(( قصة قصيدة ))

(( أحلام ))
—————
شعر وذكرى القصيدة : عثمان حمادي

إشارة : تكشف هذه الاستعادة المتأخرة التي تمت بإلحاح من إدارة الموقع عن أشياء كثيرة نفتقدها كقيم إبداعية في زمننا الراهن . أولا هناك عناية الأساتذة المربين الكبار أمثال شيخ النقاد الدكتور علي جواد الطاهر بالكتاب الشباب وحرصه على تنمية طاقاتهم ، وثانيا هناك مهانة الإبداع في الوطن العربي ، وثالثا هناك فضيحة حرية الإبداع والرقابة ” الأبوية ” المسؤولة على الممنوعات والتابوات ، ورابعا تواطؤ واستمراء بعض المبدعين للمخاتلة من حيث لا يدرون أحيانا .. وخامسا وسادسا وسابعا.. و .. و .. و .. مهانة الإنسان عموما في أوطان تتشدق بأن الإنسان بناء الله ملعون من هدمه .. كل ذلك تكشفه تجربة الشاعر ” عثمان حمادي ” المبكرة والموجعة ..
———————————-
عثمان حمادي كتبت هذه القصيدة في السبعينات من القرن الماضي ولم تنشر لأنها أحلام ممنوعة وغير مجازة من قبل الرقيب في وطني. وعندما استجبت لتحريض معلمنا الكبير الأستاذ الدكتور على جواد الطاهر والأستاذ ناظم توفيق على السفر الى بيروت لأنشر ديواني الشعري هناك. اقترحت السيدة الأديبة ديزي الأمير أنْ أنشر في دار النضال واتصلت بالأستاذ الياس غانم الذي استقبلني وكان أول شيء فعله هو الاستغراق في الضحك من اسم ديواني ( وجهي منشور سري) . وبعد أن اطلع على الديوان عدد لي الدول التي لا يمكن دخول الديوان اليها. ووقعنا العقد. وفي سفارة بلدي في بيروت نصحني صديق لي أن أراجع الملحقية الثقافية لكي لا أتعرض لإشكالات أمنية. وكان الأديب عبد الرحمن مجيد الربيعي هو الملحق الثقافي آنذاك فذهبت اليه مستشيرا فنصحني بالذهاب الى الوطن للحصول على موافقة الرقابة قبل البدء بعملية النشر لأنَّ ذلك أسلم لي طالما أني سأبقى مقيماً في وطني. ولم تخفف من ألمي وحزني النصيحة المازحة التي قدمها لي في بيروت الفنان الكبير شاكر حسن آل سعيد بالتحول الى الرسم حيث سأكون أكثر حرية في التملص من الرقابة والرقيب. وفي وطني وبعد أشهر من انتظار رأي الرقابة أعيد لي ديواني مليئاً بعلامات الاستفهام والخطوط الحمراء والدوائر الحمراء. وطلب مني أن حذف وإعادة كتابة كل ما كانوا قد أشروا عليه بالقلم الأحمر. وفكرت يومها أنهم بطلبهم ذاك كانوا كالزوج الذي يطلب من زوجته إعادة الطفل الذي ولدته وإنجاب طفل آخر بالمواصفات التي يريدها هو لأن الطفل الذي ولدته لم يعجبه. تلك كانت قصة حلم من أحلام اليقظة التي تم إجهاض الملايين منها عند الملايين منا ، نحن أبناء الوطن العربي المساكين. ولذلك لم يكن أمامنا من سبيل لنشر أفكارنا ومعتقداتنا ورؤانا سوى صحف الأحلام ومحطاتها البعيدة عن قلم الرقيب وسيف السلطان.

(( أحلُمُ ..أحلم ..أحلم ..
أحلم بالمدن العاجيـَّةِ ، بالجزر المرجانيـَّةِ ،
بالغاباتِ المملوءةِ ياقوتاً وزمرُّد

أحلم بالجدران اللامرئيـَّةِ
أحلم بالإنسان اللاخائف من نفسه ،
من ظلـِّه ،
من أرضه.

أحلمُ بالليلِ الحاملِ فوق الصدر مصابيحَ العرس الدائمْ
أحلمُ بالصبحِ الفارشِ صدرهُ للأشياءِ لتمرحْ

أحلمُ
بهواء آخرْ
وبشمس أخرى
وحياةٍ أخرى
وبموتٍ آخرْ

أحلمُ ..أحلمُ ..أحلمُ
أعرف أنَّ الأحلامَ معذِّبة
وبأنَّ عيون الأشباحِ توَّغلُ في الرأسِ لتصطادَ شرودَ الذهنِ ،
حضورَ الذهنِ.
أعرف لكني لا أسطيعُ سوى أنْ أحلمْ.
ولماذا لا أحلمْ؟

كم أرغبُ أنْ أقضي العمرَ بلا ربطةِ عنقٍ
وبلا ساعة يدْ
كم أرغبُ أنْ أمشي حافي القدمينْ
كمْ أرغبُ أنْ أحيى وأموت كما أرغبْ
وأهاجر ما شئتُ
ومتى شئتُ
مع سرب من أسرابِ طيور الماءْ
كم أرغب أنْ أبني عشاً بشرياً فوق الكرة الأرضية
وأقيد أقدامَ نجوم الكرةِ
كي لا تتدحرج يوماً
فيصيرُ العش هباءْ
كم أحلمُ أنْ أحلمَ صبحاً ومساءْ
أنْ أكتبَ شعراً بجميع لغاتِ الناس ِ على ألسنةِ الأشياءْ
وأقرب ما بين المطر والصحراءْ
كم أرغبُ أنْ أرقصَ في أرضِ اللهِ المخضرةِ ،
أنْ أحرثَ أرضَ الله الجرداءْ
كم أرغب أن أنصبَ عند الأنهار نواعيراً
أنْ أحملَ طول العمر
لحقول القمح ِالعطشى
رائحة الماءْ
كم أرغب أن أكتبَ ملحمة كبرى
لا تنسى أصغرَ مخلوقاتِ اللهِ
وأتعس مخلوقاتِ اللهْ
أنْ أبدعَ قاموساً
أحذفُ منهُ الحزنَ ،واسمَ الحزنِ وفعلَ الحزنِ
وما خلفهُ من ألم وبكاءْ
أحلمُ أنْ أحملَ يوماً
قلماً يشطبُ كلَّ حروف النفي ، وكلَّ الأفعالِ الناقصةِ
كلَّ الأفعال المتعديةِ

أحلمُ ..أحلمُ.. أحلمْ
إنَّ الأحلامَ ضمير الناس وخبز البسطاءْ
الجزء المخبوء من الإنسانِ بعيدا عن أجهزة ِ التصوير وأجهزة السمعْ
الجزء الراكض كالطفل وراء فراشاتٍ مسحورةْ
ولأني أحلمْ
فأنا طفل يكرهُ أنْ يُسجنَ في قفصٍ
تحت رعاية عائلةٍ تهوى جمع المخلوقات الطيبةِ
في قفص من نار
ما كنت لأحلم بالماءِ العذبِ
لو لم أعطشْ
ولأني أحلم يومياً بالماء
فأنا ضمآن حتى الموتْ

أين بساط الريح ليأخذني حيث الجزر المسحورة
حيث الأشجار الناطقة
حيث الأرض المفروشة غيماً وحريرا
حيث الليل المزدان بأقمار لا تغمض
حيث الصبح الجالس فوق الأرض يمشط شعراً ذهبياً
أين بساط الريح ليأخذني حيث أطير كولدان الجنةِ
أرقص كالضوء وأركضُ…أركضُ
كصغار الغزلان ؟
أين بساط الريحِ ِوأين الفانوس السحريّ
وأين بلادُ أليسْ؟
كم أحلمُ أنْ أحلمَ يوماً
وأنا خارج دائرة الخوف
وبعيداً عن عين السلطانْ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عصمت شاهين دوسكي : يا عالم نموت ببطء .

نموت ببطء بلا كبرياء كأننا منذ دهر على الحدباء لا ماء ، لا زاد ، …

| رحمة عناب : أيّ هذا الضياع .

أيّ هذا الضياع في الانتظار الظّليم وكل المضارب ضااااالّة الّا اليكَ تمضي .! . كطفل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.