نافع الفرطوسي : أفراس الأعوام.. حكاية الخيبات المتتالية والتاريخ المكرر!

nafea alfartosizaid alshaheedلا أتفق مع من وصف رواية الأديب زيد الشهيد (أفراس الأعوام) بالتاريخية، برغم إنها توثق لمراحل مفصلية من سيرة مدينة صغيرة تقع على حافة الصحراء تدعى ( السماوة ) وتجزل لها مساحة واسعة من السرد في حكي يومياتها منذ أواخر الحرب العالمية الأولى ان صح التعبير (منذ العام  1917) ولغاية سقوط الجمهورية الأولى بإعدام الزعيم عبد الكريم قاسم صبيحة الثامن من شباط فبراير 1963.
وزيد الشهيد أستجمع شهاداته عن هذه المدينة بأمانة موضوعية وتاريخية كرمزٍ مصغر لما يحدث في عموم البلد (العراق) ببناء سردي متماسك ، ساخطاً وناقماً على حقبة تناهز الأربعة قرون قضاها العراقيون تحت ربقة التخلف ونير الإذلال والاستعباد العثماني (التركي)بذريعة مضحكة ومبكية في آن، هي برقع الخلافة الإسلامية التي يتشدق بها سلاطين وولاة (العصملية)ليمسكوا لجام معظم البلدان العربية ويثقلوا كواهل شعوبها بفواتير طويلة من الضرائب والأحكام الجائرة واستلاب خصوصية هذه الشعوب ونهب مقدرات بلدانها، فضلا عن جبال من التعسف والإهمال الذي ولّد أمراضاً وعادات بالية ودياجير من الظلمة الحالكة جعل العراقيين وأشقاءهم في البلدان الأخرى يعيشون عصور الانحطاط بكل معانيها…كما سخط المؤلف على لسان (وارد السلمان مثلاً)من العوام الذين يرفضون الحضارة والمدنية التي يمكن ان يجلبها الانكليز معهم متشبثين بماضي العثمانيين الذي لم يجلب الا الويلات والخراب .. وبدلا من التعاون مع المحررين الجدد ونصرتهم يصوب الغوغاء فوهات بنادقهم نحوهم ويحولوا (الكرين فلاي) الى مذابح حقيقية وانهار من الدماء…
نعود الى الرواية التي رسمها زيد الشهيد بفرشاة فنان وإتقان أديب مرهف الإحساس، وهي تقع بـ (320) صفحة من القطع المتوسط بطبعتها الأولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت العام 2012..وتنقسم الى ثلاثة فصول يشتمل الاول على (8)مقاطع (سكشنات) سردية، فيما يحوي الفصل الثاني (10)مقاطع وعشرة أخرى للفصل الثالث والأخير ..  متوجة بغلاف تحتله بالكامل لوحة للفنان العالمي رائد السوريالية الحديثة سلفادور دالي.
بطل الرواية هو جعفر الشاب البسيط ذو الرؤى والطموحات الوطنية الكبيرة لبلده ومدينته ، أبن القمّاش (حسن درجال) الذي يمتلك محلاً في سوق السماوة ..يقع في حب (وهيبة) ابنة الموظف الحكومي القادم من ديالى وتبادله وهيبة الحب .. لكن الراوي تعمد ان  يمايز بين الحبيبين بسلسلة من الفوارق الطبقية والمذهبية بل انه وضع نهر الفرات كحدٍ فاصل بين الاثنين كدلالة لاستحالة التوحد المحتمل بينهما ، فالفتى يسكن الصوب الكبير والفتاة تسكن القشلة في الصوب الصغير.. وهي ابنة افندي يعتمر السدارة وهو من عائلة تعتمر العقال والكوفية وترتدي الصاية  والعباءة.. وحينما صارح جعفر والدته برغبته التقدم لوهيبة للزواج منها، سخرت منه ورجته بعدم التطلع الى فوق ونسيان الأمر برمته لأن هذا الزواج ولد ميتاً في مهده وهو لن يتحقق أبداً ولا مناص له من البحث عن فتاة من طبقته (طينته ) ومن محيطه الاجتماعي والديني ..في إشارة لضخامة واستحالة تحقق فكرة الحب والزواج بين الحبيبين في هذه الرواية…بل ان الراوي أوغل أكثر بتفريق جعفر عن وهيبة وحرمانهما من اية فرصة أخرى للقاء، حتى بعد عشرات السنين برغم ايجاد فرصة ممتازة عبر تواجد جعفر وعبد الكريم شوكت (والد وهيبة) في حزب واحد لكن عبر مدينتين مختلفتين!.. لكن سرعان ما كفّر الراوي عن هذا الذنب بإيجاد الضابط (طارق) في نهاية الرواية ليكشف لجعفر الذي بلغ الستين من عمره انه ابن وهيبة التي سلمت ابنها ورقة تخطيطية تمثلها رسمتها فرشاة جعفر أثناء فورة حبهما مطالبة إياه بتسليمها لجعفر كوصيتها قبل وفاتها…وليؤكد جعفر لطارق انه بمثابة والده.
واذا كان الراوي قد حرم البطل من حبيبته فقد عوضه بظهور مفاجيء لـ (بهية) الغانية التي تعمل في التياترو وتعشق جعفراً ليمارس معها نزقه وطيش شبابه برغم تأنيب طيف وهيبة الغائبة.. لكن سرعان ما تختفي بهية نهائياً من الرواية مثلما اختفى عدد آخر من شخوصها بالموت أو الأمراض أو القتل والاغتيال…
وما دمنا بصدد هذه العلاقات الصادمة والمصائر الجارحة للذات الإنسانية فأننا نكتشف انها رواية إنسانية بالدرجة الأولى تسرد بشغف تهاويم وخبايا الروح لعديد شخوصها.. من حب وحقد وشغف وجشع وانتهازية ومكر ونفاق ..الخ..
وتوثق الرواية لجانب من كفاحات الأحزاب الوطنية وصراعها المرير مع حكومات السلطة المتتالية وما لاقته من عنت واضطهاد من الحكام لمجرد تصادم الأهداف واختلاف المصالح وتجرد الرؤية… لكن السرد بهذا المضمون لم يختل بعرض الحقائق التاريخية المجردة على حساب اللغة النثرية الجزلة ، الأمر الذي يحسب للمؤلف انتقاءه بعناية وحذق، مهارة سكب عباراته وجمله بقالب مشوق وممتع ولاسيما في الفصل الأخير من الرواية.. إذا استهل فصلها الأول وأجزاء من الفصل الثاني بسرد سلس وميسر (دون تكلف )أو كبير عناية ببهرجات زخرفية أو بلاغية كان من الممكن ان تبعد المتلقي عن صلب الموضوع.. فيما عاود المؤلف الحنين الى لغته الشعرية في فصلها الثالث…وفي كل الأحوال نرى ان زيد الشهيد لم يحمّل هذه الرواية فوق طاقتها من اللغة النخبوية الصعبة والمكثفة التي عشنا جانباً منها في روايته (سبت يا ثلاثاء) مما جعله يتماهى نجاحاً مضافاً.
لقد كشف الشهيد في (أفراس الاعوام) جوانب كالحة من ازدواجية الشخصية لدى عوام الناس ويأسه التام من محاولة تبصيرهم وتنوير مخيلتهم التي نخر بها سوس الجهل والتخلف، فمن نهبهم للممتلكات العامة واتلافها بشكل عبثي والتي لم تسلم منها حتى دور موظفي الدولة ومقرات الأحزاب الوطنية نهاراً جهاراً..( والغريب ان النهب سلوك تكرر في مراحل تاريخية لاحقة ولغاية الاحتلال الأمريكي عام 2003)..الى حالات الانتقام والثأر وسفك الدماء بين شقي المدينة (الشرقي والغربي)..لكن سلوك سكنة القشلة (الصوب الصغير من السماوة ) لم يكن واضحاً باستثناء إقدام الأماميين على جلب الكهرباء وبناء السينما وما شابه من المعطيات الحضارية لمدينة طبعت على البداوة وجبلت بصفات الغلظة والجلافة.. وكي يعزز الراوي هذه الأحداث أبرز الى الواجهة شخصية الشيخين (فارض العلوان وجابر الدخيل)ومع كل التناقض والتناحر بين الاثنين، فقد كانا يتحدان لمجابهة الخطر الخارجي المتمثل بغزوات الوهابية على تخوم سور المدينة فيهبان مع رجالهما لصد الغازي ويدحرانه متحدين.. ليعودا بعد ذلك الى خلافهما الازلي المستعرً.. ويعرّج الراوي على موالاة أحدهما للمحتل البريطاني لنيل الحظوة والمغانم ليتقهقر دور غريمه الذي ظل صابراً لحين انسحاب الانكليز وتوليه مزاعم مقاومتهم والركون لجانب المرجعيات الدينية التي كانت تناهضهم…وهذه الحكاية تماثل ما مر بالعراق أثناء الغزو الأمريكي للعراق العام 2003 حيث قاوم هذا الغزو فئة من الشعب كان الحاكم الديكتاتور يتهمه بالعمالة والخيانة، فيما هادنت المحتل وسلمته مفاتيح المدن دون قتال فئة ثانية كانت مقربة من الحاكم وتتمتع بميزاته وعطاياه.. فالتاريخ يعيد إنتاج نفسه بالمعطيات ذاتها ولكن بأثواب وأردية مختلفة لا غير…
وحين سأم جعفر هذه التناقضات وأراد ان ينأى بنفسه بعيداً صوب النقاء والصفاء منحه المؤلف فرصة خيالية لا تخطر ببال أحد، حيث فسح أمامه طريق الصحراء كي يتنفس هواءً جديداً بلا زيف ولا نفاق.. وهذا الأمر يذكرني بالمستشرق الياباني ( نوتاهارا )الذي ضجر من الحضارة المدينية العربية وتناقضاتها الفاضحة بعد ان قضى أربعين عاماً في تعلم العربية ومعايشة مدنها وترجمة خيرة أدبائها، فعمد الى حياة البداوة والصحراء ليكتشف أشياء جديدة أكثر وضوحا ورسوخاً.
لكن جعفراً لم يكن نوتاهارا فقد عاد مسرعاً بعد مرضه المميت الى بلدته السماوة ليكمل مشاهدة سلسلة الفواجع الدامية المعروفة.. بعد ان كانت السماوة تشهد حشداً من الناس من سائر الأديان والمذاهب (مما يرجح فكرة جعل السماوة انموذجاً مصغراً لمجتمع أوسع هو العراق بأكمله)،فمن عائلة ساسون اليهودي الى صديقه إلياس المسيحي الموصلي، الى قصة ( شاكر حسان)المسلم الذي ضحى بحياته لحماية منزل جاره اليهودي من نهب الجيش إبان غلواء طرد اليهود من العراق ونهب ممتلكاتهم.
وقد أراد المؤلف ان يكون شاكر حسان ووارد السلمان صنوان لكونهما مثقفان ومتفتحان ويجيدان قراءة المنشورات المناهضة للعثمانيين ويمتازان بحسهما الوطني الواعي، لكن الوقائع أثبتت رجاحة كف السلمان على حسان حيث ظهر الأول مناضلا يقود المسيرات ويعتقل ويتلقى رصاصات الرجعيين فيما كان ظهور الثاني أخف وأقل اهمية..
لقد عالج زيد الشهيد وقائع حقيقية بأسماء حقيقية تارة، واستعار أسماء رمزية لوقائع أخرى ملتزماً الكثير من الصدقية برغم انه ليس ملزماً بذلك في فن يعتمد المخيال وخلق الشخصيات واصطياد الفكرة والحبكة.. لكن الخليط الذي بهرنا منذ الصفحات الأولى ظل يسايرنا ويجول في خاطرنا حتى نهاية القصة، لكن ثمة شخصيات لم تكن بمستوى ما كان مأمولاً منها، وحشرت قسراً في سطور الرواية، كشخصية (غفّار)عامل الحمام ..وشاكر حسان صديق وارد الذي خرج فجأة من بيئة السماوة الى بيئة الكرادة ببغداد ليثرى سريعاً ومن ثم يقتل للحيلولة دون نهب دار جاره اليهودي…كما ان اسم جميل ابن جعفر ورد احياناً بـ (جمال)..وأحياناً (جميل).
(أفراس الأعوام)هي إذن سيرة الإنسان المستلب المأزوم والمحروم من تحقيق أدنى طموحاته في بلدٍ لم يعرف سوى الويلات والحروب المتعاقبة ..إنها رواية الأمل وفقدان الأمل.. الخير والرداءة ..الحب والخيبة.. رواية تدين وتعرّي الماضي والحاضر، ما داما متماثلين في الكثير من معطياتهما.. أما الصراع فظل متواتراً لغاية الصفحة الأخيرة من الرواية.. التي أرى إنها تبشر بنوع جديد يمكن تسميته بالرواية العراقية الملحمية، التي شهدنا ما يماثلها في أدب نجيب محفوظ عبر (الحرافيش) ولو بشكلٍ مغاير..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.