محمَّد حِلمي الرِّيشة : شِعريارُ أَو قَلبُ العَقربِ / سِيرةٌ شعريَّةٌ (1)

mohammad  rishahإِهداءٌ
إِلى (شِعرَزاد)
مِن قبلُ، الآنَ، ومِن بعدُ..
(شِعرَيار)

إِشارةٌ لاَ بدَّ مِنها
هذهِ “السِّيرةُ الشِّعريَّةُ” ليستْ سِوى ومضاتٍ ممَّا أَمكنَ للذَّاكرةِ أَن تستحضرَهُ آناءَ إِضاءَتِها/ كتَابتِها، لذَا فهيَ لاَ تُغنِي عنْ قراءَةِ أَعمالي الشِّعريَّةِ، وكتَاباتي الأُخرى، والحواراتِ الَّتي تمَّتْ مَعي، إِضافةً إِلى القراءاتِ، والمقارباتِ، والدِّراساتِ النَّقديَّةِ، الَّتي أُنجزتْ عنْ تجربتِي الشِّعريَّةِ.

مدخلٌ معذِّبٌ قليلاً/ كثيرًا
كنتُ، فِي كلِّ مرَّةٍ أَعودُ لأَبدأَ هذهِ الكتابةَ/السِّيرةَ الشِّعريَّةَ، فلاَ تَحدثُ؛ إِذْ تتقافزُ الذَّاكرةُ بمكنُوناتِها مضيئةً/مشتعلةً أَنَّني كتبتُ مِنها أَشياءَ عبرَ/فِي قصائدَ/حواراتٍ/شهاداتٍ أَدبيَّةٍ. هذَا مَا يَجعلُني أَتردَّدُ فأَتوقَّفُ، حيثُ أَشعرُ كأَنَّني سأَدخلُ متاهةً مهُولةً، كمَا لَو أَنِّني فِي حالةِ شعرٍ- هذهِ لذَّتهُ الأُولى، لاَ أَعرفُ إِلى أَينَ تُفضِي بهِ وبِي معًا.
“لَمْ أَكتبْ قصيدةً وأَنا أَعلمُ بمَا ستنتَهي بهِ. كتابةُ القصيدةِ اكتشافٌ.” (رُوبرت فْروست).
أَأَسيرُ بخطواتٍ حذرةٍ/محسوبةٍ، لاعتباراتٍ شائكةٍ شخصيًّا، وثقافيًّا، وتتعلَّقُ، أَحيانًا عديدةً، بآخرينَ، كأَنَّها خطواتٌ فوقَ ذرَّاتٍ مدبَّبةٍ/متحرِّكةٍ لطميٍ حارٍّ؟
تساءَلتُ، وفِيَّ غبطةٌ وغصَّةٌ فِي آنٍ، أَنَّ المبدعينَ- مِن غيرِنا- لدَيهم حرِّيَّةُ الكتابةِ عنْ ذواتِهم، وغيرِهم، وأَشياءَ، وحوادثَ، ووقائِعَ، شكَّلتْ مفاصلَ مُهمَّةٍ لِـ/فِي حيواتِهم، وإِبداعاتِهم، دونَ حساسيةٍ مريضةٍ منهُم. لاَ أَقصدُ/أَدعو، عربيًّا، أَنْ نصلَ إِلى مُستوى كتابةٍ افتعاليَّةٍ/انفعاليَّةٍ/مضلَّةٍ، تَعنِي المساسَ بمَا يمكِنهُ أَنْ يسبِّبَ اشتباكًا سلبيًّا/صِرَاعًا عقيمًا بدونِ جَدوى، إِنَّمَا أَعْنِي؛ روحًا فسيحةً/قدرةَ استقبالِ صدقٍ/نقدٍ موجَبٍ/حقيقةٍ نقيَّةٍ/كشفٍ مهمٍّ عنْ مسائلَ لَها أَثرُها الخاصُّ والعامُّ، فِي المشهدِ الجمعيِّ، بشفافيةٍ ثقافيَّةٍ أَنيقةٍ، لأَنَّ كثيرًا منَّا ليستْ لهُ تلكَ الرُّوحُ، وكذلكَ لأَنَّنا مَا زلنَا أَبطالاً، ولَو مِن ورقٍ، فِي سِيَرِنا الذَّاتيَّةِ وغيرِها.
أَتساءَلُ أَيضًا: لأَنَّهُ صَعبٌ الإِحاطةُ بكلِّيَّتها/بِشواردِها، فهلْ أُركِّزُ علَى/أُبرزُ أَهمَّ محطَّاتِها الَّتي شكَّلتْ فواصلَ حاسِمةً؛ داخليَّةً/خارجيَّةً، فِي التَّجربةِ الشِّعريَّةِ، أَم أَسيرُ خلفَ حبرِ السَّردِ يَمضِي بِما تشعُّهُ الذَّاكرةُ آناءَ الكتابةِ؟ لاَ أُخفي هُنا أَنَّ فكرةَ الصِّياغةِ الرِّوائيَّةِ راودَتْني مِرارًا، لكنِّي خشيتُها جدًّا، وعِفتُ الفكرةَ نهائيًّا؛ ربَّما لشعورِي الخاصِّ بضعفِ القدرةِ علَى إِنجابِها، خصوصًا أَنَّني أَشتغلُ لاَ شعورِيًّا، حتَّى علَى غيرِ الشِّعرِ، باللُّغةِ المكثَّفةِ، وهذهِ مغايرةٌ تمامًا للُّغةِ الرِّوائيَّةِ. لاَحظتُ عددًا منَ الشُّعراءِ العربِ هجَروا الشِّعرَ، وتحوَّلوا إِلى كِتابةِ الرِّوايةِ، أَو كتبُوا روايةً وأَكثرَ، إِضافةً إِلى كتابةِ الشِّعرِ، أَو تقليصهِ كثيرًا أَو قليلاً.
سَأَلني محاوِرٌ: هلْ كتابةُ السِّيرةِ الشِّعريَّةِ ضروريَّةٌ لمعرفةِ مَساراتِ القصيدةِ واللُّغةِ عندَ الشَّاعرِ؟
لستُ أَعرفُ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّني فكَّرتُ مرارًا بِها، ورغِبتُ بالمحاولةِ، إِلاَّ أَنَّني لَمْ أَجدْ وقتًا، لأَنَّ الموضوعَ ليسَ يسيرًا، وهوَ، بالنِّسبةِ إِليَّ، يشبِهُ حالةَ الكتابةِ الشِّعريَّةِ، وهوَ استعادةٌ مِن بعيدٍ؛ عالٍ، وعميقٍ، وأُفقيٍّ ممدودٍ فِي آنٍ، كأَنَّهُ كلُّ الوقتِ الماضِي، وكأَنَّهُ الأَمسُ، وكأَنَّهُ الآنَ، وكأَنَّهُ غدًا، وكأَنَّهُ لَمْ يكُنْ!
هذهِ إِحالةٌ/حالةٌ تنتابُني حينَ أُحاولُ استعادةَ مِشوارِي الشِّعريِّ، وبالتَّأْكيدِ؛ سأُصابُ بِها لَو شَرَعتُ بكتابتِها، وإِذا كانَ الشَّاعرُ صَلاح عَبد الصَّبور عنونَ كتابَهُ “حيَاتي فِي الشِّعرِ”، فأَنا أَعتقدُ أَنَّ أَنسبَ عنوانٍ لسيرتِي الشِّعريَّةِ هوَ “حيَاتي الشِّعرُ”، لأَنِّي كرَّستُ جُلَّ حيَاتي لهُ حتَّى بلغتُ، أَكثرَ مِن مرَّةٍ، حافَّةَ اللاَّجدوى مِن شدَّةِ اعتِناقي لهُ، وخَوفي عليهِ، فِي هذَا الزَّمنِ العربيِّ المُبتلَى بكلِّ شيءٍ.
إِنَّ كتابةَ السِّيرةِ الشِّعريَّةِ بصدقٍ، وأَمانةٍ، وبوحٍ مريحٍ/شفيفٍ، وإِيجابيَّاتِ التَّجربةِ وسلبيَّاتِهَا، ودونَ بطولةٍ ثلجيَّةٍ، إِضافةً إِلى حواراتِ ومقالاتِ وكتاباتِ الشَّاعرِ الأُخرى، وقراءَاتٍ/مُقارَباتٍ إِبداعيَّةٍ لآخَرينَ مبدعينَ، وغيرِها، لاَ شكَّ أَنَّها تشكِّلُ عتباتٍ، ونوافذَ، ومعابرَ ولُوجٍ للنُّصوصِ الشِّعريَّةِ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّ كلَّ هذَا لاَ يُغنِي عنْ قراءَةِ النَّصِّ ذاتهِ قراءَةً إِبداعيَّةً مِن قِبَلِ قارئٍ مبدِعٍ، لأَنَّ القارئَ خلاَّقٌ آخرُ.”
مَا شعرتهُ، ولاَ زلتُ؛ أَنَّ هذهِ الكتابةَ/السِّيرةَ الشِّعريَّةَ لنْ تكُونَ تحليقًا بجَناحيِّ الذَّاكرةِ المُنتبِهةِ والمخيَلةِ التَّأْويليَّةِ، كمَا اقترافُ الشِّعرِ، بلْ هيَ استرجاعٌ/تأْريخٌ/إِعادةُ اكتشافِ الدَّهشةِ/الذُّهولِ/الجُنونِ! أُعرِّفها مُحاولةً، غيرَ يائسةٍ تمامًا، لاحتواءِ الأَسفِ/الهباءِ/الجُفاءِ. لنْ تكُونَ سهلةَ الإِحاطةِ بكلِّ شيءٍ، إِذْ أَتمنَّى أَنْ أَقولَ كلَّ شيءٍ، أَو شيئًا مِن كلِّ شَيءٍ.
أَعرِفُ، هُنَا، أَنَّ هذَا التَّمنِّي درجةٌ مِن درجاتِ الاستحالةِ، ولكنْ لاَ بأْسَ منَ المحاولةِ/التَّجريبِ، حتَّى وإِنْ أَودَتْ/أَدَّتْ إِلى محوِها كاملةً كأَنْ لَمْ تكُنْ!
وجدتُني، فِي حزيران /يونيو (1990)، أُحاولُ أَن أُدوِّنَ، شِعرًا، سيرةً ذاتيَّةً مُستقبليَّةً، كمَا لوْ أَنَّها استشرافٌ/قراءَةٌ/تخيُّلٌ، فِي قصيدةِ: “سيرةٌ ذاتيَّةٌ لِـمَا لمْ يأْتِ بعدُ”. الآتي مقطعُها الأَخيرُ:
“عِنْدَمَا أَبْدُو سَمَاوِيًّا
طَرِيقًا لِانْفِجَارِ النَّارِ فِي صَدْرِ النَّشِيدِ
عِنْدَمَا يَنْسَابُ هذَا القَوْلُ مِنْ ظِلِّ النِّهَايَاتِ البَعِيدَةْ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
نَهْرًا مِنَ البِلَّوْرِ يَسْرِي
فِي التِصَاقِ الْفَجْرِ بِالحُلْمِ الجَدِيدِ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
بَحْرًا مِنَ الأَسْرَارِ يُخْفِي حُزْنَهُ فِي
مِعْطَفِ الأَمْوَاجِ.. يَدْعُونِي
لِآفَاقٍ مِنَ البَرِّ الأَكِيدِ
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
زَهْرَةَ الأَغْصَانِ تَحْنِي هَامَةَ الرِّيحِ قَلِيلَا
تَرْفَعُ الأَكْوَابَ فِي مَدْحِ الغِنَاءْ
مَدْحًا عَلِيلَا
يَجْرَعُ النِّسْرِينُ.. يَشْدُو عَزْفَهُ عَزْفًا بَدِيلَا
وَأَرَى فِيمَا أَرَى؛
حُلْمًا أَرَى فِي الجَفْنِ.. هَلْ يَأْتِيهِ صِدْقٌ
ثُمَّ.. هَلْ يَبْقَى طَوِيلَا؟
عِنْدَمَا أَبْدُو سَمَاوِيًّا؛
تَدْخُلُ الأَيَّامُ فِي عُمْرِي
تَخْرُجُ الأَوْرَاقُ مِنْ سَطْرِي
وَقَدْ أَلْقَى سَبِيلَا.”

فِي البَدءِ.. كانتِ القِراءةُ
كنتُ تلميذًا فِي الصفِّ السَّادسِ الابتدائيِّ آنذاكَ، حينَ أَجبرَتنا المدرسةُ، فِي آخرِ يومٍ منَ السَّنةِ الدِّراسيَّةِ، علَى شراءِ مجلَّةٍ لِلفتيةِ كيْ نَقرأَها فِي العطلةِ الصَّيفيَّةِ، إِذ كانَ علَى كلِّ تلميذٍ أَنْ يشتريَها حتَّى لَو كانَ غيرَ راغبٍ بِهذا، وربَّما ليسَ لِهذا الهدفِ المعلَنِ، لكنَّهُ كانَ بالنِّسبةِ إِليَّ فاتحةً لِـمَا سيأْتي منذُ حينِ تلكَ الحادثةِ/المجلَّةِ إِلى الآنَ. هكَذا وجدتُني، فجأَةً، أَنشَدُّ إِلى القراءةِ، علَى الرَّغمِ مِن أَنّنَي شغوفٌ باللَّعِبِ، فلَمْ أَكنْ أَقرأُ، عَلى مَضضٍ، إِلاَّ دُروسي (تُعلِّمُنا المدرسةُ القراءَةَ والكتابةَ والحسابَ) الَّتي سرعانَ مَا أَقرؤُها سَلْقًا، لأَخرُجَ مِن ضيقِ المسافة، بينَ العينينِ الشَّغوفتينِ والدِّراسةِ المعتمةِ، إِلى مدَى اللَّعبِ، حتَّى وإِنْ كانَ مدَاهُ شارعٌ  ينحَنِي مُتواريًا، بعدَ عثراتِ/عشراتِ الأَمتارِ، كفتَاةٍ تحثُّ الخُطى إِلى بيتِها إِذِ الرِّياحُ (غيرُ اللَّواقحِ) تحاولُ المرورَ مِن بينِ ساقَيْها وهيَ تضغطُ علَى فستانِها القصيرِ بيدَيْنِ ماكرتيْنِ. كنَّا نرَى الفَتيات يفعلنَ هكذَا، وهكذَا الشَّارعُ فِي عينيِّ تلميذٍ لعوبٍ، فمَنْ يُحاكي مَن؟
قرأْتُ المجلَّةَ مرَّةً/مرَّاتٍ: مَا الَّذي يَحدثُ لِي؟ لِمَ صرتُ أَبحثُ بشغفٍ عنْ مجلاَّتٍ وكتبٍ أَدبيَّةٍ وغيرِها، وأَهجرُ اللَّعبَ- هوايَتي الوحيدةَ المفضَّلةَ دائمًا- تدريجيًّا؟ أَنا الَّذي كنتُ مولَعًا جدًّا باللَّعبِ، لدرجةِ أَنَّ أُمِّي (رحمَها اللهُ) قالتْ لِي مرارًا: “إِنَّكَ لاَ تريدُ أَنْ تكبُرَ أَبدًا!”.
كيفَ صرتُ أَقضِي ساعاتِ مَا بعدَ الدَّوامِ المدرسيِّ فِي المكتبةِ العامَّةِ قارئًا نَهِمًا حتَّى انتهاءِ دوامِها، بلْ وأَتأَبَّطُ كتابينِ مُستعاريْنِ مِنها لأَستمرَّ ليلاً فِي هذَا الفعلِ المدهشِ/السَّاحرِ/السَّاهرِ إِلى مَا بعدَ بعدَ منتصفِ السَّوادِ؟ هذَا الفعلُ الَّذي وضعَ، مبكِّرًا، إِطارًا يحيطُ قطعتَيْ زجاجٍ قِبالةَ عينيَّ علَى مسافةٍ قريبةٍ جدًّا، وقدْ شعرتُ أَنَّ النَّظَّارةَ كانتْ كأَنَّها نقلةٌ عمريَّةٌ؛ منَ المراهقةِ إِلى الرُّجولةِ، علَى جناحَيْها اللَّذينِ جعلاَ ساقيَّ تَثبُتانِ طويلاً فِي جلوسِي علَى مقعدٍ، مقابلَ سَيرِي الرَّاسخِ/ الحثيثِ/ الصَّبورِ بِعينيَّ فوقَ حليبِ السُّطورِ الشَّهيِّ، علَى الرَّغمِ مِن جفافهِ، بعيدًا/ عميقًا/ برِّيًّا، لدرجةِ أَنَّني كنتُ أَنسى المكانَ/الزَّمانَ/ الطَّعامَ/الشَّرابَ/الوُجودَ/الحياةَ!
إِذا كانتِ القراءةُ أَهمَّ مَا حدثَ فِي حياةِ الرِّوائِي (ماريُو فارجَاس يُوسا)، وقدْ جعلتِ الأَحلامَ حياةً، والحياةَ أَحلامًا، وأَنَّ القراءةَ، كالكتابةِ؛ احتجاجٌ علَى نقصانِ الحياةِ، فمَاذا بوسعِي أَنْ أَقولُ أَنَا عَنها/فِيها؟

ثمَّ.. كانتِ الكتابةُ
فجأَةً امتدَّتْ يدِي تضمُّ أَصابعُها قلمًا، فكانتْ أَوَّلَ كتابةٍ/خاطرةٍ لِي لاَ أَذكرُ مِنها سِوى عنوانِها: “وهكذَا تمضِي الأَيَّامُ”، وأَذكرُ أَنَّني أَرسلتُها إِلى المجلَّةِ ونُشرتْ. ربَّما كانَ نشرُها دافعًا لكتابةِ غيرِها ونشرِها أَيضًا، إِذْ صرتُ أُراسلُها، بلْ وأَكثرَ مِن هذَا؛ صرتُ أَنتظرُ موعدَ صدورِها، إِذْ كنتُ أَذهبُ، مباشرةً، بعدَ الدَّوامِ المدرسيِّ إِلى مكتبةٍ، منذُ اليومِ الأَوَّلِ مِن كلِّ شهرٍ، أَسأَلُ عَنها، إِذْ كانتْ تتأَخَّرُ أَحيانًا بضعةَ أَيَّامٍ. كانَ انتظارِي يشبِهُ انتظارَ محبوبٍ مرهَقٍ/مراهِقٍ لمحبوبتهِ، والَّتي تمارسُ/تضجُّ دلالاً فِي حركاتِ مواعيدِها. أُشبِّهُ انتظارِي بهذهِ الصُّورةِ لأَنَّ معظمَ الفتياتِ كنَّ يفعلنَ هذَا، فأَغلبهنَّ لَمْ يكُنَّ يَعرفنَ منَ الحبِّ سِوى إِظهارَ الدَّلالِ المادِّيِّ/الجمالِ الجسديِّ- شاغلِ المرأَةِ الدَّائمِ- مَا أَمكنهنَّ ذلكَ. أَذكرُ منْ أَفعالِ البعضِ مَنْ كانتْ، بعدَ خروجِهَا منَ المدرسةِ، تسحبُ زِيَّها المدرسيَّ إِلى أَعلَى، وتُخفي الجزءَ المسحوبَ تحتَ الحزامِ لتجعلَ حدَّهُ السُّفليَّ أَعلَى الرُّكبتينِ طبقًا لأَهوائِها/جَراءَتِها، حيثُ شاعَ الـ”مِيني جُوب” آنذاكَ؛ فِي بدايةِ السَّبعينيَّاتِ مِن القرنِ الماضيِّ.
تَعدُّدُ كِتابةِ الخواطرِ يَعني أَنَّني بدأْتُ بالنَّثرِ، لاَ بالشِّعرِ. لَمْ يكُنِ الشِّعرُ، خلالَ السَّنواتِ الثَّلاثِ فِي كِتابةِ الخاطراتِ، قَدْ جسَّدَ لِي حضورَهُ الشَّفيفَ. فقطْ؛ كانَ ثَمَّ مَنْ يُسمِعُني أَنَّ أُسلوبي فِي كتابةِ الخواطرِ أَقربُ إِلى الشِّعرِ منهُ إِلى النَّثرِ.
لَمْ يكُنْ هذَا الرَّأْيُ شكَّلَ حافزًا لافتعالِ كتابةٍ شعريَّةٍ أَدَّعيها قصيدةً، وأَدَّعيني شاعرًا، لكنَّهُ كانَ حثًّا باذخًا إِلى الاقترابِ أَكثرَ منْ لغةِ الشِّعرِ فِي النَّثرِ، وقدْ كنتُ أَستمعُ إِلى أَغاني جارةِ القمرِ/فيروز، فتشدُّنِي اللُّغةُ/الصُّورُ الشِّعريَّةُ بموازاةٍ وتماهٍ معَ الموسيقَى الحريريَّةِ وصوتِها الملائكيِّ، لذَا كنتُني لاَ أَمرُّ (ببراءةِ مَا قبلَ الشِّعرِ) عابرًا دونَ قراءةِ اللَّحنِ والكلمةِ وعَلاقتِهما معًا، بحثًا عَن تماهٍ تتداخلُ فيهِ الكلماتُ والأَلحانُ الموسيقيَّةُ المنبعثةُ منْ آلاتٍ مصاغةٍ منْ موادَّ قدْ لاَ تَعني شيئًا وحدَها دونَ العدوانِ الإِيجابيِّ علَيْها، مثلَ هذَا المقطعِ الفيروزيِّ:
“وتِكيتْ غصونِ الوردْ عَا كتفِ السِّياجْ/وفَل القمرْ عا ضيعتُه وفلُّوا الدِّراجْ”.
مَا زلتُ أَذكرُني كيفَ رقصتْ صَرختي، فِي داخلِي وخارجِي، رقصةً/صرخةً عارمةً حدَّ أَنَّ الآخرينَ استهجَنوا حركتِي المسرحيَّةَ. ولمَ لاَ؟ غصونُ وردٍ (بنعومتِها الأُنثويَّةِ) تتَّكئُ علَى كتفٍ (لمْ يكنْ بشريًّا)، بلْ علَى (إِبريَّةِ) سياجٍ. ولمْ أَزلْ أُمارسُ هذهِ العادةَ اللَّذيذةَ فِي قراءةِ الموسيقَى/الغناءِ إِلى الآنَ، ومَا لمْ يكُنْ يحمِلُ هذَا المعنَى التَّصويريَّ المليءَ بشاعريَّةِ الحواسِّ ليسَ، باعتقادِي، قابلاً لقابِلَتي/ذائقتِي الخاصَّةِ.
تذهبُ بِي الذَّاكرةُ، الآنَ، إِلى أَنَّ لغةَ أَغانِيها شكَّلتْ تحريضًا عذبًا للُغتي الشِّعريَّةِ لِـمَا كانَ لِي بعدُ منْ شِعرٍ؛ لغةٍ تنبَّهتْ فِيَّ، منذُ التَّمارينِ الأُولى، إِلَى أَنَّ “مِن شجارِنا معَ الآخرِ نخرجُ بالخطابةِ، ومنْ شجارِنا معَ أَنفسِنا نخرجُ بالشِّعرِ.” (وِليم بِتلر يِيتس).

رسالةٌ إِلى (م) الأَديبِ
التَّحوُّلُ مِن كتابةِ الخاطرةِ/النَّثرِ إِلى أَوَّلِ كتابةِ مَا أَصفِهُ، مجازًا، شعرًا، كانَ صدفةً مُراهِقةً/حدثًا عفويًّا/غوايةً بريئةً اقترفَتْني بنيَّةٍ مجهولةٍ:
“لَمْ أَكنْ أَعي، دونَ شكٍّ شَهِيٍّ، أَنَّ تِلْكَ اللَّحظةَ كانتْ بابًا إِلى المجهولِ الآتِي؛ إِلى بدءِ الحفرِ بأَصابعَ غضَّةٍ، والسَّيرِ بخطًى أُفقيَّةٍ وعموديَّةٍ، والسِّباحةِ فِي الفضاءِ المضاءِ بنجومٍ مشعَّةٍ بتأَلُّقِ حروفِها. هكذَا كانَ مَا كانَ؛ دونَ إِرادةٍ مسبقةٍ، وفوَرانِ مراهقةٍ، وعنفوانِ ذَاتٍ.”
بالنِّسبةِ إِلى غَيري(*)، كانتِ الكتابةُ الأُولى مفاجأَةً/مفاجئةً؛ ولادةَ شاعرٍ بافتراضِ قصيدةٍ لسببٍ لغويٍّ/صوريٍّ/شكليٍّ فقطْ!
أَشرقتُ سؤالاً: “ولكنْ كيفَ أَصبحَ شاعرًا؟”، ثمَّ ظلَّلتهُ بإِجابةٍ تشكيليَّةٍ/تصويريَّةٍ فِي مطلعِ شهادتِي الأَدبيَّةِ الأُولى: “تخطيطٌ أَوَّليٌّ لِـمَا كانَ بعدُ”:
“فِي شتاءٍ مَا، فِي منزلٍ قربَ جبلٍ عالٍ، وهوَ علَى فراشِ مرضٍ باتَ مرضَ فِراشٍ أَصابهُ، بعدَ إِصابتهِ فِي مفاصلهِ الطَّريَّةِ، كانَ يقرأُ كتابًا، والغيومُ تعاكسُ الشَّمسَ وتلاعبُ حضورَها وغيابَها، مَا عذَّبَ حدقةَ عينهِ الَّتي يطلُّ طرفُها علَى النَّافذةِ المشرعةِ للهواءِ الَّذي يحبُّهُ.. حملَ هذَا المريضُ؛ مريضُ الفراشِ والفراشةِ قلمًا، وعلَى آخرِ صفحةٍ مِن كرَّاسةٍ مدرسيَّةٍ، كانَ أَلقاها جانبًا بعدَ أَن ملَّ حوارَها؛ خطَّ بعضَ الكلماتِ المرتَّبةِ كسلَّمٍ بقدمٍ واحدةٍ، ودرجاتٍ لاَ تتساوَى فِي أَطوالِها. وعندَما هبطَ عليهِ صمتُ الكتابةِ الَّذي لَمْ يكُنْ يعرفُ سببَهُ آنذاكَ، أَلقَى نظرةً عابرةً علَى كلماتِها المرتَّبةِ مثلَ شعرِ التَّفعيلةِ، وببراءةِ القولِ أَعادَ القراءةَ، وسريعًا تذكَّرَ ترتيبًا بِهذا الشَّكلِ تضمُّهُ عدَّةُ مجموعاتٍ شعريَّةٍ فِي مكتبةِ البيتِ.”
لَمْ تكُنِ الأُولى علَى تحميلِها مَا لاَ تحتملُ الأَخيرةَ. لاَ أَعرفُ إِلى الآنَ، كيفَ/لِمَ جرَّبتُ الثَّانيةَ، بعدَ حينٍ قصيرٍ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّ الأُولى لَمْ تكُنْ فِيها/لَها منَ الصِّفاتِ الوراثيَّةِ للقصيدَةِ سِوى شكلِها الخارجيِّ؟!
أُثبِّتُ تلكَ الحادثةَ العاطفيَّةَ الأُولى، والَّتي أَشعلتْ نارَ الشِّعرِ فيَّ، شعرًا فِي قصيدةٍ عنونتُها: “كمَا مرَّ الهواءُ علَى رخامِ الذَّاكرةِ” فِي سنةِ (1996)، أَي بعدَ اثنتينِ وعشرينَ سنةٍ مِن وقوعِها! جاءَ فِيها:
“جَلَسَتْ حُرُوفٌ فَوْقَ أَوَّلِ رِحْلَةٍ لِلْقَلْبِ.. شِئْتُ رِسَالَةً
أُولَى لَهَا
شَاءَتْ قَصِيدَةٌ أَنْ تَجِيءَ بِزِيِّهَا الزَّغَبِيِّ فِي الخَطِّ الخَجُولْ
هِيَ قِصَّةٌ أُولَى.. افْتَعَلْتُ فَرَاشَةً
كَيْ تَلْحَقَ الضَّوْءَ الَّذِي يَنْسَابُ مِنْ شَجَرِ الحُقُولْ
فَإِذَا اشْتِعَالِي حَالَةٌ ضِدَّ الرُّؤَى
وَإِذَا اشْتِعَالِي مَنْظَرُ الوَرْدِ الَّذِي
يَنْسَابُ فَوْقَ المَاءِ نَحْوَ السَّائِرَةْ.”
… … …
… … …
هذِي حِكَايَةُ مَا سَيَأْتِي مِنْ فُصُولٍ فِي حَيَاةٍ مَاكِرَةْ
هذِي حِكَايَةُ مَا سَيَأْتِي؛ بَيْنَمَا
مَرَّتْ كَمَا مَرَّ الْهَوَاءُ عَلَى رُخَامِ الذَّاكِرَةْ
كَانَ اشْتِعَالِي دَهْشَةً لِلشِّعْرِ تَأْسِرُنِي، وَظَلَّتْ
دَهْشَتِي لِلآنَ تَصْحَبُنِي إِلَى
مَعْنَى القَصِيدِ بِدُونِ تِلْكَ العَابِرَةْ.”

“أَتكتبُ غزلاً يَا ولَد؟!”
“الطَّريفُ المؤلمُ أَنَّ نشرَها، بصفتِها قصيدةً، وغزليَّةً أَيضًا، كانَ سببًا لهجومِ مدرِّسِ التَّربيةِ الدِّينيَّةِ (حسن. ع) عليَّ منذُ لحظةِ دخولِه غرفةَ الفصلِ الدِّراسيِّ: “أَتكتبُ غزلاً يا وَلد؟!”
حينَها عرفتُ عنْ نشرِها فِي الصَّحيفةِ، ومنْ ثمَّ إِخراجي منَ الفصلِ الدِّراسيِّ بضعةَ حصصٍ متتاليةٍ، عقوبةً لِي، إِثرَ جدالٍ قصيرٍ جدًّا، لَمْ أَطلبْ فيهِ، بصفتِه قَدْ تحوَّلَ، فجأَةً، إِلى قاضٍ وجلاَّدٍ فِي آنٍ، أَنْ أَعرفَ تُهمتي أَوَّلاً.”

ذراعانِ مفتوحتانِ فِي رصيفٍ ضيِّقٍ
“مسكَ طرفَ الخيطِ الَّذي لاَ نهايةَ لهُ؛ الخيطِ الَّذِي لَمْ يكُنْ يعرفُ، ومَا زالَ، إِلى أَينَ يقودُ؟ خيطِ الحبرِ وحِبرِ الخطِّ الَّذي أَعادَ بهِ كتابةَ المرَّةِ الأُولى، ليدفعَها إِلى فراغٍ فِي صحيفةٍ، كأَنَّ الفراغَ كانَ ينتظرُ أَن تدخلَ إِليهِ كلماتُه كفاتحٍ للبياضِ المعكَّرِ. أَيُّ شيءٍ حكَّ يدَهُ لتفعلَ هذَا؟
: ماذَا أَرى؟
أَهوَ أَنا هذَا الَّذي يَنظرُ إِليَّ بحروفِه السَّوداءِ؟
ومِن شدَّةِ دهشتِه ونشوتِه ظلَّ يطيلُ النَّظرَ إِلى اسمِه الَّذي تآلفتْ حروفُ المطبعةِ لتُظهرَهُ أَوَّلَ مرَّةٍ، ونسيَ مَا يليهِ وهوَ يسيرُ علَى رصيفٍ ضيِّقٍ فاتحًا ذراعيْهِ كجناحيْنِ نبتَا لهُ فجأَةً…”

عادَتْني “نارُ” التَّوحيديِّ
تجرَّأْتُ، بعدَ “الأُولى”، علَى عدَّةِ محاولاتٍ شعريَّةٍ، إِذْ بدأَ الشِّعرُ يَستحوذُ، بقوَّةٍ، علَى معظمِ يَومي بِنهارهِ، وليلهِ أَكثرَ، إِلى حدٍّ شعرتُ بهِ أَنَّني بِتُّ كائنًا ليليًّا.
قلَّدتُ “الشُّعراءُ قبلَ نضجِهم يقلِّدونَ وبعدَ نضجِهم يسرِقونَ.” (إِليُوت)، آنَها كتابةَ القصائدِ العموديَّةِ؛ ركَّزتُ علَى القافيةِ بدونِ بحورِ الشِّعرِ، إِذْ لَمْ أَكنْ عرفتُها بعدُ، ثمَّ وجدتُ أَنَّ تعلُّمَها ضرورةٌ، ففعلتُه وَحدي بينَ عشيَّةٍ وضُحاها، وأَتقنْتُ معظمَها/أَشهرَها، وصِرتُ أَكتبُ قصائدَ عموديَّةً، ولكنِّي لَمْ أُفكِّرْ بِنشرِها آنذاكَ، ولاَ أَعلمُ لِمَ لَمْ أَفعلْ! كنتُ كتبتُ مَا يشبِهُ الشِّعرَ الحُرَّ، إِلاَّ أَنَّه دونَ تفعيلةٍ للسَّببِ ذاتِه.
المحاولاتُ تلكَ؛ أَنستني كتابةَ الخاطرةِ، بشكلٍ جذريٍّ، بعدَ أَن آنسني الشِّعرُ؛ صارَ لِي تعويضًا عنْ حالةِ الفقدانِ المراهقِ. “الحرمانُ بالنِّسبةِ إِليَّ مِثلما النَّرجسُ بالنِّسبةِ إِلى وُوردثُورث” (فِيليب لاَركن)! هكذَا شعرتُ فِعلَهُ فِيَّ، فسخَّرتُ أَيَّ/كلَّ شيءٍ مِن أَجلِه، ولأَجلِ عناقِ الأَملِ ضدَّ الفشلِ/الأَلمِ.
أَشهدُ أَنَّه كانَ دواءً للعاطفةِ/القلبِ، لدرجةٍ شعرتُ بِها أَنَّه الأَبقَى/الأَهمُّ/الأَنقَى/الأَكبرُ منَ الميلِ الصَّغيرِ ذاتِه.
ذلِكَ الشُّعورُ لَمْ يَستقر فِيَّ طويلاً؛ إِذ ثَمَّ قلقٌ/عبثٌ/لاَ جَدوى؛ أَثْرَتْ كلُّها بسخاءٍ/بِكرمٍ طائيٍّ، هزائمِي الشَّخصيَّةَ، مَا أَدَّى بِي إِلى إِحراقِ كلِّ مَا  كتبتُه كمًّا ونوعًا فِي تنُّورٍ معدنيٍّ أَشبَهَ بقلبِي.
“تسلَّقَ ذاتَ عصرِ يومٍ ملاذَهُ بعدَ عدَّةِ محاولاتٍ. أَشعلَ النَّارَ فِي كلِّ مَا خطَّهُ منْ عذاباتٍ حَتَّى لحظةِ الحريقِ. هكَذا علَّمهُ أَبو حيَّان التَّوحيدي بعدَ أَنْ قرأَهُ.
صوتٌ: لماذَا؟
صدًى: (…..)
إِذًا؛ إِنَّ كلَّ مَا فِي الأَمرِ أَنَّه أَطاعَ معَلِّمهُ الكبيرَ الَّذي سبَقهُ، فِي زمانٍ مَا بعيدٍ، إِلى ذلكَ الطَّقسِ الَّذي كادَ أَنْ يحرقَ بِهِ، أَيضًا، أَصابعَهُ ويطفئَ بصرَهُ.”
كَمْ قدَّني، قهرًا، شعورِي بالأَسفِ لفِعلتي اللَّهبيَّةِ/الشَّنعاءِ؛ مَا منْ أَهمِّيَّةٍ لتلكَ الأَوْرَاقِ الَّتي تقوَّستْ فوقَ بعضِها فِي حضنِ النَّارِ فأَنا أُتلِفُ تَلاًّ مِنها محاولاً إِقناعَ قلَقِي الشِّعريَّ بسفحٍ/ورقةٍ فقطْ! لعلَّهُ الحنينُ إِلى رائحةِ الكرَّاسةِ الأُولى/أَرديةِ الطُّفولةِ الشِّعريَّةِ، أَو إِلى مَا لاَ يمكِنُ، حتَّى لشاعرٍ، أَنْ يفسِّرهُ.
كتبتُ لهُ بلَسعاتِ نارهِ، علَى ضوءِ الأَلسنةِ النَّاريَّةِ لقرطاسهِ الثَّريِّ المشتعلِ، قصيدةً حاولتُ أَن أُودعَها تنُّورَ جنونهِ: “إِشاراتٌ غيرُ إِلهيَّةٍ إِلى أَبي حيَّانَ التَّوحيديّ”.
أُشعلُ مِنها:
“هَلْ يَبْدُو الوَقْتُ قَصِيرًا فِي حُلُمِ الأَفْكَارْ؟
حِينَ تَمَشَّى فِي الهَمِّ أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيّ رَأَيْتُ عَلَى عَيْنَيْهِ شُعَاعًا مِنْ لَهَبٍ أَخَّاذٍ، فَسَأَلْتُ بَوَاطِنَهُ فِي قَعْرِ التَّنُّورِ فَلَمْ أَسْمَعْ إِلَّا خَشْخَشَةَ الأَوْرَاقِ فَهَزَّتْنِي الهَزَّةْ؛ قَهَرَتْ فِيَّ الدَّاخِلَ وَالخَارِجَ وَالقَلَمَ المَسْلُولْ.

: هَلْ تَصْدُقُ عَيْنِي؟
كَسَحَابٍ شَاهَدْتُ النَّارَ تُعَانِقُ فَاهَ الفِكْرَةِ
فِي كُلِّ حَنِينْ..
لَمْ يَكُنِ الغَيْمُ الشَّاهِدُ فِي ذَاكَ النَّزْفِ،
وَقَدْ شَمِلَ الأَرْكَانَ بِشِدَّةْ
يَقْدِرُ أَنْ يُلْقِيَ دَلْوًا مِنْ مَاءْ.

هَلْ يَبْدُو الوَقْتُ قَصِيرًا يَا شَيْخِي الطَّيِّبِ؟

أَسْفَلَ هذِي الجُمْلَةِ تَمْكُثُ أَكْثَرُ أَفْعَالِ اللُّغَةِ المُفْتَرِسَةْ
يَرْبِطُهَا حَبْلٌ سِرِّيٌّ
تَرْسُمُ وَشْمًا فَوْقَ الأَضْلُعِ فِي كُلِّ الأَنْحَاءِ، وَتَأْخُذُنِي
مِنْ حَيْثُ الدِّفْءِ إِلَى حَيْثُ الفَاصِلَةِ الرَّعْنَاءْ..
أَنَا لَا أَخْشَى أَنْ يَذْبُلَ سِتْرِي
أَوْ تَنْفُرَ مِنِّي الأَجْزَاءْ
فَلِمَاذَا يَا شَيْخِي الطَّيِّبَ مَا كُنْتُ أَرَى لَكَ أَوْزَانًا
تَتَّسِعُ كَدَائِرَةٍ فِي المَاءْ؟”

خمسٌ تَنقصُ إِصبعًا
الحدثُ الأَقسى، بالنِّسبةِ إِليَّ، هوَ قطعُ أَوتارِ الإِصبعِ السَّبَّابةِ فِي يدِي اليُمنى/الكاتبةِ، فِي حادثةِ مساعدةِ صديقٍ لِي فِي مكانِ عملِ أَحدِ أَقربائهِ، بعدَ أَنْ كنَّا قَفزْنا وغيرُنا منَ الطَّلبةِ منَ الطَّابقِ الثَّانِي للمدرسةِ، ثمَّ فرَرْنا مِنها بعدَ أَن همَّ/بدأَ جيشُ الاحتلالِ الإِسرائيليِّ بدهمِها؛ كانَ ذلكَ خلالَ “انتفاضةِ المدارسِ” سنةَ (1976)، والَّتي كتبَ عَنها الشَّاعرُ الرَّاحلُ عَبد اللَّطيف عَقِل فِي مجموعتِه الشِّعريَّةِ: “الأَطفالُ يطاردونَ الجرادَ”، وقدْ كانَ لِي معلِّمًا/صديقًا/أَخًا كبيرًا فِي المدرسةِ الصَّلاحيَّةِ الثانويَّةِ فِي مدينتِي نابُلس، وكمْ كنَّا نتحاورُ حولَ مادَّةِ الفكرِ والفلسفةِ (كانَ مدرِّسًا لَها)، ونتحاورُ، بالطَّبعِ أَكثرَ، حولَ قَضايا الشِّعرِ؛ هوَ المعلِّمُ/الشَّاعرُ، وأَنا التِّلميذُ فِي الشِّعرِ.
كنَّا مشَّائِينَ؛ هوَ وأَنا وقليلٌ مِن الطلبةِ، فِي أَطرافِ ساحةِ المدرسةِ وحديقتِها الفقيرةِ وقتَ الاستراحةِ بينَ الدُّروسِ، وكمْ كانَ ذاكَ المشيُ/التَّصرُّفُ غيرَ مقبولٍ مِن قِبلِ مديرِ المدرسةِ ويغيظهُ جدًّا، وخصوصًا إِذا جعلَ المعلِّمُ/الشَّاعرُ درسَهُ فِي الهواءِ الطَّلقِ وليسَ بينَ أَربعةِ جدرانٍ شاحباتِ!
أَذكُرهُ، الآنَ، بدمعتَينِ، كيفَ بدأَتْ عينايَ تدمعانِ بأَلمٍ شديدٍ كأَنَّ ماءَ نارٍ تُضجُّ فِيهما، وحَلقي يؤلمُ  كأَنَّ شيئًا خشنًا يَعبُرهُ مُرًّا مِرارًا، جرَّاءَ قُنبلةِ مسيِّلةٍ للدُّموعِ/الضُّلوعِ، لها غيرُ مذاقِها المعهودِ، أَطلقَها جنديٌّ صهيونيٌّ، فصارتْ ترقصُ بينَنا علَى إِيقاعِ غدرٍ، وقدْ رأَيتُه (الشَّاعرُ/المعلِّمُ) قبلَ أَنْ يُغمَى عليَّ وغَيري تمامًا، يهرعُ إِلينا باندفاعٍ مِن غرفةِ الدَّرسِ، بعدَ أَنْ شاهدَنا منَ النَّافذةِ، على الرَّغمِ مِن سوءٍ قدْ يَلحقُ بهِ مِن قِبلِ إِدارةِ الاحتلالِ. كمَا أَذكرُ لهُ، بحنينٍ شيِّقٍ، عملاً جميلاً/عذبًا/شاعريًّا؛ هوَ حضورُه مرارًا إِلى بيتِنا، ليُطلَّ مِن شرفتهِ علَى حديقةِ محبوبتهِ، لعلَّهُ يلمحُها، علَى الرَّغمِ مِن أَشجارِها المتقاربةِ! إضافةً إِلى التَّحاورِ المستمرِّ فِي المحبوبِ الآخرِ/الشِّعرِ.
حادثةُ قطعِ أَوتارِ الإِصبعِ؛ كانتْ آ نَها طعنةَ إِحباطٍ/انكسارٍ ثانٍ فِي كبدِ رغبةِ الكتابةِ، بعدَ أَنِ استعادتْ حيويَّتها فيَّ، وبعدَ اقترافِي قهرًا إِثمَ الحريقِ! شعرتُ بأَنَّ حادثةَ قَطعِ الأَوتارِ ستؤدِّي إِلى قَطعِ الحبلِ السُّرِّيِّ بينَ الكتابةِ وبينِي، وَلكنَّ هذَا لَمْ ينجحْ هذهِ المرَّةَ؛ كانتْ رغبةُ الكتابةِ/الشِّعرِ فيَّ أَمكثَ أَكثرَ مِن ذاكَ الجرحِ البليغِ. تدرَّبتُ أَنْ أَكتبَ بيدِي اليُسرى ولَمْ يُفلحْ هذَا. عدتُ، بعدَ تخفيفِ دوائرِ الضَّمادةِ الجافَّةِ، إِلى تكرارِ محاولةِ الكتابةِ بأَصابِعِ اليدِ اليُمنى الأَربعِ، وكَمْ كنتُ فرِحًا لتمكُّني أَخيرًا منَ استرجاعِ وسيلةِ الكتابةِ الأُولى، بلْ وأَكثرُ مِن هذَا؛ فقدْ تدرَّبتُ، بِتلكَ الأَصابِعِ المنقوصِ أَهمِّها، علَى إِتقانِ أَنواعٍ مِنَ الخطِّ العربيِّ، بإِلحاحِ المثابرةِ والشَّغفِ.
كمْ كنتُ أَشعرُ بأَنَّ مدادَ الكتابةِ يُضخُّ منَ القلبِ عبرَ شرايينِ اليدِ إِلى القلمِ الَّذي يجعلُها تستلقِي علَى الورقةِ بانطباعِ نشوةٍ!

جرادةُ فِعْلِ “الأَنا”
التهمْتُ كثيرًا مِن دواوينِ الشِّعرِ العربِيِّ ومجموعاتهِ؛ ابتداءً مِن جاهليَّتهِ إِلى مَا كنتُ معاصرًا لهُ، مِن مكتبةِ البيتِ، ومكتبةِ المدرسةِ، والمكتبةِ العامَّةِ، وكثيرًا منَ الأَعمالِ الأَدبيَّةِ، والثَّقافيَّةِ، والفكريَّةِ، والنَّفسيَّةِ، والفلسفيَّةِ.
أَذكرُ أَنَّني كنتُ تعلَّقتُ جدًّا، ولاَ إِرَادِيًّا (نعمْ؛ لأَنَّي شعرتُ بميلٍ قِرائيٍّ/برغبةٍ جَارِفَةٍ إِليها)، بكُتبِ الكتَّابِ الوجوديَّينَ: (كِيركيغارد. جَان بُول سَارتر. كُولن وِلسون. أَلبير كَامي)؛ ربَّما لأَنِّني كنتُ فِي سنِّ المراهقةِ، وفِعلُ “الأَنا” لهُ حضورُه/سطوتُه فِي تلكَ المرحلةِ علَى المتمرِّدِ/الرَّافضِ/الفائرِ… الشَّاعرِ!

الشَّغفُ والمثابرةُ
سِيَرُ الشُّعراءِ، والمبدعينَ عمومًا فِي كلِّ الأَنواعِ الإِبداعيَّةِ، أَمدَّتني وشَحنتني بطاقةٍ غيرِ عاديَّةٍ/مذهلةٍ منَ الصَّبرِ/التَّحمُّلِ، وبقدرةٍ علَى الاعتكافِ/العزلةِ/النَّشاطِ/العملِ فِي صومعةٍ صنعتُها لِي، “الشَّاعرُ قِسُّ اللاَّمرئي.” (وَالاس سْتيفَنس)، حيثُ غسلتْ، إِلى حدٍّ مَا، آثارَ الأَسفِ/النَّدمِ/الجريمةِ الكاملةِ.
“لعلَّها الصُّدفةُ المحنَّكةُ تلكَ الَّتي قادَتْني، بعدَ حينٍ مِن “حَبوِي” الشِّعريِّ، إِلى معرفةِ الشِّعرِ بطريقتِها الَّتي تعتنِقُها؛ تلكَ الَّتِي قادَتني إِلى “قلعةِ آكسل” لِـ (إِدموند وِلسون)، عبرَ ممرِّ كتابٍ سِيَريٍّ نقديٍّ (…)، علَى الرَّغمِ منَ الكمِّ الكبيرِ مِن جرعاتِ النُّصوصِ الشِّعريَّةِ/ الأَدبيَّةِ المدرسيَّةِ الَّتي مقتُّ الكثيرَ مِنها، والَّتي كانتِ السَّببَ فِي تحوُّلي مِن كليَّةِ الآدابِ إِلى كليَّةِ الاقتصادِ، حينَ رأَيتُ أَنَّ المدرسةَ كانتْ فِي الجامعةِ أَيضًا (…)، وإِلى أَرففِ مكتبتيِّ البيتِ والبلديَّةِ، وما زلتُ أَذكرُ، بفخرٍ أَخضرَ، نصيحةَ أُستاذي الشَّاعرِ عَلي الخَليلي فِي سنةِ (1976) أَن أَقرأَ كتابَ “الإِشارات الإِلهيَّة” لِأَبي حيَّان التَّوحيدي، وأَذكرُ كيفَ قرأْتُ إِبَّانَ المرحلةِ الثَّانويَّةِ الكتابَ الضَّخمَ “الوجودُ وَالعدمُ” لِـ(جَان بُول سَارتر)، و”العالمُ إِرادةٌ وفكرةٌ” لـِ(آرثر شُوبنهاور)، و”قصَّةُ الحضارةِ” و”قصَّةُ الفلسفةِ” لِـ(وِل ديُورانت)، ومعظمَ كتبِ (كُولن وِلسون) وأَبرزَها “الشِّعرُ وَالصُّوفيَّةُ”، وغيرَها الكثيرَ، خصوصًا دواوينَ الشِّعرِ العربيِّ.”
كنتُ أَقرأُ امرئَ القيسِ إِلى جانبِ (وليم شيكسبير)، وأَبا حيَّان التَّوحيدي إِلى جانبِ (آرثر شُوبنهاور)، وابنَ خُلدون إِلى جانبِ (ويل ديورانت)، وأَبا تمَّام إِلى جانبِ (آرثر رامبو)، وسَلامة موسَى إِلى جانبِ (جَان بُول سَارتر)، وبدرَ شاكر السيَّاب إِلى جانبِ (ت. س. إِليوت)، ونجيبَ سُرور إِلى جانبِ (راينر ماريا ريلكه).. هذهِ أَمثلةٌ ممَّا تبِيحهُ الذَّاكرةُ الآنَ، وطبعًا الشِّعرَ الفلسطينيَّ آنذاكَ.
لاَ أَزالُ أَذكرُ، وأَنَّى لِي أَنْ لاَ أَذكرَ، تأْثيرَ سيرةِ الشَّاعرِ الإِيطاليِّ (فرَانتشِيسكو بِتراركا 1304-1374)، وأَنا ما زلتُ فِي رجفاتِ البداياتِ، وهذَا المهمُّ/الأَهمُّ.
لقدْ أَحبَّ حبًّا مستحيلاً دامَ إِحدى وعشرينَ سنةً، وعاشَ وماتَ فِي منفًى بعيدًا عنْ وطنهِ؛ حبٌّ مستحيلٌ/منفًى/شعرٌ. هذَا الحبُّ هوَ امرأَةٌ لمحَها فِي كنيسةٍ، ذاتَ صباحٍ مِن شهرِ نيسانَ. “نيسانُ أَقسى الشُّهورِ” (إِليُوت) علَى معظمِ الشُّعراءِ. امرأَةٌ تموتُ، بعدَ لمحةِ العينِ تلكَ، بعدَ انقضاءِ إِحدى وعشرينَ سنةً بالتَّمامِ. لَمْ يرَ وجهَها، حَيثُ كانَت تغطِّيهِ ببُرقعٍ، والأَغربُ أَنَّه لَمْ يَرهُ حيًّا طوالَ ما بقيَ لهُ مِن حياتِه! لكنَّهُ رآهُ مرَّةً واحدةً، وهيَ مسجَّاةٌ فِي قبرِها بعدَ دفنِها، إِذْ ماتتْ بالطَّاعونِ فِي (بَارما)، حيثُ وجدُوا، وهمْ ينبشونَ المقابرَ لأَجلِ نقلِ الرُّفاتِ إِلى مكانٍ آخرَ لتوسيعِ الشَّارعِ، السُّوناتا الأَخيرةَ الَّتي كانَ وضعهَا الشَّاعرُ علَى صدرِها جهةَ القلبِ، حيثُ قامَ بنبشِ قبرِها، بعدَ وقتٍ قصيرٍ مِن دفنِها. إِنَّها (لاَورا مينيأَتُورا)؛ تلكَ الَّتي كانَ كتبَ لهَا أَكثرَ مِن (1400) سُوناتا، بدونِ أَنْ تَعرفَ بحبِّ الشَّاعرِ لهَا!
(لاَورا)؛ هيَ مُعادِلُ/مَا سمَّيتُه “القصيدةَ المستحيلةَ” الَّتي يظلُّ يطاردُها الشَّاعرُ، طوالَ شِعرهِ، ولكنْ بدونِ أَنْ يتمكَّنَ منْ جعلِها تَسترخي، ولَو بغيرِ هدأَةٍ، فوقَ بياضهِ اللاَّينتهي!
“إِنَّني لاَ أَعرفُ أَنْ أَكتبَ قصائدَ، ولاَ أَعتبرُ نفْسي شاعرًا، ولاَ أَجدُ شعرًا فِي قصائِدي بالضَّرورةِ، ولستُ أَوَّلَ مَن يقولُ ذلكَ.
الشِّعرُ، سواءٌ أَكانَ حالةً جذليَّةً، أَمِ ابتكارًا، أَمْ موسِيقى، يمكِنُ أَنْ يُوجدَ فِي كلِّ شيءٍ؛ توسُّعٌ مفاجئٌ للعالمِ. يمكِنُ أَن يتحقَّقَ، أَكثرَ كثافةً وقوَّةً، فِي لوحةٍ، أَو صورةٍ، أَو كوخٍ. ومَا يزعجُ فِي القصائدِ هوَ نرجسيَّةُ الشُّعراءِ؛ هذَا البحثُ لديهمْ عنِ الطُّمأْنينةِ (وكلاهُما أُفقانِ مَسدودانِ)، وتحنُّنهمْ أَمامَ عواطفِهم نفسِها، ومَا أَسوأُ مِن هذَا كلِّه؛ الجانبُ المقصودُ فِي العمليَّةِ الشِّعريَّةِ.” (هِنري مِيشو).
أُشيرُ إِلى اندهاشِ/استغرابِ رئيسةِ “جمعيَّةِ فْرانتشيسكو بِتراركا” فِي إِيطاليا، وقدْ كنَّا التقينَا صدفةً، هناكَ، ضمنَ لقاءٍ ثقافيٍّ دَعتْني إِليهِ “جمعيَّةُ الزَّيتونةِ الثَّقافيَّةُ” في (سَان فِيتو دِي كادُوري)، مِن أَنِّي أَعرفُ عنِ الشَّاعرِ (فْرانتشيسكو بِتراركا) منذُ سنةِ (1977)، وأَنِّي كنتُ كتبتُ قصيدةً بعدَ فترةٍ مِن قراءَتِي لسيرةِ حياتهِ، وطريقةِ حبِّهِ العصيَّةِ الوصفِ! لدرجةِ أَنَّني أَطلقتُ اسمَ حبيبتِه (لاَورا) علَى الزَّميلةِ الجامعيَّةِ/المحبوبةِ (فَاتِن)، والاسمَ (فُتُون) كذلكَ، فِي قصائدِي إِليها، لضرورةِ الحرصِ الكبيرِ، والكبيرِ جدًّا، الِّذي نَعرِفُ اجتماعيًّا؛ إِذْ كنتُ أَدرجتُ/قرأْتُ اسْمَ محبوبتهِ هكذَا (لُورَا) فِي سيرتِه آنذاكَ، وتمَّ تصويبُ اسمِها لِي خلالَ اللِّقاءِ، والَّذي قرأْتُ فيهِ قصيدَتي “لاَورا”.. اللُّغزُ المبتسمُ غموضًا”، معَ مصاحبةِ ترجمةٍ لَها باللُّغةِ الإِيطاليَّةِ. أَقطفُ مِنها آخرَها:
“وَتَـمُرُّ سُنُونٌ أُخْرَى..
يُكْتَشَفُ القَبْرُ وَ”لاَوْرَا” قَابِعَةٌ فِيهِ
بِعَظْمٍ وَرَمَادْ
وَالشَّمْعُ الأَخْضَرُ حَوْلَ الرِّقِّ
يَضُمُّ الفَكَّ الذَّهَبِيَّ، وَ”سُونَاتَا” عِشْقٍ
تَتَحَدَّثُ عَنْ رَوْعَةِ “لاَوْرَا”..
سَتَظَلُّ إِلَى الأَبَدِ اللُّغْزَ المُبتَسِمَ غُمُوضًا
بِالفَكِّ الذَّهَبِيِّ الهَامِدِ وَسْطَ رَمَادْ.
(… … …)
“لاَوْرَا” الثَّانِيَةَ أَنَا فِي الظَّمَأِ المُجْدَبِ كَالعُقْمْ
مُدِّي الكَأْسَ إِلَيَّ مَلِيئَةْ
كَيْ أَجْرَعَ كَفَنَكِ وَالعَظْمْ.”

هاجسُ الموتِ المبكِّرِ
حينَ أَمدتني سِيَرُ الشُّعراءِ، والمبدعينَ عمومًا فِي مختلفِ الأَنواعِ الإِبداعيَّةِ، وشَحنتني بطاقةٍ غيرِ عاديَّةٍ/مذهلةٍ منَ الصَّبرِ/التَّحمُّلِ، كانتْ صورةُ/حالةُ (بِتراركا)، شبهِ الأُسطوريَّةِ، قدْ أَثقلَتْني كثيرًا جدًّا، بهاجسِ موتِ كثيرٍ منَ الشَّعراءِ فِي عمرٍ مبكِّرٍ أَيضًا؛ امرؤُ القَيس، وطرفةُ بن العَبد، وجُبران خَليل جُبران، وبَدر شَاكر السَّياب، وإِبراهيم طَوقان، إِذْ صِرتُ أَشعرُ ظنًّا، أَنَّني سأَموتُ مثلَهم عندَ بُلوغي مَا قبلَ الأَربعينَ، إِنْ صِرتُ شاعرًا!
لَمْ أَدرِ لماذَا لاَزمنِي ذلكَ الظَّنُّ/الهاجسُ/المرضُ(!) إِلى أَنْ بلغتُ ذاكَ السِّنَّ، علَى الرَّغمِ مِن محاولاَتٍ متكرِّرةٍ/يائِسةٍ لطردِه/تناسيهِ منَ الذَّاكرةِ، لدرجةِ هزِّ الرَّأْسِ حينَ يعبُرها كأَنَّني أَنفضُه عَنها/مِنها. لا شكَّ في غرابةِ ذاكَ الهاجسِ، والَّذي ضحكتُ منهُ/سخِرتُ عليَّ- عليهِ/هزمتُه؛ “هزمتكَ يَا موتُ الفنونُ جميعُها” (محمُود دَرويش)، بَعد أَن كتبتُ، آنذاكَ، للموتِ قصيدةَ شكرٍ؛ “شكرًا لموتٍ لَمْ يجئْ بعدُ”.
بدأْتُها:
“شُكْرًا لِمَوْتٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ.. أُقَبِّلُهَا الحَيَاةْ
مِنْ فَوْقِ سُرَّتِهَا، وَأَكْتَشِفُ المَلَامِحَ فِي تَدَلُّلِهَا الكَثِيرِ
أُكَاشِفُ الوَرْدَ انْتِظَارًا كَانَ يُثْقِلُ هَامِشِي
طَوْرًا، وَطَوْرًا كَانَ يَنْقُلُنِي إِلَى وَسَطِ العِرَاكْ.”
وأَنهيْتُها:
“شُكْرًا لِمَوْتٍ لَا يُرَى
بِالعَيْنِ.. أَبْقَى لِي عُيُونِيَ كَالنَّوَافِذِ كَيْ أُطِلَّ عَلَى الغَدِيرْ
لِلآنَ أُحْصِي مَشْهَدًا مِنْ مَرْمَرِ التَّارِيخِ يَأْسِرُنِي صَدَاهْ
لِلآنَ، بَلْ مَا قَدْ يَلِيهِ.. تَفَتَّحَ المَاضِي لآِتٍ
فِي مَطَالِعِهِ الخَصِيبَةِ، بَلْ أَرَى
أَلَقًا عَلَى القَوْلِ المُجَدَّدِ يَسْتَعِيدُ صَبِيَّةَ الوَطَنِ السَّبِيَّةَ.. إِنَّنِي
آتِي إِلَيْكَ كَحَبَّةِ القَمْحِ الأَسِيرَةِ؛ مَا مَضَى مِنْهَا سِوَى
ذَاكَ الغُبَارُ، وَإِنَّهَا لَـمَّا تَزَلْ
شَوْقًا لِمَاءٍ فِي غُيُومٍ سَابِحَاتٍ فِي فَضَائِكَ أَيُّهَا
الأَلَقُ الكَبِيرْ.”

القصيدتانِ التَّوأَمانِ
منَ الشُّعراءِ الَّذينَ قرأْتُهم، حينَ صِرتُ أَضجُّ بهدوءٍ شعرًا، أَيضًا، فِي فترَتِي تِلْكَ، وَشرَّفوا/خلَّفوا أَثرًا جارحًا/بالغًا/عميقًا فِي النَّفسِ الشَّاعرةِ، الشَّاعرُ والمسرحيُّ المصريُّ نَجيب سُرور.
كانَ أُحضِرَ لِي مِن مصرَ- مِن ضِمنِ مَا أُحضِرَ لِي- عدَّةُ أَعمالٍ شعريَّةٍ ومسرحيَّةٍ لهُ، وغيرِها كذلكَ، وقدْ كانَ حِينها يُعاني مِن أَمراضٍ شديدةٍ، وملاحقةٍ عسَسيَّةٍ، إِلى أَنْ يُقبَعَ فِي السُّجونِ (كانَ قبعَ فِيها عشراتِ المرَّاتِ) بتُهمٍ مفبرَكةٍ/جاهزةٍ (مَن يقرأُ أَعمالَهُ الشِّعريَّةَ، والمسرحيَّةَ، والأَعمالَ الأُخرى، يَعرفُها جيٍّدًا وبسهولةٍ)، وكانُوا يُبلِعونَهُ، غصبًا، كثيرًا مِن حبوبِ الهلوسةِ، عدَا  عنْ وسائلِ التَّعذيبِ الأُخرى، والَّتي تحدَّثَ عنْها، لاحقًا، الصَّديقُ الشَّاعرُ محمَّد عَفيفي مَطر حيثُ تعرَّضَ لمثْلِها، وقدْ كتبتُ لهُ/عَنها/فِيها قصيدةَ: “لنْ يقتلُوا فيكَ الحياةَ”، أُظهِرُ مِنها:
“هَلْ أَنْتَ تَحْمِلُهُم إِلَى هذَا المَسَاءِ، فَيَسْهُرُوا
بَيْنَ الجِدَارِ وَظِلِّهِ؟
اللَّيْلُ يَبْدَأُ،
وَالحِوَارُ يَدُورُ مِنْ قَدَمٍ
إِلَى شَفَةٍ
إِلَى صَدْرٍ
إِلَى ظَهْرٍ
وَمِنْ كُلِّ الجِهَاتْ..
هذَا العَذَابُ إِلَيْكَ طَائِفَةٌ مِنَ الغِرْبَانِ
تَسْقُطُ فَوْقَ رِقَّتِكَ الَّتِي قَتَلَتْ مُرُوءَتَهُمْ،
وَمَا شَبِعَ الجِدَارُ مِنَ الصَّدَى،
بَلْ أَنْتَ قَاتِلُهُمْ وَمِنْ حَيْثُ اسْتَعَدُّوا
فَانْطَلِقْ…
مِنْ حَيْثُ أَزْهَرَ جُرْحُكَ الوَطَنِيُّ
مِنْ نَبْشِ القُسَاةِ، وَأَوْغَلُوا
كَالرُّومِ فِيهْ،
بَلْ أَنْتَ تَحْمِلُهُم إِلَى هذَا المَسَاءِ لِيَهْرُبُوا
مِمَّا يَلِيهْ.”
أَقولُ: وكانُوا يُبلِعونَهُ، غصبًا، كثيرًا مِن حبوبِ الهلوسةِ، عدَا  عنْ وسائلِ التَّعذيبِ الأُخرى، إِبَّانَ اعتقالاتهِ المتكرِّرةِ، إِلى أَن ماتَ “مُنتحرًا”، كَما الزَّعمُ السُّلطويُّ الجاهزُ، فِي المرَّةِ الأَخيرةِ الَّتي أُدخلَ مُستشفى الأَمراضِ العقليَّةِ! كيفَ يمكِنُ تصديقُ “انتحارِهِ”؟
“لاَ تصدِّقْ مَن يجيدُ الفلسفةْ
ليستِ العقدةُ أَنَّا سنموتُ بعدَ أَنْ نحيَا
وَلكِنْ…
أَنْ نعيشْ
قبلَ أَنْ نصبحَ موتَى!”
كأَنَّه تنبَّأَ بمَوتِه المبكِّرِ فِي قصيدتهِ/الوصيَّةِ “لزومُ مَا يَلزمُ”:
“قد آنَ يا كيخوتُ للقلبِ الجريحْ
أَنْ يستريحْ
فاحفرْ هُنا قبرًا ونَمْ
وانقُشْ علَى الصَّخرِ الأَصمْ:
يَا نابشًا قَبري حنانكَ، هَا هُنا قلبٌ ينامْ،
لاَ فرقَ مِن عامٍ ينامُ وأَلف عامْ،
هذِي العظامُ حصادُ أَيَّامي فرفقًا بالعظامْ.
(… … …)
هوَ لَمْ يمتْ بطلاً ولكنْ ماتَ كالفرسانِ بحثًا عَن بطولةْ
لَمْ يلقَ فِي طولِ الطَّريقِ سِوى اللُّصوصْ
حتَّى الَّذينَ يندِّدونَ كمَا الضَّمائرِ باللُّصوصْ
فرسانُ هذَا العصرِ هُم بعضُ اللُّصوصْ.”
كتبتُ لَهُ: “كلماتٌ- إِلى (دُون كِيشوت).. نَجيب سُرور” فِي (10/02/1977). أَرسلتُها لَهُ، ووصلَتهُ، وقدْ شعرتُ بالغبطةِ لوصولِها، خصوصًا لأَنِّي فِي بِداياتي، ولأَنَّه قدْ وعدَني بالرَّدِّ، ولكنَّ غِبطتي وأَدتْها الظُّروفُ/الضُّغوطُ/التَّهلكةُ، والَّتي حملَتهُ فوقَ أَردافِ/أَكتافِ شُبْهةِ الجنونِ، وسارتْ بِه بخُطًى عجُولةٍ “كُتِبتْ علَيْهِ” إِلى المنفَى الأخيرِ فِي (24/10/1978)، ولَمْ يكُنْ لِي سِوى أَنْ أَخطَّ القصيدةَ التَّوأَمَ فِي (19/11/1978)، والَّتي لَمْ/لَنْ تصلَ إِليهِ أَبدًا: “برقيَّةُ عزاءٍ- إِلى (إِخطاب) و(دولسينَ) لموتِ شَاعرِهما نَجيب سُرور قهرًا”. يا لمفارَقةِ الأَسماءِ؛ كانَ نجيبًا، ولكنَّهُ لَمْ يكُنْ مسرورًا.
بعدَ عشرينَ سَنةً علَى جسدِه الغائبِ، ورُوحِه الحاضرةِ، وهوَ فِي الذَّاكرةِ طوالَ مَا انْتبهَتْ، كتبتُ مقالةً: “عشرونَ  دمعةً مضيئةً علَى لُزومِ نَجيب سُرور”. أَعرِفُ أَنَّ أَصابعَ حروفِها لَنْ تقدِرَ علَى نبشِ الحياةِ فِي منفاهُ، لكنِّي أَملْتُ مِنها أَنْ تنبشَ الحياءَ الأَخرسَ فِي الضَّميرِ الأَخيرِ هناكَ/هُنا.
“هلْ أَخبرتْكَ (بهيَّةُ) عنِ الَّذي قتلَ (ياسِين)؟
(… … …)
لاَ عليكَ، ولاَ تُهوِّنْ علَيَّ بدَمعاتِي العشرينَ؛ هذهِ الَّتي تَرْوِي سيرةَ غيابكَ الحاضرِ وحضورِنا الغائبِ، لأَنِّي أُدرِكُ كثيرًا منَ الكلامِ الَّذي يَميلُ علَى ثمرةِ الخطيئةِ، حتَّى خضعتْ جبهتُهُ لجذورِها الملوَّثةِ، واحترفَ الصَّمتُ مهنةً حمراءَ لإِطعامِ فَلذاتِ جشعِه الَّتي أَنَّى لَها أَن تشبعَ بعدَ أَن أَضحتْ معدتُها كغربالٍ فسيحِ الذِّمَّةِ؟!
(… … …)
نَجيب سُرور.. كيفَ أُخبِركَ عنِ الَّذي قَتلَ (فاطِمتي وياسِينها)، ثمَّ سَدَّ فَمي بدمِي؟!”

مُرتقَى الإِبداعِ
نادرًا مَا تَجدُ الموهبةُ، بدرجاتِها، مَن يُقشِّرها، أَو مَن ينفضُ عَنها سكونَ غبارِها، ويتحسَّسُ مخملَ زغبِها، إِنْ تفتَّحتْ.
هيَ تبدأُ نهوضَها بدفعِ وَحدِها، كَما الفراشةُ مِن شرنقتِها، وبعينَينِ تبحثانِ، ببريقِ أَملٍ/أُمنيةٍ/أَمانٍ، عنِ الممرِّ/الاتِّجاهِ الأَوَّلِ، قبلَ الانتباهِ إِلى/معرفةِ/إِدراكِ أَنَّ “الموهبةَ نظامٌ صارمٌ، وصبرٌ طويلٌ.” (جُوستاف فُلوبار). إِنَّهما يعملانِ معًا علَى تأْصيلِها/مواصلتِها/توصيلِها/إِبقائِها قيدَ الإِبداعِ، ويجعلانِ الموهوبَ نسيجَ ذاتهِ، ومِن هُنا مرتقَى الإِبداعِ.
لاَ نَعني بِهذا أَنَّ حاجةَ الموهبةِ إِلى “مَنْ” ضرورةٌ قُصوى، وأَنَّ عدمَ وجودِ “مَنْ” سيجعلُها تنطفئُ/تَذوي/تزولُ كأَنَّها لَمْ تكُنْ.  إِنَّها تستطيعُ ثقبَ ماءِ النُّهوضِ/رحمَ الخروجِ/قطعَ السُّرِّيَّ، ثمَّ التَّدفُّقَ، تلقائيًّا، بِما تختزنُه مِن سببِ حياتِها.
كتبتُ، فِي البداياتِ/التَّمارينَ، قصائدَ بماءِ القلبِ، فقطْ، علَى ورقِ العاطفةِ؛ أَصداءَ وجعٍ، ومعاناةَ وطنٍ، وآلامَ أُناسٍ، ووقائعَ ساخنةً، وحبَّ وأَحلامَ وطموحاتِ مراهقٍ، وأَصداءَ أُخرَ، علَى عكسِ مَا يَعتقدُ الشَّاعرُ (بِيرسي شِيلي): “الشِّعرُ سجلٌّ لأَفضل وأَسعدِ اللَّحظاتِ الَّتِي تشهدُها أَسعدُ وأَفضلُ العقولِ.”، فَلمْ تكُنْ لنَا لحظاتُ سعادةٍ، ولَمْ تكُنْ عقولُنا سعيدةً! كذلكَ لَمْ أَكنْ عرفتُ مقولةَ (رُوبرت لُول): “الشِّعرُ حدثٌ، لاَ سجلَّ حدثٍ”.
لذَا كانتِ المخيلةُ خفيفةَ التَّحليقِ بالقصيدةِ، إِنْ لَمْ تَكنْ خفيَّةً تَلهو معَ وحدِها خلفَ باحاتِ القصيدِ السَّاخنِ، وشِبْهَ عاطلةٍ عَن عملِها الكيميائيِّ الأَساسِ فِيها. كانتْ كتابةَ مشاعرٍ، ولَمْ تَكنْ كتابةَ شِعرٍ. هكذَا تكونُ/تجيءُ بداياتُ الشَّاعرِ: مِن أَلمٍ/خَفقٍ/قلقٍ/توتُّرٍ/يأْسٍ/تـمرُّدٍ/اكتشافِ جزئهِ الآخرِ، وتكونُ كتابةً، بمعجمٍ لُغويٍّ فقيرٍ، مدرسيٍّ أَغلبهُ، تريدُ توصيلَ ذاتِها/وصولَ هدفِها/تحقيقَ غايتِها، بمعنًى قليلِ التَّأْويلِ، وببراءَةِ رؤَى، كمَا لَو أَنَّها مخاطَبةٌ بينَ شخصينِ فقطْ، وبِدونِ إِدراكِ “أَنَّ القصائدَ ليستْ- مِثلما يحسبُ النَّاسُ- مجرَّدَ مشاعرٍ، بَل تجاربُ. فإِنَّكَ وصولاً إِلى قصيدةٍ واحدةٍ، لاَ بدَّ أَنْ تَرى مدنًا كثيرةً، وناسًا كثيرةً، وأَشياءَ كثيرةً، لاَ بدَّ أَنْ تفهمَ الحيواناتِ، ولاَ بدَّ أَن تشعرَ كيفَ تحلِّقُ الطُّيورُ، وتعرفَ أَيَّةَ إِيماءَةٍ تَقومُ بِها الوردةُ لحظةَ تتفتَّحُ فِي الصَّباحِ.” (رَاينر مَاريا رِيلكه).
كنتَ آنَها أُراوحُ فِي دائرةِ مَكاني/وطنِي المحتلِّ، والَّذي لَمْ يزلْ المحتلَّ الوحيدَ بعدُ فِي هذَا العالَمِ! فلاَ رأَيتُ، حينَ تلكَ القصائدِ، مُدنًا/ناسًا/أَشياءَ كثيرةً، ولاَ ثَمَّ وقتٌ لفهمِ الحيواناتِ، والشُّعورِ بكيفيَّةِ تحليقِ الطُّيورِ، ومعرفةِ إِيماءَةِ الوردةِ لحظةَ تفتُّحِها.
مِن أَينَ لِي بكلِّ/أَقلِّ هذهِ الأَشياءِ، وأَنا مذبوحٌ، وطنًا، منَ الحصارِ البليدِ إِلى الأَملِ الجليدِ/البعيدِ؟
“يعشقُ وطنَهُ لدرجةِ العشقِ، لدرجةٍ يكادُ يتَّهمهُ فِيها بأَنَّه آسِرهُ فيهِ إِلى النِّهايةِ! لكنَّ السَّفرَ ضرورةٌ للنَّصِّ الَّذي لَمْ يأْتِ بعدُ، علَى الرَّغمِ مِن حجمِ القراءاتِ الَّتي ابتلعَها، ومَا يزالُ يفعلُ، وهوَ إِذْ يكتبُ؛ يبحثُ عَن شيءٍ ضالٍّ، لَمْ يَعرفْ ملامِحه بعدُ.”
لِقَائي الأَوَّلُ، صدفةً، بالشَّاعرِ عَلي الخَليلي، وكانَ عادَ إِلى الوطنِ، فِي مكتبتِه فِي مدينتِنا نَابُلُسَ، شكَّلَ ممرًّا لِي/منحًى خاصًّا بِي. أَعترفُ، بغزارةِ امتنانٍ، أَنَّ اللِّقاءَ الأَوَّلَ ذاكَ، كانَ ضروريًّا لموهبتِي الشِّعريَّةِ الَّتي بدأَتْ تثقبُ سطحَ تُربتَها.
أَشكركَ؛ إِذْ “لَمْ يزلْ ربيعُ عبارتِكَ الشَّقيَّةِ “الكتابةُ فرحٌ”، ورْدِيَّ الشِّعرِ وأَخضرَهُ. أَتذكَّرُها، وأُردِّدها وِرْدًا كلَّما بدأَتْ خُطواتي تسيرُ بِي فِي “القصبةِ” الَّتي كأَنَّها النَّايُ، حيثُ رائحةُ “الفُرنِ” المجنَّحةُ تطيرُ عبقةً فِيها.. حِينها، تشتعلُ الذَّاكرةُ بوطنِ المكتبةِ/”مكتبةِ الوَطن”، والَّتي دخلتُها وقدْ كانَ بدأَ حَبوِي الشِّعريُّ، فأَشعلتَ لِي “الضَّوءَ الأَخضرَ” فِي “فجرِكَ الأَدبيِّ” كيْ تحتضنَني وجيلَنا الثَّمانينيَّ الَّذي أَطلقتَ عليْهِ آنذاكَ “الجيلَ الرَّابعَ”، وأَنا أَراهُ، بعَيْنِ الفَقدِ، الجيلَ الضَّائعَ! إِذْ أَينَ الكثيرُ منَّا نحنُ الآنَ، بلْ وقبلَ الآنَ بكثيرٍ؟”
“أَيُّها الشِّعريُّ/الرِّوائيُّ/القصصيُّ/التُّراثيُّ: كمْ أَنتَ كثيرٌ علَيْنا! إِذْ كثيرةٌ هيَ أَغصانُ شجرتِكَ العاليةِ بثمارِها الدَّانيةِ حدَّ مَا بعدَ الفمِ، ورغمَ هذَا، فإِنَّكَ كنتَ ومَا زلتَ كشجرةِ الصَّندلِ الَّتي تُعطِّرُ الفأْسَ وهوَ يقطعُها، كمَا قالَ الشَّيخُ (الشِّيرازيُّ).”

بئرُ الحَيرةِ
حسَمتُ وجهَتي نحوَ الفرعِ الأَدبيِّ حينَ كنتُ فِي السَّنةِ الإِعداديَّةِ الثَّانيةِ منَ المرحلةِ المدرسيَّةِ، لذلكَ لَمْ أَعدْ أُعيرُ موادَّ العلومِ البحتةِ اهتمامًا كثيرًا، إِذْ أَخذتْ درجاتُ التَّعلُّقِ بالأَدبِ؛ قراءَةً وكتابةً، الصُّعودَ بِي.
لَمْ يكُنِ الشِّعرُ قدْ فتحَ، بعدُ، بابَهُ فيَّ منَ الدَّاخلِ.
قلَّةُ الاهتمامِ تلكَ بالموادِّ العلميَّةِ لَمْ تكُنْ سلبيَّةً كلَّها، فَقدْ كانتْ سببًا فِي (فَاتِن)!
سجَّلتُ فِي كلِّيَّةِ الآدابِ/جامعةِ النَّجاحِ- نَابُلُس. كنتُ أَتوقَّعُ دراسةَ الأَدبِ العربيِّ بأُسلوبٍ غيرِ مدرسيٍّ. “وصفَتي لنشرِ الشِّعرِ فِي المدارسِ هيَ منعهُ، واعتبارُ حيازتهِ جريمةً، ومعاملةُ مَن يتعاملُ معهُ معاملةَ المُجْرمينَ.” (كْليف جِيمس). توقَّعتُ أَنَّ يكونَ الأُسلوبُ التَّدريسيُّ مغايرًا فِي الجامعةِ، لكنْ لَمْ يكُنْ توقُّعِي صائبًا؛ لقدْ كانتِ المدرسةُ، أَيضًا، فِي الجامعةِ! فشعرتُ بالصَّدمةِ/الإِحباطِ منذُ المحاضرةِ الأُولى وحتَّى شهرينِ تقريبًا، لذلكَ قرَّرتُ التَّحوُّلَ إِلى كلِّيَّةِ الاقتصادِ والعلومِ الإِداريَّةِ (كانتْ هذهِ رغبةُ والدِي، رحمهُ اللهُ، كيْ أَجدَ عملاً بشكلٍ أَسرعَ، بعدَ التَّخرُّجِ)، إِذْ وجدتُ أَنَّ الاهتمامَ الشِّعريَّ الذَّاتيَّ أَنجعُ للشَّاعرِ الآتي فيَّ، وأَنَّني لستُ بحاجةٍ إِلى تلكَ الدِّراسةِ الأَدبيَّةِ بعدَ قراءَةِ كَمِّ كتبٍ كبيرٍ قبلَ ولوجِ الجامعةِ.
كانَ مَا تحوَّلتُ إِليهِ، ولكنَّ إِهمالَ الموادِّ العلميِّةِ فِي الفترةِ المدرسيَّةِ فاجأَني بمأْزقٍ فِي مادَّةِ الرِّياضيَّاتِ، والَّذي يعرِفُ جيِّدًا  أَنَّني لَمْ أُهملْها فقطْ، بِل لاَ أُحِّبها، كأَنَّه أَرادَ أَنْ يقتصَّ منِّي بِها علَى تـمرُّدي علَيْها، فنغَّصَ عليَّ منذُ أَوَّلِ يومٍ لِهِجرتي إِلى الكلِّيَّةِ الأُخرى؛ كانَ معظمُ طلبةِ القاعةِ منَ التَّخصُّصِ العِلميِّ فِي المدرسةِ، وبضعةُ طلبةٍ وأَنا منَ التَّخصُّصِ الأَدبيِّ، لهذَا فإِنَّنا لَمْ نكُنْ نستطيعُ فهمَ مادَّةٍ هيَ جديدةٌ علَيْنا/قديمةٌ علَيْهم.
إِنَّ مِن أَجملِ مَا يَحدثُ فِي الوجودِ؛ أَنْ تَرى صدفةً تنشلكَ مِن بئرِ حَيرتِكِ بعدَ أَنِ انقطعَ الحبلُ بكَ! تُطلِعكَ مِنها بعدَ أَنْ تدلَّتْ لكَ لتُخرجَكَ (كأَنَّكَ يُوسف النَّبيُّ) إِلى عَبقِ أَريجها، فتملأُ قلبَكَ قبلَ رِئتَيكَ بهِ/بِها فِي آنٍ! هكَذا فعلتْ حينَ عرضتْ عليَّ صُدْفتي الجميلةُ/صَدَفتي المكنونةُ/زَميلتي (فَاتن)، أَنْ تُساعدَني فِي فهمِ تلكَ المادَّةِ.
كنتُ ذكَرتُ فِي مكانٍ مَا مِن هذَا الكتابِ: كانَ شاءَ لنَا القدرُ وحدَهُ، وبدونِ نيَّةٍ منَّا، إِذْ لَمْ نكُنْ تعرَّفنا، مِن قبلُ، إِلى بعضِنا البعضِ، أَنْ يغيِّرَ كِلانا تخصُّصَهُ المختلفَ، كَي يَجمعَنا تخصُّصٌ مشابِهٌ، ويكونُ الِّذي كانَ بينَنا، ولاَ يزالُ.
لَمْ يتوقَّفِ الموضوعُ عندَ كَوْنِها مدرِّسةً لِي وأَنا تلميذُها، بَل جَمعتْنا، فِي حوضِها النَّقيِّ، صداقةٌ مثقَّفةٌ/حواريَّةٌ/شعريَّةٌ، جعلتْ ذاتَها تتَّسعُ أَكثرَ فأَكثرَ، بعدَ أَنْ نالَ الواحدُ منَّا إِعجابَ الآخرِ بهِ؛ فهيَ مثقَّفةٌ/متواضعةٌ/نشيطةٌ/بسيطةٌ/عمليَّةٌ (لَمْ تكُنْ ترغبُ الشِّعرَ، إِلاَّ أَنَّه كانَ لَها أَثرٌ آخرُ عملَتهُ بطريقتِها، سنأْتي إِليهِ)، لتصلَ بِها- الصَّداقةُ/الصِّفاتُ- إِلى حديقةِ القلبِ، ذاتَ مساءٍ، عبرَ هاتفٍ عاديٍّ/المكالمةِ الأُولى بينَنا؛ كانَ صوتُها فيهِ استثنائيًّا/غيرَ أَيِّ صوتٍ سمعتُهُ (لاَ أَستطيعُ أَنْ أَقولَ: كأَنَّه…)، وكأَنِّي لَمْ أَكنْ سمعتُهُ مرارًا، وجهًا لوجهٍ، مِن قبلُ! فَما كانَ إِلاَّ أَنْ همستُ لَها كلمةَ: “أُ حِ بُّ كِ” مفكَّكةً، وبصوتِ هاربٍ! ثمَّ كانَ منِّي، بَعْدَ ساعاتٍ ليلاً، إِلاَّ أَن كانتْ لَها فِي (24/12/1978) قصيدةُ: “نجمةُ البنفسجِ”.
كانتْ، قبلَ ذاكَ الهاتفِ/الصَّوتِ/الحدثِ، كثيرًا مَا تَراني فِي حديقةِ الجامعةِ وحيدًا إِلاَّ مِن كتابٍ، غيرِ منهجيٍّ، ساكنٍ تحتَ عينيَّ أَقرأُ فيهِ.
كنتُ أُحبُّ القراءةَ أَكثرَ فِي تلكَ الحديقةِ فِي ساعاتِ الفراغِ بينَ المحاضراتِ، وقتَ البردِ الخفيفِ الَّذي أُحبُّهُ أَيضًا، ولَمْ أَزلْ، حيثُ لاَ أَثرَ لثرثرةِ الطَّلبةِ فِيها تجرحُ حنانَ الرِّيحِ البَاردِ. أَمَّا هيَ؛ فكنتُ كثيرًا مَا أَراها منهمكةً فِي اجتهادِها المتواصلِ، علَى الرَّغمِ مِن ضجيجِ قاعةِ الكافتيريَا الصَّغيرةِ/المحشوَّةِ بروائحِ قَلْيِ الطَّعامِ/المحشورةِ بالطَّلبةِ طلبًا للدِّفءِ.
فِي اليومِ التَّالي للهاتفِ/يَومٍ يشابهُ طقسَ الأَمسِ؛ كنتُ فِي المكانِ ذاتِه أَهمُّ بقراءةِ روايةِ: “البحثُ عَن وَليد مَسعود” للأَديبِ جَبرا إِبراهيم جَبرا. وجدتُني أَتشبَّثُ بتصديرِهِ الرِّوايةِ بأَبياتٍ مِن: “المرثيَّةُ التَّاسعةُ” لِـ (رَاينر مَاريا رِيلكه)، إِذْ تُعبِّرُ عَن هاجسِ المرَّةِ الواحدةِ، بالتَّأَمُّلِ الشِّعريِّ وكثافتِه:
“آهٍ لِماذا علَيْنا أَنْ نكُونَ بشرًا
وإِذْ نُراوغُ القدرَ نتوقُ إِلى القدرِ؟
لاَ لأَنَّ السَّعادةَ حقًّا قائمةٌ،
ذلكَ النَّبيُّ المُتعجِّلُ بوشيكِ الخسارةِ…
بَل لأَنَّ الكينونةَ هُنا كبيرةٌ، ولأَنَّ كلَّ هذَا الَّذي هوَ هُنا
وهوَ السَّريعُ زوالاً، يبدُو أَنَّ بِه حاجةً إِلينا
ومَا أَغربَ مَا يهمُّنا- نحنُ، أَسرعَ الكلِّ زوالاً.
مرَّةً فقطْ، كلُّ شيءٍ، مرَّةً واحدةً فقطْ
مرَّةً لاَ غيرَ، ونحنُ أَيضًا، مرَّةً واحدةً
مرَّةً لاَ عودَ لَها أَبدًا. ولكنْ
هذهِ الكينونةُ مرَّةً، ولَو وَاحدةً فقطْ
هذهِ الكينونةُ مرَّةً علَى الأَرضِ- هَل يمكِنُ أَنْ تمَّحي؟”

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.