفنانين قد خرقوا الأسس واشتغلوا على الخلط بين الأنساق. ولكن عمل الفنانة هايدي، يتسم بوضوح الهدف، وهو كيفية إنتاج قيمة جمالية، تصور قصة أو وقائع الحياة مباشرة التي تعيشها ويعيشها الآخر كل يوم من دون المساس بالأسس العامة لإظهار المنتج بما يحمل معناه وقيمته الجمالية، أنها الصفقة بين الذات والموضوع، وهو أن تستمر في أنتاج اختصاصها ولكن بصيغ وإشكال تلتصق مفاهيمها مع النص الذي تشتغل عليه، كيف يمكنها أن توجد الصورة الجمالية التي تعبر عن بشاعة ما حدث ويحدث للإنسان على أرض الرافدين خلال فترة من أصعب ما يحيق بالإنسان من مصاعب ومشاكل وهو احتلال بلده، تحركت لاستعمال التشفير والرمز، مع إبقاء المسافة بين التجريد والواقعية، فأظهرت الجسد وهو في  قوة الثبات، شاخصا على تسطيح الأرضية بقاعدة ثابتة ترتكز عليها الأعمدة الحديدية، حاملة الإنسان والزمن الذي رمزت له بالساعة التي تعتلي الهيكل، واستعانت بالحديد لتربط التماسك الذي أوقفت به الزمن على نهايته وبين الأجزاء الخزفية التي علقتها على مساند الهيكل، فإذا كان الجسد قد قطع، فانه ما زال واقفا وبثبات تحتضنه أيدي رجاله ونساءه من الجانبين، احتضان الحبيب لحبيبته، مع إعطاء إقدام الرجل هذا الرسوخ بجعلها مستقيمة مستقرة مهيمنة، بينما منحت إقدام المرأة التي تشارك الرجل المعاناة واحتضانها للهيكل هذه المرونة والحركة الجمالية التي تعني قدرة التكيف على الرغم من كل الصعاب، أن الفكرة المستقاة من هذه البنائية الفخمة التي لجأت إليها الفنانة، لم تشكل تشوش فكري، على الرغم من جر واقعيتها أو نصها الواقعي إلى منطقة التجريد، واستمرت الفكرة واضحة ولم يكن هناك عائق لأدراك المغزى الذي عملت الفنانة على إظهاره، فقد كان واضحا أن النص يتحدث عن الإنسان وما آل إليه في ظل أوضاع قاهرة ومميتة، مزقت لحمة المجتمع وإحالته إلى أجزاء، أن منطلق الفكرة على بساطتها، أيدي رجل وامرأة تحتضن الجسد، وإقدامهما في الأسفل ، تسحب الفكرة من رومانسيتها إلى دلالتها الدرامية، حينما يتمثل الجسد المحتضن، ببروز العظام وتكسرها، والجميل أن التنفيذ تم بالطين الفخور، إي إيجاد الصلة لارتباط الإنسان بالأرض، وربطته بالهيكل الحديدي لإبراز قوة التماسك على الرغم مما أحاق بالجسد من تكسير وتهشيم، والنص ينح نحو الرومانسية في إطار واقعي متمثلا في تكيفات احتضان الرجل والمرأة لمدينتهم بغداد التي تكسرت إضلاعها بفعل الاحتلال، وجعلت الاحتضان ما يشبه حركة يد عازف الكمان، هذا المنحى المفعم بالحب والحنان، مشحونا بالرقة، ولكن التاريخ ما زال يفرض نفسه، فجاءت الحروف المسمارية التي تمنحنا هذا البعد الذي عملت به على جعل التاريخ يحقق وجوده على الرغم من كل شئ، ويظهر كتلاصق وجودي للبرهنة عن كينونة الأشياء وتجذرها في الأعماق.. .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.