رمزي العبيدي : خلف رشيد نعمان .. صورة قلميَّة لإرادة إنسان

الراحل الدكتور خلف رشيد نعمان
الراحل الدكتور خلف رشيد نعمان

جاءَ طيفه على بالِي أو تذكرته في هذه الأيَّام ، وأنا أشتغلُ في كتابة دراسةٍ لمْ أنشرْها بعدُ ، عن ( نماذج من شعر الخمريات بين عمرو بن كلثوم وأبي نؤاس ) ، نعم تذكرْتُ ابتسامته اللطيفة الهادئة وصوته العذب الرقيق وهو يقرأ في إحدى محاضرات الأدب العباسيِّ الذي كانَ يدرِّسه لنا ، قولَة أبي نؤاس الذي يستخفُّ ويسخر فيها من وقوف شعراء الجاهليَّة على الأطلال وبكائهم على رسمٍ دارس لديار الحبيبة :
قُل لِمَن يَبكِي عَلَى رَسمٍ دَرَس
واقِفاً مَا ضَرَّ لَو كَانَ جَلَس

اِترُكِ الرَّبعَ وَسَلمى جانِباً
وَاِصْطَبِحْ كَرخِيَّةً مِثلَ القَبَس

بِنتُ دَهرٍ هُجِرَتْ فِي دَنِّهَا
وَرَمَتْ كُلَّ قَذَاةٍ وَدَنَس

كَدَمِ الجَوفِ إِذا مَا ذَاقَهَا
شارِبٌ قَطَّبَ مِنهَا وَعَبَس

تذكرته لأنَّه هو مَن علمَّنِي كيفَ استمتع بقراءَة النصِّ الأدبيِّ بعد أنْ كنْتُ أعشقه متأثراً بأستاذيَّ الدكتورينِ قبله : طارق العوسج وعلي عباس علوان ، فمنهما تعلمْتُ عشقَ الأدب ، ومن الدكتور خلف رشيد نعمان تعلمْتُ كيفَ استمتع بهذا العشق .
34 في يوم الجمعة الموافق 4/1/2013م ، وأنا أقلِّبُ صفحات موقع الناقد العراقي على الشبكة الدوليَّة للمعلومات ( الانترنت ) ، علَّنِي أجد مقالة تعيننِي أو بحثاً يساعدنِي في دراستي هذه ، أحزننِي خبرُ رحيلهِ عن عالمنا وانتقاله إلى العالم الآخر ، خبرٌ كتبه مشكوراً صاحبُ الموقع العالم النفسي العراقي وناقد الأدب العربي الأستاذ الدكتور حسين سرمك حسن أطال الربُّ عمره ، وجاء فيه أنَّ علامة العربيَّة وأستاذ أدبها وشيخ محققِي تراثها في العراق ، الأستاذ الدكتور خلف رشيد نعمان السامرَّائي قد رحلَ عن هذه الدنيا الفانية يوم 27/8/2012م ، بصمتٍ ومن دون اهتمام يليقُ بمقامه الكبير ، وعندي : إنَّ هذا الأمر ليس غريباً في بلدٍ مثل العراق ولا مستغرباً عنه ، هو الذي يحكمه الأغبياء والمتخلفونَ ومزورو الشهادات وأدعياء الثقافة وإرهابيو الفكر ، المتخذينَ من دينهم اللعين ذريعة وسلاحاً في صراعهم من البقاء في السلطة الملعونة ، متحكمينَ بمصائر البلاد ، واضعينَ أسلحتهم البغيضة على رقاب العباد ؛ لهذا لمْ يكنْ هذا الراحل العزيز ينتظرُ نعياً له أو اهتماماً بمقامه الكريم من مثل هؤلاء الأرذال من الخلق والأسافل من البشر ، بلْ لا يشرِّفه ذلك ، هو أستاذي وأنا أدرى الناس به ، هو العلامة الكبير والعالم الجليل والإنسان الطيِّب والمعلم الحنون ، يالَشجنِي ولهفتي عليه .
وأنا أجفِّفُ دموعِي العفويَّة المنسكبة عليه وأنا أقرأ خبر نعيه المنقول عن حفيدته الأستاذة علياء السامرَّائي ، عثرْتُ على مقالة أخرى في نفس الموقع أفسدَتْ ما كنْتُ أنوي أنْ أنفرد به لكم عن سيرته وحياته ، فقد حدَّثنِي عنها هو شخصياً لأنَّني كنْتُ من طلابه النابهينَ ، يومَ كنْتُ أتعبه بأسئلتِي عن التفاصيل والفرعيَّات في كلِّ ما كانَ يشرحه لنا ، ولمْ يكنْ ذلك منِّي غلاظة أو تعدِّياً أو قبحاً ، بلْ لأنَّنِي كنْتُ وأنا في تلك السنِّ الصغيرة مقدِّراً لمكانته العلميَّة الراقية والرفيعة ، وكانَتْ غايتِي أنْ أنهلَ من علمه الواسع ما استطعْتُ ، فشخصيَّته القويَّة تجبركَ على احترامه ، وعلمه يجبركَ على أنْ تحنِي رأسَكَ له وأنتَ تصافحه وتسلِّم عليه ، وبساطته وتواضعه يجبرانكَ على أنْ تستحِي منه وأنت تخاطبه وتتحاور معه ، وطيبة قلبه تجبركَ على أنْ تحبَّه ، وهذا كلُّه وغيره يجبركَ أنْ تتخذ منه قدوة أو مثلاً أعلى أو شاهداً تستشهد به في حياتكَ .
ومرافقة مع هذه المقالة المذكورة أو المنوَّه بها صورة له في شبابه لمْ أكنْ قد رأيتها من قبل ، ولم أكنْ أتخيله بهذه الوسامة في طور الشباب ، فقد تتلمذْتُ على يديه وهو شيخ كبير في الحادية والسبعين من عمره ، في العام الدراسي 1995- 1996م ، في كليَّة المأمون الجامعة ، يومَها كنْتُ في الصف الثالث بقسم اللغة العربية الذي كانَ يرأسه فيها الدكتور قحطان رشيد صالح التميمي محقق ديوان الشاعر الأموي مروان بن أبي حفصة ، وكانَ العام 1996م ، هو آخر أعوامِي في دراسة العربيَّة ، فلمْ أكملْ دراستِي الجامعيَّة لأسبابٍ تخصُّنِي ، وهو نفس العام الذي كسرْتُ فيه قلمِي ورميته ودسْتُ عليه بقدمي ، وتوقفْتُ فيه عن الكتابة رغم أنَّني كنْتُ في البدايات ، كسرتُه لأنَّنِي عرفتُ من يومِها أنَّ الكتابة لا تطعم خبزاً ! ، وما عُدْتُ إليها في العام 2009م ، إلا بقلمٍ آخر غير ذاك المكسور المُرمَى والمُداس عليه بالقدم ، والذي حدثتكم عنه ، قلمٌ أكتبُ به لنفسي قبلَ أنْ أكتبَ للجمهور ، فقد كبر السنُّ ونضج الفكر وتغيرَتِ المفاهيم وتبدلتِ النوازع ، ولمْ يتبقَّى في العمر أكثرَ من الذي فاتَ وانتهى .
واسم كليَّة المأمون الجامعة لمْ يرد في تلك المقالة التي خرَّبَتْ عليَّ وعليكم ما خرَّبَتْ من طريقةٍ في الكتابة عن هذا الراحل العظيم ، الذي خسرَتِ الثقافة العراقيَّة والعربيَّة برحيله عن دنيانا ودنيا الأدب ما خسرَتْ ، لكنَّ عزاءَنا فيه أنَّه سيبقى في قلوبنا ووجداننا ، فنحنُ طلابه ومريدوه ، قلتُ : لمْ يردْ اسم هذه الكليَّة الجامعة في تلك الأكتوبة ، بلْ جاءَ فيها أنَّ الدكتور خلف رشيد نعمان عمل بعد تقاعده في عدد من الجامعات الأهليَّة ، ولا أدري عن هذه الجامعات شيئاً غير ما ذكرته لكم عن كليَّتِي الجامعة التي كنْتُ منتظماً فيها .
رَحَلَ الفهَّامة الدكتور خلف رشيد نعمان عن عالمنا عن عمر ناهزَ الثمانية والثمانينَ عاماً ، قضاها بينَ الدراسة فالعمل في التعليم الثانوي وبعده في الإشراف التربوي ، ثمَّ المحاضرة في الجامعة بعد التقاعد الثاني ، فهذا الرجل تقاعد مرَّتينِ ، الأولى بناءً على طلبهِ وهو بدرجة مشرفٍ تربوي ، ليذهَبَ إلى القاهرة في البلاد المصريَّة ، ويحصلَ من إحدى جامعاتها على درجتي الماجستير ثمَّ الدكتوراه ، وكانَ عمرُه عندما نالَ درجة الدكتوراه اثنتان وخمسونَ سنة ، أي في العام 1976م ؛ انظروا إلى إرادة هذا الإنسان المستنير وحبِّه للعلم والحياة ، هو الذي لمْ يبخلْ بعلمه على وزارة التربية التي لمْ تدفعْ له فلساً واحداً ولمْ تصرفْ على بحثيهِ في الماجستير والدكتوراه (عانة) واحدة * ، فقد درس في القاهرة المصريَّة على حسابه وصرف على نفسه من كَدِّه وتعبه ومن ماله الخاص ، ولمْ يكنْ لأحدٍ فضلٌ عليه ولا دالة ، قلْتُ : لمْ يبخلْ على هذه الوزارة الجاحدة بحقِّه وغير المقدِّرة لعلمه وأدبه ، بأنْ ألَّف لها العديد من المناهج التربوية بعد عودته إلى العراق بهذه الدرجة العلميَّة الرفيعة ، إضافة إلى أنَّه قبل عرضها بأنْ يعود إلى الوظيفة بنفس درجته الوظيفيَّة السابقة ، فلم تكنِ المناصب تعنِي له شيئاً ، ولمْ يكنْ يهتمُّ بحطام الدنيا لذا لمْ يساوم مسؤوليها على زيادةٍ لراتبه .
وقد استفاد هذا الراحل الكبير من سنوات الدراسة التي قضاها في القاهرة وطلع علينا بمؤلفاتٍ ومصنفاتٍ حققها لنا من تراث العربية وأخرى من تأليفه ، وهي :
1. شرح الصولي لديوان أبي تمام ( دراسة وتحقيق ) بثلاثة أجزاء .
2. كتاب الأوراق للصولي ( دراسة وتحقيق ) .
3. الموضح في شعر المتنبي بشرح التبريزي ( دراسة وتحقيق ) بخمسة أجزاء .
4. شرح مشكل أبيات أبي تمام للمرزوقي ( دراسة وتحقيق ) .
5. النظام في شرح ديواني المتنبي وأبي تمام ( دراسة وتحقيق ) بعشرين جزءاً .
6. خذ العبر من علماء من غبر ( دراسة وتحقيق ) .
7. إسحاق بن إبراهيم الموصلي عالم الموسيقى والغناء في العصر العباسي .
8. المعجم العربي نشأته ومراحل تطوره وكيفية الإفادة منه .
9. الحزن في شعر بدر شاكر السيَّاب .
10. وغيرها ممَّا لا أحيط به علماً ودراية .
وأكثرُ ما آلمنِي وأوجع قلبي وأنا أقرأ سيرته العطرة على موقع الناقد العراقي ، هو ما جاء فيها من أنَّ جسد هذا العالم الجليل قد تهاوى في أخريات أيَّامه وضعف وعيناه تعبَتا ولم تعودا تساعدانه على القراءة والكتابة ، إلى أنْ وافته المنيَّة ، وهذه هي سنَّة الحياة التي لا أملك أنْ اعترض عليها ، لكنَّنِي أملكُ أنْ ألعنَ القبور التي تحوي أجساد أمثاله من العلماء .
رحمك الربُّ يا أستاذِي الطيِّب وطيَّب ثراك بطيبه ، ويالَشجنِي ولهفتِي عليك كلَّ مرَّة .
…………..
*. لقارئنا العربي أو غير العراقي نقول : إنَّ ( العَانة ) ، هي : عملة عراقية قديمة قيمتها أربعة فلوس ، ألغيَتْ في زمن الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم عندما زيَّدها فلساً واحداً ، وجعلها خمسة فلوس ، وبقي العراقيونَ يضربونَ بها مثلاً لقلة القيمة الماديَّة أو انعدامها .

للتواصل مع الكاتب ، يرجى الكتابة إلى :
Ramzee_Alobadi@Yahoo.Com
Ramzee_Alobadi@Hotmail.Com

شاهد أيضاً

الْأَرْشِيفِيُّ وَالْمَوْسُوعِيُّ الدّكتُور(صَباح نوري المرزوق) الْمُعَلِّمُ الصَّادِقُ الصَّدُوقُ.
موشي بولص موشي/ كركوك.

فِيْ عَامِ 1977 حَلَّ مُدِيرًا عَلَى مَدْرَسَةِ(ثانويَّةِ السِّرْيَانِ)، كُنْتُ حِينَهَا طَالِبًا فِي الصَّفِّ الْخَامِسِ الْعِلْمِيِّ. …

أستاذي الدكتور كمال نشأت
شكيب كاظم

يوم قرأت قصيدة الشاعر الغِرّيد عبد الخالق فريد، التي نظمها رثاء للأديب الشاعر والأستاذ الجامعي …

نهر الديوانية : ماذا فعلت بحياتي؟
رسالة في الحزن العراقي ومحنة الغائب/ المنتظر في شعر (علي الشباني)
حسين سرمك حسن
بغداد/ 2005 (ملف/20)

((آه من فقدان الالفة، فهو يشعرنا بقلق واضطراب وتعلق حميم بالاشياء المفقودة، وعلى مستوى آخر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *