مقداد مسعود : القصيدة…بصرة ؛ قراءة اتصالية/ منتخبة من الشعر البصري (1)

mokdad  masoud                           لو كانت البصرة أرضا
                           لتخطيتها..
                           لكن البصرة سماء !!
                                               سعدي يوسف

عتبة
-1-
من البصرة ..تنطلق الشرارة ألأولى ..دائما
شرارة…
الزنج ..اخوان الصفا..المعتزلة ..انشودة المطر ..هواجس عيسى أبن ألأزرق ..
انتفاضة 1991..بصرة ابن لنكك البصري.. بشاربن برد ….عبد الرزاق حسين .
يالهذا الإبداع البصري…يحسن العد إلى مالانهاية….ويستحق ورشة عمل جماعية ..لامحض محاولة فردية مثل هذه ..التي احاولها ..أنا في هذا الكتاب ..وهي خطوتي  ألأولى……أتمنى أن تليها خطوات …
اذا لم تف بالغرض..في الأقل توسع في مديات القراءة لنماذج أخر من الشعر
البصري..غيابها يعلن تقصيري الشخصي..والذي أسعى لتجاوزه من خلال
تناول نماذج متعددة..في خطوة تالية جاهزة للنشر.
-2-
في(اتصالية اللون) كان اللون هو الرابط بين نماذج من الشعر البصري…ولكل نموذج منظوره الشعري في التعامل مع اللون..
ثم…
انتخبت قراءتي..عينات شعرية.. الشاعر البريكان يشعل الأسئلة في ليل القنوط
مفعلا اتصالية بين انزياحات الدلالة وجغرافية الأقنعة…
الشاعر السياب والرؤية عبر الأذن…
.أنها محاولات.. للكشف عن الأتصال الجواني في النص
الشعري..وتسليط الضوء عليه…مثلا..التوقف عند مفردة (باب) عند الشاعر حسين عبد اللطيف..وتنويعات الشاعر في توظيفها..
..مفردة(مرآة) لدى الشاعر كاظم الحجاج…والتلاعب الشعري في استعمالها وربط ذلك بالبعد الميثالوجي للمرآة…
الشاعر مجيد الموسوي واتصالية المحنة: محنة الوجود أم محنة السنبلة؟
اتصالية التضاد .. بالندى تتصدى الشاعرة بلقيس خالد
للرمل بكل تنويعاته الإيحائية.والشاعرة بلقيس تعي ..لايتم ذلك من دون تصنيع فجرا يليق بالندى (لأكون ندية..اصنع فجرا)..كما أعلنت بلقيس في مقتبس كتابها الشعري(امرأة من رمل )..لدى الشاعر فرات صالح استوقفنا تشفير المحمول/العاطفي الشعري..فسعينا لتفكيك شفراته..دون إسراف..الشاعر كريم جخيور..في خارج السواد..يدعونا إلى داخل المملكة لتتكشف لنا مسرات أوجاعنا..من خلال الشاعر صبيح عمر نصل إلى الأنا عبر الآخر الذي هو الأنا في اكتماله النموذجي /ألأم العراقية..في مكابداتها الباهظة..في (غيبة )الشاعر عبد الكريم العامري..نرصد
الكاميرا وهي تكتب..ونثبت رأيين في قصيدة(غيبة)..الثاني عبر رسالة شخصية
وصلتني من القاص الراحل يعرب السعيدي…
-3-
حين أقول ..القصيدة…بصرة ..ليس في القول أي نزعة انفصالية…
..البصرة حقيقة أبداعية لا اختلاف على قوة حضورها المبادر دائما في الحراك الثوري والثقافي ..واذا كانت(الدنيا..بصرة)  حسب قول الصحابي الزبير بن العوام
لماذا لا تكون القصيدة ..بصرة ؟! … بعد تراكم كل هذه المعرفيات التي وجدت في
البصرة ..حاضنتها الحقيقية للإبداع…التراكمات المؤدية إلى كيفيات تجاوز معرفي ..
على المستوى الشعري..ارتأينا التعايش السلمي بين ألأجيال..البصرية
والأسماء الشعرية  الغائبة هنا ..هي موجودة في مخطوطة تنظر
لكنني هنا راعيت .. الحد المسموح للنشر
وهو حد اشترطت أنا على نفسي….ولا يسعني  الا أن أتقدم بشكري وتقديري
لكل الأيادي البيض ..وراء اصدار هذا الكتاب الذي هو القسم ألأول من الكتاب الثاني من الجزء الثاني من(ألأذن العصية واللسان المقطوع) الصادر عن دار الينابيع/دمشق/2009
مقداد
                                                                  شباط/2011
                                                                  بريهة/ العشار
                                                                  البصرة

من شعرية الإنشاد ..الى النقش البصري
طواف سردي ..حول قصيدة النثر

الورقة النقدية المشاركة  في(ملتقى قصيدة النثر ألأول في العراق/ من 23-25/12/2010)..تحت شعار
(قصيدة النثر رهان الشعر العربي الحديث)
أقامته جامعة البصرة  بالتعاون مع إتحاد أدباء البصرة

الى مجلة (الكلمة)….
الى دورها الريادي في الدفاع عن قصيدة النثر
أهدي ورقتي هذه…
اضاءة…
فجر القصيدة الحداثية العربية ،هو صهيلها العراقي ألأول وألأجمل
في برية الحداثة العذراء،حداثة شعرية عراقية منبثقة من وعي حداثي اجتماعي ثوري شامل..
يومها لم يكن الشاعر،يتأمل في ألأحداث،بل كان يسهم فعليا في التغير وبجسده كله،في مرحلة أجتماعية اتفق الجميع على تسميتها
مرحلة التحرر الوطني.
مما دفع بناقد أكاديمي كبير مثل الدكتور احسان عباس،في عام 1955..أن يكتب كتابا عن الشاعر الشاب عبد الوهاب البياتي…
وحين يسأل عن ذلك بعد أكثر من أربعين عاما ،يجيب:
(كتابي عن البياتي لم يكن دفاعا عن شاعر معين بقدر ماكان مناصرة لتصور جديد عن الشعر،ودعما لما يدعى  ب(الحداثة الشعرية)التي لامعنى لها ان لم ترتبط بحداثة اجتماعية.
هكذا يجيب الناقد الكبير احسان عباس – طيب الله ثراه –
*محاورة اجراها معه فيصل دراج ومريد البرغوثي
مجلة الكرمل/ ربيع1996
*آليات ألأشتغال:
عبر ثلاثة ممرات نحاول تشغيل ورقتنا،مستعملين من أجل ذلك ثلاثة عنوانات فرعية،علما أن العنوان ألأول سيكون مزدوج الوظيفة فهو من العنوانات الفرعية، وفي ذات الوقت هو ثريا ورقتنا المشاركة:
*من شعرية ألأنشاد الى النقش البصري
* القصيدة الحداثية من العتبة الى العنكبوت
*أتصالية اللون…نماذج في التطبيق
…………………..
……………
في المدخل ألأول نتناول المصدات وألأجنحة ضمن فضاء قصيدة النثر /حصريا
في … الثاني..نؤكد ان قصيدة النثر،هي جنس شعري يمتلك شرعيته من خلال التطورات الفاعلة في حراك قصيدة التفعيلة(الشعر الحر)..موضحين ان انتكاس الحداثة الشعرية ترتبط بديالكتيك ألأتصال مع نتائج ألأحتراب وألأصطراع في الحركة الوطنية العراقية
في … الثالث:انتخبت قراءتنا ألأتصالية :تبئير اللون عبر نماذج من الشعر العراقي/البصري ..

-1-

ألتعامل مع قصيدة النثر،مايزال يتغذى من تلك الشجرة التي غرسها أفلاطون في مستعمرته ، توجس الفيلسوف: في فنون المحاكاة، تمردا ضد كهفه المعرفي..
في مستعمرته يشترط أفلاطون أن تكون كينونة الفن في خدمة الدولة،لاتعبيرا عن تدريب الفرد على عزلته المؤتلفة .
لذا أغلق ابواب مستعمرته ،لتبقى القصيدة منتبذة في عريها.،
هل نجد لأفلاطون عذرا،لأن حلمه الجمهوري،ضماد لجرحه النرجسي أثر انكسار أثينا أمام أسبارطة؟!
عندما نحدث أنزياحا بسيطا،سنرى في سيادة الموروث الشعري:كل طمأنينة أفلاطون وأحفاده المعاصرين ..
لأن الموروث الشعري في جانب منه دخل في صيرورة أنجذابية حتى غدا  لا ..لسان آدم  بل  ..ذراع السلطة..
بهذه الذراع  ألأفلاطونية.. لوحت سلطة أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي في العراق،ونصبت أفخاخها لطيور السياب ونازك ..بل ان احدهم بعدأكثر من ثلث قرن على سيادة هذه الريادة الشعرية في الوطن العربي يرى حين يكون العنوان(شناشيل أبنة الجلبي)،فأن هذا وحده كاف لرفض مايليه؟!
من زاوية معينة أليس (الشعر هو السياسة)،من خلال صدمة الحداثة،التي أستفزت البنى ألأجتماعية بتراتبياتها كافة،فكانت القراءة ألأولى له من قبل الجهاز ألأداري للسلطة،تتمثل بأعداد قائمة بأسماء الشعراء والتنقيب عن هوياتهم السياسية،وهي بحق اول قراءة برانية للنص،أعتمادا على أسم منتج النص ،وهذا ما سوف تنبه له(الحساسية الجديدة)
وحسب رولان بارت(.. ألأسم يحيل على كائن من لحم ودم،ومسؤول اجتماعيا وقانونيا عما كتبه وسيكتبه/44ص)
من خلال فاعلية المسمى،تؤثل أتصالية بين المرسل /صاحب ألأسم،والمتلقي/قارىء النص،حيث (يتداخل فيها الميثاق التخييلي والميثاق السير- ذاتي/45).(1).لذا فعل الجهاز ألأداري للسلطة العراقية آن ذاك على وفق اضبارة المؤلف
تدابير تعسفية أوصلت السياب الى سجون وتشرد وفصل أداري،وخرج القاص عبد الرزاق الشييخ علي ،في آواخر خمسينيات القرن الماضي ولم يعد الى آلآن؟(2)
لاأقول أن الريادة العراقية للشعر الحديث قد تزامنت بل كان ذلك متسقا مع نهوض حركة التحررالوطني بمدها اليساري.
-2-
ما العلاقة بين الريادة الشعرية العراقية للشعر الحديث وبين قصيد النثر؟
انها اتصالية(التراكم المتطور)،ديالكتيكا، ولدت قصيدة السياب ونازك من خبرتهما بالموروث ووعيها الشعري بضرورة التجاوز.
وبين الحين وآلآخر ستفعل حركية البنى ألأجتماعية ،هذه ألأتصالية بين التراكم/التجاوز…
فالبنية الثقافية،لها تموضعها في البنية ألأجتماعية،ضمن منظور سسيولوجي،يرى في ألأدب نظاما أجتماعيا،هذا المنظور يتغذى من أتصالية توازن بين الذاتي والموضوعي
وسيتطور هذا التوازن على يد(لوسيان كولدمان) ويعرف
ب(البنيوية التكوينية)..حيث ضرورة ألألمام بكافة الشروط ألأجتماعية التي لها فاعلية الحاضنة التي تطورت في رحمها النصوص..ويمكن أن نرى ان صعود النثر تزامن مع صعود
البرجوازية الفرنسية في منتصف القرن التاسع عشر ونتلمس
ألأمر بوضوح شعري في تحول سيد الوزن بودلير الى قصيدة النثر وهكذا أصبح (بودلير يشاطرالبرجوازية
إنتصارها ويوسع حقل هيمنتها ليشمل ميدان الغنائية المقدس
سابقا.النثر آلآن يحتل أرض الشعر.وفتوحاته هذه يمكن أن
ترى كرشق جمالي لأنتصار البرجوازية على ألأرستقراطية
وهكذا تكون قصيدة النثر،في أيام بودلير قد أسدت خدمة أيدلوجية كدليل على إلأنتصار النثري للطبقة المالكة لأمتياز
النثر،مثلما هي دليل الصورة الذاتية الشعرية للبرجوازية مقابل خيلاء ألأرستقراطية وإدعاءاتها../ص42/عبد القادر
الجنابي/ قصيدة النثر وماتميز به عن الشعر الحر/منشورات الغاوون/ بيروت/ط1/ 2010)(3)

-3-
من قانون(التراكم المتطور)،أشتق رؤية مصغرة ،اقترض،لها تسمية من اجندة مناطحات الرؤؤس النووية،في منتصف خمسينيات القرن الماضي.
أعني(التعايش السلمي) وحتى اخلصها  من شحنتها السياسية سيكون المفهوم بالصيغة التالية(التعايش السلمي بين ألأجناس ألأدبية)،وهي دعوة متأتية ،من ضرورة تجاوز مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية (4)
ربما تكون هذه الرؤية نحيلة نحول المهاتما  غاندي أمام اللاعنف
لكن هي أفضل من سياسات ألأجتثاث التي وسقت حياتنا كلها….
شخصيا اتعامل وفق مفهوم الديالكتيك،الذي لايرى في السلب والنفي،رفضا مطلقا لماهو قائم بل هو تجاوز ،لايهدمه بشكل مطلق،بل هو صدور منه وأمتداد لعناصر الحركة والتقدم فيه،أنه ارتفاع الى منسوب نوعي جديد، دون أنقطاع،أرتفاع يتحقق بوثبة شعرية عالية..وحسب شارل لالو(لايضيع شيء ولايفنى ولايخلق فجأة وانما يتحول من صورة الى أخرى)(5)

أذن…لتتعايش معا :قصيدة العمود/التفعيلة/قصيدة النثر / النص المفتوح/الهايكو بسماته العراقية /الوحدات الشعرية…الخ
وهذه يعيني ان قصيدة النثر ليست مسك الختام ولن تكون
(فألأم الرحيمة لم تزل تنجب وألأفق فسيح).حسب قول سميح القاسم في أحدى قصائده.
واذا كانت فضائيات النفط العربي،قد جعلت من قصيدة العمود أبنتها الوحيدة،وجعلتها ترفل بالمال والبنين..فأن قصيدة النثر،سليلة تمردات الرسولة بشعرها الطويل ،ماتزال  :حاملة الفانوس في ليل الذئاب.
بعد مؤثرات قصص تشيخوف، في القص العربي وحدها قصيدة النثر،من جعل القصيدة،تتقوس أمام الهامشي،والعادي، والمتناهي في الصغروالخافت النبرة ….
وبالطريقة هذه ،أستطاعت قصيدة النثر تحرير الشعري من الشفاهي،واجتراح فاصلة تأمل بين لحظتي ألأبداع والتلقي.
وتلك من أهم لحظات انفصالها عن انفعالية النبرة الخطابية
والغنائية الشعرية،التي راهنت على تبئير ألأذن للنص الشعري،ثم ينحدر التبئير الى اليد التي تصفق وتواصل التصفيق.وحسب الشاعر معين بسيسو(أحد وجوه مأساة الشعر العمودي انه كتب ليسمع أو ليخطب به ولم يكتب ليقرأ)(6)
قصيدة النثر،لاذت بالنبرة الخافتة،لتطرز رؤيتها الهادئة ألألوان على بياض ألأفق.
-4-
لن أبحث عن شهود عدل حتى تطمئن الكافة،ان هذا الكائن الشعري ليس( طفلة ولدتها الرذيلة) كما تهامسوا في الملجأ/ج في رواية اللقيطة(7)
لاشرقية ولاغربية من الشهادات :أحتاج.
لن أفتش في لحية المواقف والمخاطبات،حتى اقنع الكافة ان قصيدة النثر حفيدة مولاي النفري .. أو أنها نزلت من رحم(سوزان برنار)..

أرى  قصيدة النثر:صوغا جديدا،بعيدا عن الظاهر والمعلن،تتدفق القصيدة بنبرة خافتة،كمياه جوفية عذبة،لاتضع حاجزا فقهيا بين الشعر والنثر،بل تعتمد في تدفقها على سردنة الشعري وشعرنة السرد،وعبر هذا ألأزدواج القيمي،تواصل القصيدة سيرورتها في قراءة الوجود،وقد زهد الشاعر بوظيفة الرائي أو ادعاء النبوة
بالطريقة هذه نحصل على قصيدة متعددة آلآفاق،انتجها شاعر
أو شاعرة،يتموضع كل منهما،في زاوية مسدلة عليها أعلاميا
في لحظة شمولية..
-5-
لحظة شعرية عالية،هي أفضل رد جمالي،على لاانسانية ألأنظمة السياسية…
لكن ليس كل مايلمع قصيدة نثر..
كيف نخصب أفق التلقي،بحداثية قصيدة نثر؟!
كيف نخصب..والفكر العربي (فكر مأزوم،لأنه يفتقد النظرية العلمية الواضحة، والخبرة العلمية المتنامية،وفي سعينا المأزوم الى الوضوح،الفكري،الى التحرر الوطني وألأجتماعي،الى الوحدة العربية،كانت تطل علينا بين آلآن وآلآخر صيحات تزعم في نبراتها العالية نبوة الخلاص.على انها لم تفعل شيئا غير أن تضاعف من محنتنا ومن أزمتنا..برجسون..سارتروالوجودية..الوضعية المنطقية والبرجماتية…) هذه كانت صرخة حق اطلقها المفكر اليساري الكبير محمود أمين العالم، عام 1972في مقدمة كتابه (ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود)….(8)
اللحظة الثقافية العربية، ماتزال تعاني انسدادات متنوعة في أفقها
اذن هي لحظة مصادرة ومعوقة،من قبل سلطة وعي جمعي تنشط خلايا ميتة في التراث وتبث فايروسها ،بأدعاء توكيل من المقدس،صوب حركية المعاصرة ،خلايا ميته لاترى في آلآخر،سوى الغازي،وحين نقارن مايحدث آلآن في القرن الحادي والعشرين،مع بواكير ما يسمى فجر النهضة في آواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين
نرى ان الرواد(يقودون الجماعة الى منازلة المعتدين وفي ذات الوقت..يفتحون النوافذ واسعة للثقافة ألأنسانية)(9)
على المستوى الشعري،هناك انتهاك صلف تكابده قصيدة النثر،بفعل الحرية غير المشروطة بشروط ألأبداع  وحصريا في الكثير من مواقع النت،وبأسم آلآيروسية، تحولت الكثير من المواقع الى مطمر غير صحي..وآلآيروسية بريئة من هذا الزنى بالكلام…
ظاهرة ألأنتهاك ليست بالجديدة على الحراك الشعري ،تحديدا:
في عدد شباط1958في مجلة آلآداب تكتب الشاعرة نازك الملائكة مكابداتها في هذا الخصوص:
(لعله شيء لاريب فيه أن كثيرا من الشعراء الذين تلقوا الدعوة الى الشعر في حماسة لايعرفون حتى آلآن الغرض منها.بعضهم يخلط بينها وبين الدعوة الى تجديد الموضوع في القصيدة العربية،وبعضهم يرى أن غايتها الوحيدة هي تثبيت دعائم مايسمونه بالواقعية في الشعر) وتستمر شاعرتنا الكبيرة في بث شكواها مما يجري معلنة:(..حركة الشعر الحر تقترب يوما بعد يوم من نهاية مبتذلة لانحب أن نصير اليها وأنه ليخيل الى من يراقب ماتنشره الصحف من هذا الشعر ان الشعراء يتناولون ألأوزان الحرة ويلعبون بها كما يلعب طفل غير مسؤول بحزمة أوراق مالية عالية القيمة)(10)

-6-
اذا كان على الفرد الحر أن يخلق أبا له ليقتله ..حسب
عبد القادر الجنابي(11)  وأن غياب المرجع – ألأب جعل الكتابة العربية الراهنة،سلفية كانت أوحداثوية،مجرد تعبير عن مركب النقص حيال الكتابة..أذن
هل قصيدة النثر العربية،محاولة شعرية لقتل ألأب مجازا؟
أعني ذلك ألأب الذي أجترح مايسمى ب(الشعر الحر)،
وكانت اداة الجريمة مستوردة،حسب بعضهم :قصيدة النثر ألأوربية وتحديدا القصيدة الفرنسة،
ألأمر الذي أدى الى فرنسة قصيدة النثر العربية،كما أوضح الشاعر الفرنسي(أيف بونفوا) للشاعرأدونيس،حين سأله ألأخير عن رأيه في قصائد نثر عربية ،ترجمها أدونيس للفرنسية!
ألأب الذي اجترح الشعر الحر،لم يقتل نصا بل كتب قصيدة التفعيلة،فهو مصلح شعريا وليس ثائرا،لكن ألأصلاح ،في بنية التخلف،يعد جريمة سياسية ،حين ننظر اليها ضمن تحقيبها.
هي خطوة جريئة قام بها ألأب الشعري، فاتحا شهية ألأبناء نحو خطوات اوسع . .لم يعد ألأبناء يقتنعون بالخروج من بحور الخليل،الى التفعيلة، لايريدون الأصلاح بل ينشدون أفقا شعريا بعيدا عن كلية البحور او جزئياتها..فأنغمروا بأنتاج قصيدة النثر وأشاعتها ..لكن على أبناء الحرية المشروط بشروط الوعي أن يعوا :
*أن القصيدة تعبير عن الصداقة بين نفس الشاعر وبين علاقته مع آلآخر .الصديق الحر…
*وأن ألأشكالية الشعرية بقدر ماهي عود ثقاب الصداقة
التي تندلع في الشاعر نزاهة اجتماعية متماسكة قدر ألأمكان
فهي لحظة تغاير المرجع
*القصيدة رؤية منفردة ومتفردة
*قصيدة النثر ليس الفعل الشعري البديل،عليها ان تعي شروط التعايش السلمي بين ألأنماط الشعرية وكذلك عليها أن
تتأمل قليلا في ديالكتيك نفي النفي
*كيفية تجاوز بنية البلاغة العربية التقليدية؟!..
هل بتلك السمات التي يشترط توفرها احد المسهمين في قصيدة النثر،وهي:
(*العنف *الكثافة*التحدي*ألأحتدام)(12)
شخصيا ارى ان هذه الشروط لاتتوفر الأ عند أصحاب الطاقات الرياضية العنيفة. ونتساءل أين هذه الشروط في (الفرح ليس مهنتي/حزن في ضوء القمر/العصفورألأحدب/غرفة بملايين الجدران) لقد كتب الماغوط هذه الكتب الرائعة بهدوء المخذولين ،فأنتصرت القراءات له وماتزال وكذلك مع بساطة قصائد(صلاح فائق).
وانشغالها باليومي المحبط عبر شعرية أسلوبية عالية
وماتزال صارية مركب  نوح ..حامل الفانوس في ليل الذئاب دليلنا ألأوحد في الوصول الى مدينة أين /الشاعر سركون بولص،وبعرفانية القصيدة غرسها فاضل العزاوي في(الشجرة الشرقية) التي كتبها بحنجرة غير مبحوحة .وهل يمكن نسيان الوعي الشعري المتقدم لأنسي الحاج الذي لم يفقد طراوته وسطوعه..الى مابعد آلآن؟!
للأسف ان هذه الكوكبة الشعرية خذلت اشتراطات الشاعر محمد الخالدي واثبت ان القاعدة الذهبية هي اللاقاعدة واعني ان الوعي الشعري يرفض ألأشتراطات المسبقة وان للقصيدة قنونتها الخاصة .والقصيدة كما ترى بربارة هاويس يجب أن تجسد عبور الزمن،لأنها يجب أن تتحرك من تجربة الى أخرى،من سلوك الى سلوك مضاد..الى نمط معين من الحل.ثمة قصائد تستطيع أن تملك توازنها في رأس الريشة وثمة قصائد تتحرك الى ألأمام،ثم تعرج نحو زاوية ما،وتتغير في شيء آخر(13) ..
ثمة رأي آخر يشترط على أن تكون حداثة اللغة الشعرية العربية في(ردم الدلالة الدينية للغة التي ترتكز عليها صلة ثقافة بتراثها)(14)

نتساءل ثانية..كيف يتم تجاوز بنية البلاغة العربية التقليدية؟
هذه الصعوبة كابدها الشعراء الكبار،وعادوا الى البلاغة التقليدية عودة ألأبن الضال…
ربما يكون السبب أن حركة الشعر التي بدأت في آواخر ألأربعينات،لم تصل الى ذروتها الشعرية،كما ان السمات التي انتجهتا ليست بالسمات المطلقة،وانشغالها بقتل ألأب العمودي/شعريا أصبح هدفها ألأستراتيجي،وليس محض مرحلة يجب تجاوزها وألأنشغال بالفني والجمالي وتوسيع مديات قصيدة التفعيلة وهكذا عاد الشاعر من صناجة  القبيلة الى صناجة حزب معين أو تتبناه منظمة مخابراتية بيافطة ثقافية تصدر المجلات الدورية والكتب  وعلى الصعيد الوطني  ..أرتفعت النبرة المنبرية في قصيدة التفعيلة،واتضحت كمون ألأضطراب الهرموني حين نقارن بين نصوص الشاعرة والشعراء
قارن بين مقدمة نازك في(شظايا ورماد) وتنظيراتها في كتابها النقدي(سايكلوجية الشعر)الصادر في 1993
أو مجموعتها الشعرية ألأخيرة(يغير البحر ألوانه)
أو المجموعة الشعرية للبياتي(كتاب المراثي)في منتصف التسعينات.
…(شجر الليل)للشاعر صلاح عبد الصبور
…(كائنات منتصف الليل) للشاعر عبد المعطي حجازي
…(البدوي ألأحمر)  للشاعر محمد الماغوط.
واذا(اللغة هي التاريخ) أذن لاجسر بين التاريخ واللغة سوى…القصيدة بوعيها الثوري من داخلها وبأدوات انتاج شعرية حصريا،حين لايصوغ الشاعر قصائده بل يسهم في تحويل آلآخرين الى قصائد عبر تناولهم الشعري للوجود وتلك كانت المهينة التي كرس لها بطل رواية (تماس المدن) حياته التي ختمتها فوهة أغتيال(15)
من هنا نرى ان قصيدة التفعيلة،رغم تمردها النسبي ،فهي مستمدة من نسق الثقافة العربية.أما قصيدة النثر العربية،فهي ماتزال تحاول بوعي شعري ،البحث عن نسقها عبر فاعليتها الشعرية،وليست من خارجها..
وهنا ساهمت الترجمة،بشكل فعال في دعم حداثية قصيدة النثر،وكان الرائد في هذا الدعم الشاعر(سعدي يوسف)،في ترجمة   قصائد (جان فولان)  (16) و(ايماءات )مختارات من الشاعر ريتسوس،على أثرها انشغل الشاعر العراقي،باليومي والمحذوف والعادي،فتفعلت اتصالية بين السردي والشعري في قصيدة النثر العراقية،واخترقت ألأجيال(17)..وهكذا ساهمت الترجمة بشكل مدهش في إزاحة المصدات ومعاينة المتغيير الشعري العالمي وهذا
ألأمر لايقتصرنا علينا فقط ف(الترجمة،كالعادة في كل بلد
وفي كل لغة،سيقع على عاتقها دور كسر ألأبواب الموصدة
في لغة التراث ونحوه المنغلق وبالفعل أن النثر أطلق في سماوات جديدة من التركيب والتعبير والصورة،بفضل الترجمات التي عرفتها اللغة الفرنسية في القرن السادس عشروالقرن السابع عشر والقرن الثامن عشر..)(18)

-7-
اختم  المفصل  ألأول من ورقتي بهذا التساؤل..
لماذا المستهدف هو الشعر العربي؟
لماذا الشعر وليست فنون السرد؟
لماذا دائما ..
دائما ذات ألأتهامات المتوارثة
*ألأعتداء على التراث
*تلويث الشعر
*أنتهاك المقدس اللغوي .
……………………
……………………
*هل توظيف القصيدة اليومية من قبل الهامش
تهدد نقطوية المركز..المتحكم بمراكز القوى كافة؟
*هل يكفي القول (الشعر هو السياسة)،ومن خلالها سنقول
الشعر :بشائر متغيرات في البنى ألأجتماعية،شعر السياب ونازك ومشتقاتهما ،هو الشعر الذي بشر بالثورة..في المنطقة العربية..
-2-

القصيدة الحداثية
من العتبة…الى العنكبوت
مسح عام بمنزلة وجيز أسترجاع

–    8-

مع أنحسار المد الثوري ،أصيبت ، الحداثة الشعرية ، بالميتافيزيقيا ، وأنشغلت الذات ،بذاتيتها ، وصار الشاعر (مجنونا في مستشفى الكلمات، يتسلق أسلاك الوردة )  ،على حد قول الشاعر فاضل العزاوي  ،في البيان الشعري  ،ان هذا النكوص ألأجتماعي  ،لم يكن بأختيار الشعراء العراقين ، بل  هي ردة فعل  على العنف السياسي ،الذي  مارسته السلطة بغية أخصاء الفعل الثوري  الذي مارسه الشاعر   ضمن الحراك السياسي  من موقعه كشاعر كان  يرى  أهم مهامه التصدي للظلم و ألأستبداد كما فعل السياب والبياتي وعبد الرزاق عبد الواحد ،وسعدي يوسف في خمسينات القرن الماضي
عنف السلطة…جرد
. ……..  حلم الشاعر ألأعزل ألأ من قدراته الشخصية وما أوهنها ، ،وقذفته في قعر مظلمة ، وحين اطلقت السلطة صراحه ، كانت مطمئنة انها أطلقت سراح سواه الذي صنعته في ألأقبية  ، خرج الاديب العراقي متمردا على نفسه وعلى سواه وهذه حالة صحية وليس مرضية، فكتب عزلته وتجربته المره لكنه هذه المرة كتبها على المرآة ليقرأها لنفسه ولمن يشبهه او يجاوره في الوعي والتجربة ،وهنا تخلت القصيدة عن القارىء الاول ،الذي كان الشاعر يخاطبه مباشرة ،تخلت القصيدة ، ولاذت بنخبة مغتربة محبطة منفية في الوطن ومحرومة من ابسط حقوق الحياة …ثم أنعزلت في حداثة الاخر الكولونيالي وبالنتيجة فقدت التمييز بين أشكالية  الثقافة الوطنية وأشكالية الثقافة الكولونيالية ،ولم تصمد سوى نماذج قليلة متأنية ،تأملت المشهد الشعري  بكثير من ألأمعان ،وأطلعت على تجارب الأخر وأتصلت بهذه التجارب ، اتصالا حواريا بعيد عن الدونية أو التعالي ، وعلى يد هذه النماذج القليلة ، ازدهرت قصيدة النثر بعيدا عن المحاكاة وقريبا جدا من وقعنا العراقي المحتدم

-9-

موت الشعر،محاكاة لميتات سابقة ،بدء ا بأعلان نيتشة حول موت المطلق التي صرخها في القرن التاسع عشر ومرورا بموت الجبلاوي في اولاد حارتنا، وموت المؤلف ، التى جاهر بها رولان بارت ،او موت الانسان كما أطلق غارودي على البنيوية ، ان هذه الميتات أقرب ما تكون للشائعات فهي تحارب الشمولي والمقدس لتفرض علينا ما لديها من شمولي ومقدس ،

-10-

بحسب  (جاكوب كرج ) (19)، ان الشاعر على استعداد للذهاب بعيدا ، من اجل البحث عن المتماثلاث ، فهو مستعد ان يحيد عن الطرق الأعتيادية للأ شياء المتصلة من اجل ان يعود بالوسائل  من اماكن بعيدة عن الحقول المباشرة للفكرة  ………وانا كقارىء  اتمييز بأستجابة حداثية أتساءل : هل يكفي التغيير في الشكل الشعري ،؟ لينتسب هذا النص او ذاك الى قصيدة النثر ؟ الأيشترط التغيير مقدارا من الوعي في العلاقات الجوانية في التعامل مع اللغة ،ذلك لأن تلمس الحداثة يكون من خلال وعي هذه العلاقات والسعي  لتفعيلها نصيا ،وهكذا تكون الحداثة الشعرية (متابعة في الشكل بوصفه بناء لغويا \ جماليا وحضاريا )،وعلينا ان نعي جميعا ان تغيير شكل القصيدة لن يكون تغيير في الجوهر (الأ اذا جاء نتيجة تغييرات أساس في بنية الكلام نفسه الى درجة يجعلنا نرى ، أحيانا في نوع معين من النثر، شعرية  أعلى من كثير مما يحسب شعرا )

-11-
استدرك واتساءل هل اسرفت في الكلام عن الشعر عموما ، وهو آلآن محض ذبابة في شبكات عناكب الانترنت ،التي ذوبت الاجناس الادبية لاكما ذوبت فرشاة دالي الزمن في ساعاتها.. ولم تصمد امام عناكب النت  سوى الرواية ،التي احتالت على ال نت بمنظومة شفراتها وتنسيب بعض اعضاء العائلة الاتصالية الحديثة  في نسيجها الروائي،  وهكذا (يبدو الشعر في العصر الحديث ،كما لو كان جرما صغيرا ،في فلك لامتناه هو العلم ) بحسب االناقد الدكتور مالك المطلبي في (وهم الحدس) (20)
-3-
نماذج تطبيقية…
أتصالية اللون..
عزلة الزمرد/ ومابعدها..
(في البدء كان اللون….)
واسيني ألأعرج/ الليلة السابعة بعد ألألف.

-12-
وحدة الوعي بأزدواجه القيمي..وعي الذات/وعي آلآخر،من يصنف العزلة،من يرتبها في تراتبية ألأحجار الكريمة،خارج الشعر والشعر وعي العالم،وعيا متعاليا مكثفا متفردا وعيا لايخلو ..بل يشترط ذلك الغوص الشفيف…خارج وعي من هذا الطراز،لاأجنحة تنبت للعزلة ولايكون للشعرسطوة خيميائية،فأذا كانت المعرفة هي صنو اللؤلؤ انتاجيا،فأن من مهام الشعر صقل لؤلؤ المعرفة ،مادام (كتابة الشعر تشير مجازيا بوصفها صقل اللؤلؤ/ص86- تعاليم الشعراء الصينين).
الشعر قيمة عليا،عندما لايتسلح بغير سلطته الجوانية،وهي قدرته في تناول العالم شعريا، بغية تثويره..هذه القيمة حصريا،هي من تخلص الشعر من شبهة التواطؤ في تزييف الوعي وألأكتفاء بوظيفة قارة توصل الشاعر الى مرضي التخمة وعمى ألألوان،من جراء تحوله ذيلا في جسد سلطة السلطة،وتحول المتلقي الى يدين زاعقتين بالتصفيق ..بهذه الطريقة الأدارية،ينسجمان الشاعر والمتلقي في العالم..في حين تبقى وظيفة الشاعر الشاعر:الحياة في ألأختلاف والموت في التماثل .
كذلك تخبرنا نهاية(يسنين)(مايكوفسكي)(مندلستام)(خليل حاوي)(مهدي طه)(عبد الحسن الشذر)(عقيل علي)(أبن لنكك البصري)..
وحده الشعر من يخلص العزلة من عزلتها وينحتها لينضدها ضمن ألأحجار الكريمة.
-13-
بقية أخوان الصفا:(عادل مردان،فرات صالح،كريم جخيور،عمارعلي كاصد،علي عيدان هاشم تايه)..أصدقائي ألأكثر حزنا في هذه ألأرض،التي لايكف المخربون عن تخريبها:

شعراء بصريون حكوا الزمرد بقلوبهم فتدفق النبض شعرا …يعتزلون في العالم لاعن العالم وبالطريقة هذه(تصل القصيدة الى مكان لم يصله الناس من قبل،ويرون معنى التجاوز ماتعبر عنه الكلمات/ص46/تعاليم الشعراء الصينين)..
تقرأ قصائدهم فتلمس  في زمرداتهم قسوة ألأختزال انهم يشيرون وعلى القارىء تفكيك ألأشارة /القصيدة وبالطريقة هذي يسهم القارىء في كتابة قصائدهم ويحقق أتصاله الشعري معهم..شعراء بصريون ضجروا من تفسير العالم شعريا وتآمروا على تغييره خيميائيا،وتلك بنظرهم ثورية الشعر:تحويل اللحظة الى حجر كريم،يتمرى آلآخر
في قصائدهم ثمة قطع حاد بين عالمين ولاأقول بين لونين
للون وظيفته ألأشارتيه،وهم عبر اللون يؤثلون اتصاليتهم الشعرية مع القارىء
-14-
بياضات العزلة/سوادات العزلة
بأستثناء الشاعر على عيدان،فالشعراء الزمرديون تشتغل قصائدهم على أتصالية /التضاد بين ألأبيض /ألأسود:
*كريم جخيور)بياض أرقط/كيف أذن/ سيكون عليه السواد/قصيدة:الجنوب مجاز ألأضرحة)
أن البياض هنا ليس بالبياض الصريح بل تشوبه شائبة الترقيط،وتساؤل الشاعر يقع في مقام تساؤل العارف لاالجاهل بألأمر ،لكن هناك غلبة البياض المطلقة عبر النسق الثلاثي(تغتنم النجوم فتنتها/الملائكة سدنة/ لأيماءات الياسمين:قصيدة انسجام اللازورد)..يمكن أن نرى في النجوم
ثقوبا بيض في ليل السماء،والملائكة أعالي الطهر الناصع والرائحة البيضاء لا تتأرج من  غيرالياسمين ومشتقاته،يقابله
ذلك السواد اللذيذ(سأربي شعرك/ليكتمل السواد).الظلام قوة السلطة الباطشة(الظلام يرتدي قوة البلاط)وبقوة مثل هذه،يريد تنزيل العالي الناصع(ويلوح للسحابة /أن انكسري)
-15-
البياض المؤجل أو…مساءات فرات صالح
العمى سواد قاس،فكيف له أن يقود سواه والى أين…؟
وأنى له ذلك اذا كان سواه أكثر منه؟ أنها الأتصالية/المعضلة
بين الواحد/الكثرة(جسدي:أعمى يقود قطيعا/قصيدة جمرات)
والغياب :سواد لاصق كالبشرة(مساءات بأكمام ضيقة/لي وحدي/يخيطها الغياب)،نحن أمام تراتبية نسقية للسواد
(1)مساءات../كثرة سوداء تنتح سوادا لاصقا بالبشرة
(أكمام ضيقة).هنا تبث القصيدة ايماءة للقارىء
العارف بسيرة الشاعر،ألأتشير ألأكمام الى اليدين/حركتها؟
ألأيمكن أن نقرأ القصيدة كالتالي(ليل بأصفاد: هوكل ما للسجين)،حيث تحيلني القصيدة الى الفترة التي كان فيها الشاعر مع كوكبة من مثقفي البصرة في سراديب (الرضوانية)..النسق الثالث هو الغياب..فأذا كان الحضور بياضنا،فالغياب هو السواد الذي نحاول تثقيبه ببياضات التذكر..(بسكين ذكراك/أشذب المساء المتطاول)..والشاعر هنا يهذب السكين عبرأستعمالها شعريا ..أحيانا يزج اللونين
ضمن ديالكتيك وحدة وصراع ألأضداد:
(وحشي وعميق ألأبيض
أنت والسواد تماما)
والمساء الضيق ألأكمام،لايحول دون سعة النهار:
(الى أحضان تدحرجان شموسا
يداك تؤسسان النهار)
ولايكتفي الشاعر بذلك ،وحتي يصون النهار،لابد من قوة دافعة : (خرائبي ذات مساء
سأفتحها فوق رؤوس السحرة)
وهكذا يكتمل نسق ثلاثي آخر للسواد(الخرائب/المساء/السحرة).
-16-
التحريض على السواد ..
أو أغنية الشاعر عمار على كاصد
نتدخل لنضيىء،لانمارس ازاحة قسرية لمنتوج الشاعر عمارعلي كاصد..تدخلنا لايخرج عن آليات قراءتنا..عنوان القصيدة
(عرض آخر للسيرك) فتضيف قراءتنا :
(عرض آخر للسيرك الذي هو الصباح)..في أطالتنا ذريعة التفسير،اما العنوان ألأيمائي الذي وظفه الشاعر فهو(ألأحلام المقضومة)..فأنه يفعل أتصاليته مع(صباح الخبز)..صباح عراقي منتوج لنا خصيصا في معامل التصنيع العسكري
أنه صباح عاطل عن العمل،لكنه غير عاطل عن ألأضاءة
(الوجوه: مقطبة والزيج هادل والجيب مثقوب)..صباح مهمش لاتستقبله المؤسسات ولاترفضه المقاهي(صباح المقاهي والتجوال)..انها صباحات تتدلى من غصن أسود معتم..يتدفق قيحا من افرازات شمولية الساطة..يقابله
الصباح آلآخر المنتج من لدن الوعي الحقيقي(صباح القصائد من لحم ودم تهتك أمن آلآخر)..وستكون شعرية صباح القصائد : ثلاثية النسق:
*تهتك أمن آلآخر
*تحفر قبور التواريخ
*ترقع عري صاحبها
ثم تعيدنا سيرورة القصيدة الى الصباح المسود،سواد فعلت قوة خارجية..أنه الصباح الفارغ كالقرب والداكن
مثلها،الناكث رماده في العيون التي ضيعت فردوسها
واتحفت بالخواء..هكذا تتقدم صوبنا قصيدة الشاعر عمار علي كاصد،وهي تفعل نفي النفي ،ثم تأتي الضربة ألأخيرة( صباح الطنافس المرصوفة حول العرش)..بقية القصيدة ،تحتفظ بأستقلاليتها الشعري
أراها قصيدة :تبدأ ب(ليكن ماؤك باردا) وتنتهي
ب(متنا/لهطول ألأمطار على ذوبان ثلج) وترتبط هذه
القصيدة حسب قراءتنا،أتصاليا بقصيدة(أغنية الشاعر):
(مجذوب أنا/أنادي يامياه
كوني أكثر عذوبة
ليته يراني هكذا
براقة وناعمة ليته
ليته يامياه)..
هنا عثرت قراءتنا على مائية ألأتصال بين القصيدتين
..يمكن قراءة كل جزء ضمن قصيدته لمن يشاء بالطبع.

السواد ..في قصائد عمار نتيجة ،سببه ذلك السواد ألأشدة قساوة : (بعد ما أرتفع بيننا
لم أعد أراك) لهذا السبب
(أضحى المساء مستديما)..كما أن غياب الشخص أدى الى غياب معادله الموضوعي:(أقمارك لن تظهر)
أزاء هذا السواد الحاد..يقف بياض شمولي يوسق المودات بكليته(بياض شعرك الفاقع
وقد غمر ذلك البياض
تجاويف المنزل)
أما ألأسود المطمئن،فسنراه في قصيدة(رحيل)
(منتهك/مستباح/ شعرك الأسود أنتشر فيه السخام/
مرت عليه الخيول) يقابله سواد باطش:
(كان ليلا شديدا) لكن المنتهك/الواحد ..يتصدى
لتلك الشراسات،ببياض ألأبتسامة(أبصرتك تبتسم)
هل ابصار ألأبيض هو القوة الرافعة،التي تجعله يبني للحقيقة جسرا(وتبني جسرا للحقيقة)؟

-17-
الشاعر علي عيدان والتماهي في ألأزرق
ألألوان محض هوامش،اللون ألأزرق هو المركز
صحيح أن ألأخضر ينافسه في(آلآوان..ألأخضر القوي)
وصحيح أيضا ان(الخراب الضروري) لايخبرنا به ألأزرق بل ألأرجواني/المعرفة:
(في مكتبة الكواز
رأيت أمرأة
تطالع في كتاب عنوانه
الكفن ألأرجوان
فعرفت أن هناك ثمة خراب ضروري)
لكن مواصلة قراءة المرأة..لاتوصلها لغير(ألأعمدة الزرق).فألأزرق هو الحقيقة المطلقة:
(ألأزرق متماسك وعميق
لايقع ولاينفرط).. صفة ألأطلاق في ألأزرق،تموضع شاعرنا علي عيدان في حيرة
التسمية:(ولأني لاأجد كلمة أفضل
أدعوه ذو الجلال) هل ألأزرق هو ألأبيض في غيبته؟ ذلك ألأبيض القصي المخبوء ! و(الحاضرأبدا)..أن الحضور المطلق للأزرق ..أما
ألأخضر/ألأصفر/ ألأحمر فمحض (وسائل) .ألأزرق
هو(أسلوب) بل والناطق دون سائر ألألوان(فقد أذن له الرحمن).
الشاعر علي عيدان يكتب قصائده بألأصباح،دون تفريط أو أفراط يستخدم ألألوان بأقتصاد أسلوبي :يشير..يومىء،ويدعو فطنة القارىء الى المساهمة في كتابة القصيدة وتلك بحد ذاتها لذة كبرى للقارىء المنتخب،لاالقارىء العادي

-18-
على يسار العدم..يثرثر الشاعر هاشم تايه
بلا دموع…
ألأخضر ينتج الطمأنينة،وألأخضر هو ألأعلى لدى الشاعر هاشم تايه(الطمأنينة على قرنك المذهب
تنثر خضراءها،في مروج
ألأعلى)
وللطفاء قلوب خضر(أرض خضراء
هي قلوبكم يالطفائي)
أما ألأبيض وألأسود فهما يتناصفان ألأمر،
(بين أبناء نهارك
أو بنات ليلك) وهناك غلبة ألأسود
(أعميت الطريق)(جرعة الليل ترقبه)(وضياءك يخور)(الضياء ملاذ)(ولكن ألأبيض وحده طوق النجاة)
(يامن تأبى ألأ أن تكون مغردا بضيائك الهلوك).
ألأبيض وحده رفيق شاعرنا هاشم،وهما يتجولان في(عربة النهار):
(ليس لأمر/قذفت الشمس بنفسها في عيني/ فأنتفضت
لكي يصلحني النهار) ان النأي عن النهار هو ألأحتباس في عتمة ألأسود.

–    19-
حسرة المشرقي الشاعر عادل مردان..
لاتشير بوصلة الشاعر عادل مردان لغير الشرق.
الفضاء تكتنفه كلية شرقية(فضاءات شرقية/مجموعته الشعرية ألأولى/الصادرة في أسبانيا/1999)والجنوب:شرق يمتهن خياطة ألأعلام الخضر،للعناء تلك السمة المتشققة منا وفينا
(العناء يرفع أعلامه الخضر)
لقد أرهق العناء الطرفين:ألأنا/ آلآخر(البدن/الجدار)
(العناءأضنى البدن وأضنى الجدار)

ولايكترث العناء لذلك فهو يكتفي بالرؤية الباردة
(يتطلع الى المعمار الفاجع) ولايتطلع لما يعبره من سواد مجنح بسببه(فتعبره طيور سود) والعناء يمكن أن يكون مصادرة البياض(ينطق شعاع النجم) وهو الواحد/الباطش الذي يجهز على الكثرة(قاعدا على جذوتنا) أنه وحش خرافي لايرضع ألأ من أفئدتنا
(أي شجرة مثلي ترضع من أفئدتكم) وهو الأسود الصفي الذي صادر حتى الهواء:
(أنا صفيكم ألأسود
الويل لي ولكم
لقد تسللت نسمة قبل قليل)
العناء هو الذي يصادر بياض المسرات
(أرى مسراتنا عمياء)
ومن جراء سواد العناء ،تجثم على ألأرض صيرورة سوداء مغلقة:
(ألأرض زنجية ينام على بكارتها القيظ)
القصيدة وحدها من لها قدرة على منازلة الصفي ألأسود: (أبنة العين
حبك:زيت لفانوس
الفن)
وعلى ضوء الفانوس سنعثر على الزرقة المنشودة
أبنة الناصع وسيحكي لنا ألأزرق كل المكابدات السود (أنا حجر أزرق
يحكي
قصص النوء)
وسنعرف أن البقاء لن يكون لغيرالفجر الجديد المتمخض عن(دار النرجس) واشراقات القادمة من
النبع(ملائكة تنهض دائما
من القتل
مجنونة بالغير عذراء
دار النرجس
جاءت شرارتها من النبع)
وبالطبع لن ينصر ألأبيض سوى كيمياوي وهو يعلن
(سأحيل التفحم الى
ماس)…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.