الرئيسية » نقد » ادب » داود سلمان الشويلي : انكسار الشاعر قراءة في قصيدة (من يشتري ؟) للمبدع الراحل رشيد مجيد(*)

داود سلمان الشويلي : انكسار الشاعر قراءة في قصيدة (من يشتري ؟) للمبدع الراحل رشيد مجيد(*)

dawod alshowaily

المبدع الراحل رشيد مجيد
المبدع الراحل رشيد مجيد

القصيدة:
من يشتري ؟ (1)
و بقافية
سأبيع ما ملكت يدي
سأبيع حتى العافية
لبعمر 00لا 00 لا شيء غير ضبابه
وضلال ايامي وما خلف الليالي الباقية
من يشتري
عقبى غواياتي فأني تائه
متوجس الخطوات مكدود القوى
اتأمل المجهول ، اسأل عن غدي فيما انطوى ،
اتثور ايامي على مستنقعي000؟
ماخور اوزاري، ومهوى عفتي
يا بئس من مخدع
تابوت اشلائي يجر وراءه
هذي البقية من أس وتفجع
محراب تكفيري الذي قوضته
لأعد من انقاضه مبغى لجائعة معي
زنزانتي
يا ما تبدد وانطوى فيها نداء ضميري المتضرع
خمارتي 000
ايان يصطخب الكؤوس وجدتني
احسو على ضمأ بقية ادمعي
يا ويلتاه000 اكلما هتف الضمير اجبته
ان ليس ثمة ما تقول وتدعي
ايامنا000 رغباتنا مجبولة بالادمع
من يشتري؟
ماخور اوزاري ومهوى عفتي000؟
زنزانتي؟
محراب تكفيريالذي هدمته؟
خمارتي 000 مستنقعي؟
اني ابيعك يا هوى
يا وكر اثامي ، وثدي خطيئتي
وجموح ايامي التي افنيتهن بلا امل
و بألف الف تعلة000
سأعود ثانية لظلك يا هوى
سأعود احتضن الالم000
الم الجراحات التي لم تندمل
جلادتي00
يا ويح مديتها التي لم تحتمل
يا ويح ايامي بها فلقد افقت على ندم
يغتالني فيها الاسى000 ويقيؤني فيها الشجن
وتلوح اقدامي متاهات الدروب  فلا ظلال ولا وطن
وتموت في شفتي اغنية وتولد ثانية
ويظل يسترخي فمي في اغنية
هي نشوة الاحلام من عمري ومن متع الليالي الماضية
تتفجر المأساة في اصدائها
صورا مروعة واحلاما عدابا زاهية
في عمقها داتي، وفي خلجاتها00
صوتي يرن مجلجلا في الهاوية
هي كبريائي00
يستفيق من الحضيض ومن مهاوي اللذة المتناهية
يستجلي اسرار الهوى
ويرود ابعاد الحياة بلا ملل
حيث الشباب غواية00
وفم يفتش عن قبل
ظمآن يستجدي ابتسامة غانية
سأبيعها لو تشتري
سأبيع ما ملكت يدي
فلقد رضيت من الحياة 000 بقافية
***

على ضفاف الفرات ، وفي الناصرية المدينة الغاثية على هذا النهرالازلي، محمية بـ ( اور ) التاريخية، في هذا الواقع الجغرافي والتاريخي تفتحت زهور الشعر في قلب شاعر الناصرية رشيد مجيد ، بأول انغام الكلمات ، او بأول الكلمات المنغمة ، وهو يتغنى بالناصرية الحبيبة وبمجدها وعبر سنوات الابداع الطويلة كانت قصائد الشاعر رشيد مجيد اغان تتغنى بها شفاه المحبين والناس البسطاء من اهل المدينة يتغنون للناصرية الحبيبة ، والحبيبة / الناصرية000 ولكن ، عندما يجد الشاعر ان كل شيء – ما عدا الشعر – هو ” باطل وقبض ريح ” يصرخ بصوته الشاعري المجلجل من يشتري ؟
تلك الصرخة التي لم تدو في جنبات سوق النخاسة او في سوق ( الهرج ) بل هي دوت بين جنبات الزمان عبر مساراته المتواصلة ( الماضي ، الحاضر ، المستقبل )0
من يشتري ؟
انها صرخة الشاعر بوجه الحقيقة ، وبوجه الاخرين الذين نزف الشاعر دما وهو يغني لهم ولاجلهم 0
من يشتري؟
نشتري ماذا ؟ وبأي ثمن ، ولماذا ؟
اسئلة كثيرة اثارتها وتثيرها هذه القصيدة التي حاول الشاعر ان يرسم فيها صورة انكساره والمه 0
من يشتري ؟

اشياء الشاعر المعروضة للبيع:
1 – سأبيع ما ملكت يدي 0
2 – سأبيع حتى العافية0
3 – سأبيع عقبى غواياتي
4 – سأبيع ماخور اوزاري ، ومهوى عفتي
5 – سأبيع تابوت اشلائي
6 – سأبيع محراب تكفيري
7 – سأبيع زنزانتي
8 – سأبيع خمارتي
9 – سأبيع جلادتي

هذه هي معروضات الشاعر للبيع ، والسؤال الذي يولجه الشاعر وهو يقدم هذه المعروضات : لمن يبيع ، وبأي ثمن ؟
* اني ابيعك ياهوى
يا وكر اثامي ، وثدي خطيئتي
وجموح ايامي التي افنيتهن بلا امل
وبألف الف تعلة
سأعود ثانية لظلك يا هوى 0

واي هوى هذا الذي يبيعه الشاعر كل ما يملكه حتى العافية ؟
انه الهوى الذي يمنحه دفقة شعرية وعالما شعربا يحلق فيه وانغاما يعزفها على قيثارة الزمن  0
* سأبيع ما ملكت يدي
فلقد رضيت من الحياة 00 بقافية0

وعندما نبحث في الاسياء المعروضة للبيع ، سوف لن نجد ” العمر ” فيها ، هذا العمر الذي يأكله الشاعر بنفسه من دون وعي منه ، انه زكم متآكل ، هذا هو عمر الانسان وليس بزمن متنام فلماذا يحرص الشاعر عليه ولماذا لا يعرضه للبيع اسوة بما ملكت يداه ، حتى العافية ؟ هل خاف عليه ؟ ام انه ظن به امام الهوى / القافية ؟
الجواب : كلا 0
فالشاعر لم يجد في عمره ما يستحق ان يباع 000 لهذا نراه يصرخ في وجهه من يسأله استفزازا:لا 0
* العمر 00 لا00 لا شيء غير ضبابه
وضلال ايامي وما خلف الليالي الباقية0

انه يعرف ان عمره هذا هو “عمر محتضر”
* وطويت العمر الى محتضر العمر
واذن هذا قدري
هذا قدري (2 )

انه رماد وتراب ، صفرة الحلم 0
* يا ايها العمر الذي صنعني بلا شباب
يا ابن الليالب الزاحفة للسراب
يا صفرة الحلم المسجىخلف هالات الضباب
و يا رمادا قد قد تهاوى من يدي
ويا ترابا في تراب (3 )
فالشاعر يبيع كل ما يملك الى “الهوى” مقابل قافية 000 ولنتساءل:ما الذي يفعله الشاعر بهذا البديل “القافية”؟ هل ما يريده شعرا مجرد اوزان وقافية ؟ اليس هذا ما يريد ؟ ام انه يريد اكثر من هذا ؟
ان الهوى عنده هو ” ابتسامة غانية”0
وهكذا تصبح عنده القافية / الشعر معادلا لابتسامة غانية /امرأة ، فيحق له – عند ذاك – ان يبيع كل شيء مقابل تلك الابتسامة ، فها هو يخاطب زميله الشاعر عبد القادر رشيد الناصري وكأنه يخاطب نفسه :
* ولا سامرا بليل اكتئابك
مؤمنا ان متعة الجسد الفاني00
صلاة الجمال في محرابك
وبأن الدم العتي اذا ماجن شوقا
فعبدت الجمال00 تستلهم الحب
وتحسو شذاه في اكوابك (4)

انه ابيقوري الحب والنظرة 00 فيحق له – حينئذ – ان يفدي عمره من اجل قافية يشدو لحنها امام ابتسامة غانية / امرأة / الجمال0
***

الهوامش :
* نشرت هذه الدراسة في جريدة بابل ليوم الاحد المصادف 24 / 5 / 1992 0
1 – من ديوان “بوابة النسيان ” – رشيد مجيد – 1970 – مطبعة الاداب – النجف 0
2 – من قصيدة “هذا قدري ” من ديوان الشاعر ” لا كما تغرق المدن ” 0
3 – من قصيدة ” حكاية ” من ديوان الشاعر ” وجه بلا هوية ” 0
4 – من قصيدة ” كامل الناصري ” من ديوان الشاعر ” بوابة النسيان” 0

تعليق واحد

  1. وكاني اجلس امام الشاعر الراحل ( المنسي) رشيد مجيد , لقد رفعت من مستوى ذاكرتي  بكفي عاطفتك ومشاعرك الطافحة بالحب الى رجل اعطته الدنيا ظهرها وكذلك النقاد والمثقفين ..ذات ليلة مررنا على رجل سكران متمدد جوار الرصيف في شارع الحبوبي مقابل التربية واردت ان اوقظه  فقال لي : دعه انه مشغول عن الدنيا .. دعه مستريحا  لقد قالها بتاثر واضح وكان صادقا في كلماته ..
    الرحمة على روحه الطاهرة .. ان التفاتتك نابعة من حدقات  الاصالة والنبل وطيبةقلبك التي اعرفها تتسع لكل الاصدقاء..
     اخي واستاذي داود سلمان الشويلي.. ابو اسيل الوردة .. اني استانس باطلالتك.. تحياتي لك وتقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *