الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » مقداد مسعود : القصيدة بصرة (2)

مقداد مسعود : القصيدة بصرة (2)

mokdad masoud 2kh mokdad-20-
نترك القصائد في حصن زمردها المعتزل..قاصدين مؤنث القصيدة..وهي تعزف ألأبيض وألأخضر على أوتار(البعد الخامس للعشق ..)

تقاسيم الليل والنهار /الشاعرة بلقيس خالد ..
تعزف ألأخضر وألأبيض على
أوتار قصيدتها

تتعامل الشاعرة بلقيس خالد مع اللون بأندراج متأن، يتضح ذلك لمن تقصد أو يقصد بيتها الشعري،أعني..(أمرأة من رمل) مجموعتها الشعرية.. حيث تستقبلنا ب(حزمة ضوء)
وهي مجموعة من قصائد(الهايكو) المشبعة بالمحلية العراقية..الضوء هنا كثرة(حزمة) وحين نتأمل في القصائد نراه المحذوف والمرتجى المؤمل الذي تنتظره الشاعرة،وقد لايكون مرئيا لكنه محسوسا
بالنسبة للذات ألأنسانية الواعية لشرطها ألأجتماعي
وهذه عينة …
.في الهايكو المعنون(وحشة)
(لاضوء…
يجمع سرب
فراشاتي..
هي ظلمة خانقة
وثمة جندب.. يعزف لأنثاه
فيشجيني…
…………)
كأن الضوء سلك تنتظم به الفراشات..
الفراشات في حيرى..الجندب يبرم اوتار الظلمة ويعزف عليها..ذلك العزف الذي ينشط الرهف لدى الذات ألأنسانية في عزلتها..ألأيمكن أن نرى في العزف ايماءة ضوء شفيف؟! وستعاود الشاعرة العزف على قصائد/هايكو عراقي (أوتار بكماء) خارج هذه المجموعة تشتغل هذه النصوص على ألأختزال المكتنز بخصوبة المعنى وألأنزياحات
في هايكو(بصريون) تتفعل أتصالية بين ألأسود المخفف(الظل) وبين ألأخضر:
(لترتفع خيمة النخيل
تحت ظلالها
نتقاسم الطيبة)..
وألأخضر يكون مرتهن ب(دعاء مؤجل):
(صاح ملتاعا: تدعو لي أمي بأخضرار الدار)

وثمة حركة لذيذة بين النور والظل الشفيف
(خلف ستار النافذة
يختبىء النور)
في هايكو(ثقب):
(في حجرتي المظلمة
صوت القصيدة ينادي
ألبسيني ثوب النور
ألمح عين النور
تثقب الستار
فتحترق القصيدة
………………../ص25..)
نلاحظ أن ألأحالة التكرارية على مفردة (النور) له دلالته الموحية..  في هذا الفضاء المغلق.وتعاود الشاعرة ألأشتغال الشعري في هايكو(قميص) ضمن مفصل(تقاسيم الليل والنهار)( الليل أعمى
الذكريات
في الظلام مطويات
أي قميص
يعيد اليها النور؟
/ص55)
حيث يكون للقميص دور المفتاح لشفرة الذكريات في طياتها،وفي ذات الوقت فأن مفردة قميص تتغذى من مرجع ديني/سورة يوسف(اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا…/93) والعمى هو الطرف ألأساس في الهايكو(الليل أعمى)
أن ألأتصالية بين الصوت /الصدى،تستحيل على يد الشاعرة بلقيس خالد الى تجل صوفي الرهافة..يتسامى بوحدانية النور
(أنني…
ظلمة
وبنور عينيك
أغدو قمرا)
وفي النسق الثاني،تغدوا الظلمة صوفية النقطة والنور كأنه خط ألأعتدال الذي تقف عليه الزيتونة
وكقارىء يبرق في أفق استجابتي السيد المسيح وهو يهتف(أيكم رأى نورا أسمه ظلمة أو ظلمة أسمها نورا) ومن نسيج نور مماثل تؤثل القصيدة نسقها الثاني :(نقطة أنا
حين لامست خطك
أنبثقت شعاعا
يعانقك ألأفق
تضيىء بك ألأسماء)
في النسق ألأخير يكون للنقطة نبض قلب أنتهكه السواد،نقطة تجالد لتنغمر في البياض
(أنني قلب ثقبه الظلام
وبنور عينيك: أغدو قمرا/86)
في(هكذا حدثتني زهرة الماء) ثمة أحتفاء باذخ بالحياة ،سيادة اللون ألأخضر يلامسها القارىء
وتغمره بنداها :(ظل النخيل:خيمتي
عبق آلآس:أنفاسي
لون الحناء: لوني/78)..تحاول القصيدة توظيف آلية المنولوغ،وهي ضمن آليات السرد..يتضح ذلك عبر تكرار قراءة القصيدة

الملاحظ في مفصل(حزمة ضوء)..
أن الفضاء المغلق :تتكدس فيه الظلمة عبر الهايكوات التالية:(وحشة) (انتظار)(حفيدتي)(ثقب) والظلمة تغلق الفضاء المفتوح :
(كلما صهل البرق
في ظلمة سمائي
أغمض عيني
فأرى الكآبة
بكامل قيافتها )
وسيتكرر ذلك   في المفصل الشعري
(تقاسيم الليل والنهار) وتحديدا في(عزف)
فمن أتصالية تضاد بين ألأخضر وألأحمر تكون سيادة ألأسود البغيض:
(كلما تعزف الحرية على ألأشجار
ينبجس اللحن
أحمر….
أحمر….
أحمر….
تمد ألأرض مائدتها
يرقص الغراب…
أستعدادا لنهش الثمن..
…………….)..نحن هنا أمام نص تشكيلي وحركة المشهد بترميزاته وعلاماتيته يخلق لدى المتلقي هاجسا لونيا لايقوده لغير ألأيقاع اللوني في اللوحة..وتوظيف الألوان المتضادة :عبر المسكوت:لون الحرية /لون ألأشجار/ لون الغراب
أما المعلن فهو لون واحد يتكررثلاث مرات
:أحمر
أحمر
أحمر
ويمكن ان نقرأ التكرار هكذا
أحمر——-:بياض الحرية
أحمر——– أخضرار ألأشجار
أحمر——– سواد الغراب

في قصيدة (70) ثمة أتصالية الواحد/ الكثرة:
(رجل
:مجموعة ألوان في انسان/87)
حسب عبد الرزاق الجبران*- طالما أن ألأسماء ذاتية تمثل ماهية أشياءها وطبيعتها ونوع وجودهاوغايته
فهي اذن من تحدد أحكامها ومايليق بها من قوانين
فحين تزيح صفة رئيسة من كائن حي ،فأنك سوف تثبت فيه أسما مغايرا من جراء ألأزاحة:
(جرد……….
جرد السعف من خضرته
جرده من أسمه
سميه جريدا
ثم صيره حبسا
تزج الطيور فيه/91ص/قصيدة قفص).
ركزت القصيدة على ألأزاحة اللونية،وصيرت منها :مهيمنة القصيدة.
وألأخضر لاتراه الشاعرة بلقيس خالد ببعد واحد، بل هو لونه يشير الى دلالات ثرة:
(دائما يقصدني النهار محملا بأشجار الحكاية
للنهار:ضجيج أخضر
وحده النهار: من يحمل همس الليل
:صياحا أبيض.
الظلمات:كلما تحيك عباءتها
ينفض غزلها الصباح)
نلاحظ ثمة عروج نحو خصوبة البياض في النهار أو في الليل.
وحين يختلفان..النهار والليل لمن ألأولية في أستقبال اول عائلة بشرية سيكون مسك الختام: (شجرة التين)
وهكذا تكون السيادة لديمومة الحياة .

-21-
الشاعر عبدالله حسين جلاب ..رهافة البهجة الزاهية..
بمهارة تشكيلي ورهافته يتعامل الشاعر عبدالله حسين جلاب في توظيف ألألوان شعريا..يجعل الكثرة اللونية تتغذى علاماتيا من اللون ألأساس:
(في شجر أزرق ومن المحار
شيده الماء)..هنا تمنح الرؤية الشعرية للشجر لونا مغايرا للمألوف(أزرق) ولم يذكر لون المحار،ترك مخيال القارىء يصطاده..،ثم تشتغل القصيدة على تفعيل التسمية ،وفي أفق القراءة سيتأرج اللون المعطر:(شباك الحبق
شباك القرنفل
شباك المنشور
شباك الرازقي
شباك ألأقحوان
شباك الفل
شباك ملكات الليل) نحن هنا امام موسعة  شعرية على هيئة قصيدة ..في القصيدة حين نتنزه سنتعرف على مرواح تبث صوبنا :تنويعات الجمال الملون

الشجرة واحدة (الزرقاء) لكنها كثرتها خصبة بتعددية الوانها،هي تعددية/دقيقة في علاماتيتها الفارقة تدركها  روح الفلاح الجنوبي في الشاعر:
(الزرقاء المختلفة ألأغصان
دوحته:
غصن التوت/غصن البلوط/غصن الكرز/ غصن الخوخ/ غصن الفستق/ غصن النبق/ غصن اللوز/22)..
ومن واحدية ألأسود تتشقق كثرة لونية توحي بمنظومة دلالات:
(شجرته السوداء تلك
تتدلى من أعوادها
الحرباء؟
ريشة حمراء/ريشة خضراء/ ريشة صفراء/ ريشة زرقاء/ ريشة سوداء/ ريشة بيضاء/ وريشة بقعاء)
الشاعر عبدالله حسين جلاب يهبنا من معلوماتيات لونية ، وعلينا كقراء ان نفكك شفرتها. وقبلها منحنا
تسميات الورود لتستقطبنا أستجابتنا صوب ما يتأرج منها..وتلك هي بصمته الشعرية وتوقيعه الدال عليه بين الشعراء كافة..ومايزال الشاعر يفعل ابداعا متواصلا في فضائه الشعري المتطور.

-22-
الأبيض في سيادته المطلقة/
الشاعر عبد الرزاق صالح….

يفعل الشاعر تسمية ويعلقها ثريا لأحدى قصائده،من العنوان..يتضوع اللون برائحته آلآسرة
(أطفال الزعفران)
يبدأ قصيدته بكثرة زاهية:
(ياأزهاري البهية
ياأطفال الزعفران
يامن تلهون كالعصافير في مدرسة الهوى).
انها رؤية قلب المعلم الشاعر لتلاميذه،رؤية حانية:بنسقها الثلاثي المترعة بالمحبة:
*أزهاري*أطفال الزعفران*..كالعصافير
ثم تتدفق سيرورة القصيدة ببياضها الناصع:

(تلعبون بأنامل بيض
أنامل متسخة بالطباشير/102)
ومن هذا البياض البريء يتم تصنيع زهو الحياة
(طرزت على جناح فراشة:وردة)
ثم تعود القصيدة لتعزف البياض وتخاطبه
(ياصفحة بياض الكون!)
بياض له مهمة كبرى:
(أنتم هداية الغريب في عاصف الريح)

وحين يمر الليل في القصيدة،فهو شخصي وجواني
وستعالجه الطفولة :
(ياسنونو المحبة
داعبت قلب عجوز في ليل الصمت)..
وتواصل القصيدة تحريضنا على الفرح وألأنشغال به وحده:
(أنثري أيتها الطيور
حبات الحكايات،كالحنايا
على صبايا مهيضة الجناح
…………………..
هبي يارائحة ألأزهار البهية
هفهفي ياقلوب الزعفران
فالضياء قادم من بريق العيون
عيون ألأطفال :الجذلى /ص102/قصيدة أطفال الزعفران/ المجموعة الشعرية/مراث ليست لمدينتي)..نلاحظ هنا ان الوعي الشعري يتواصل مع الوعي ألأجتماعي لدى الشاعر عبد الرزاق صالح/تواصلا بهرمونية عالية..وستواصل الطفولة براءة البياض حتى وان كبرت(بأنامل بيضاء
يلمس خيط التقوى
بمناقير طفولته
يلتقط حب القلب
برعشة يلامس غده/ص29/قصيدة الصوفي/ المجموعة الشعرية/ أغاني القبرات).

-23-
سواده أصفى من البياض…

الشاعر عبد السادة البصري:
نتوقف عند هذه القصيدة(ذاكرة مخرومة/ص78/من مجموعته الشعرية (أصفى من البياض): سنحصي حزمة لونية ينثرها الشاعر عبد السادة البصري في
لوحة قصيدته:
(أبتسامة صفراء)(شوقا ورديا)(مخاض أسود)(ورد أحمر)(القمل ألأبيض وألأسود)(عمروردي)(الواحات الخضر)..هذه التشكيلة اللونية الفوضوية،التقطتها حساسية الشاعر عبد السادة البصري من سيادة الكابوس على اليومي
وتمسيخ الواقعي الى فنتازيا نعيش بشروطها القسرية
حيث المحصلة النهائية :
(الثوب الملقى،ينقلب أفعى،تنساب،تنزل سما زعافا يهوى سنونو ،يلعق منه،يكبر،يكبر،يغدو عنقاء تلامس سطح الوهم بأعماقك تمضي وصديقك في الغربة روح أزلي/81)
نلاحظ ان الشاعر عبد السادة البصري،فعل أتصالية بين اللون وتوظيف الشكل الدائري في قصيدته،بكل مايوحي هذا الشكل من انغلاق ..وهكذا اوصل الشاعر رسالة شعرية الى فطنة القارئة والقارىء

-24-
متعة التبئير الهندسي للون…/
الشاعر مؤيد حنون
لايوظف الشاعر مؤيد حنون أي لون من ألألوان وهنا تفرده.يترك ألألوان حرة حتى من تسميتها أنه يكشط اسماءها ويتركها في فضاء من التجريد. يشتغل على متغيرات :التبئير/ ومؤثراته..عبر لعبة اللغة بمهارة هندسية منظبة في خمسة انساق شعرية متماسكة وفائقة المهارة
(اقتراب)

(بين ألألوان ألأكثر عمقا
أستدراج التلاشي
حيث المكان الفاغم بأنبهار السيدات.

بين المكان الفاغم بأنبهار السيدات
واللون ألأكثر عمقا
أستدراج للتلاشي.

أستدراج اللون ألأكثر عمقا
مكان فاغم بأنبهار السيدات

آخر الليل
اللون ألأكثر عمقا
يستدرج السيدات للأنحراف

ألأنحراف
أستدراج للتلاشي
حيث اللون ألأكثر عمقا
تستدرجه السيدات للأنحراف
نحو جهة مقصودة/ص51/ قصيدة أقتراب/من مجموعة- متعة القول)

*خلاصة
حاولنا من خلال العينات الشعرية،أن نفعل اتصالية الشعري باللوني..لايعني ذلك اننا وفقنا تماما..لكننا حاولنا ان نسلط ضوءا فرديا على نخبة من شعراء بصريين وشاعرة بصرية كيف تعاملت هذه العينات مع اللون لتوصيل شفرتها لنا عبر القراءة.

مكتبة الورقة المشاركة
*مجلة الكلمة:مجلة حداثية عراقية ،تصدر كل شهرين من النجف ألأشرف،صدر العدد ألأول في أيلول 1968
صاحبها ومديرها المسؤول:حميد المطبعي/رئيس التحرير موسى كريدي.أوقفت بأمر اداري في منتصف السبعينات،من قبل فاشية النظام الشمولى..المجلة صغيرة الحجم،كانت حاضنة للحداثة العربية كتب فيها كبار النقاد والشعراء والقصاصين العرب.. شخصيا لدي عنها دراسة مطولة،اطلع عليها بعض أساتذتي وأصدقائي
1-عبدالمالك أشهبون/الحساسية الجديدة في الرواية العربية/ أدوارد الخراط نموذجا/ منشورات ألأختلاف /بيروت – الجزائر/2010
2-عبد الرزاق الشيخ علي/ عباس أفندي – مجموعة قصصية – منشورات الثقافة الجديدة – 1959/ قدم القاص مجموعتة للنشر في عام 1954….
لكن عبد الرزاق الشيخ علي في عام 1957 خرج من بيته ولم يعد للأسباب سياسية/يسارية.
3-شارل لالو/مبادىء علم الجمال/122ص/دار عويدات/بيروت
4-نقصد قوانين نيوتن الثلاثة ومنها:قانون الفعل ورد الفعل.
5-معين بسيسو/على هامش المؤتمرات/مجلة الكلمة/ع2/1972
6- محمد عبد الحليم عبدالله/رواية لقيطة/السطر ألأول /الصفحة ألأولى
7- محمود أمين العالم/ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود/دار آلآداب/ط1/1972/ص9-10
8- جورج طرابيشي/حاوره ابراهيم العريس/جريدة الحياة اللندنية/ 20/11/2010/ نقلا عن موقع/الموقد
9- عيسى الناعوري/شعرنا الحديث الى أين/ مجلة حوار/العدد/9/نيسان – آذار
10-عبد القادر الجنابي/تربية عبد القادر الجنابي/دار الجديد/بيروت/ط1
11- محمد الخالدي/قصيدة النثر بين الضرورة والممارسة/مجلة الكلمة/ع5/1972
12- بربارة هاوس/رؤيا الشعر/
13- عبدالقادر الجنابي/المصدر السابق
14/نجيب المانع/رواية (تماس المدن)
15/سعدي يوسف/قصائد جان لافولان/مجلة الكلمة/ع2/1972
16/عبد القادر الجنابي/قصيدة النثر وماتميز به عن الشعر الحر/ص41/ط1/ منشورات الغاوون/سلسلة كتاب قصيدة النثر/2010
17- جاكوب كرج/مقدمة في الشعر/ت:رياض عبد الواحد/الموسوعة الثقافية/5/2004/بغداد /الشؤون الثقافية.

18- مقالتنا/اتصالية النص الظاهرة /النص التكوين..
قراءة في كتاب شعرية التواصل/للناقد والمترجم فخري صالح/ انظر موقعي/ الموقد – بصرياثا
19-  مالك المطلبي/وهم الحدس/الموسوعة الصغيرة/2006/بغداد/الشؤون الثقافية.
*المجاميع الشعرية
*عزلة من زمرد/شعراء بصريون/ الكتاب الشعري ألأول لمجلة فنارات/أتحاد ألأدباء والكتاب العراقيين في البصرة/2004
*بلقيس خالد/امرأة من رمل/دمشق /الينابيع/2009
*عبدالله حسين جلاب/ خربشات بمخالب الغراب –قصيدة ألأيقاع/دمشق / الينابيع /2009
*عبد الرزاق صالح/أغاني القبرات/دمشق /الينابيع/ 2010
*عبد الرزاق صالح/مراث ليست لمدينتي/دمشق/الينابيع/2009
*عبد السادة البصري/أصفى من البياض/أصدارات اتحاد ألأدباء والكتاب العراقيين في البصرة/ع11
*مؤيد حنون/متعة القول/آفاق ألأبداع/صنعاء/2002

    أفعال القراءة
           لاأريد أن أعرف الشعر
                      أريده ان يعرفني
                                  عبد الكريم كاصد
    (كما ترى،يجب أن نعترف بالجميل للقصيدة لأنها تكشف لنا
                        ثمن ألأشياء وثمن مانملك )
                                                  برونو بونتمبللي

      بلقيس خالد…تزرع الندى

                                                             الكتابة ..هي المرأة
                                                                                             جاك ديريدا
 -1-                    
يحضر الرمل،بالقوة في حياة المرأة العراقية،وحين تعلنه شعريا،فهي تسعى لفضح مؤثراته ،في البنية ألأجتماعية .الرمل في قصائد الشاعرة بلقيس خالد كائن سلطوي
يهشم حياتنا،ويهمش ما تبقى منها، ويباغتنا على هيئة كابوس،يمسخ الربيع،ويجرد الوردة من صفاتها
(في الربيع
بين الوردة وشذاها
صرت
زوجة
وأما
و…أرملة/قصيدة ومضة) .
حين تقشر الفتاة وردتها،بحثا عن السعادة،تكون وجها لوجه،مع حالة أفتراس:
(أفتشها بحثا عني
ورقة
ورقة
حتى أنتهت أوراقها،
كشفت عن فك
يهم بافتراسي
لاشىء أمامي
سوى
رماد
زهرة/من قصيدة :بداية ونهاية)
-2-
المرأة،في قصائد الشاعرة بلقيس خالد،أبنة هذه اللحظة العراقية المحتدمة:امرأة مستلبة،في وطن حولته وتحوله ألأنظمة الشمولية، في طبعتها المنقحة الى آتون دائم،فتخرج المرأة صارخة: (هذا الذي تحت نعلي وطن).تستوقفني كقارئ هذه الجملة الشعرية، لأنها تستفز القراءة التقليدية،التي تأول هذا السطر الشعري تأويلا سلبيا.. قراءة مبأرة بمفهومها الراسخ للوطن وأنا كقارئ لي وظيفة داخل السياق، قارئ يرى،في الكلمة مضغة لغوية ،أحاول عبر فعل قراءة منتجة اعادة خلق المضغة ذاتها ، حين تستأصل هذه الجملة الشعرية من سياقها…
فأن ألأستئصال له وظيفة مركزية واحدة هي تشويه المعنى…لنعد الى القصيدة ذاتها  وهي بعنوان(وطن وأمراة)
(هذا الذي تحت نعلي…وطن) والجملة ذات شحنة استفزازية صادمة ،لكن علينا ان نتساءل مع الجملة
كيف تموضع وجرد من ألف لام التعريف وأصبح محض أسم نكرة،(وطن)، ومن جعله نكرة بين ألأوطان ؟ المواطن ؟ المواطنة؟ أم  صخب وعنف تأريخ القسوة وألأستبداد لمؤلفه الرمز؟  وبدورنا نتساءل ألم تعمد(ألأيدلوجيا القومية التي تبنتها الدولة العراقية على تكسير فكرة الوطن/ص25/حيدر سعيد)* سنرقم اسطر القصيدة والقصد هو أحصاء (عطايا )الوطن للمرأة العراقية،في حقبة شرسة

-1-
قدمت له الرجال
قدمني..ألى …حوصلة البؤس
-2-
حين أحببت وطني..
منحني كل سواده
وأخذ مني سواد العين
-3-
آه….
أعياني فراق رجل
أحب…
سألت عنه وطني
ضحك منتشيا
:أنا التهمت رجلك
لاجب.
-4-
بالسخام
الحرب:ترسم خارطة الوطن
على وجهي
ومقلتاي:ترسمان الرافدين
-5-
وطني…
أستلذ مذاق الحرب
…….
……
تلفت يمينا وشمالا
لم يجدها
:صنع له حربا اهلية
-6-
هذا الذي تحت نعلي
وطن..
حين أرتوى من الدماء
صار مسرحا: على خشبته
يتناثر
رماد النساء
-7-
سألت وطني
:سقفا أستظل به
أشاح بوجهه عني
وحتى لاتحرقني الغربة
تفيأت ناره
-8-
حين فتحت
باب الحوار
مع وطني
صاحت أمي: لاتحاوريه
يابنيتي
وطن
المرأة
رجل/ص105-108)
لنحصي ما أعطت المرأة  العراقية،وما أعطاها الوطن
عطايا المرأة العراقية                  عطايا الوطن
*الرجال  —————– ———-البؤس
*الحب—————— —–    السواد المزدوج  :
الخراب/العمى
*الحبيب الزوج———- ——-الترمل
*بمقلتيها ترسم الرافدين——الحرب بسخام ترسم على
خارطة الوطن
*يسلبها سقف البيت——– —ترى ناره فيئا
أن المرأة العراقية هي التي رأت، وهي ذات السخاء المطلق ،مواقفها  ناصعة، دائماوليست رد فعل على ما كابدت، في عزلتها،…وعلى المستوى ألأداء الشعري ،علينا ان نمييز بين سلطة الخيال وسلطة السلطة السياسية،التي تتخفى في طيتها أتصالية المعرفة بالسلطة.
وكيف تسعى السلطة،للتحصن بقوة المعرفة لتوظفها في صالحها، فهي عندما تشحن بعض المفردات بقوة التابو مثل
الدين/الوطن/ألأمة/العرق/القومية/الأممية/الطبقة/ العشيرة…لاتقصد سوى تحصين بطشها السلطوي..من خلال نقل حمولة التابو،الى الوعي الجمعي بكل الطرق المتوفرة والمستعارة من التأريخ ومن تقنية الشبكات النتية العنكبوتية،وبالطريقة هذه تمسخ سلطة السلطة مبادىء الضبط ألأجتماعي المتراكمة عفويا والمسماة بالمبادىء الكونفورمية،ألى مبادىء مستحضرة عمدا
ولتصون الدولة دمويتها الشمولية، عبر كونفورميا أسقاطية*..وسط هذه الظلامية ،يعلو صوت الشاعرة
صارخة)هذا الذي تحت نعلي وطن)..أكررالتوقف عند هذا السطر الشعري،لأرد عليه بالمقطع السادس من القصيدة ذاتها( سألت وطني
سقفا أستظل به
أشاح بوجهه عني
حتى لاتحرقني الغربة
تفيأت ناره).نلاحظ هنا قوة الفعل ولاأقول رد الفعل،على فعل الوطن: الوطن ينبذ المرأة العراقية في العراء، لكنها، لاتتركه في محنته ولاتبتعد عنه بل،تفيأت نار الوطن،حتى لاتحرقها  الغربة.
ومن خلال قراءة أحصائية بسيطة نلاحظ ،ان كلمة (وطن)تكررت ثلاث مرات،
مرتان. السطر ألأول نفسه،في المقطع ألأول والمقطع السادس، ومرة تكررت الكلمة ذاتها ،بدلالة
أخرى(وطن المرأة:رجل)، ومرة المفردة معرفة
كمضاف أليه(خارطة الوطن)،في حين تتكرر كلمة(وطني) خمس مرات، نلاحظ ان الكفة الراحجة هي كفة (وطني) بياء التملك ،تخاطبه المرأة التي انتزع منهاالنظام  الشمولي  العسكرتاري بذريعة الوطن كل ما تملك من سعادات ومشتقاتها الخضر،لكنها تبقى تنادينه (وطني) وهنا تصير المفردة مفهوما وجدانيا وسيوسيو لوجيا وسياسيا ،اما الذي تحت نعليها
فهو الوطن ضمن قياسات سلطة السلطة،هو كناية عنها ..اذن المسألة، بخصوص(هذا الذي تحت نعلي وطن) تتعلق بتفكيك المعتقد ألأنساني بمحرماته وثوابته ونماذجه للعمل على تشكيل مشروعية بشرية جديدة، سواء من حيث التوجه الوجودي ونمط الوعي،أو من حيث شبكة الرؤى والمفاهيم والتصورات او من حيث صوغ الذات وقواعد المعاملة وقيم المداولة، وما يمكن ان يتغير ليس فقط مفاهيمنا حول أنفسنا وعن العالم،بل مفهومنا للمفهوم وللفكرة أو للمعرفة والحقيقة،فالعقائد والقناعات والهويات الثقافية والمنظومات الرمزية ليست قلاعا نحتمي داخلها أو متاريس نتحصن  وراءها –حسب على حرب-*
وحين يؤكد رأس البروليتاريا ،كارل ماركس( ليس للعمال وطن )
فهو لايعني ان العمال غجر،بل يرى ان وطن العمال قوة سواعدهم التي تنتج القيمة وفائض القيمة،وحين يصرح الشاعر الكبيرسعدي يوسف لجريدة
أخبار ألأدب المصرية (شطبت تماما على فكرة العراق
والتعامل معه كوطن..منذ زمن لم أعد أعتبرالعراق وطنا،) نرى ان هذا الكلام يناقض الكثير من قصائد الحنين الى البصرة في الجزء السادس من ألأعمال الشعرية،  والى العراق وكذلك هذه القلادة التي يلبسها والتي تتدلى منها خارطة العراق،والتي يمكن  لهذه ألأيقونة أن تكون ذات بلاغة اشهارية من طراز خاص
( العراق الحالي ليس وطني. وطني يتدلى ألى ألأبد
قرب قلبي) حسب تأويل الشاعروالمترجم شاكر لعيبي*
وحين يعنون كتابا سرديا كبيرا ب(سأخون وطني) فهل سيخون الشاعرالكبير محمد الماغوط وطنه،وهاهو يخاطب السياب(ولكن أي وطن هذا الذي
يجرفه الكناسون مع القمامات
في آخر الليل ؟)* علينا اذن
بنفس المنظور نرى خصوصية المفردة بشحنتها الشعرية عندالشاعرة بلقيس خالد،فالذي تحت نعليها كناية عن سلطة
السلطة،ويستحق ان يتموضع هذا التموضع السيمولوجي
فتلك مكانته(تحت نعلي وطن).،وماتقوله الشاعرة،لاتستفز ألأ… تلك القراءة ألأفقية التي تلامس سطح النص،بنبرة خطابية مبحوحة .
-3-
من منظور معين،يمكن ان يرى القارىء،في بعض هذا النصوص،محاولة شعرية لتصفية حساب مع زمن القسوة وألأستبداد، الذي يحسن العد ألى ما لانهاية،في
أرض السواد المدمى، حيث كابدت المرأة وما تزال…
مناصفة مع الرجل، وأحيانا تكون حصتها أكثر من النصف.
-4-
ومن منظور آخر، ترصد بلقيس خالد:العادي،والمألوف،
في الحياة اليومية،وتلامس بعين الدهشة، عبر الومض الشعري في(حزمة ضوء)فترى السلحفاة:وقتا،والرجاء خيمة،وتصغي لعزف الجندب..ألخ
(لاضوء…
يجمع سرب
فراشاتي..
هي ظلمة خانقة،
وثمة جندب يعزف لأنثاه
فيشجيني….
…../قصيدة وحشة)

*(أنصب
الرجاء
خيمة
وأنا أنتظر
طرق الباب/قصيدة أنتظار)

*(سلحفاة الوقت
تواصل
العزف
على أوتار صبري
…../قصيدة فاصل)
*(كالبرزخ شق وقتي
ليوحدني بين أثنين
أنتظاره…ولقياه/قصيدة هو)
*(في مدينتي يمد النهر
سواقيه نسغا
لترتفع خيمة النخيل
تحت ظلالها
نتقاسم الطيبة/قصيدة بصريون)
*(القوقع البحري: يوهم نفسه
بهدير البحار
ليطرد شبح التصحر/قصيدة هدير)،
-5-
حين ننتقل من قصائد الومض أو البرق الشعري، ألى القصائد ، ألأكبر مساحة،كما هو الحال في نصوصها،(سحر الحكاية) (شمس الضحى) (هكذا حدثتني زهرة الماء) (بلقيس ونقرة السلمان) (غناء على ورق)سنجد ثمة أنتقالة على مستوى التقنية،في، هذه القصائد،تستفيد الشاعرة من تقنية الحكاية الشعرية(البالاد) بجرعات متفاوتة، وعلى المستوى آلآخر،ثمة مزاوجة بين السييري والموضوعي/المعيش والمتخييل…تقول بلقيس  في(هكذا حدثتني زهرة الماء):
)حين تجتمع في روحي الهموم
يقدم النهر ،العزاء
يعيرني طين شاطئيه
للطين الحري: رائحة تنثر روح الماء
الماء يهمس: الحياة ماء وطين،
الحياة: تتأملني،
أنا بنت مدينة ألأنهار والسواقي.
ظل النخيل: خيمتي،
عبق آلآس: أنفاسي،
لون الحناء: لوني
وبالطين الحري: عزائي. )،
في هذه القصيدة ثمة أتصالية تضاد بين قطبين
*القطب السالب،يتكون من كثرة  ضاغطة على الذات
ألأنسانية:
(حين تجتمع في روحي الهموم)
الكثرة: أجتماع الهموم
*القطب الموجب/الذات: روحي.
لكن الذات ليست عزلاء،بل محصنة بتلك القوة الكلية الحيوية(وجعلنا من الماء كل شىء حي)، وهاهو الماء يعين الروح لتتصدى ليبوسة الهموم ،
(يقدم النهر العزاء
يعيرني طين شاطئه)،في السطر التالي تفكك القصيدة ذاتها شفرة الطين :
(للطين الحري:رائحة تنثر روح الماء)
هنا نحصل على أتصالية أنسجام بين روحين
: روح ألأنسانة المهمومة وروح الماء,
ومن اجل تأصير ذلك،يبعث الماء بشفرة مفتوحة ،خاصة للروح ألأنسانية،خصوصيتها،من خلال فعل
(يهمس):( ألماء يهمس: ألحياة ماء وطين)،واذاكان الطين قد قال قولته الشعرية كما مر بنا،فقد جاء دور الحياة لتقول لذات الشاعرة،
(الحياة : تتأملني:) أن الحياة توظف العين لآ اللسان لتقول  قولتها، ويأتي القول/الشفرة عبر فعل التأمل،
ثم تقوم الذات الشاعرة، بتفكيك شفرة التأمل بأختزال شعري شديد العذوبة،وسنعمد الى ترقيم التفكيك شعريا

-1-: أنا بنت مدينة ألأنهار والسواقي
-أ- ظل النخيل: خيمتي
-ب- عبق آلآس: أنفاسي
-ج-لون الحناء: لوني
ومن خلال هذا النسق الثلاثي، تمنحنا القصيدة
مثلثا متساوي ألأشجار,
وهكذا نلاحظ ان النسق ألأول ألأنوي من (أنا بنت…)
يتكون من ثلاث أنساق فرعية
-2- يتكون النسق الثاني من لعبة مزدوجة التكرار ومركبة أيضا
* (أنا رائحة الطين الحري
وبالطين الحري: عزائي .).
أستعين بالقصيدة،نفسها لتفكيك شفرة السطر ألأول:
اذا كانت الأنا ألإنسانية هي رائحة الطين الحري، فأن الطين الحري ، هو روح الماء، كما جاء في السطر
الرابع من القصيدة(للطين الحري: رائحة تنثر روح الماء) وبالسطر الثاني من القصيدة (يقدم النهر العزاء)
نفكك السطر ألأخير من القصيدة. وهنا تتكشف لنا المهارة المزدوجة للشاعرة بلقيس   في هذه القصيدة المائية وهي قصيدة بحجم الكف.. تقدم شفرة وامضة، ثم تشغل القول الشعري،لينتج تفكيك
شعريا،للشفرة من داخل القصيدة،لامن خارجها بفعل أنتاجية نقدية وتلك سمة شعرية
عالية تشير الى فاعلية الوعي الشعري لدى شاعرتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *