محمّد علي السباهي : قراءة في رواية (مخيم المواركة) لـ جابر خليفة جابر

jaber2

الناقد محمد السباهي
الناقد محمد السباهي

(( لا ترتب مع ذلك بأن ليون الإفريقي ، ليون الرحّالة ، كان أيضاً أنا))
ليون الإفريقي
الرواية…
((هذا العالم السحريّ الجميل; بلغتها ?وشخصيّاتها ? وأزْمانها ? وأحيازها ? وأحداثها وما يعتَوِر كلّ ذلك من خصيب الخيال ? وبديع الجمال:
ما شأنُها? وما تقنيّاتُها? وما مُشكّلاتها? وكيف نكتبها إذا كتبناها? وكيف نبني عناصرها إذا بنَيْناها? وكيف نقرؤها إذا قرأناها?)) عبد الملك مرتاض/ في نظرية الرواية – بحث في تقنية السرد / عالم المعرفة / مقدمة
حينما تختلف تقنية الكتابة في الرواية يجب أن تكون الكتابة / القراءة بمستوى التغير والاختلاف ، لا أن تكون الكتابة / القراءة تقليدية لأننا بذلك نُفقد جدّة النص kh almawarkaوالتقنية الحديثة التي ابتكرها المؤلف وهذا إغماط لحق الكاتب ومنجزه– أنا هنا أتكلم على التقنية = عمارة الرواية -. فنحن لم نألف هكذا نوع من الكتابة مع طرافة وجدّة في الابتكار على الرغم من وجود تقارب واضح مع غيرها من الأعمال لكن هذا لا ينتقص من حظها وحقها في كونها عمل مميز .
فالرواية تبدأ بإهداء أول – تقليدي- ثم يتبعها باعتراف يدخل القارئ منذ البدء في حيص بيص !( لأن عمار إشبيليو هو من أرسل هذه الرواية كاملة إلى بريدي الإلكتروني ) اعتراف/ص7.
فالقارئ يعلم تمام العلم أن المؤلف هو جابر خليفة وان أدخال واقحام عمار إشبيلو في “الرواية/ الاعتراف” يعدّ نوعاً من اللعب الفني على المستوى التقني للرواية وبتعبير فاضل ثامر حينما تحدث عن القاص جمعة اللامي :” …مفتوناً بالتجريب ومشاكسة الأعراف التقليدية في السرد والكتابة،” وهي محاولة للتنصل من كل تبعة أيديولوجية ممكن أن تنسب للكاتب أن هو وقع في محاذير الطرح الأيديولوجي أو معارضة الفكر السائد ومحاولة كسر الحواجز كما فعل نابكوف في مقدمة “لوليتا- أو اعترافات رجل أرمل). الخوف من الآخر/سطوة /سلطة هو الذي يسارع بنا لوضع اعترافات تحيل الكتابة إلى طرس وتجعل المبدع ينظر في مرآة نفسه فيرى نفسه ولا يراها .
( هذه إحدى رسائل عديدة كان – عمار إشبيلو – وهذا هو اسمه أرسلها لي بمبادرة منه . أدهشتني أولى رسائله ، ولا أدري لماذا خاطبني بالموريسكي ، تفاصيل كثيرة يعرفها عني ، بعضها يعود لأيام الطفولة ، يعرف اسم مدرستي ، مدرسة الأندلس الابتدائية للبنين ، وموقعها بالتحديد ذكره لي ، على ضفة شط العرب ، قرب جامع الفضلي في الفاو يوم كانت عامرة بأهلها .
حتى إنه ذكر الكوسج المحنط والمعلق قريباً من مكتب مدير مدرستنا ، أدهشتني معرفته بهذه التفاصيل عني ، لا أدري كيف عرفها …) ص11 .
(أحياناً أشك في نفسي وأكاد أصدق بأني أنا من يختلق كل هذه الأحداث والحكايات ويكتبها.. وحين يفضي بشكوكه إلى السارد الثاني عمار أشبيليو يقول الأخير: هذا ما يحصل لي دائماً).ص 169
وهو بالتالي يدعي أنه هو كاتب الرواية لكن ليس للأسباب التي قدمنا بل لمجهولية الكاتب الأصلي لها ، ولهذا يقول: (قررت أن أدعي تأليف الرواية ، وأضع اسمي على غلافها..)ص 7. وهو بالتالي يحاول جاهد توطين هذا الاعتراف ومحاولة استمطار المزيد من سرد الحكايات وانتظاراً لعمار إشبيلو وبريده الإلكتروني :(تأخرت في الكتابة مضطراً ، أعتذر ، أعرف مقدار تلهفك لتتمة الحكاية التي انتشرت في كل الخيام بسرعة / ص 35 )لكن هذا الاعتراف يكون بحكم الملغي – لان مسرحة العبارة على غلاف الرواية تشير بما لا خلاف عليه إلى (أنا الكاتب) = رواية جابر خليفة وليس عمار إشبيليو صعوداً ونزولا.
رواية
جابر خليفة جابر
مخيم المواركة

لكن هل كان جابر خليفة هو الوحيد الذي فعل هذا =(الاعتراف)؟
“خلاصي الوحيد، هو أن أكتب قصة عزلان، التي لا أعرف منها حرفا واحدا، ليس مهما أن تعرف، المهم أن تشعر… هكذا يقول((.يوسف القعيد في “مرافعة البلبل في القف)) ، ويقول في ((شكاوي المصري الفصيح)) : ((هذه الرواية فيها مؤلفان : مؤلف يقدّم العمل كلّه لك، ومؤلّف داخلي، المؤلف الأساسي ستجدون إسمه بالكامل على غلاف الرواية وربّما طالعتكم صورته على غلافها الأخير..)) .
سؤال : هل هذا الكلام ينطبق على رواية جابر خليفة ((مخيم المواركة)) ؟ لنواصل السير قليلا ونتعرف ماذا كتب ” علي بدر” في ( مصابيح اورشليم ):
(( كان صديقي أيمن مقدسي – الفلسطيني الأصل- والمولود في بغداد في العام 1964، هو الذي بدأ بفكرة هذه الرواية عن إدوارد سعيد ، وهو الذي اخترع شخصياتها، واحداثها ومعجمها ، ومنذ البداية .
في الواقع لم أكن معنياً أوّل الأمر بما كان يكتب ، أو بما كان يقول ، أبداً . ولم أانتبه أو أصغ له حينما كان يحدثني عن مشروعه هذا مطلقاً ، ولكني وعند استغراقه في البحث ، وسؤاله لي كل مرّة عن مصدر أو كتاب ، أو عند مناقشته لي ولعلاء خليل – صديقنا الآخر والذي يقع على الطرف النقيض تماماً من أيمن مقدسي- لكل فكرة تقريباً وشيئاً فشيئاً ،ومرة بعد مرة ، وجدت نفسي مشتركاً معه في كل ما يكتب ، ومتوغلاً معه في كل ما يبحث ،وملتزماً أخيراً – وحدي- بكل ما ورد في هذا الكتاب كلمة كلمة وحرفاً حرفاً ، لقد وجدت نفسي أنا الكاتب الوحيد لهذا الكتاب لاسيّما بعد الدراما المأسوية لاختفاءه ))مصابيح أورشليم علي بدر / رواية على رواية ص7
يورد حسين سرمك في قراءته المستفيضة ل(لمخيم جابر/ المواركة) اعترفاً مشابهاً لما دون جابر في مقدمته :
((ولكن قراءة الكتاب كاملا برويّة ومعرفة عقلية هذا الاب وروحه المتعصبة والعنصرية ستجعلنا نتأكد أن إرفنغ لم يحرّر” الكتاب بل أعاد كتابته أو ألّفه من جديد حتى أن بعض الباحثين اتهمه بأنه “اخترع” شخصية الأب أغاييدا . وقد وضع إرفنغ إحالة ماكرة تربك توقعات القارىء وتوحي بما ذكرناه حين قال في مقدمة كتابه:
(لذلك سيكون هذا العمل جديرا بالأب انطونيو حين نملأ الأماكن الناقصة من هذه الشذرات بمراجع أخرى، ونزيد من توسعها وإيضاحها بالرجوع الى مؤلفين مختلفين سواء من الإسبان أو من العرب ممن عالج هذا الموضوع . أما القرّاء الذين يريدون أن يعرفوا مدى ما ندين بعملنا هذا الى الأب انطونيو فعليهم أن يعودوا الى شذرات مخطوطاته في مكتبة الأوسكاريال)).
لكن هل فعلاً أن الرواية قديمة ؟
يبدو فعلاً أن الرواية قديمة ، وهي بلا أدنى ريب قصة ومأساة شعب الأندلس بعد سقوط غرناطة ، لكن شكل وعمارة الرواية والبناء الفني لها هو الشيء الجديد ، حيث جعل الرواية أشبه بالمسرح الذي تناثرت على خشبته اثنتي عشرة خيمة ، ولا يخفى على ذي لب ما لهذا الرقم من مغزى مقدس ، وهو بهذا يريد تحميل خيامه جانب أيديولوجي أفلاطوني – لو صح التعبير- ومن ثم حاول تحميل خيامه ببعد كوني من حيث عدد المشاركين واختلاف جنس ونوعية الثقافة التي يمتلكون والحضارة التي ينتمون إليها .
وهذه الخيام هي أشبه بمحكمة عدل دولية من أجل نصرة الشعب المورسكي حيث تتعدد وجهات النظر ويشتد ويحتدم الخلاف وتضطر بعض الخيم للتنازل عن بعض الأطروحات التي تتم معارضتها من قبل الخيم الأخرى .
يقول محمد خضير في قراءة رواية (السيد أصغر أكبر) ل مرتضى كزار :
(( في اعتقادي أن النجاح الأكبر الذي حققته الرواية هو بناء فضاء يرتبط به الماضي بالحاضر وتنتظم فيه الحكايات العجائبية بالواقع المعاصر المنكوب )) .
إن هذا النوع من الكتابة يثير التساؤل ويضع القارئ وهو في مفتتح القراءة أمام عمل فني يحمل طابع معماري مختلف عما ألفناه من أعمال روائية . وهذا الأمر أكيد يحسب للكاتب جابر خليفة وسيشرع الكثير من الكتاب في إتباع طريقته كما حاول الكتاب فيما مضى تقصي أثر جيمس جويس بعد رائعته (أوليس).
يقول موريس بلانشو:” يجب أن نعبر بطريقة أخرى ونقول: التجربة الأدبية هي من صميم اختيار التبعثر، هي ما ينفلت عن الوحدة،هي تجربة ما يخرج عن نطاق التفاهم والاتفاق والقانون – هي الخطأ والخارج،هي ما يستعصى إدراكه،هي الشاذ” 2) أسئلة الكتابة،موريس بلانشو.،ترجمة نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر،الطبعة الاولى 2004
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* التعالق النصي :
(( هل للمكتوب تاريخ خاص أم للمكتوب تاريخاً عاماً .. وما علاقة اللذة بتاريخ المكتوب بوصفه التاريخ زمناً تم فيه إنجاز المكتوب)) بارت / لذة النص ص 14
الإهداء الأخير لجابر خليفة يمثل قفزة وخطوة للأمام ومحاولة لاستباق الناقد لرصد التعالق النصي بين “دون كيخوته/ سرفانتس” و” ليون الإفريقي/ أمين معلوف” ، وهي خطوة تحسب لجابر وتنم عن وعي تام ومقدرة على النقد أو مسايرة فكر الناقد ومجاورة دخائل النقد .
وغير خافٍ على كل من ألم ب”دون كيخوته” وعرف قصة (تاريخ الأسير) في الفصل التاسع والثلاثين من القسم الأول وهو يروي قصته وهو في الأسر وتعاطف المرأة الموريسكية”لالا ثريا” او “ماريه” حسب ما تريد ان يطلق عليها من اسم والهرب من أبيها معه، يعلم مقدار التحامل ومجافاة الحقيقة وعدم الموضوعية في الطرح من قبل “سرفانتس” الإسباني الأصل ، وهو هنا في موضع تضاد مع ” الأخوة كوديرا” ومع ” رودميرو” / مخيم المواركة الذي حاول قدر الإمكان أن يكون موضوعياً في مسعاه لتوصيل مأساة هذا الشعب الذي تعرض للقتل والحرق والاغتصاب والسلب ، ولم يعتذر منه الملك “خوان كارلوس” واعتذر من “المارانوش” الذين تعرضوا لنفس المأساة لكن بدرجة أقل على أيدي محاكم التفتيش .
((قال القسيس : ” هذه الحكاية تبدو لي حسنة ، لكني لا استطيع الاقتناع بأنها حدثت فعلاً، فإن لم تكن إلا من صنع الخيال ، فإني اجدها رديئة ، فمن ذا الذي يستطع أن يفترض وجود زوج أحمق بلغت به الحماقة إلى حد الرغبة في إجراء امتحان خطير مثل هذا ؟
لو كان الأمر بين عاشق وعشيقته لهان الخطب، ولكن بين الزوج وزوجته هذا أمر من المستحيل أن يقع ، أما بناء الحكاية من الناحية الفنية فإنه يعجبني كثيراً)). دون كيخوته/ص 40
لو تتبعنا طريقة سرد “عمار إشبيلو” لحكايات الخيم نجده يقترح اكثر من نهاية بدءاً من “بستان الحرير” حيث نجد أربع نهايات وتحت عنوان “عمار إشبيلو” صياغة أولى وصياغة ثانية ، لكن لنتبع صاحب المخيم في سرده لحكاية ” المغارة” وما جرى لِ”كريم كاسياس” نقرأ :
(لكن خيمة إشبيلية لم تتقبل ما ذكرته خيمة البشرات وادعاءَهم بكريم ووزعت هامشها :
ما ورد في النهاية المقترحة للحكاية من خيمة البشرات أثار دهشتنا لأنه تضمن خطأ فنياً واضحاً يظهر منه أن الخاتمة كانت مختلقة، لأن كريماً اعلم المراهقة القشتالية باسمه : كاسياس ، فلماذا يسأل المحققون عن اسمه؟ كما انه معروف، فهو الوحيد الذي كان يبدع نحت المايوركا وبيعها ، ووقتها لم يبدأ احد بتقليده ، …) ص 43 .
هل هذه تشبه تلك ؟
ولا يخفي على المتابع أن مخيم المواركة تقترب من دون كيخوته في كون الاثنين عبارة عن مجموعة حكايات متداخلة في مكان واحد (الفندق/ المخيم) وهي تقترب بطريق آخر مع ال (الديكاميرون) لبوكاتشيو ،حيث  يلتقي عشرة أشخاص (سبع فتيات حسان وثلاث فتيان) في قلعة ويقوم كل شخص بسرد عشر حكايات ويكون المجموع مائة حكاية في عشرة أيام ، ومن البديهي يمكن تطبيق الأيام العشرة ومقاربتها مع خيام المواركة .
وبديهي أكثر أنني هنا لا أحاول أن أعمل تناصاً بين ما كتب جابر خليفة في “مخيم المواركة” وسرفانتس وبوكاتشيو فبما كتب ، والتناص/ التلاقي واضح بين ” ليون الإفريقي/ أمين معلوف) وبين مخيم جابر وجابر لا يخفي هذا التلاقي بل يشير إليه بوضوح ويعاتب (ليون الإفريقي / حسن الوزان) :
(لماذا ؟!
ما فعله الكاردينال زمينز
وبشاعات خوان أوستيرا
تجاهلها ليون الأفريقي أو حسن الوزان ،
لماذا؟! تساءل موريسكي بمرارة ،
وأمامه في التلفاز قدمت جائزة أستورياس للأداب 2010
حقاً تساءلت معه …). ص 57
لكن اعتراف جابر الضمني هل يلغي استفادة جابر من تقنية (أمين معلوف) ؟ بالتأكيد الجواب يكون بالنفي .
تتأسس تقنية (ليون الإفريقي) على عدد سنوات (حسن الوزان/ ليون الإفريقي) الأربعين ، حيث تم تقسيم الرواية إلى أربعة كتب حيث تناثرت على جنباتها سنوات (الوزان/ الإفريقي) وهو بهذا يقارب من حيث التقنية تقنية بوكاتشيو في الديكاميرون ، وجابر فعل نفس الفعل حيث وزع عمله على اثنتي عشرة خيمة بأربعين حبة :
(أربعون حبة أو قصاصة أو قُصيصة لنقل أربعون جملة سرد مركزة وأزيد عرضت على المشاركين ، …) ص 20
ورود اسم (حامد) =(مولاي حامد) ص64 عند سرفانتس وعند أمين معلوف (حامد الفكاك) وعند جابر خليفة ورد اسم (حامد) بكثرة حيث يذكر في الاعتراف (ولان عمار إشبيلو الأول لم يذكر لنا بالتحديد من هو مؤلف الرواية ، المسمى بحامد الأندلسي ، هل هو شقيقهُ حامد بن قمرين ، أم هو حامد بن كناري أخته ؟). ص 7 .
بعد أن قدمنا هذا السرد الممل والغير منصف لمنجز جابر خليفة والتقاءه مع منجز آخرين كتبوا في نفس الموضوعة ، نعيد ما كتب جيرار جينت في (لذة النص): (( هل للمكتوب تاريخ خاص أم للمكتوب تاريخاً عاماً .. وما علاقة اللذة بتاريخ المكتوب بوصفه التاريخ زمناً تم فيه إنجاز المكتوب)) .
سنقوم بمقاربة لمفهوم ما قدمنا قدمها ” برنار فاليط ” في “النص الروائي تقنيات ومناهج” :
(( لنستأنس في هذا الصدد بRaymond Devos الذي قدم مفتاح هذا اللغز في خرافة حكمية ، شكلها مزحة لا يمكن لأي عالم أو مهتم ب الشعرية ، مهما كانت صرامته وجديته ، أن ينكرها :
بيت السيدة فلانة ، وهي روائية . يصل حمال البضائع ، ويضع أمام الباب أكياساً بريدية ، ثم يقرع الباب …
صوت : من الطارق ؟
الحمال : إنها اكياس الكلمات التي طلبتها ؟
صوت : أنتظر لحظة !..
(يفتح الباب)
السيدة : آه !!! هل جميع الكلمات موجودة هنا ؟
الحمال جميعها … (يفحصها ويضيف:)هنا كيسان للكلمات الشائعة … وهناك كيس للكلمات المهجورة … وآخر للكلمات المتنافرة … وآخر للكلمات المكتفية بذاتها
… بل وهناك كلمات فائضة !!!
السيدة : وهذا الكيس الصغير ؟
الحمال : إنه كيس النقط … والفواصل … وباقي علامات الوقف…
السيدة لنختصر … فهذه الأكياس تحتوي إذن على كل ما تتطلبه صناعة رواية !
الحمال : توجد بها جميع المواد اللازمة لذلك ! بل أن منها ما يتضمن جملاً جاهزة …
السيدة : والحبكة ؟
الحمال : إمها في كيس العقد !…
……………
جميع العناصر موجودة إذن : الكلمات ، التركيب ، طريقة طباعة علامات الوقف … ما عدا العنصر الأهم ، أي طريقة الاستعمال … قواعد التأليف بين كافة هذه العناصر أو النحو السردي ،)).
نعم طريقة الاستعمال أو الاسلوب والتقنية = عمارة الرواية ، كيف يمكن إنجاز هذا الأمر ، ولاحظ معي أن من جلب اكياس كتابة الرواية كان يعمل حمالاً فلو كان يملك القدرة على إنتاج رواية لما تجشم عناء النقل والحمل ولعمل لنا رواية كما هو حال الراوية !.
من هذه المقاربة نقول :
إن موضوعة المواركة= مأساة غرناطة هي عند امين معلوف وعند سرفانتس وعند واسيني الآعرج في “حارسة الضلال” وعند الكثيرين كما هي عند واشنطن إيرفنغ ، وجميع المعلومات متوفرة = أكياس الكتابة ، لكن طريقة الاستعمال والسرد والمزاوجة بين الخيال والواقع = استثمار الواقع مع محاولة تحويله إلى متخيل أسطوري من خلال الطرح المثيولوجي للمأساة وتحويله إلى حادثة كونية مع كونها لا تعدو سوى عملية هجرة عكسية من بلاد المسلمين إلى بلاد المسلمين .
((لا يبقى شيء. فالنص الجديد يلتهم القديم ، ويتحول به إلى إمكان لغوي آخر ينذر بقراءة تلتهم هي الأخرى جديد النص المتحول لتتحول به بدورها ، وهكذا دواليك )) لذة النص / رولان بارت / ص 9 /ت، منذر العياشي ،
ـــــــــــــــــ
• بين جابر وأمين معلوف
(أمين معلوف، أشطبه أيضاً ..) ص 171 .
((واعتبر صاحب روائع “سمرقند” و”القرن الأول بعد بياتريس” و”حدائق النور” و”موانئ المشرق” و”صخرة طانيوس” و”الحب عن بعد”، بأن منحه الجائزة مفخرة وشرف كبيرين خاصة وأن، كما قال، إسبانيا دائما حاضرة في كتاباته، ليس فقط لأنها وطن بطل أولى رواياته “ليون الأفريقي” بل أيضا وخصوصا لأن هذه “الأرض كانت مكان التقاء له رمزيته طيلة قرون بين الديانات الكبيرة في المتوسط” ….
ترجمت أعماله لعدة لغات وحصل من أجلها على جوائز عالمية عدة، على رأسها جائزة “الصداقة الفرنسية العربية” عام 1986 عن روايته “ليون الأفريقي”، و جائزة “غونكور” الفرنسية الشهيرة عام 1993 عن روايته “صخرة طانيوس”.)) شبكة مونت كارلو .
لاحظ السطر الأول في روايته القرن الأول بعد بياتريس :
(( كنتُ مجرد شاهد على الأحداث أدونها على هذه الصفحات ،شاهد من بين الشهود ،أقرب إلى مسرح الأحداث من النظارة ، غير إني مثلهم لا أملك القدرة على تغيير مجراها. أعرف أن أسمي ورد في الكتب . كل ذلك يشعرني بالزهو والاعتزاز فيما مضى ، غير أن هذا الشعور تبدد الآن. قد تفرح ذبابة الأسطورة بما أن العربة قد وصلت إلى برّ الأمان، وإلا فبماذا كانت لتتشدق لو انتهت الرحلة في قعر الهاوية ؟ كان هذا هو دوري في الحقيقة ، مجرد ذبابة حوامة ، متطفلة وسيئة الطالع . وعلى الأقل لم أكن مخادعاً ولا متواطئاً)). ص 9
لا يمكن لأمين معلوف أن ينزع جلبابه ويخرج من حيز الانتماء الديني وهو يصرح بهذا في “الهويات القاتلة”، وهذا الأمر إذ ينطبق على أمين معلوف فهو بلا ريب ينطبق على جابر خليفة تمام الانطباق لأن رواية جابر خليفة ” مخيم المواركة” رواية أيديولوجية بامتياز ، ولا أريد هنا أن إلقي محاضرة في توضيح الواضحات حيث أن الايديولوجية كما هي عند الفيلسوف الفرنسي ديتوت دى تراسي في ترجمتها الحرفية frown علم الأفكار) ، ((وهناك عدة تعريفات للأيديولوجيا فقد عرفها بارسونز بأنها نسق من الأفكار الموجهة التي لها أصل أمبيريقي تلك التي تمنح الإنسان تفسيراً للطبيعة الامبيريقية للجماعة والمواقف التي تقف فيها والعمليات التي نمت بها حتى حالتها الراهنة ثم الأهداف التي يتوجه إليها الأعضاء جماعيا وعلاقتهم بمسار الأحدث في المستقبل )). النظرية والمنهج في علم الاجتماع ،د/ أحمد أنور ، ص7.
لكن لماذا نؤكد على أن الرواية إيديولوجية ؟ يجيب على ذلك (هابرماس) قائلاً :
((ويحاول هابرماس أن يكشف عوامل التشويه والخداع وإخفاء بعض جوانب الحقيقة وابرز بعضها الآخر ، فالأيديولوجيا قناع يخفي أكثر مما يعلن ، …(أن كل فكرة هي إحدى مفردات أيديولوجية معينة، وكل أيديولوجية هي قناع لمصلحة ما).
ويحدد هابرماس وظائف الأيديولوجية فيميز بين وظيفتين مختلفتين ،
الأول: هدم وإزاحة .
والثاني : دعم وإحلال وتجديد )).النظرية والمنهج في علم الاجتماع ،د/ أحمد أنور ، ص6 .
ثم ينقلنا في ختم الرواية إلى : إهداء أخير !
أهديها لسرفانتس ؟
لا حظ هو لا يهدي بل يسأل ويتساءل، بدلالة علامة السؤال التي ختم بها الإهداء والآخر يجيب ، وربما يكون الحوار على شاكلة حوار داخلي(منلوج) أو ربّما هو حوار بين جابر خليفة وعمار إشبيلو :
– هل أهديها لسرفانتس ؟
– لا، طبعاً لا ، أمحوه .. = (هدم وإزاحة )/ وظيفة أيديولوجية أولى .
وبعصبية واضحة يتم شطب أمين معلوف
أمين معلوف ، أشطبه أيضاً .. = (هدم وإزاحة )/ وظيفة أيديولوجية أولى .
(لماذا ؟!
ما فعله الكاردينال زمينز
وبشاعات خوان أوستيرا
تجاهلها ليون الأفريقي أو حسن الوزان ،
لماذا؟! تساءل موريسكي بمرارة ،
وأمامه في التلفاز قدمت جائزة أستورياس للأداب 2010
حقاً تساءلت معه …). ص 57
إذاً هو يختلف في الرؤية مع أمين معلوف =(حسن الوزان/ ليون الأفريقي) حول تجاهل الكثير من البشاعات التي حلّت بالشعب الموراكي ! لذا هو يقرر شطبه ولا يريد أن يقدم عمله هدية له !.
(وأكتب إيرفنغ .. لِ واشنطن لإيرفنغ ،
وحده ، وقصصه ،
أهدي روايتي ..)
(أهدي روايتي) = (دعم وإحلال وتجديد) / وظيفة أيديولوجية ثانية .
لاحظ التخصيص في الإهداء (وحده، وقصصه). فالإهداء لشخص إيرفنغ ولما كتبه أو بتعبير ادق : لما سطر قلمه من نصرة وانتصاف للشعب الموريسكي .
لكن هل خفي على جابر خليفة أن (أمين معلوف) كاتب وليس مؤرخاً ؟ وعمل الأديب يختلف كلياً عن عمل المؤرخ، وجابر الذي التصقت فيه صفات الأديب والمؤرخ والسياسي ، ونحن إذا كنا نجيد عملاً لا نطلب من الآخرين أن يقدموه مثلنا ولقد أشار أمين معلوف في (الهويات القاتلة) إلى عدم التماثل والتوأمة حتى للأجناس المستنسخة ، فكيف بالتعدد الثقافي ولا أريد هنا أن أدخل في التعدد الاثني والعرقي وغيرها من المتغيرات بين الأفراد .
طيب ، ماذا لو قلنا : إن رؤية الرجل/ الكاتب = أمين معلوف هذه هي الرواية ، هل ننصب له مشانق أدبية – التعبير ل أحمد مطلوب- ونقيم محاكم تفتيش على غرار محاكم التفتيش في قشتاله ؟
أنا برأيي المتواضع أن قراءة (مخيم المواركة) فرصة ثمينة لاستكمال قراءة التاريخ بعيون وأفكار أدباء وليس من خلال فكر مؤرخ ينقل الحدث برؤية لا أقل من أن نقول عنها أيضاً – أيديولوجية-
لكن يلح في خاطري تساؤل : هل كان الإهداء لإيرفنغ واشنطن أم كان لجابر نفسه ؟ فجابر خليفة انتصف للمواركة في عصر خف بريق ذلك الشعب ونام تاريخهم كما نامت خير أمة أخرجت للناس .
(أهدي روايتي) = (دعم وإحلال وتجديد) .

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: ملاحظات سريعة عن السخرية في “عجيبة بيت أبي بشارة” لنبيل عودة

أولاً) لا مكان للهزل في العالم الساخر “النبيلي”، فالسخرية تبنى بالجاد، منذ الكلمات الأولى حتى …

سميح صباع شاعر غادرنا قبل الأوان
انت حي بشعرك أيها الشاعر !!
نبيل عودة

تحل في هذه الأيام، الذكرى السنوية لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه، مخلفا …

عصمت دوسكي بين الإحساس والوجود
كلستان المرعي- سوريا

* نعلم أن العدالة مستحيلة في أوطاننا فوزعوا الظلم بالعدل . !! * غنى التشابيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *