عبد العزيز لازم : قصة ” تل حرمل “.. التناسج بين الزمن الروائي وزمن الحكي

abdulaziz lazim 4PENTAX DIGITAL CAMERAتتميز أعمال الروائي والقاص حميد الربيعي السردية بالاستقلال النسبي عن بعضها. نقول بصفة الاستقلال لان كل عمل منها ينحصر داخل بناءه الحكائي بكل التباساته دون الالتفات الى  ما يعكر الخط البنائي للسرد الذي يتحدد داخل الشغل الثيمي الخاص بالعمل . ونقول بالنسبي لان هذا الاستقلال لا يعدم الابقاء على خط او خطوط نسغية لانجاز استعارات شفافة من الاعمال الاخرى المنجزة من قبل الكاتب . بل ان هذه الاستعارات تتمدد لتشمل الاغتراف من مصادر الحكاية الشعبية والاسطورة التاريخية وحكايات الراهن التاريخي . لكن المسألة لا تتعلق بمجرد الاستعارة او الاغتراف من هذه المصادر الشاسعة لتحقيق الإغناء الكافي للمشكل الحكائي في العمل السردي ، فالكاتب يبدأ رحلة شاقة تقترب من قطع الانفاس لأكتشاف الخارطة المناسبة لتنفيذ التنقيبات ليس حول حقائق العمل المحدد فقط بل لفتح اردية اخرى عن حقائق متفرعة عن الحقائق الاولى . ولكن الى هذا الحد نستطيع إطلاق لقب  “صانع الخرائط ” على المبدع ، والى هذا الحد ايضا نستطيع رؤية وجه المبدع وكامل مظهره وقد تعفر بتراب الشغل ليواصل رحلة خطرة عبر تضاريس صخرية وعرة من اجل قضيته الفنية .
تبدأ قصة ” تل حرمل” باستهلال عسير يقصد منه توطين المتلقي على سقف من العتمة بالغاء السماء والاستعاضة عنها بغمامة كثيفة من الضباب ، ثم يهبط الى الارض ليبيد النخل وكل ما هو اخضر على ارضها  التي سيدور على أديمها حراك يشبه حراك الحمم. وقد حافظت القصة على اجواء العتمة مع مسيرة الضباب الذي رافق جميع الاحداث الماساوية . ولنلاحظ ايضا ان حراك الوصف بين السماء والارض ينبؤنا بان السرد سيتحرك في اجواء ملحمية . ان هذا الاستهلال جعل مهمة الكاتب في تصوير السيرورة السردية للاحداث اعتمادا على المخزون التاريخي والاسطوري تجري بيسر في اجواء من الضجيج المشروع . وجعل ممكنا ادارة الحبكة حول ثيمة يتكرر مقالها في المنعطفات الحادة  مفادها ” ملعون الكلب الذي يجرح القطيع ” . إن هذه الثيمة تحمل راهنها بقدر ما تحمل  ماضيها ومستقبلها ، فالرعاة في بلاد الرافدين كانو ينامون حيث يبقى كلب القطيع يقظا او نائما بنصف عين ,وامانته في حماية قطيعه لايختلف حولها حتى الذئاب ، فهي خط احمر . لكن حينما تتبدل المعادلة كما يحصل عند ظهور الحاكم المستبد ( الزمن الراهن ) باعتباره مكلفا بحماية مجموعته السكانية تحل اللعنة عليه، رغم افتراض وجود إرث الأمانة ،  هذا مع افتراض ان دور الكلب في الظاهر هنا قد تمت استعارته من الراعي نفسه لأن مهمة حماية القطيع هي من واجب الراعي بالاساس اما الكلب فهو المساعد الامين له في مهمته . لكن السرد اراد تكثيف الماساة عبر الاطاحة ببعض الثوابت فارتقى الى حقيقة لايختلف فيها اثنان هي ان الكلب بطبيعته هو اكثر امانة من الراعي لأنه لايمتلك مصالح كالتي قد تتحكم بالراعي . مع ذلك قام كلب ” تل حرمل ” بجرح قطيعه ليؤسسس ذروة كبرى في خيانة التقليد الازلي  . وتتمثل شخصية “الملعون” في تل حرمل هذا الدور . فالكاتب اطلق عليه لقبا ولم يمنحه اسما ، كذلك شخصيات رئيسية اخرى مثل ” العجوز ” و “الفتاة” او “الشابة ” قاصدا منح عمله القدرة على الامتداد في الزمن ، وهذا يساعد على التعامل مع الاسطورة التي تمثلتها الاحداث الراهنة . فالعجوز هي وريثة من سبقها في قيادة المجاميع السكانية عبر التاثير الروحي والوجداني وكانت تمتطي ظهر تمثال الاسد لتظهر هيمنتها على القوى الطبيعية وحرصها على تأكيد وراثتها لمن صنع التمثال ومدلولاته  . وعندما تموت أُريد من عظامها أن تكون سماداَ للأرض , لكن عندما ورثتها ابنتها الشابة عبث بها “الملعون” فتكاثف الضباب بحركة رمزية ليلف الاجواء ويزيدها قتامة . لقد شغل حميد الربيعي في عنصري الزمان والمكان بمايناسب اطروحته متمكنا من ربط الزمن الروائي بالزمن الحقيقي . فالمتلقي يدرك تأثير عمل الجنود بأحذيتهم الثقيلة الخشنة في أديم المكان المجاور لقناة الجيش في إشارة إلى العصر الراهن حيث ساد فيه البطش الدموي وعبث الحروب بحياة الإنسان والأرض  ويدرك أيضا لماذا اختار الكاتب منطقة “تل حرمل” الاثرية ميدانا للأحداث السردية حيث تراكمت بؤر معرفية أسست لصراع بطولي شنه الإنسان للسيطرة على الطبيعة وتسخير معارفه المكتسبة لخدمة قضايا الحضارة الإنسانية بما يعزز التطور المادي والروحي للإنسان . لكننا نعتقد ان الكاتب قد تعامل مع الموقع الاثري بشيء من التعسف ارتباطا بحقائقه التاريخية . فقد تضمنت الحكاية تصورا حول سبب ارتفاع التل على اساس سببين هما ضغط المسير العسكري الذي مارسه جنود الطاغية وثقل  أحذيتهم العسكرية من جانب ومن جانب آخر نشاط السكان في استخدام الطين الصالح للبناء بعد استخراجه من الموقع مما سبب بروز التل كما يقول السرد على حساب انخفاض الأرض المحيطة به . إن هذا التصرف من قبل الكاتب يطرح قضية لا زالت موضوعا للنقاش عالميا حول المدى الذي يحق للروائي فيه أن يتصرف بالحقائق التاريخية . لان الثابت تاريخيا هو ان ارتفاع التل حصل نتيجة لتراكم بناء المدن الجديدة في مختلف العصور التاريخية مما يدلل على ان هذا المكان كان موطنا لحضارات سالفة ازدهرت في بلاد الرافدين . فتكرار بناء المدن هو الذي سبب ارتفاع التل . لكن الكاتب أراد إحداث نمط من التكثيف لتداعيات الثيمة و خلق المزيد من الأجواء المأساوية وصولا إلى صنع مقومات الإدانة المرّة لكل الأعمال التي تستهدف تخريب المنجزات الحضارية  للإنسان وإلغائها خاصة وان هذه الجهود قد ارتبطت باضطهاد الإنسان ، صانع الحضارة نفسه .
إن الطابع الشامل لقصة ” تل حرمل” يجعلها قادرة على التمدد لتصبح رواية . ولكن هذا لا يجيز لنا التعامل معها بغير كونها قصة قصيرة حداثية قائمة على الكثير من التجريب ، فالزمان والمكان وهما أهم عنصرين في القص القصير قد تحركا بما يخدم البناء السردي بأكبر قدر من الإحكام  . وقد خدمت المرونة الفائقة في الانتقال الزمكاني بين الزمن الروائي وزمن ألحكي وكذا الحركة الروحية للمكان رغم ثباته ، في تأسيس بناء ملحمي ذي إشعاع معرفي يتخطى حدود النص السردي . كما إن البؤر الدرامية التي انبعثت من ثنايا ” الملعون” والعجوز ” والفتاة” وتفرعاتهم تجعل من الممكن العبور إلى مساحات كائنة خارج حدود الخطاب السردي للعمل ، وتجعل من السرد باعتباره كائنا مستقلا وعاءا حاضنا لمكنونات تحتفظ بحرارة خلاقة  قادرة على إعادة الاعتبار لحقائق قد تتعرض للنسيان .

شاهد أيضاً

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

شكيب كاظم: كانا يغيّران في قصيدهما أبو عبادة البحتري ونظيره أبو فرات الجواهري

وأنا أقرأ الكتاب النقدي المهم، ككل النتاجات النقدية والمعرفية للدكتور عبد الله محمد الغذامي، الموسوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *