ليث الصندوق : ( كوكب المسرّات ) والكتابة ( السيرذاتية ) في زمن الحدث

laith alsandok 2إشارة : بالإضافة إلى الموهبة الشعرية المتفردة التي يتمتع بها الشاعر “ليث الصندوق” ، والذائقة النقدية الممتازة ، فإن هذه المقالة تكشف، بالإضافة إلى الموهبة النقدية، عن ليث الصندوق رسّاما من خلال اللوحة الجميلة المُرفقة. فتحية له .
لعل أهم الاسباب التي دعت الكاتب محمد سعدون السباهي إلى توصيف عمله السردي ( كوكب المسرات) بالسيرة الذاتية هو ارتكازها على معطيات مرجعية من واقع حياة الكاتب ، أراد تثبيتها بأسمائها وأماكنها عينها دون تغيير . ولكن الوشائج التي تربط العمل الابداعي بواقعه مهما اتسعت لا تلغي حقيقة ان أي عمل إبداعي ما إن يخرج إلى النور ، حتى يستقل بذاته ، وينفصل عن الأرض التي نبتَ فيها ، والأحداث التي استمدّ منها ، والاشخاص الذين روى عنهم ، بل وحتى ( كما يقول دعاة نظرية موت المؤلف ) عن مؤلفه ، وينضمّ إلى عالم آخر غير عالم المؤلف ، فالمؤلف سيبقى ماكثاً في مكانه في عالم الواقع الذي كان وسيبقى أحد أعضاء أسرته الإنسانية الكبيرة ، بينما يصبح النص – المكتمل الولادة – عملاً أدبياً إبداعياً ، الطرف الأول سيبقى كما ولِدَ ونما كائناً من لحم ودم وذكريات ، بينما الطرف الثاني سيصبح بعد ولادته كائناً من ورق وحبر وكلمات ، وإن كانت معاناة ( كوكب المسرات ) قبل أن تولد ، وقبل أن تصبح مُدوّنة ًوكياناً ، هي ملك lohat laitالكاتب ، وجزء من خزين ذاكرته ، وأسرار حياته ، إلا إنها بعد ان كُتبت ، وخرجت إلى فضاء القراءة أصبحت عملاً روائياً في عهدة القاريء .
و (كوكب المسرات ) جانب من تجربة السجن التي خاضها الكاتب بعد أن ارتكب بسيارته الخاصة حادثاً مرورياً عادياً ضُخّم في ظروف سياسية واجتماعية غير طبيعية ، فحكم عليه بالسجن لمدة تسعة شهور ، ثم زيدت المدة إلى عام واحد لأن القاضي وجد المتهم في ممر المحكمة يدخن سيكارة في شهر رمضان ، ونفذ الحكم على الرغم من ان طرفي القضية ( الجاني والمجني عليه ) قد حلا الخلاف بينهما بالتراضي ، وتنازل الطرف الأول عن سيارته الشخصية للطرف الثاني المتضرر  .
تجري أحداث الرواية في ثلاثة مستويات :
ألمستوى الأول : يضم أحداث فترة ما قبل السجن ، وهذه الفترة بدورها تشمل مرحلتين ، الأولى تضم الأحداث والملابسات التي أعقبت الحادث المروري الذي أبقى الكاتب تفاصيله طي الكتمان ، كما يشمل ايضاً تفاصيل المحاكمة الهزيلة التي أصدرت قرار الحبس . وبالعموم فإن الفترة التي استغرقت أحداث هذه المرحلة لم تدم طويلاً ، ولم تستغرق من السرد سوى صفحات قليلة . أما المرحلة الثانية من هذا المستوى فتمتد لفترات طويلة جداً من الزمن ، تمتدّ إلى فترتي الستينيات والسبعينيات الضاجتين بالاحداث ، مستعيرة أشكالاً مختلفة من التداعيات (سنأتي عليها فيما بعد) بدءاً من ذلك اليوم الستيني الذي جاء فيه من بلدته الجنوبية الوادعة إلى بغداد ليرى مصادفة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم يحيي الجماهير بوجهه السمح على بوابة وزارة الدفاع ، وليصطدم في بغداد بالنزاعات ما بين القوى السياسية التي تسحب تأثيراتها السلبية على الناس ، كما يشمل هذا المستوى ذكرياته عن زملاء العمل في البصرة وسفره الأول للسياحة خارج العراق في السبعينيات .
المستوى الثاني : يشمل أحداث الفترة الزمنية التي قضاها الكاتب داخل السجن ، والاشخاص الذين تعرف عليهم هناك ، والمعاملة المهينة والقاسية من قِبل الحراس والادارة الفاسدتين للنزلاء ، وحرمانهم من أبسط متطلبات الحياة الإنسانية الكريمة . وفي هذا المستوى شرع الكاتب بكتابة فصول كتابه خلسة ، وتهريبها إلى خارج السجن بلفّ أوراقها على جسد إبنه الطفل الذي تأتي به أمه للزيارة الاسبوعية . وبذلك يكون قد حقق التطابق ما بين زمن الحدث وزمن الكتابة ، وإن كل ما أجراه على نصّه فيما بعد هو إعادة تبويبه وتنقيحه وإضافة بعض الملاحظات أو الاستذكارات عليه . إن التطابق ما بين الزمنين لم يمكّن الكاتب من التقاط الحدث فحسب ، بل التقط معه ما كان قد رافقه وامتزج به من حساسيات وانفعالات ومشاعر وأهواء . ولعل المفارقة التي تقف وراء تسمية الرواية ب ( كوكب المسرات ) والتي تجمع ما بين الطرفة المؤلمة ، والمبالغة التي هي ميزة عربية ، جاءت لتفصيل إرباكات المشهد السردي في هذا المستوى بالتحديد ، وما أحداث وتفاصيل المستويين الأخرين إلا خلفية تشكيلية للصورة البانورامية التي اراد الكاتب رسمها لتدعيم قناعة غير معلنة بأن هذا العمل هو في المرتبة الأولى عمل روائي ، وفي المرتبة الثانية هو سيرة ذاتية .
المستوى الثالث : يشمل مرحلة إطلاق سراح الكاتب ، وخروجه إلى فضاء الحرية ، وهذا المستوى لا يشغل إلا مساحات قليلة من الرواية .
يبدأ المستوى الأول من غرف المحكمة ، ولا يفوت الكاتب وهو يستعدّ للوقوف أمام القضاة أن يصوّر بكاميرا غاية في الدقة حالة المُنادى عليهم من اصحاب الدعاوى ومحاميهم ووكلائهم وشهودهم ملتقطاً أدق التفاصيل وأكثرها حساسية ، بالرغم من ارتباكه وتوتره ، وبالرغم من  ضجيج وصخب الحاضرين ( … فيهبّ المنادى عليهم من أماكنهم كالمضروبين فجأة على رؤوسهم ، وقد أطفأوا سجائرهم بسرعة تحت أقدامهم ) ، وتستحكم بالكاتب شهوة الكتابة ، فينسى أنه الكاتب الذي يكتب سيرته الذاتية ، وليس سيرة الآخر ، فتتقمّصه روح الراوي العليم – الذي يُفترض أنْ لا مكان له في الأعمال السيرذاتية – ويدخل إلى أعماق الشخوص ، فيصف حالة المُتهمين المُنادى عليهم مُتمّماّ المقبوس المُجتزأ أنفاً ( … واصفرتْ وجوههم ، وتيبستْ أفواههم ، وتشنجتْ مفاصل ارجلهم ، ألبريء منهم ، والمذنب على حد سواء ) .
وخلال جلسة لا تتوفر فيها أبسط شروط الدفاع السليم عن الانسان وحقوقه ، وفي ظل نظام قضائي متعثر ، يصدر الحُكم على الكاتب ، فيدرجه بنصّه متعمداً إدراج إسمها الحقيقي في تاكيد على أن النص ينتسب إلى الأعمال السيرذاتية ( حكمت المحكمة على المتهم محمد سعدون لفتة حسين السباهي بالحبس البسيط لمدة تسعة أشهر وفق المادة 24 مرور حضورياً ، وأفهم علناً ) .
وفي الفصل الثاني من الرواية تبدأ ملامح المرحلة الثانية من المستوى الأول من السرد بالتشكّل ، حيث يعود الكاتب بذاكرته إلى أول تجربة له مع التوقيف قبل سنة ونصف من تاريخ الحادث المروري الأخير ، لكنه في هذا الإسترجاع لا يذكر التهمة التي سيق جراءها إلى موقف معاونية شرطة حي صدام ، مكتفياً بالمرور سريعاً على الظروف التي رافقت مداهمة القوة الإجرائية لمنزله ، وإلقاء القبض عليه ، وعرض الممارسات الفاسدة والمهينة التي كان يمارسها رجال الشرطة ضد الذين يلقون القبض عليهم ، هذا الشكل من الانعطاف باتجاه الماضي ضمن المرحلة الثانية من المستوى الأول تعقبه انعطافة ثانية ضمن المرحلة ذاتها والمستوى عينه عبر التقاطات سريعة وخاطفة لا تتم بالعودة إلى ماضي الأحداث ، بل إلى الماضي الإفتراضي غير الموجود سوى في التخييل والمدون في سردياته هو ، فالكاتب في الصفحة (14) يعود إلى حدث تخييلي ورد في بعض منجزه القصصي السابق ليقارن بين حالة البطل وبين حاله الواقعة ( أصعدوني إلى السيارة ، بعد أن كانوا قد وضعوا معصمي داخل الأصفاد الحديد ، الأمر الذي ذكّرني ببطل إحدى قصصي الفاجعة – رسالة متوحشة – الغريب أن معظم المصائر التي ينتهي إليها أبطال قصصي تقع عليّ على نحو أو آخر ) ، وفي موقع آخر يسترجع ، وهو على أبواب سجن أبو غريب ، على الصفحة ( 36 ) قصته القصيرة ( بلا أبواب ونوافذ ) رابطاً بين أحداثها ، وما بين متاهة السجن التي دُفع إليها .
بيد أن هناك شكلاً آخر من أشكال الاسترجاع يكثر من اعتماده الكاتب يمثل انعطافته الثالثة ضمن المرحلة الثانية من المستوى الأول ، وذلك ليس بالعودة هذه المرّة إلى نصوصه هو ، بل بالعودة إلى قراءاته القديمة والكثيرة ( نيرودا ، برناردشو ، غاندي ، كازنزاكي ، سارتر ، فولتير ، بروست ، الف ليلة وليلة ،  … الخ ) بل ان شهوة الاسترجاع ذكّرته بمُراسِلات الإذاعات العالمية ، بل وحتى بالفنانة الريفية وحيدة خليل . وفي السياق ذاته تتردد أسماء من الوسط الثقافي ( مؤيد عبد القادر ، عبد الأمير الأعسم ، خسرو الجاف ، علي جواد الطاهر ، مهدي عيسى الصقر ، محمد راضي جعفر ، بدرخان السندي ، سعدي يوسف ، … ألخ ) وأسماء أماكن ومواقع ( مقهى حسن عجمي ، جريدة الجمهورية ، مبنى اتحاد الأدباء ، نادي شركة نفط البصرة ، نادي الميناء ، بل ان الكاتب ذكر حتى رقم داره في حي الجهاد ) إضافة إلى أصدقائه وزملائه في البصرة الذين ذكرهم باسمائهم الكاملة ، هذا النسق من الثقافي لا يُسهم في تقديم مظهر من مظاهر الاسترجاع فقط ، بل يُدعّم الواقعي ، وينفتح على مستويات وعي أخرى هي في حقيقتها خلاصة التجربة الإنسانية في أماكن اخرى من العالم ، في ظروف تشابه الظروف التي ساق إليها القدر كاتب السيرة . بيد أن هذه الاستذكارات وتلك النصوص المجتزأة من متونها بقدر ما تعكس علاقة تعاضد وانسجام ما بين الثقافي والكاتب من جهة ، إلا إنها تعكس تنافر مرجعيات الحاكم والمحكوم من جهة أخرى ، وصعوبة الالتقاء بينهما او التوافق في ابعد الاحتمالات ، بل استحالة إيقاف التصادم الايدلوجي المتوقع بين الطرفين .
وتنحرف بوصلة المرحلة الثانية من مستوى السرد الاول مرّة رابعة بعد أن كانت من قبل قد انعطفت ثلاث انعطافات ، عندما استرجع الكاتب أول تجربة له مع السجن ، والثانية عندما اتخذ من كتاباته السابقة مادة للاسترجاع ، والثالثة عندما كانت تلك المادة نماذج مسترجعة أو متناصة من الاداب العالمية ، ولكن إذا كانت الإنعطافة الأولي هي بنت الواقع ، والانعطافتان الثانية والثالثة لا تمتان بصلة إلى عالم الواقع لأن مادتيهما تنتميان إلى عالم الورق والحبر والتخييل ، فإن الانعطافة الرابعة هي عودة إلى عالم الحقيقة ، لكنها حقيقة الأخر ، وليست حقيقة الكاتب ذاته . ألأخر المحتجز أو السجين معه في ذات المحتجز ، أو في ذات السجن ، وهذه الانعطافة الاسترجاعية سترافق الكاتب منذ دخوله إلى مركز تسفيرات الرصافة وتنتقل معه إلى سجن أبو غريب ، ففي مركز التسفيرات  إلتقى بمجموعة من الفتيان المحتجزين بتهمة التحرش بفتيات المدارس سيقوا للحجز منذ بضعة شهور وسيبقون فيه حتى إشعار غير معلن ، وهم من عوائل فقيرة ، ومن أبناء الفلاحين المعدمين الذين جاءوا إلى بغداد في خمسينيات القرن الماضي هرباً من ظلم الاقطاع وقسوته في الجنوب ، ومن خلال استرجاع معاناة أباء هؤلاء الفتية نفذ الكاتب إلى الإنعطافة الرابعة من المرحلة الثانية من مستوى السرد الأول وستبقى تلازمه طول فترة مكوثه في السجن متداخلة مع أحداث مستوى السرد الثاني ، وبهذه الانعطافة سيبقى الكاتب يتفحّص ويُدقق ، وينبش في ماضي الشخصيات متوغلاً فيها إلى مواقع النزف والفجيعة ، باحثاً فيها عن مدونات التمايز الطبقي والظلم الاجتماعي .
وبعد ان نفذ الكاتب عميقاً في أجواء الانعطافة الرابعة ، سارداً مطامح هؤلاء الفتية وأمالهم بالرغم من قساوة ظروف الاحتجاز ، ينعطف عائداً من جديد إلى عالم الحقيقة الذي كان قد انطلق منه في انعطافته الاسترجاعية الأولى ، رابطاً انعطافته هذه المرّة بما انتهت إليه الانعطافة الرابعة التي قادته إليها تهمة التحرش التي لحقت بالفتيان الفقراء والمعدمين ، متذكّراً المساءات الممتعة مع أصدقائه  من المثقفين الذين يجتمعون امام كشك الأديب مؤيد عبد القادر في المنصور يشاهدون أرتال السيارات الفارهة يقودها برعونة المراهقون من أبناء أثرياء الحروب والمسؤولين الحكوميين والحزبيين وهم يتحرّشون بفتيات المدارس ، بل وحتى بنساء في أعمار أمهاتهم ، تحت أسماع وابصار عناصر شرطة النجدة ودورياتهم العاجزة عن اتخاذ موقف رادع . وتتسع ذاكرة الاسترجاع بعد دخول الكاتب لكوكب المسرات السوداء ، فمثاقب الحاضر المؤلمة تنبش جسد الماضي لاستخراج المغيّب والمدفون : ألزواج للمرة الثانية والأب الذي مات أثر عملية جراحية وسفرات عقد السبعينيات للسياحة في دول المعسكر الاشتراكي .
في المستوى الثاني يروي الكاتب قصصاً لا تكاد تصدّق عن حياة سكان كوكب المسرات ، فهو يروي – ولم يزل بعد في مركز تسفيرات الرصافة – عن قاتل مأجور استخدمه احد المسؤولين الكبار لقتل احد أبناء الدبلوماسيين العرب لأنه زاحمه على إحدى صديقاته ، وبعد افتضاح الأمر جيء به إلى الحجز ليقضي اياماً معدودة معززاً مكرماً حتى تتم لفلفة القضية ، كما يروي قصصاً عن مجانين جيء بهم للحجز بدل ان يُرسلوا للمستشفيات ، و قتلة باطشين يغتصبون المحتجزين ويتقاضون الإتاوات لصالح مسؤولي الحجز . وفي السجن كانت أولى التعليمات منع الاقلام والاوراق والكتب ( فالكتابة ممنوعة إلا بأمر الدائرة ) وهذا يعني أن حكماً مضاعفاً سيلحق بالكاتب ، ولكنه يتحايل عليه ، ويجد فرصته للكتابة ، وقراءة افضل الكتب الموجودة في مكتبة السجن ، ويستعرض بعضها لقارئه بحس نقدي حاد وجارح : أربع قرون من تاريخ العراق المعاصر ، كتاب عن حياة عبد الرحمن النقيب ، المستظرف ، الجبهة الشرقية ومعاركها في حرب رمضان .
ومن اجل أن ينسى سيستمر بالكتابة راصداً حيوات السجناء ( حسين الهبل ، شاكر المجنون ، ثامر النشال ، سلمان هندية ، رعد مشاكل ، علي كاشية ، ستار لادا ، سالم جراد ، وأخرون كثيرون لكل منهم قصته وملفاته المحفوظة في مستوى السرد الأول لأنها تستعاد ضمن آليات الاسترجاع ، بينما يبقى أصحابها موجودين ضمن المستوى الثاني باعتبارهم جزءاً من حاضر السجن ، ولكل واحد منهم تهمته ، والتهم عديدة ( تزوير ، زنا المحارم ، الهروب خارج الحدود ، التهريب ، صكوك بدون رصيد ، نصب واحتيال ، سرقة … الخ ) ، وفي السجن سجناء من مشارب ومهن مختلفة : ( ألطبيب ، المهندس ، الضابط ، المحقق العدلي … الخ ) . وفي السجن هناك السجين المصاب بالشلل النصفي ، وهناك المصاب بالسل أو بالجرب أو بالاكزما . وفي السجن الذباب والبعوض والقمل والكالوس والبرغوث . وفي السجن الجوع والعطش والسهر والأوساخ . وفي السجن شروع بالقتل ، ولواط ومخدرات من كل الأصناف . وفي مقابل كل ذلك هناك المساجين الذين يقضون فترات محكومياتهم في غرف خاصة ، مؤثثة ومكيّفة ، يعيشون كالامراء ينامون ويأكلون ويشربون ، ويدخنون الناركيلات ، ويتمشون خارج بنايات السجن ، ويقضون أوقاتهم مع مسؤوليه ، ويسهر على خدمتهم حراس السجن وعبيد من فقراء المساجين .
مع الفصل الخامس عشر بدأت ملامح المستوى الثالث بالتشكل ، والكاتب ما زال في السجن ، عندما أشيع بأن ثمة عفو سيصدر عن السجناء يوم 28 نيسان  ، ولم يأخذ الكاتب الشائعة على محمل الجد ، ويختم الفصل بعبارة يبدو انها كتبت بعد أن كان الكاتب قد اكمل محكوميته وغادر السجن ، في سياق الاضافات والتعديلات التي أجراها على مسوداته ( حين أنهيت كتابة هذا الفصل في 30/ 6 / 1998  يكون قد مضى على 28 نيسان سنة وشهران ويومان ، من دون أن أسمع بصدور عفو من أي نوع كان ، لكني أجزم لو ذهبت الأن إلى السجن لوجدت الشائعة نفسها تدور على ألسنة الكثيرين ) . وفي الفصل الذي يتلوه مباشرة يتحدث الكاتب عن ( زمر الكبسلة ) وهم الذين يتعاطون المخدرات في السجن ويبيعها لهم سجين يلقبونه ب ( قوقو ) ، وفجأة ينتقل الكاتب من فضاء السجن ، وفضاء المُكَبسلين إلى فضاء الحرية محققاً أول انتقالة فعلية إلى المستوى الثالث مستبقاً زمن السرد ( بعد مرور سنة على إطلاق سراحي كنت ذات مساء بطريقي لشراء خمرة الهبهب … ألخ ) وإذا به يلتقي ببائع المخدرات في السجن يبيع بعد إطلاق سراحه الخمرة في حي الميدان ببغداد ، وبودي أن أنبه إلى أن هذا الفصل هو من أجمل الفصول على الرغم من إنه لم يحظ على ما يبدو بالمراجعة الكافية ، فبعض أحداثه تبدو مرتبكة ومتداخلة ، إضافة إلى تكرار صفحتين منه وردتا في فصل سابق عليه .
ويخصص الكاتب الفصل الأخير للمستوى الثالث ، ممهداً له من حيث يجب أن ينتهي المستوى الثاني بمتابعة إجراءات إطلاق سراحه التي لا تخلو من التعثر جراء ما يمارسه عليه حراس السجن من الابتزاز المهين ، ولكن بالنتيجة فعن هذه التجربة السيرذاتية تمخضت بؤر سردية شتى ، بعضها غاية في الإحباط والانغلاق ، مثل موقفه تجاه المرأة العراقية الذي لا يتوافق مع الصورة التي يُتوقع أن يعكسها كاتب يُحسب على قوى اليسار والتقدم . وعلى العكس من هذا الموقف يبرز موقف غاية في الإنسانية والتسامح تجاه من عاملوه بقسوة وجفاء ( … رحت أسترجع بعض الأشخاص الذين ضمنتهم كتابي هذا ، فتوصلت إلى نتيجة مفادها ، لو شاءت المصادفات والتقيت أولئك الذين بخلو عليّ وعلى الكثيرين بكوب ماء ، وهم الأن في ظروف مستقرة لما ترددوا عن معانقتي ، ودعوتي إلى بيوتهم ، فدمعت عيني ، لا بل أنتابتني رغبة ملحة في أن أهرع إلى الحمام ، أسد الباب ورائي وأنتحب طويلاً ، إيماناً راسخاً مني أن الإنسان العراقي في جوهره شهم ووفي وسخي ، غير أن الظروف السياسية الرهيبة التي قادته إلى جحيمها زمرة أبناء الرعيان رمت به مكرهاً بما يُشبه العقوبة الجماعية ) . وما بين الموقفين السابقين تتدرج رؤى سردية أخرى هي حصيلة تجربة أحسن الكاتب في إخراجها من الصمت وتحويلها إلى نص ناطق .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.