د.سليمة سلطان نور: يوسف الصائغ… غواية نقطة الصفر

الحلقة الثانية

slema_sltanمن وضع المرآة على الحائط ؟ من صلبها بمسامير ، وقتل روحها فهي كل شيء؟

دسست وجهي في المرآة بقرتُها فما أجهضتني. القصائد : 462 .

بـ ( دسست وجهي ) يحل محل المرآة المصلوبة نفسها ليتقمصها ، وبقرتها التي رادفت الحبس في عالم المرآة ، وهي محاولة للانعتاق مما تعكسه مرآته التي شرخها ، لقد قدمها لنا امرأة بكل ما تحمله دلالة المرأة من معاني ، على وفق رؤيا غرائبية كونها حامل به .

أين أنا ؟ أيتها المرآة ، من أنا ؟ هل تعرفينني ؟ القصائد : 462 .

ابرز ما اتسمت به هذه القصيدة كان حالة الانشداه وعلامات تساؤل غصت بها القصيدة للحد الذي طبعت فيه الكون الشعري بالكامل ، كانت عبارة عن تساؤلات تراوحت بين هذيان مرّ ومنطق يبحث عن فلسفة ملائمة للإجابة .

متى حبلت أيها البغي ، ومن قذف في أحشائك هذا المسخ ؟

عيناه باردتان كقطبين ، تافهتان كبصقة على رجل . القصائد : 462 .

لنعد لان إلى الوراء قليلا ( عيناه باردتان كالوحدة ) التي وصف بها المسيح المعلق فوق رأسه في مشهد سابق من القصيدة ، وكأننا الآن نفسر الوحدة التي كان فيها السيد المسيح الذي صلبته والدته فوق رأسه في غرفته الموصدة ، لنلمس سطوة هذه الأم عليه ، وندرك انه تقمص شخص ( المسيح )( عليه الصلاة والسلام ) هنا ، ويستشعر آلامه فهو حبيس المرآة / الأم ( التي صلبت المسيح من قبل وعلقته ) ، فحاول أن يتخلص من سطوتها من خلال الاحتجاج وتعمد اهانتها وتجريحها – اقصد المرآة – ، وإنكار أن يكون هذا الوجه له ، وهو صاحبه .

مجنونة أنت فما هذا وجهي ، من أية مقبرة جاءني هذا الشحوب ؟

منخراي كمدخنتي سفينة وأنفاسي تتكاثف دخانا

تكذبين آيتها المرآة تكذبين

سأحطمك سأسحقك ، فأنت زجاجة !

سأحطمك من يدري بجريمتي

سأبتلع كالمسعور شظاياك . ص463.

هذا الغضب والسخط كان تمهيدا لحالة من الانعتاق والتغيير ستمر بالشخصية المحورية في النص ، وبروز حالة من الصحو والإفاقة من الخدر والأفيون ، ليظهر موقفها من ثنائية الإله / الشيطان . وسنلاحظ النزعة الوجودية الصرفة التي ستؤدي بنا في ختام القصيدة إلى نبذ هذه الثنائية بالكامل ، حين يمهد لها الفعل بإرادة يتمناها ، ولكن من هذا الذي سيمنحه إراداته .

أريد !

من يبيعني إرادة ؟ من يضعها في قبضتي فتتصلب ؟ من يشد بها فمي فأقهقه كمليون شيطان ؟

أنا ضعيف كحصان هرم ، وإرادتي بعتها للكهنة فسدوا بها مقبرتي القصائد : 471

هنا مازال رهين هذه الثنائية وهو يمنح صفة القدرة على الضحك ومايرمز إليه من سعادة أو سطوة وقدرة وتعبير عن ارتياح للشياطين ، بينما يسلبها من أتباع الإله ، حين يشبه نفسه بتابع للكهنة ممثلي الإله الذين سلبوه إرادته ، وبعد هذا المجتزأ نجد ان إرادته قد أصبحت أكثر وضوحا لتبدو معالمها جلية الآن فيتابع ، وكأنه بهذا يمهد للقارئ الوصول من الفوضى إلى النظام . فليس ثمة حقائق موضوعية في الفن. بل ثمة حقائق فنية، وربما الأصح أن نقول إن ثمة ظواهر فنية. فالفن ينتج ظواهر، كما أنه يحيا على الظواهر، حسبما يقول هيغل[18]

من يهبني إرادة كالوجود ؟ من يعلمني ماذا أريد ؟وسأقتلع الهملايا من مهدها ، وسأطعمها للأغوار .

أريد !

من يسقيني الإرادة ؟ لأعود طفلا من جديد وانشأ ثانية كعفريت ،فابني لي مملكة مجنونة ، مملكة لاتبكي فيها العيون ..

أريد أنا مجنون فصدقوني ، وأتمنى لو صبغت العالم بالحنان ، واعزف لهم بقيثارتي ، وأسحرهم فلا يموتون القصائد : 471

أين إذن قدرة الإله والشيطان ، هانحن نجده يسأل عمن يمنحه الإرادة ، وسنعرف في ختام القصيدة ، من أين استمد إرادته ، وبالرغم من نزعة الموت والتشاؤم والخواء والخراب بصورة صارخة في هذه المطولة([19]) ، إلا انه مما يلفت النظر أن الشاعر في هذه القصيدة بالذات كان قد قرن الموت بلحظات الهذيان والهلوسة ، وقرن الحياة بالصحوة من الأفيون والتيقظ مما يدل على أن رغبته في الحياة حقيقية ، أما الموت فهو هوس وهذيان ليس إلا ، فنراه يتمنى إرادة يمنع بها موت الآخرين أيضا وليس موته هو حسب ، حين تمنى أن يكون مثل ( أورفيوس ) عازف القيثارة البارع في الأساطير اليونانية ، الذي استرجع زوجته الحبيبة (يورديكا) من عالم الموت[20] .

ولكن ماحصل انه تخلص من الثنائية بالكامل ، وتصرف بوجودية صارخة وصارمة حتى وهو يصلي للإله ليبارك الزوجة والزرع ؛ وذلك عندما يقرن الخلق الضيعف للشيطان والقدرة والعطف للإله فيقول .

– من خلقك من التواضع ؟ أي شيطان جعلك ضعيفة ؟ القصائد : 471 .

أحلامي زرعتها في ألف فدان ، وسورت ارض بصلاتي . سنحرسها انا وامرأتي وكلبي .

سأصلي لها لكي تحبل ، وسأصلي فيرحمها المطر . القصائد : 472 .

وعلى الرغم من ماتحتمله فـ ( يرحمها المطر ) من دلالة قد تقود إلى السؤال عن مدى صحة هذه الفكرة ، رحمة المطر هذه التي يصلي من اجلها ، إلا ان من الجلي ان الصلاة هنا تقترن بالإله .

ونراه في المقاطع الأخيرة يقلب كل المعادلة في النص ، ليرفض الموت والصلب الذي فرض عليه ليتخلص من كل مايحيط به ، ويقدم لنا بعد ذلك صورة مغرقة في الغرابة إلى حد الدهشة ، حين يعرض مشهد الأم التي ترغب بموته .

– أيتها المرأة كيف مات ابنك ؟ كيف مات ؟ كان كالصبح وكانت عيناه تنبضان بالحياة

– لبست الحداد على ولدي … دفن ولدي نفسه بالسرير ، فذابت إثره أحشائي ،

– حي أنا يا أماه ، حي كنبضات المحبة ، ولكني غفوت قليلا رويدا ،

فأيقظني نواحك ، القصائد : 473 .

وهو حين يستيقظ من غفوته المقلقة التي بدت كالموت ، لم يبدُ ان والدته كانت ترغب استيقاظه منها ، وتريد إكمال طقوس الموت التي أعدتها له .

جاء الجيران والمعزون يملأون البيت ، والنجار احضر التابوت لمن اشتريت حدادي.

– حي أنا يا أماه ، وحليبك لايزال في عروقي يا مرضعتي

– حبيبي حرقنا البخور ، ونثرت النادبات الشعور ، لقد حفرنا قبرا

– أنا هنا يا أمي ، أنا هنا أقوى من الفناء ، أقوى من حدادك المفجوع

– ولدي هصرت عيوني ، لمن أعددت الدموع ؟ وخطيبتك رسمت شفتيها ، والناس في الدار عابسون ،

– سأحلق لحيتي وأتعطر ، وسأستحم بالشمس ، يلفني الضياء ، فلا اخجل ، سأطرد جميع المعزين وابحث لي عن حبيبة ،

وتستمر الأم بطلب الموت وهو يصر على الرفض .

– ولدي لا تخجلني ، لا تخجل شيخوختي ، حبيبي لا تصمني أمام الجيران القصائد : 473 .

وكيف يمكن أن تخجلها حياته وتصمها بالعار ؟ ذلك لأنها كانت تريد منه أن يغير قيمه ومبادئه التي تعدها وصمة في نظرها ، مع انه ذكر أنها موت إلا انه من الغريب أن تراها هي موت أيضا على الرغم من عدم ايمانها بمعتقداته ، ربما لأنها تدرك ان هذه القيم هي كل حياته وان التخلي عنها موت .

– أنا هنا يا أماه ، لقد ولدت من العدم ، ويد مباركة أيقظتني

– مت لأجلي يا حبيبي استحلفك بالأمومة ، وبكل دمعة ذرفتها لأجلك

– حياتي تفور كبركان وإرادتي تتفتح كالعنفوان ، لن أموت يا أمي . القصائد : 473 .

وعندما يصل إلى هذا المجتزأ من النص يكون قد تخلص من فكرة الثنائية بالكامل ، ليعبر لنا عن فكر وجودي محض ، ومن هذا الكون الشعري بالذات والفكرة الوجودية البحتة يمكن أن نعلل التسمية التي أطلقها النقاد عن هذه القصيدة حين قالوا أنها القصيدة التي سممت أجواء الشعر العربي [21]

انعكاس الإله / الشيطان في مرايا الذات

سنقلب المعادلة والآن ، لنعيد تقييم ثنائية الإله الشيطان في منظور الذات ، لو عدنا إلى النص لوجدنا انه ذكر كلمة الإله ليقدمها وفق دلالة معينة خاصة تختلف عن باقي الدلالات الخاصة بالإله المعبود .

أيّ إلهٍ طردكم من الجنة ؟ القصائد : 451 .

قطعوا آذانهم ، وشيطان استل من فمهم ألسنتهم . القصائد : 451 .

في هذا المشهد جعل الطرد من أحكام شرعها الإله ، والقطع وهي عملية تنفيذية من فعل الشياطين ، وما يسترعي الانتباه انه قرن الإله وضمن سياق نصي بشخصيات أخرى غير الشيطان ، ولكن الارتباط الوثيق بين هذه الثنائية لنجد انه يقرنه بالكاهن .

سيعتصر الجبار هذه الزرقة

وستسقط قطرات في أفواهنا

هكذا قال الكاهن ،

وهكذا سمعنا في المعبد ، القصائد : 454 .

ليكون الكاهن هو الناطق الرسمي باسم الإله ، أو يقرنها بالملك والأمير .

– الباب موصد ، كيف خرجت ؟ وكيف عدت ولم تأكلني الجحيم أنا في الغرفة ملك ، أنا إله ما حبلت بي أنثى !

تاجي يمتلكني ، وعجلاته تسير في كل سماء.

– معتوه أنت فمن يصغي إليك ؟ حتى أذناك لا تفهمان ما تقول . القصائد : 469 .

والمحير انه يقرن نفسه بإله ابن أنثى ، وهي فكرة تنسجم مع الفكر المسيحي للشاعر ليكون إلها لم تحبل به أنثى ، نجد انه سبق وشبه نفسه بالمسيح ابن الإنسان في مشهد الصلب في غرفته المظلمة الكئيبة ، وهي نفس الغرفة التي يرى نفسه الآن فيها ملكا ، واله لم تحبل به أنثى .

معتوه ، لكن غرفتي جنة أبحت ثمارها للجميع فهي مليئة بالخطاة .

اللعنة قاتمة على جبينك . حتى دموعك لا تبكي عليك

إن كنت إلها ، فأين مقبرتك ؟ أو كنت أميرا ، فأين مشنقتك . ص469.

يقرن الإله بالملك الذي يمتلكه التاج أكثر مما يمتلك التاج ، ثم بالأمير والذي جعل من مستلزمات إمارته المشنقة ، فالإله كما يراه من أولى ضروراته المقبرة وكأن الإله دفان أو قاتل تسبب في إقامة المقبرة ، فيما يقدم لنا الشيطان بعد اسطر قليلة مقترنا باللذة الطاغية حين يردفه بالجمال ، وبأشياء كلها تدل على ( الجمال ) ، أو حين يقرن النشوة واللذة بالشرور .

لو كنت جميلا كالسوط ، لو كنت جميلا أيها التافهون ؟

لو كنت جميلا كالكبرياء وكان لي جسم أفعى ، وكانت بشرتي كخمرة عتقها الراهب .

لو كان ذلك ، ما تفعل ؟

لو كنت جميلا كليلة إثم ، وكنت مراوغا كفراش داعر ، وكان جسدي مجبولا بالخطيئة؟.

جميل أنت كشيطان ، جميل أنت أيها الشاب ، وسأضاجعك حتى استنفد شهوتي ، وأذوق لذة حرمانك

لو كنت جميلا كعذراء تتهتك ، وكانت لي شفتا زنجي .

أنت اله يا جميلي ، أنت ألذَّ من عفافي ، ص470

سنجد انه بالأساس قرن الشيطان باللذة الجسدية والمراة ، وهنا تكون مقولة (تودوروف) قد انطبقت تماما على هذه الفكرة ، حين يقول (( ان الشيطان ماهو إلا كلمة أخرى لنعت اللبيدو… لتماهي الشيطان بالمرأة، أو على الأصح بالرغبة الجنسية ))[22] كانت الدلالات تقود إلى بعضها جميل كالحياة/ جميلا كالسوط / كليلة إثم / عذراء تتهتك / شيطان / إله ، ليوحدها الجمال وكاف التشبيه ، ثم يعلن عن المساواة والمعادلة ، ولكن من ناحية أخرى وعند هذا الجزء الأخير من المقطع نحتاج أن نتوقف لنبدأ من حيث انتهى ، لنلاحظ سطوة فكرة الإله الحقيقية في داخل الصائغ المبدع لهذا النص ، وقد يجوز هنا إجراء مقارنة بدائية أكثر منها منطقية ومنهجية ؛ وذلك بمقارنة الألفاظ خارج السياق النص ، وهي واقعا قد تبدو غريبة أن تعزل الكلمة عن سياقها لتتوصل إلى رؤيا تريد أن تكون مستندة إلى مهج عقلاني ومنطقي ، فتبحث عن دلالة لها خارج السياق ، ولكن فقط في محاولة لن تكون يائسة – على الأقل حسب وجهة نظري – حين نعتمد القياس بمقارنة الكلمات المرتبطة بالإله ، لندرك ان الصائغ وعلى الرغم من انه يقدس الإله ، ويراه مصدر الخير ويقرن الشيطان بالشرور والإثم . حين قرنه بالشاب الجميل القادر على الغواية ، ورغبتها باستنفاد الشهوة نتيجة الحرمان ، لذا كان من الوارد أن تؤدي إلى نتيجة كهذه بينما قرن الإله بالعفاف اللذيذ ، وهي تستبدل لذة بلذة اكبر ، حتى وهو يقدمهما ثنائية قادرة على الارتباط والاشتراك بل والخلق .

من خلقك من التواضع ؟ أي شيطان جعلك ضعيفة ؟ القصائد : 471.

لقد كان هناك خلط عجيب بينهما ، لماذا من خلقك من تواضع ، وشيطان جعلك ضيعفة ، فيعطي الخلق الذي هو من قدرة الإله للتواضع وهي صفة طيبة ، بينما يعطي الضعف كقدرة وسطوة للشيطان ، هذا الخلق والجعل ما دلالته لماذا التأكيد على هذه الشراكة ؟.

لماذا اله يطرد ، وشيطان يستل ، اله يخلق ويعطي التواضع ، وشيطان يجعل في النفس الضعف ؟

لماذا جميل كشيطان ، ثم أجمل من اله ؟ما تفسير العبارة التي يقولها في حمى هذيانه وهوسه مرة أخرى ، حين نراه يلتجئ إلى جدران غرفته الموصدة الباب ؟ .

بابي موصد كصخرة والجدران تصغي بلا لسان ، أتسمعني يا الهي ، القصائد : 466

كانت رؤيا تعكس الخوف من أن يسمع الإله أكثر مما هي رؤيا عن الشك في ان الإله يسمع أم لا ، وحمّله تبعات مايحصل من أحداث التدمير والتشويه في هذه المدينة ، من الإله هنا ماصفته ماوسمّه ؟! اهو الله والذي لم يذكره على لسانه على الإطلاق ، إذ لم يرد لفظ الجلالة في النص إلا على لسان الصبية والعجوز الساحرة والتي وردت باللفظ الشعبي حين تعمد ان يكتبها بهذه الصيغة في محاولة لان يقترن الله بالبسطاء وان يكون ملجئهم .

الأبيض لن يكون اسود ، والحليب لا ينقلب إلى ماء قولي ” انشالله ” يا صبية .

” انشالله يا جدتي ” انشالله ” هل سأشبع ؟ أيمتلئ قدري بالرمق

ابيض ، ابيض لن يسود ، والأسود لا يغسله الصابون .

شدت شفتيك العافية ، ياجدتي … ” انشاالله ” ألف ” انشاالله ” العجوز نفثت في سرّتي . سأتزوج ، ولن أكون عانسا . ص465 .

كان يصر على ثنائية اللون هذه التي لا تختلط ولا تتبدل ، فالأبيض ابيض والأسود سيبقى اسود لا يغسله الصابون ، على الرغم ان هذه المحاورة ضمت الثنائية ومنحتهما القدرة والسطوة بل والمحبة ، فما باله الآن يتحدث عن الأبيض والأسود ، لقد اقترب من الله الإله الحقيقي الواحد صاحب القدرة ، لقد كان يريد أن يقدم لنا فاصلا بين الثنائية ليختفي الشيطان من نطاق القدرة ، كان يرى الله اله حقيقي ، ويحقق أماني الصبية وأملها ليبوح لنا بمحبته واعتقاده الراسخ به ، حتى وإنْ أعلن بعد قليل عن وجودية بحتة ، هنا وضع كلمة الله ضمن عبارة ( انشالله )، حسنا لنناقش طريقة كتابة هذه اللفظة لقد كتبها باللهجة العراقية العامة وهي اللفظة العراقية الوحيدة في النص ، وهو أراد أن يعزل الله عن الإله في النص ، بل أراد ان يعزل الله الذي تتمنى الصبية والعجوز الساحر مشيئته عن هذه الثنائية بالكامل فهو اله مرتجى ، سيعطي الأماني ( سأتزوج ، ولن أكون عانسا ، سأشبع ) ، هذه الثقة والتأكد من تحقيق الرغبات ، هذا فضلا عن انه لم يقرن أي أمنية عزيزة وحقيقية إلى الشيطان ، وهو بلجوئه إلى اللهجة أراد ان يبين ان الله في هذا النص غير الإله الوجه الآخر لعملة الشيطان وجهها الآخر ، وهو إله قريب من الناس ، مع انه قرنه أيضا بالألم والترقب وحالة الحرمان الإنسانية ، حين تطرق لحالة الصبية والساحرة التي كانت الواسطة إلى الله ، ولكن الأبيض الذي لن يكون اسود والأسود الذي لايغسله البياض جاءت بما يشبه التعليل لقدرة الله وعدالته ، وتمهيدا لما سيحصل من صحوة في ختام النص ، لندرك أن الإله في هذا النص ليس الله سبحانه وتعالى ، بل أراد ان يكون رمزا للسلطة وسطوتها ، وقد يبدو كلامي غريبا بعض الشيء وهو يبقى رأي خاص خاضع للنقاش والرد ، ان الصائغ قدم الشياطين هنا السلطة المقابلة للإله ، فإذا كان الإله يرمز لسطوة الملك والأمير والكاهن ، فان الشيطان أو الشياطين كانت ترمز للجموع الذين خضعوا لهذه السلطة ، وكانوا أدواتها مثل الخفير الذي كان يمتلك القدرة على ان يسمع من بين الجميع والبواب والعامل أو ضحاياها مثل أهل المدينة الصم البكم أنفسهم ، ربما لأنه رآهم قد سكتوا عن الحق ، فهم شياطين خرس مثل الشياطين الذين استلت ألسنتهم ، كان يرمز لتنازع السلطتين ضمن ثنائية متناوبة أحيانا في القدرة ، وهو حين رمز لهما بالإله والشيطان ، فانه لم يكن يتمترس بالهوس والهلوسة الذي تعرض لهما نتيجة شمة أفيون ، بل بسبب إيمانه بسطوة هذه الثنائية في حياته الفكرية ومرجعيات الرؤيا في ثقافته وثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه ، كان يحتاج ان يقدم ثيمة عالية الدلالة والحضور في نفس المتلقي ، مرجع يلمس الروح ويثير الانفعال ، والواقع أن مايبدو من فوضى حصلت في الكون الشعري في القصيدة توازي الفوضى التي أحدثتها الأوضاع في نفس الشاعر من انفعالات ؛ ذلك (( فوضى الشعر الحديث في أساليبه وغموضه والتباس معانيه وإغراقه في دخول المتاهات ، صورة حقيقة لسمات الحياة العربية المعاصرة ، حتى لتكاد ترى البصمات نفسها مرسومة على هذا وذاك في آن ))[23] ومن الغريب ان هذه القصيدة حفلت فعلا بكل المتناقضات الصمت والصخب الموت والحياة الخدر والاستسلام واليقظة والنهوض ؛ لذا ستبقى نصا يمتلك القدرة على التحدي والاستفزاز ويفتح أفقا أمام الناقد للاكتشاف والفرح ، وهذا بالضبط ما أوضحه ( جاك دريدا ) من خلال مقارباته في تفكيك النص ، حين أكد قائلا (( إنَّ لكل نص عدداً لا نهائياً من القراءات الممكنة، على وفق خلفية وهدف قراءته ، والعلاقات التي تربط بينه وبين النصوص الأخرى. أو فيما يسمى بعلاقات التناص بأشكالها المختلفة ))[24] ربما سيكون من الأجدى أن نعيد تحريك الموشور في هذه القصيدة في اتجاه آخر .

الهوامش:

[18] المدخل إلى علم الجمال، هيغل، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط:2 ، 1980، ص27.

[19] الشاعر يوسف الصائغ : لا أحب شعر أدونيس وهو الذي غير عنوان قصيدتي ، حسين سرمك حسن ، بغداد موقع الف ياء الالكتروني http://www.alefyaa.com/index.

[20]ينظر أساطير إغريقية رومانية ، تأليف غريس كوبر، ترجمة غانم الدباغ ، شركة النايمس ، بغداد ، 1984، ص53-58 .

[21] هناك أكثر من رأي حول أسباب إطلاق مثل هذه الصفة عن هذه القصيدة ولكن رأي الدكتورة بشرى موسى صالح عندما عللت أسباب إطلاق تسمية القصيدة التي سممت أجواء الشعر العربي (( لغلبة النزعة الوجودية التي عمت أجواء القصيدة )) بمقابلة شخصية أذنت لي بنشرها بتاريخ 12 / 12 /2007 .

[22] مدخل إلى الأدب العجائبي ، تزيتيفان تودوروف ، ترجمة الصديق بوعلام ، دار شرقيات للنشر والتوزيع ، القاهرة ، ط1، 1994، ص123.

[23]الحداثة والشعر وتجديد الحياة العربية، حافظ الجمالي ، الموقف الأدبي دمشق، ع 193، 194، أيار وحزيران 1987، س 17، ص 25.

[24] التجربة الإبداعية ، دراسة في سيكولوجية الاتصال والإبداع ، إسماعيل الملحم ، من منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق – 2003 ، ص59 .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

تعليق واحد

  1. ياسر حباب

    المقال جميل جدا و يبشر بناقدة متميزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *