د. عبد الله إبراهيم : منعوا المرويات السردية عنا فاعتقدنا بأننا أمة شعر

abdullah ibrahim 5karam nama 2حاوره: كرم نعمة – لندن  

فيما هو يشتغل على كتاب يعالج السرد العربي الحديث، تلقى د. عبدالله ابراهيم نسخته الأولى من كتابه الجديد “الثقافة العربية الحديثة والمرجعيات المستعارة” وهو الجزء الثاني من “المركزية الغربية: اشكالية التكون والتمركز حول الذات “منطلقا فيهما من المطابقة إلى أفق الاختلاف. ولمعرفة قدر ما عن الكاتب العراقي د. عبدالله ابراهيم، يكفي تأمل حضارته الابداعية منذ صدور مجموعته القصصية “كتابه الاول” نهاية الثمانينات، التي مثلت حداً فاصلاً حيال نتاجه النقدي فيما بعد، حيث أعقبها بعشرة تبحث في السرد العربي ومتخيله.. أثمرت أخيراً عن نيله جائزة عبدالحميد شومان للباحثين الشباب 1998.
ولهذا تبدو محاورة الدكتور ابراهيم مهمة صحفية مناسبة للانطلاق من صدور كتابه الجديد، في وقت مازال سبعة أعوام يواصل عمله التدريسي في الجامعة الليبية حيث التقته “الزمان:

v دعنا نبدأ من هذا الكتاب “الثقافة العربية الحديثة والمرجعيات المستعارة ” وهو الجزء الثاني من كتاب “المطابقة والاختلاف ” فيما تبدو منشغلاً جدا بكتاب يعالج السرد العربي الحديث ؟

v هذا الكتاب يبيّن الكيفية التي أثرت فيها الثقافة الغربية في نشأة الثقافة العربية الحديثة الى درجة جعلتني استنادا الى استقراء طويل شمل المناهج النقدية السائدة والمفاهيم المتداولة والنظريات الخاصة بدراسة التراث، فضلا عن مجالات كثيرة أخرى أتوصل الى ان المرجعيات الفاعلة في ثقافتنا الحديثة هي أصلا مرجعيات مستعارة من سياقات ثقافية لا صلة لها بسياقات الثقافة العربية. فنحن في الغالب نعتمد مناهج ومصطلحات وروى ومنظورات لها دلالات محددة ضمن بنيات ثقافية معينة، فنستعيرها ونطبقها بكثير من التعسف على موضوعات خاصة بنا، وكان الهدف هو بيان القدرة على تشغيل تلك المناهج والمفاهيم بدل التفكير، بتحليل الموضوعات المدروسة، وهذ1 يكشف الفهم المقلوب لأهمية استخدام المناهج والمفاهيم.

أما كتابي الذي يعالج السرد العربي الحديث فقد خصصت له أربع سنوات وقطعت فيه شوطا كبيرا، لن أتكلم عنه الآن، فربما يكون كتابي الاهم.

vحسنا، لكنك في كتابك السابق “المركزية الغربية” قد عمقت فكرة الاختلاف والمغايرة التي بدأتها في السردية العربية”، الا ترى أنك أبقيت بعض الأسئلة معلقة، فأنت لست مع التطابق مع “الآخر” من جهة، ولست مع “الذات ” المعتصمة بنفسها من جهة أخرى، وترى ان الممارسة النقدية الحقيقية لا تؤمن بتغليب مرجعية على أخرى، ألست بذلك تضيف معضلة “الحيرة ” في الاختيار الى كل من معضلة “المطابقة” ومعضلة “الاختلاف”؟

v إن فكرة “الاختلاف” بوصفها بديلا للتطابق مع الآخر المتمركز على ذاته و”الذات ” الملتبسة بخرافاتها، جاءت في الاصل بسبب المراجعة التي تعتمد المنظور النقدي لمعطيات الثقافة العربية الحديثة، ومن ثم فان نقد الذات ونقد اللآخر أمر يفرضه الولاء والتذلل المعيبين لكل منهما. فالنقد يريد إعادة ترتيب العلاقة بين واقع الثقافة العربية وبين المرجعيات التي تتصل بها على أسس حوارية وتفاعلية وتواصلية، بهدف ايجاد معرفة تقوم على مبدأ الاختلاف الرمزي عن الذات المعتصمة والمتمركزة حول نفسه ثقافيا ودينياً وعرقيا، وفي الوقت نفسه الاختلاف عن “الآخر” الذي لم يقتصر على بلورة نوع غريب من التمركز حول الذات، انما لجأ الى الغاء كل ما سواه. ذلك ان المعرفة لا تكون مفيدة الا اذا تم التفكير فيها نقديا، والاشتغال بها بعيدا عن سيطرة مفاهيم الاذعان والولاء والتبعية، ولكن بعيدا ايضا عن احاسيس الطهرانية الذاتية وتقديس الأنا وأنا من ناحيتي أجد ان “العبرة ” بمعناها المعرفي هي التي تجعل سؤال الاختلاف مشروعا.اذ يكفينا تطابقا نبخس فيه كل ما له صلة بنا، فالولع الغريب بارجاع كل شيء الى “الماضي ” أو الى “الآخر” يجعل واقعنا الراهن ممزقا لأنه منشطر بسبب انجذابه الشديد الى قطبين مختلفين، ولا بد من حل هذا التعارض باعادة ترتيب العلاقة مع الواقع الراهن وصلاته مع المؤثرات الخارجية في الزمان والمكان. وهذا ما اصطلح عليه ب”الاختلاف” فهو بالنسبة لي لا يتصل ب”العبرة” انما بالخيار المنهجي الذي يفرضه واقع الحال اكثر ما نرغب نحن فيه رغبة محضة.

v أيضا يؤلمنا كتابك هذا بأفق الاختلاف مع الآخر متجاوزاً واقع المطابقة، وعلى نفس المستوى تثار في عصرنا مفاهيم “العولمة” وفي جانب “الغزو الثقافي ” و “التغريب” دون ان تتخلص من ادلجتها السياسية، فما بين امل الاختلاف او سيطرة العولمة، كيف تتأمل المستقبل؟

v أرى أنه بالتمسك بثقافة “المطابقة” في عصر “العولمة” فان الثقافة العربية ستتلاشى،ولهذا فان”الاختلاف ” الذي لا اقصد به القطيعة انما الحوار الفاعل والخصب مع الذات والآخر سيفتح الافق أمام تلك الثقافة، بحيث يجعلها قادرة على تشكيل ذاتها للتعبير عن حاجات حقيقية وليس استجابة لهذا المؤثر او ذاك، ذلك ان “العولمة” وانا افضل مصطلح “الكونية ” ترفع دعوى مؤداها توحيد المفاهيم والتصورات والرؤى والقيم وتعميمها لتكون خيارا لجميع البشر،وانا من ناحيتي ارى ان “كونية” لا تأخذ في الاعتبار الخصوصيات المغلقة والضيقة، انما المتحولة التي يكون مفهوم الهوية فيها هو خلاصة التفاعل والتحول وليس الديمومة والثبات. وعلى العموم فالعولمة أو الكونية باعلى درجة من الاهتمام، ومن ذلك انها ستؤدي الى انهيار السيادة الثقافية القومية وسيادة الثقافات العابرة للقارات، وذلك يقود الىلا انهيار المرجعيات الاصلية، ومن ثم تتراجع اهمية المنظورات المعبرة عن سلم محدد للقيم، الامر الذي يجعل الامن الثقافي في مهب ريح عاصفة،فيختل التوازن الذهني والاجتماعي بسبب شيوع مفاهيم لها مرجعيات غريبة، وهو ما يقود الى تداخل انساق ثقافية مختلفة،فيتفجر العراك الاجتماعي وتتفتت المجتمعات ذات البنيات البطريركية ويرافق ذلك حالات الانكفاء على الذات وظهور نزعات التأصيل المعارضة، فالعولمة في جوهرها انما هي تسويق للمركزية الغربية التي تصلبت اركانها خلال القرنين الاخيرين، وقد وفرت وسائل الاتصال الحديثة والمتطورة امكانية تسويق المركزية الغربية المتمركزة على ذاتها وليست اية ثقافة او ثقافات اخرى، ولا بد من اخذ كل هذا من اجل الانتهاء الى موقف من العولمة، ومن الواضح بأن مظاهر التمزق قد بدأت تظهر في الثقافات الانسانية بين اتجاهين متعارضين، احدهما يتبنى العولمة بحجة الحفاظ على الهوية والقيم والعقائد، ومن ناحيتي افسر كثيرا من الصراعات العرقية والدينية والثقافية في عصرنا الآن على أنها تعارض بين انتماءين لمفهومين مختلفين في وقت واحد، الامر الذي يؤدي الى تمزق الذات بين اقطاب متضادة،وهذا هو السبب الذي يؤدي الى التوترات والتشنجات الموجودة في العالم المعاصر وبخاصة في عالمنا العربي والاسلامي. ولو امكن تطوير موقف نقدي من هذا الامر لما تفجرت هذه الصراعات على هذه الصورة القاسية, فنحن نعيش ردود فعل متواصلة وذلك اما نقوم بمحاكاة غيرنا محاكاة تامة وهو هنا الغرب، او نعتصم بذواتنا وننقطع عن حركة الياة المعاصرة، وفي الحالتين انما نتطابق بأسلوبين مختلفين، وهذا يجعلنا فيما يمكن تسميته ب “الحركة الساكنة”. انه نوع من عدم القدرة على التقدم ولا الرجوع ولا البقاء في المكان نفسه.

vفي بحثك لنيل دكتوراه الدولة قبل عشر سنوات كنت كمن يتناول المحرم ويبحث فيه.. هل لك ان تعرفنا بالافكار الاساسية التي توصلت اليها؟ ولماذا ادرجت النتائج تحت المساءلة اكثر من اندراجها تحت باب التساؤل ؟لماذا قوبلت افكارك بكثير من الرفض ومنع نشر بحثك، وجرى بصدده جدل كبير وهو مازال مخطوطا انذاك؟

v هذه “قصة” كنت دائما اقول لنفسي انه لم يحن وقت روايتها بعد، فهي في جانب كبير منها تتصل بالاستبعاد والاقصاء الذي يمارسه الاوصياء على الثقافة ضد اولئك الذين يعاينون الظواهر الفكرية والابداعية بمنظورات الصدام بين المتطورات النقدية، فكل منظور معبّر عن نسق فكري، وحينما اخترت “الظاهرة السردية”، في الثقافة العربية القديمة، بوصفها احدى معطيات تلك الثقافة الى جوار التعبير الشعري والفكري العام، وجدت وأنا في الأساس ابحث عن الانظمة السردية للأنواع الكبرى في السرد العربي القديم ان تلك الانظمة متصلة بالمرجعيات الدينية والثقافية وانها تشكلت في محاضن شفاهية، فالارسال والتلقي كان خاضعا لآلية شفاهية في كل المجالات، ولم يلعب التدوين الا دور تسجيل ما هو شفاهي، وارجعت ذلك من خلال اعادة قراءة نقدية لكتب الاصول في مجال علوم الدين والتاريخ والأدب والفلسفة الى ان الشفاهية انتزعت شرعيتها بناء على اصول دينية، ومن ثم فقد اصبحت ممارسة مقدسة لانها “اختلقت لها اصولا دينية. من ذلك مثلا ان “الاسناد ” يعامل دائما في الثقافة العربية القديمة كجزء من الدين، وهو في الحقيقة ليس الا وسيلة موصلة الى الاخبار والاحاديث، وهكذا فان العلاقة بين الراوي والمروي والمروى عليه في علوم الحديث هي ذاتها التي تجلت في المرويات ويتحكم بها، وهكذا اقمت تصوري على اساس سيادة التراسل الشفاهي المدعم بالتصور الديني وهو ما تجلى بافضل اشكاله في المرويات السردية، وبالطبع كان استنطاق الاصول شاقا وتتخلله مناقشات وتوصلات بدت للكثيرين انها تخترق سياج المقدس، وهو استنطاق كان يريد استخلاص نتائج اخرى، ولكنه لا بد سيشتبك مع التصورات الثقافية السائدة آنذاك، وعلى العموم حاولت انزال الظاهرة السردية ضمن سياقاتها الاصلية، وهذا قادني الى كشف الاصول الشفاهية للثقافة العربية،وهذه النتيجة جعلت حماة التقاليد يرون ان هذا الامر بمجمله تدمير لتلك الثقافة ووصمها بالبدائية في محاولة متعسفة للربط بين الشفاهية والبدائية، وذهب نفر منهم الى كل ذلك يشكل اساءة بالغة للفكر العربي بوجوهه الدينية والادبية والاخلاقية،واستمر دفاعي مدة ست ساعات في مناقشة البحث فكانت مناظرة شديدة التعقيد والاثارة، واعقبها التباس اشد حينما جرى تحقيق حول كل ذلك فيما بعد، وحينما قدمت البحث للطبع احيل الى عدة خبراء وانتهى المر بعد اكثر من سنة الى منع نشر البحث بفتوى تتكون من اكثر من عشرين صفحة،وهو ما جعلني انشر البحث كاملا في بيروت كما هو “السردية العربية” بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي “، وقد نفذت الطبعة الأولى في وقت قصير وصدرت طبعتان اخريان للكتاب في بلدين عربيين أخرين، وسرعان ما اصبح الكتاب مرجعا اساسيا في الدراسات السردية، وبخاصة القديمة، وهو يعتبر الآن احد المصادر المعتمدة في الدراسات الادبية في كليات الآداب في تونس والمغرب وليبيا وكثير من البلاد الآخرى، وكانت للامر نتائج اخىر لا اريد الوقوف عليها، وعلى العموم فكتاب “السردية العربية”، شق طريقه وسط صعاب كبيرة، وما زال الى الآن يصطدم ببعض الكتل الصماء، الكتل التي تغلب السجال على الحوار.

vتأسيساً على ذلك يبدو وكأنك تؤسس لخصوصية نقدية تبحث في مكامن “السرد” منذ كتابك “البناء الفني للرواية العربية في العراق ” مروراً ب”المتخيل السردي” ثم “السردية العربية”حتى كتابك الجديد الذي يعالج السرد العربي الحديث، هل لنا ان نعرف مسوغات اهتمامك الواضح بهذا الامر؟

v ان الأمر ببساطة يعود الى ملاحظة تخص الممارسة النقدية العربية التي تكشف غياب المداخل التي تعنى بالسرد العربي في ما يخص تقنياته وأساليبه، على ان هذا يخص الفترة الاولى التي مضى عليها الآن قرابة خمس عشرة سنة، وذلك قبل شيوع الاهتمامات بهذه الموضوعات في السنوات الاخيرة، واعتقد انك توافقني ان مبحث السرديات بمعناها الحقيقي كان غائبا الى مطلع الثمانينات، وسرعان ما تجرد لدراسته نخبة من خيرة النقاد العرب بحيث انه يعتبر الآن في مقدمة الموضوعات الجدية في لنقد العربي الحديث ولا يمارى احد في ان التحليلات التي شملت السرد العربي القديم والحديث قد استأثرت باهتمام واضح نظرا لدقتها وانضباطها المنهجي،وعليك ان تعرف انه حتى الى منتصف الثمانينات كانت السرديات ممنوعة في الجامعات، وكان الدرس التقليدي هو الشائع، وكان هنالك تغييب واضح لكل ما يتصل بالسرد العربي القديم الى درجة تخرجت فيها اجيال كاملة من الجامعيين العرب وهم يعتقدون ان العرب امة شعر، والواقع هو عكس ذلك تماماً، فالمرويات السردية والاخبارية تفوق كثيرا الشعر، وهي التي تعبر عن البنيات الذهنية والنفسية والاجتماعية والذوقية عند العرب خلال القرون الوسطى، وهي ذاتها التي تعبر بشكل تمثيلي سردي غير مباشر في العصر الحديث من خلال الرواية والقصة القصيرة، وكل هذا يفرض امر الاهتمام بها بحثا وتحليلا واستنطاقا. وقد بذل جهد استثنائي لادخال السرديات في الجامعات العربية، ودفع المهتمون بهذه الموضوعات ثمنا باهظا قبل ان ينجحوا بذلك،وواجهتهم صعوبات جمة ليس في الجامعات انما في الوسط الثقافي الذي لم يتقبل ذلك الا بعد مرور سنوات طويلة، وسبب ذلك يعود الى ان الثقافة العربيةالحديثة تشهد صداما بين ذهنيتين ذهنية المطابقة، وهي ذهنية مترسخة وسائدة ومهيمنة ولكنها هشة، وذهنية الاختلاف التي بدأت بالنمو والظهور وغايتها اثارة الاسئلة والبحث في المطمورات، واعادة ترتيب العلاقات ضمن آفاق معرفية نقدية بما يفضي الى تغيير البنيات النمطية للافكار والعقائد السائدة والتشكيك بالانظمة الثقافية الشائعة التي تهرب من السؤال الحقيقي الى الاجوبة الجاهزة، واظن ان هذا الهاجس الذي اشرت اليه قد راود كثيرا من النقاد العرب ومن ناحيتي اعزو حالة التحديث النقدي التي ظهرت في النقد العربي خلال السنوات الاخيرة الى ذلك الامر، على ان كل ذلك له صلة ايضا باهتماماتي المباشرة اصلا بفن القص منذ فترة مبكرة قارئا ومتابعا وكاتبا، فضلا عن انني اقوم بتدريس السرد القديم والحديث في الجامعة منذ البداية، ومن الطبيعي ان تتمخض كل تلك الأسباب عن اهتمام بهذا الموضوع الذي اراه غاية في الاهمية بالنسبة للادب العربي، والحقيقة فان الجهود الفردية مهما عظمت، لا تكتسب قيمة معرفية، الا بشيوع مناخ يشبع تلك الجهود، واجدني الآن بين مجموعة كبيرة من الباحثين العرب في كل البلاد العربية وهم يعمقون البحث في ميدان السرد ويتوصلون الى نتائج مهمة جدا، وبدأت تلك المحاولات الصعبة والمعقدة تثمر الآن في اكثر من مكان وفي اكثر من موضوع.

vجمع من المبدعين يتمم القول بافدح الكلام، لما يجد في النقد عملية استدراك لحياة الابداع المقتولة في الناقد، هو المحاول اقامتها على جسر حالة العدوانية الدائمة..
وبصفتك ابتدأت قاصا الى اي حد ينطبق عليك هذا الكلام؟

v يطيب لبعض الممارسين لنمط من الكتابات الادبية بشقيها الابداعي والنقدي ترشق التهم المبسطة التي تختزل فعالية التعبير الادبي الى ضرب من المساجلة، وكان ثمة صراعا على السيادة الادبية،وواقع الحال فالاختلاف بين التعبير الادبي الابداعي التخيلي والتعبير الابداعي المعرفي هو مجرد اختلاف في الدرجة وليس اختلافا في النوع، على ان فن الممارسة يحد ذاته يعمق المهارة والصنعة لدى من يمارس العملية النقدية، ومن ثم فاختلاف المهارات لا يفضى الى تقاطع بين الممارستين، وفي نهاية المطاف فانا اراهما مرآتين تتراءى كل منهما في الأخرى، والسقوط تحت هيمنة التفكير الشائع الذي يفتقر للتدقيق والمعاينة هو الذي يفترض التعارض بين المبدع في مجال التعبير النقدي والمبدع في مجال التعبير الابداعي، وبما أن سؤالك يتحدث عن “القتل” فان الادب العظيم لا يظهر الا عبر التخفي والعدول عما هو مباشر، فهو بمعنى من المعاني قتل للحقائق المباشرة وهضمها وعادة انتاجها على وفق سياقات مغايرة، ورغم انني لا اميز بين النقد والإبداع من ناحية المرتكزات والفروض الجوهرية العميقة، فلا شك أنني اقر بان الإبداع بمعناه المباشر يتيح امام الذات مساحة ارحب للتعبير عن فورانها وتأملاتها واستبصاراتها، لانه لا يفترض مسافة بينها وبين الخطاب المعبر عنها، فيما يلزم النقد، بسبب اجراءاته الموضوعية، حالة من الصرامة ووضع مسافة اجرائية بين الناقد وخطابه، كونه ممارسة معرفية ذات رؤية فكرية – منهجية،وهو أمر لا يشترط في التعبير الادبي وفيما يخصني اجد مروري من الابداع الى النقد قد تم ضمن هذا التصور، فمازلت متصلا بلذة كبيرة بين الاثنين، وانتقالي من وجهة نظري- وليس من وجهة نظر الآخرين – ميسور بين الاثنين،وتغليب احدهما في فترة يزرع حنيناً

عذبا الى الآخر، واستلذ برواية منذ سنوات، فكأنني لا ارغب بان انتهي منها، وعلى وشك صدور مجموعة قصصية جديدة لي، الامر الذي يبرهن انني بدأت بالقصة وما زلت مفتونا بعالم السرد تعبيرا وتفكيرا وتحليلا.

vهذا يحيلنا إلى تساؤل عن عدم “ملاحقة وموازاه” الفعل النقدي للنص الابداعي. فالاخير يجهر بشكواه وغالباً تذمره من اهمال النقد، فكيف لنا ان نخلق معادلةابداعية مفيدة للثاني ومخلصة للأول ؟

v أشرت قبل قليل الى العلاقة بين الاثنين، على ان ذلك لا يلغي تمايزا في الوظيفة، وقد حدث ومنذ زمن بعيد سوء تفاهم بين الناقد والمبدع أدى إلى ما يعتبره البعض سوء فهم بين الإبداع والنقد ومن ناحيتي اجد ان الاعتقاد الشائع بأنه النقد ممارسة دعائية تقوم على هامش النص الأدبي، رسخ مع الزمن فهما خاطئا لوظيفته، فانقد ينهض بمهمة استخلاص الأنساق والقواعد التي تتحكم بالنصوص وبيان جمالياتها ونظمها الأسلوبية والبنائية والدلالية، وهو ينزل النصوص ضمن سياقاتها العامة ويستنطقها ضمن مرجعيات معينة، وله بعد ذلك ان يؤولها، وهكذا فالتبادل بين النص والنقد يتم على أرقى درجة من الرفعة والأهمية، لان كلا منهما يغذي الآخر بأسئلته الأساسية، أظن أن الشكوى التي أشرت إليها تخص المتابعات السريعة وهي ذات وظيفة اشهارية ولا تندرج ضمن مفهوم النقد، وغايتها تسويقية – دعائية للفت الانتباه إلى الكتب ولا ينبغي ان نحملها اكثر من ذلك، فالنقد الحقيقي يكون مخلصا لنفسه حينما يجعل من النص الأدبي موضوعا له، والنص يحقق ذاته حينما يدرج نفسه ضمن آفاق التفكير التي يشتقها النقد له، ثمة اختلاف في الوظيفة بين الاثنين.

vلكن الناقد لم يمنح اصلا تفويضا ولا حتى اجتماعيا من قبل الآخر، فعلى من يؤسس مرجعياته النقدية، اذا وضعنا حدا فاصلا بين الكتابة الابداعية بوصفها وحيا ذاتياً شديد الخصوصية والكتابة النقدية بوصفها فعلا تحليليا متسقا مع الوعي؟

v اسمح لي ان اقدر اولا ان التقويض الثقافي والاجتماعي لكل فاعل اجتماعي او ادبي سواء كان ناقدا او محللا اجتماعيا او مفكرا، هو تفويض ينتزع ولا يمنح، اقول ينتزع لان الناقد هو الذي يستشعر الحاجة الى الممارسة النقدية، وهذا لا يعني بحثا عن وجاهة ما، ولكن كما هو معروف فان الوجاهة كالقداسة تنتقل بسبب التجاوز، وعلى هذا فان كل فاعل حقيقي لا ينتظر من الآخرين ان يمنحوه دورا هم قادرون على الغائه وقتما يريدون، انه يوجد الدور اذا كانت له القدرة الحقيقية على استكشاف ضرورة ذلك الدور واهميته للتعبير عن حاجة حقيقية في الوسط الذي يمارس فيه فعله، وليس لتزييف حالة ما، ومن هنا فان النقد ظهر كحاجة معرفية، كما ظهر الابداع كحاجة نفسية وثقافية وتخيلية.. فالفكر التقليدي هو الذي يطرح سؤال المشروعية بمعناه المبسط لانه ينطلق من رؤية منقسمة ومزدوجة تقوم على افتراض ان العالم يترك من ثنائيات ضدية، والواقع فان الظواهر الفكرية والنقدية والابداعية انما هي نسيج موحد شديدي التركيب تظهر له وجوه عدة كالاطياف المتداخلة ولا ينبغي اختزالها الى ثنائيات متضادة، وكما ترى فان هذا الرأي لن يقر بالتعارض الذي جاء بالسؤال لانه في الاصل يتجاوزه الى منطقة اخرى حيث تتلون فيها اشكال التعبير سواء كانت ادبية او نقدية طبقا لمقتضيات معينة تفترضها ليس حالة التعبير انما ضرورة ذلك التعبير.

v ثمة ما يشبه “الاتهام ” يشير الى ان نتاجك يتخلى غالبا عن تناول النص الابداعي العراقي، ويميل لغيره..كيف ترد على هذا القول؟

v هذا اتهام لو صح ما رددت عليه، لان المشروع النقدي الذي اعمل في اطاره والذي يعنى بالانظمة السردية، غايته استخلاص الانساق البنائية والدلالية للسرد العربي القديم والحديث دون تغليب الخصوصيات الجغرافية، لان الهدف متصل بضرورة منهجية ومعرفية تريد استكشاف قواعد السرد العربي واساليبه وابنيته ودلالاته، وهكذا فان المشروع بحد ذاته يحول دون الانصراف الى نصوص تظهر في هذا البلد او ذاك، ورغم هذا،فلم استطع ابدا ان اتجنب، وبخاصة في الكتب الاولى، اهتمامي المباشر بالنصوص الروائية والقصصية العراقية، فكتابي الاول عن الرواية العراقية والثاني عن القصة والرواية العراقية، ومع مرور الزمن واتساع المشروع. اصبحت النصوص العراقية جزءا اندرج في الاهتمام العام، وقد كتبت عن معظم الروائيين والقصاصين العراقيين مثل محمد خضير ومحمود جنداري وجليل القيسي ولطفية الدليمي واحمد خلف وعبدالخالق الركابي وغازي العبادي وعبدالرحمن مجيد الربيعي وسليم مطر كامل وابتسام عبدالله وغيرهم، ويتضمن كتابي الجديد تحليلات استقصائية لإبراز الروائيين العرب في العراق وسوريا وتونس والمغرب والاردن ومصر والسودان وفلسطين ودول الخليج العربي ولبنان والجزائر وغيرها، لأنني اتعامل مع مدونة سردية واسعة جدا ومعقدة لانها تغطي حقبة قرن كامل. ولهذا فان هذه التهمة الجميلة لا تغضبني لان مستنداتها غير صحيحة، ولا افضح سرا حينما اقول ان النص الادبي هو الوحيد الذي يفرض نفسه عليّ، وهو الوحيد الذي يجعلني اتفاعل معه تفاعلا نقديا، ولم اشعر ابدا في يوم ما انني انجز الى ما يخالف تصوراتي النقدية التي يقوم كل نص جديد وجيد باستفزازها،فاسعى لتعميقها، كان اصدقائي الكتاب يغيبون دائما، ولا اجد وثائق ابداعية اتعامل معها الا نصوصهم.

vمنذ سنوات وأنت على تماس مباشر بالمشهد الثقافي في المغرب العربي، وهو ما يدفعنا لتكرار السؤال عن خصوصية الخطاب النقدي في المغرب العربي المتميز اصلا من الخطاب المشرقي، فإلى أي حد يتعامل هذا الخطاب مع نصه المحلي،وهل فعلا يقوم بعكس المرجعيات الغربية على واقعة العربي؟

v سؤالك يشير الى تمايز بين الخطابين النقديين المشرقي والمغربي، وانا اراه تنوعا وليس اختلافا آخذا في الاعتبار المؤثرات الفرانكفونية في الخطاب المغربي والانجلوساكسونية في الخطاب المشرقي، وعلى العموم فالحركة النقدية في المغرب، وخاصة المغرب الاقصى غاية في الاهمية وهي حركة مهمة في النقد العربي الحديث، وقد تخلصت الى حد كبير من حالة الدهشة بالمؤثرات الفرنسية. وبدأت تقدم نماذج لها أهمية خاصة، وفي البداية حصل الامر الطريف الآتي: تطبيق متعسف لآليات منهجية انتجتها الثقافة الفرنسية على نصوص ادبية مشرقية، وهو ما مارسه كثير من النقاد في بداياتهم، لكنهم انتقلوا في مرحلة ثانية الى تمثل المؤثرات المنهجية والافادة منها في تحليل نصوص مغربية، وهو أمر تابعه بخاصة في المغرب وتونس. اعول على التجربة المغربية لانها تترتب ضمن مجتمع شبه مدني يسعى لإعطاء المؤسسة الجامعية والثقافية دورها المستقل بعيدا عن اللآيديولوجيات الجاهزة، وهو أمر اتمنى لو يحتذى

شاهد أيضاً

عبد الوهّاب الملوّح: الكتابة هي محو البياض وبياض المحو، وكتاباتي لا تتصنف
حوارٌ أجراهُ: خالد ديريك

الملوّح: الترجمة هي امتطاء أحصنة غير مروضة والركض بها في أراض وعرة لإيصال رسالة منذ …

مقابلة مع أدغار موران حول الأزمة الصحية العالمية
ترجمة د زهير الخويلدي

“هذه الأزمة تدفعنا إلى التساؤل عن أسلوب حياتنا ، وعن احتياجاتنا الحقيقية المتوارية خلف أشكال …

إدغار موران:”تمثِّل فترة مابعد الوباء مغامرة يكتنفها الغموض”
ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم : في حوار مع جريدة لوموند،اعتبر الفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران، بأن السباق نحو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *