مراجعات سينمائية : فلم ( الخائنة ).. هل هو فيلم أم قصيدة ؟

حسين سرمك حسن

hussein_sarmakكانت الصدمة شديدة عندما طالعت على شبكة الإنترنت ثلاث مقالات عن فيلم ( الخائنة – unfaithful ) الذي مثله ريشارد جير ودايان لين وعرضته قناة mbc2 الفضائية ، لثلاثة نقاد سينمائيين أمريكيين معروفين لديهم مواقع ألكترونية وأعمدة ثابتة في كبريات الصحف الأمريكية وهم ( ستيفن هولدن ) و ( مايك كلارك ) و ( مرغريت مكورك ) . فقد وجدت نقصا فادحا في فهم الجانبين الفني ( خصوصا المشاهد الرمزية المحملة بمعاني هائلة ) والنفسي . وفيلم الخائنة الذي أخرجه ( أدريان لين ) مأخوذ عن فيلم فرنسي سابق هو la femme infidele للمخرج الفرنسي الشهير كلود شابرول الذي كان يلقب بـ ( هتشكوك فرنسا ) . والمخرج أدريان لين قدم لنا من قبل أفلاما كثيرة من بينها فلمان رائعان هما ( لوليتا ) و ( الإنجذاب المميت fatal attraction ) . وتقوم أغلب أفلامه على أساس فكرة فلسفية مركزية هي أن الجنس يمكن أن يكون قوة مدمرة تسحق الإنسان ولا توقفها أي روادع عقلية أو أخلاقية أو اجتماعية . وتدور قصة فيلمه الخائنة حول عائلة من زوجين ( ريشارد جير ودايان لين في دور إدوارد وكوني سومنر ) وطفلهما الصغير . العائلة تسكن في ضاحية بعيدة عن المدينة وتتمتع بحياة مستقرة وهانئة . الزوج ذكي وعملي ومخلص لزوجته ويملك شركة للسيارات ويعمل بمثابرة في الشركة والبيت ، ولكنه ذو ضمير متشدد فعندما يعلن زميل له عن عزمه على ترك الشركة يعتبر مغادرته نوعا من الخيانة ويعنفه بشدة . أما الزوجة فهي ربة منزل جميلة متعلقة بزوجها وبحياتها العائلية ومتمسكة بالقيم الفاضلة . لأمر بسيط تذهب الزوجة إلى نيويورك وتسير بلا هدف في الشوارع الخلفية لحي يعد سوهو نيويورك . وهناك تهب عاصفة مطرية هوجاء فتعثر وتتشقلب وتنكشف ملابسها الداخلية وتصطدم مصادفة بشاب فرنسي يتعامل بالكتب النادرة هو ( بول مارتل وأدى دوره أوليفر مارتينيز ) الذي يعرض عليها الصعود إلى شقته لمعالجة ركبتيها المخدوشتين فتصعد معه . ومن هنا تبدأ مسيرة الخراب حيث تتقابل حياتان : حياة كوني الزوجة والأم الفاضلة التي تحركت ولأول مرة في أعماقها غيلان الشهوة التي لا تعرف منطقا بعد (11) سنة من علاقة زوجية نظيفة ومستقرة ولكن يبدو أنها كانت مملة .
وحياة بول الشاب الذي يعيش حياة فلسفتها العيش للحظة وحلب ضرع الشهوة حتى الاختناق .ولعل أعظم ما قدمه الفيلم في علاقة كوني ببول هي مشاهد الحب المدهشة المحتدمة وخصوصا عودة كوني بالقطار واستعادتها ذهنيا لتفاصيل ملتهبة لأول موعد مع بول . وكذلك نزوتهما في دورة مياه المطعم . إنها مشاهد تترك أثرا عميقا في نفس المشاهد . إنها مصنوعة لترينا أن الحب الزناوي ذو متعة رهيبة رغم تحظيره ( الممنوع مرغوب لأن لذته ممزوجة بالقلق ) . تتصاعد علاقة كوني ببول ويتصاعد معها الصراع النفسي وشعورها بالإثم (اللذيذ) وكذلك شكوك زوجها في تغير سلوكها ورحلاتها إلى المدينة . يكلف إدوارد تحريا شخصيا يلتقط لزوجته صورا دامغة تثبت خيانتها . يزور الزوج العشيق وحسنا جعل المخرج شعر جير الأشيب المميز في كل أفلامه بلون أسود في هذا الفيلم لكي يقنعنا بأنه لا يقل قوة عن بول الشاب . خلال المقابلة يتساءل الزوج ما الذي منحه هذا الشاب لزوجته كي تخونه معه .. ما هي مؤهلاته ؟ وبماذا يمتاز عليه ؟ وهنا تكمن فلسفة الفيلم الأساسية وهي أن الغريزة حين تصحو من تحت رماد الرتابة البارد وتراب الفضيلة الخانق لا تحتاج لأي منطق أو عقلنة أو مقارنات . إنها تكتسح كالإعصار كل السدود في طريقها ولا تتوقف إلا عند حاجز الموت ، وهذا ما حصل حيث لم يقنع الزوج بأي تبرير – وأصلا لا يوجد منطق لفعل الهو وغرائزه – ويشاهد فجأة الهدية الزجاجية الجميلة والعزيزة التي أهداها لزوجته في شقة العشيق فيلتقطها ويضرب بها رأس العشيق ويقتله في مشهد لا يوصف حيث لا نرى سوى وقفة طبيعية لبول الذي يحمل الكتب بين يديه اللتين تركز الكاميرا عليهما وهما تمتلآن بالدماء المنحدرة من رأسه . يقوم الزوج بإخفاء الجثة برميها في إحدى المزابل ويحاول عبثا هو وزوجته البدء بحياة طبيعية . لماذا قلت أن هذا الفيلم قصيدة ؟ لأن المخرج جعل كل شيء غير بشري – حتى الجماد .. حبات البرتقال .. الغربان .. إشارة المرور .. المصباح الكهربائي .. الكلب .. تتحدث وتعبر عن الصراع النفسي المرير الذي عاشه الزوجان : فحين تقود الزوجة السيارة وهي محتارة هل تذهب إلى عشيقها أم لا تركز الكاميرا على ثمرات البرتقال وهي تتأرجح يمينا وشمالا على المقعد الخلفي .. وعندما تحزم أمرها على الذهاب تنظر بعمق إلى كلب العائلة – كلب الغريزة .. منظر تطاير الغربان عن المزبلة التي رمى فيها الزوج الجثة وقطع اللحم الحمراء .. مع عزم الزوج على قتل العشيق تلبس الزوجة ( دون قصد ) ثيابا سوداء .. ومع عذاب الزوج تعرض لقطة لقميص معلق على حبل الغسيل بصورة الصليب .. غسل السيارة والزوج فيها من القذارات بعد رمي الجثة ..مع عذاب الزوج والزوجة يفشل الزوج مرار في إطفاء نور المصباح – نور الضمير المعذب – .. منظر الزوج وهو يقطع البيتزا بالسكين ويسأل زوجته عن سبب مجيء الشرطة ..والكثير الكثير من المشاهد الرمزية التي تجعل كل قطعة إكسسوار تنطق بالعذاب والحيرة والإثم والألم . كل شيء جامد مصنوع و( يمثل ) . ثم تأتي النهاية الفريدة المفتوحة – وهي نادرة في هوليود – التي تتيح للمشاهد أن يشارك في رسم الأحداث والتي أثنى عليها النقاد الثلاثة : حيث يقف الزوج بسيارته عند إشارة المرور الحمراء ومعه زوجته وابنه .. وتبقى السيارة واقفة رغم تبدل ألوان الإشارات أكثر من مرة وينتهي الفيلم .. هل توجد حيرة قاتلة ومأزق مدمر أكثر من هذه ؟ . كان من المفروض أن يكون اسم الممثلة دايان لين قبل اسم ريشارد جير في إعلانات الفيلم فهي بطلة الفيلم بلا منازع وما جير ومارتينيز إلا ممثلين ملحقين بدورها الهائل . ولين دخلت عالم السينما عندما كان عمرها ( 14) عاما في فيلم معروف هو little romance ، أما جير فقد قلت سابقا أن وسامته المفرطة تضر بأدائه كثيرا ، وقد قدم لنا أفلاما مهمة سابقا مثل امرأة فاتنة والخوف الأساسي وشيكاغو الذي نال عليه جائزة أفضل ممثل . إنه فيلم – قصيدة بصرية يستحق المشاهدة أكثر من مرة .

شاهد أيضاً

عصام الياسري: مهرجان الأدب العالمي في برلين.. منجزات معاصرة بين النثر والشعر والواقعية والروايات

في الحادي والعشرين من أيلول إنتهى في العاصمة الألمانية برلين، مهرجان الأدب العالمي ilb العشرين …

ابنة الناصرة بروفيسور كلثوم عودة
نموذج يحتذى للمرأة العربية المصممة على التقدم
نبيل عودة

قصة حياة المرأة العربية من الناصرة كلثوم عودة (1892-1965) أصبحت نموذجًا يحتذى للمرأة المصممة على …

جابر خمدن: تأملات في مجموعة “أهرب من ظله” للقاصة “شيماء الوطني”

” كنا نرى في عينيه عجزه عن انقاذنا..ورغم ذلك بقينا نحكي له” ، هكذا نلج …

3 تعليقات

  1. تحية حارة ايا الجميل والمبدع دائما السيد الدكتور حسين سرمك …. فيلم الخائنة كان يفترض ان يجير الى المبدعة دايان لين لانها كانت حقا النغمة التي ارتكزت عليها – القصيدة – الفيلم ، اما التقاطاتك العميقة والمهمة فلا اعتقد ان ادعي علما لايعرفه الجميع عنك ، فانت – ايها الغائر ابدا في اعماق النفس الانسانية ، يامن لم يطالك كسل او كلل ، كنت عميقا وغائرا في اعمق وابعد طبقات النفس البشرية ومايمكن ان تحمله من مشاعر ، كل هذا وانا اقرأ لك كنت اطالع صورتك واكتشف عبر مشغلكم الجميل لب وعمق تلك الابتسامة التي كنت تطل بها على العالم …. اعتقد بل وهذا ضروري ومهم ان نتواصل ، ساتواصل معكم عبر مشغلكم النفسي والابداعي الجميل تحياتي للجميع من اعرفه او لااعرفه……………………………………………..

  2. في صباح من صباحات بغدادنا ، كنت في موعد مع حميد المختار ، ربما انت تعرف مانعيشه في الوطن من جنون امني ، فقد فتشوني ، بل واضافوا الى التفتيش تجريدك من كل اوراقك الثبوتية التي نعرف من خلالها اسماؤنا ، جردوني من كل شيء لالشيء سوى اني اريد ان اقابل المختار حميد ، ولكن الجميل في الامر اني وسط كل ترهات وتعرجات المداخل الامنية ، لمحت هوية تحمل اسم – علي حسين سرمك – حقا لااخفيك سرا استفزني الاسم كثيرا، فتركت موضوع الموعد بيني وبين رئيس التحرير وبقيت اراقب الواقفين قربي وحولي ، حتى اللحظة التي وقع فيها نظري على شاب يكاد ان يكون نسخة اخرى من حسين سرمك ، حينها اقتربت منه وسألته – هل انت علي حسين سرمك … حبنها لااستطيع ان احدد زمنا لعناق امتد لبرهة كانت تحمل هوية عمر كامل……. عناقنا الذي امتد لاكثر من لبرهة كنت اشم فيها رائحة ذلك الصدق والجمال الانساني و بومها حملت نفسي اكثر مما كانت تستطيع ان تحتمله ، حقا بكيت كثيرا حسين سرمك

  3. نقد جميل تشكر عليه ،وكما قلت كانت عبارة عن قصيدة عشق الا اني ارى حادثة القتل افسد السرد السينمائي وهذه الانشوده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *