خزعل الماجدي : أربعة أنواع من العقل تصنع المعرفة والفن*

khazal almagidi

 

الكاتب أثير محسن الهاشمي
الكاتب أثير محسن الهاشمي

* حاوره أثير محسن الهاشمي

قال الشاعر العراقي خزعل الماجدي إن واحدةً من أسرار حيوية الأدب العراقي في الماضي القريب أنه كان يخوض جدل الأجيال التي كانت تتصارع وتتحاور بينها من أجل ابتكار الجديد ومن أجل التحديث المستمر الذي أنعش مسارها ، وكانت النتائج عظيمةً ومهمةً فقد حصلنا في النهاية على مذاقاتٍ وألوانٍ مختلفةٍ من الكتابة الجديدة في كلّ الحقول ومنها الشعر والمسرح. ويضيف أما اليوم فقد فقدنا هذا الجدل ولم تعد هناك أجيال متصارعة ومتحاورة واختفى ذلك الحوار الخلاّق بينها . وزاد الماجدي في القول للأسف الشديد صرنا نرى شباباً يدافعون عن الأدب التقليدي تحت حججٍ واهيةٍ وأصبح لهذا الأدب الكاسد منابر وأصوات متخلفة ، أما المواهب الحقيقة فتكاد تضيع في هذه الردّة.
* خزعل الماجدي.. ذكرياتك عن مدينتك الاولى.. طفولتك.. ما مدى تأثيرها على إبداعك فيما بعد؟
مدني الأولى كثيرة.. فأنا أنحدر من عائلة جنوبية الأصل، وحين إختار والدي العمل في الجيش رحل من صدور المجر في العمارة وهو شاب صغير إلى كركوك وتزوج هناك وولدت في كركوك وخالطت التركمان بشكل خاص في طفولتي ولبست أزياءهم وتحدثت بلغتهم فضلاً عن لغتي العربية الأصل،المدينة الثانية في حياتي هي الموصل التي درست فيها الإبتدائية لغاية الصف الرابع، ثم كانت المحاويل هي المدينة الثالثة حيث أكملت الإبتدائية، ثم جاءت أربيل لتكون المدينة الرابعة حيث عشت مع الأكراد هناك، ثم جاءت بغداد وتحديداً مدينة الثورة التي كانت المدينة الخامسة حيث كنت في المرحلة الثانية من المتوسطة، وهكذا تجد أن العراق بمدنه هذه وإثنياته ساهم في تكويني،لكني تلمست بدايات ثقافتي النوعية في مدينة الثورة التي كانت حاضنة لبداياتي الإبداعية أيضاً، والثورة في منتصف الستينات كانت رحماً كبيراً من أرحام العراق والموهوبين فيه فقد أتيح أول بصيص حضارة لأبناء الفلاحين والعمال والكسبة لأن يتسلقوا مستقبلهم ويعبروا عن مواهبهم..وهناك قرأت أول الكتب المهمة في الشعر والأدب وفيها تفتحت موهبتي الشعرية.. رغم اتجاهي العلمي في الدراسة.
x ما مدى تأثير دراستك وتأليفك في الاساطير والتراث على كتاباتك؟
كانت دراستي علمية، وكنت أحبها ومولعاً بها بل ومتفوقاً في الفرع العلمي الذي اخترته في ثانوية قتيبة، وخصوصاً في الرياضيات والفيزياء،لكن ذلك لم يمنع من توجهاتي الأدبية التي بدأت من خلال قراءة القصص والروايات ثم الشعر، بل كنت أعتقد ومازلت أن الدراسة العلمية هي التي تعطي قوة ورصانة للدراسة الأدبية، وهكذا تكون عندي،مع الزمن، عقل علمي كان سبباً في صلابتي الأدبية ومطاولتي وصبري في المشروع الأدبي، لم أكن اتوانى عن قراءة أكثر الكتب العلمية تعقيدا من أجل مزيد من الفهم ومن أجل البحث عن الحقيقة.
والحقيقة إني اطلعت على الأساطير والتراث الرافديني خصوصاً إطلاعاً واسعاً قبل أن أواصل دراستي للتاريخ القديم والأديان القديمة، فقد كانت عدتي أكبر بكثير من المادة المدروسة ولذلك اجتزتها بسهولة.
درست الأديان والأساطير بعمق، ونضح منها الكثير في وجداني وعاطفتي وروحي وسرعان ماظهر هذا النضح في كتاباتي وشعري. كان نقدي قاسياً للمنظومة الأديولوجية في الأديان لكنه كان إيجابياً مع المنظومة الأدبية فيها وخصوصاً الأساطير التي تشكل مكوناً رئيسياً في كل دين.
x لمن يقرأ خزعل الماجدي في الشعر والرواية والتاريخ والمسرح؟
أغلب قراءاتي الآن في العلوم الإنسانية وخصوصاً في تاريخ الحضارات والأديان ولي ولع خاص بقراءة وإعادة بناء الحضارات والأديان العراقية القديمة والوسيطة وتطورها وفق تصور جديد توصلت له، نصوص الأساطير وتحليلها تشكل حيزاً كبيرا في قراءاتي. في الشعر أقرأ شعر الشعوب الشرقية بشكل خاص والشعر الحديث الغربي بشكل عام والقليل من التجارب العراقية و العربية الناضجة وأهتم بقراءة النظرية الشعرية. الرواية أصبحت قليلة في قراءاتي وكذلك المسرح.
x انت ألفت العديد من الكتب على اتجاهات متعددة في مجال الثقافة التاريخ والميثولوجيا، الشعر، المسرح، النقد . أين تجد نفسك أكثر من بين المجالات المذكورة.
الشعر مركز مشاغلي وهو الذي يمسكها وإن ابتعدت وتنوعت، فقد وجدت فيه الغذاء الروحي الحقيقي، وصرت أشعر بوجوده وهو في أعماق الدين والفلسفة والأساطير وغيرها، أصبحت مثل النبطيّ أستشعر وجود الشعر كما لو أني أستشعر الماء وهو على بعد عشرات الأمتار تحت باطن الأرض وسلّحتني خبرتي بكيفية حفر الآبار الإرتوازية لإستخراجه.
x العقل الشعري.. كتاب نقدي. لماذا العقل بالذات؟ وما الدافع من وراء تأليف هذا الكتاب النقدي؟
أرى أن العقل البشري يتكون من أربعة عقول هي الشعري، الديني، الفلسفي، العلمي وهي تعمل معاً بنسب مختلفة في حياة الفرد والجماعة، وكشفي للعقل الشعري وآلياته هو كشف نوعيّ وجديد فهو من ناحية يفسر الخيال واللغة الإستعارية ومن ناحية أخرى يكشف عن الموجهات الفكرية الإفتراضية كلها عند الإنسان بدءاً من عالم الغيب والميتافيزيقيا وانتهاء بالأدب. ولذلك أعتبره أهم منجزاتي لكنه للأسف لم يقرأ جيدا،العقل الشعري هو مخزن البشرية الأول الذي مازال سارياً في كل نشاطات الإنسان والكشف عنه ضرورة قصوى لتفسير وتحليل ما نحن فيه.
x قصائدك مليئة بالشعرية.. كيف يـُصاغ النص الشعري الماجدي؟
نظرتي للشعر بعيدة جداً فهو أكبر بكثير من أجناس الأدب والقصيدة..أكبر من القصيدة وأنواع الشعر الأخرى. الشعر بالنسبة لي موجود في كل شيئ وبالإمكان إلتقاطه وجمعه بيسرٍ شرط امتلاكنا للبصيرة التي تحرك وجهتنا نحوه، ربما يفسر هذا عدم وجود أزمة شعرية عندي لأن نظرتي للأمر تختلف عن الآخرين.أما الصياغة فأمرها مرهون بمعرفة وابتكار التقنيات اللازمة للصياغة والشكل.
x نجد هيمنة الاسطورة والرمز في نصوصك الشعرية والمسرحية. ماذا تمثل لك الاسطورة؟ وماذا يدل اليك الرمز؟
الأسطورة شعر عام والشعر أسطورة خاصة، وقد سعيت لبناء ما أسميه ب الأسطورة الشخصية من خلال الشعر في وقت مبكر وقد قطعت الآن شوطاً طويلاً في ذلك.كانت الأسطورة جزءاً من الدين ومازالت وقد سعيت لوضعها في الأدب منزوعة من جوهرها الديني فتحولت إلى شحنة شعرية عظيمة. أما الرموز فهي جزء من النماذج البدئية التي يحفل بها اللاشعور الجمعي والفردي وهي تشكل المدافن السرية الكبرى لوعينا واستخراجها وصياغتها أمر في غاية الأهمية للشعر فهي تكسبه الغموض والعمق.
x ماذا تعني لك المفارقة؟
المفارقة هي حضور ضدين بطريقة منسجمة وايقاعية يتولد عنها دهشة جمالية وفنية ومضمونية، وقد تكون المفارقة في اللغة والبلاغة أو في المعنى.
x كيف تصوغ المفارقة في مسرحياتك؟ يعني ما طريقة البناء؟
لابد لكل مسرحية من مفارقة أو مفارقات عديدة، لان المسرحية حقل أضداد متصارعة أو متفارقة، ولذلك تجدني أضع المفارقة في كل مشهد من مشاهد المسرحية وأحيانا في أكثر من صورة داخل المشهد وهو ما ينشط المسرحية ويجعلها في حركة وإدهاش دائميين.
x مفارقة العنوان.. تجسدت في هاملت بلا هاملت لماذا هاملت بلا هاملت؟ ما المعنى من ذلك؟
هاملت بلا هاملت نموذج جيد للمفارقة في العنوان وفي المضمون أيضاً، فالعنوان غريب ومفارق ،فلا أحد يتصور كيف يمكن أن يكون هاملت بلا هاملت ولذلك يحصل الإندهاش وهو مايدفع لفهم ما الذي فعلته في مضمون العمل. ستجد أن مسرحيتي هذه تخلو فعلا من هاملت ولكن الأحداث تتوالى من اللحظة التي يكون فيها مصرع والده يموت هاملت في مسرحيتي في الصفحة الأولى حيث يصل خبر غرقه وهو عائد الى الدانمارك لحضور جنازة أبيه إذن كيف ستمضي الأحداث دون هاملت وهو بطل المسرحية؟، وهنا تأتي المسرحية،كلها، كمفارقة قياساً الى مسرحية شكسبير المعروفة.
وستكون المفارقة ذات معنى فلسفي عميق عندما تدرك كمشاهد بأن المؤلف أراد ان يقول بأنه ضد فكرة البطل المركزي من ناحية فهذا العصر ليس عصر البطولة الفردية، ومن ناحية أخرى أردت أن أثبت أن المجرمين الذين قتلوا أب هاملت والطامعين بالملك سيلاقون مصيرهم المحتوم دون الحاجة لبطل فالطبيعة وذواتهم الشريرة ستقتص منهم بالتأكيد.
x مفارقة التناص في مسرحية هاملت بلا هاملت تحـّول النص الشكسبيري من نص بطله هاملت الى نص ماجدي هامشه هاملت. هذا الإنحراف عن النص الأصلي.ماذا يعني لك؟ تكلم عن التناص الذي أنتج المفارقة؟
قلت لك هذا الإنزياح الذي فعلته جاء وفق تصور فلسفي عميق خلاصته ضد المركز، والطبيعة تنتقم .. يمكن ان نسمي التناص هنا تناص المفارقة. ولكنه جاء جديدا فأنا لم أجعل من هاملت عربيا أو زنجياً أو امرأة أو..أو.. كما فعل الآخرون بل رفعته كلياً من النص وكتبت مسرحية أخرى لاتربطها، نصياً،جملة واحدة من جمل شكسبير.
x في مسرحية نصب الحرية هناك تشبيه قد يستدعي المفارقة تأريخنا يتشقق»جلد قديم ـــــ الصباح»نسور رمادية ـــ المساء»غول
هذا الانحراف في التشبيه ماذا يعني او يمثل لك؟
هذا ليس انحرافاً كما تسميه أنت ، هذا جزء من شعرية المسرح الذي أكتبه فمسرحياتي كلها،دون استثناء، مشبعة بالشعر ونصوصي هي محاولة جديدة لخلق مسرح شعري جديد مستثمرا فيه ما انجزته الشعرية الحديثة في قصيدة النثر والنص المفتوح، ويمكنك العودة الى بياناتي المسرحية الموجودة في الأعمال المسرحية لي لتعرف التفاصيل. ولذلك أقول أنك تقرأ في نصوصي مفارقات لغوية لاحصر لها لأنني أكتب نصوصي المسرحية بشعرية عالية والشعر هو سيد المفارقة، ولايمكن تسميتها بالإنحراف في التشبيه، هذا شعر.
x ما الهدف او الغاية او الوظيفة الادبية التي يؤديها النص الذي ينتج المفارقة؟
كما في نص من نصب الحرية
الرجل الثاني دائما في حوصلة الديك نرقد لنخرج من صياحه مبكرين
قبل التاريخ خرجنا بالفؤوس والازاميل، انتصرنا على الملائكة مرارا
وقدنا الانهار الى مصباتها تحت السلاح..
x كيف تم صياغة بناء النص؟ بمعنى ما طريقة البناء التي استدعت المفارقة؟ وما الوظيفة الادبية؟
هذا مثال جيد على شعرية النص المسرحي التي استدعت المفارقة من داخل الشعر ليتوظف بعد ذلك في مفارقة مسرحية أشمل داخل كلّ مشهد او داخل العمل كله. في نصب الحرية تنزل تماثيل جواد سليم من النصب وتتحول الى شخوص المسرحية وتحاول خلق الحرية على الأرض وليس في الأعالي أو في الحجر، ولكنها تفشل وتعود للنصب وترجع حجرا باستثناء حاملة شعلة الحرية التي تبقى تطوف المدينة دلالة على الحاجة للحرية دائما. المفارقة المسرحية هنا في تحويل المنحوتات الى اشخاص وانزالها من النصب للشارع، والمفارقة في عودتها والمفارقة في بقاء حاملة مشعل الحرية تائهة في مدينة بغداد. أما مفارقات الصور في النص فقد أتى بها الشعر.
وهكذا تجتمع كل هذه المفارقات لتشكل مسرحية محتشدة بالمعاني الجديدة والنشطة. النص يثير غرابةً أخرى لأن اللغة على المسرح يجب أن تكون مدهشة وغريبة ولايجب أبداً أن تكون عادية ونثرية ونفعية.تعرف لماذا؟ لأن المسرح طقس والطقس يحتاج إلى كل مقومات الطقس غير العادية وبضمنها اللغة.
x نجد بعض المفردات والجمل مهيمنة في كتاباتك. الماء الارض الشجر الروح الانسان الخ. لماذا هذه الهيمنة؟
الخصب المادي ينهل من الطبيعة أولاً وجذوره تكمن في الماء والعناصر الثلاثة الأخرى الهواء والتراب والنار وتنبت في الجسد البشري الذي أعطيه عناية فائقة في شعري، أما الروح فهي موسيقى هذا الجسد وأنغامة المختلفة الطبقات والمقامات ولا يمكن أن يحضر الجسد بدون الروح التي تقلبت في التاريخ مئات بل آلاف المرات ومازالت، ولهذا تجد حركة الروح والمادة في شعري بشكل دائم.
الذات.. نجدها قوية ومهيمنة في قصائدك، ونصوصك المسرحية. ما دلالتها لديك؟
الأسطورة الشخصية التي تحدثت عنها تستوجب حضوراً مركزياً للذات لكنها ليست ذاتاً مجردة أنانيةً مغلقة بل هي الذات التي عاشت في الجماعة وتخصّبت بها، الذات المشحونة بالوعي والتبصر فيما جرى لاحظ اهتمامي بالتاريخ الروحي والمادي عبر تاريخ الأديان والحضارات . إهمال الذات سيؤدي إلى خسارة فادحة وسيبتذل فكرة الجماعة.
x الزمان والمكان. عنصران رئيسان في البناء السردي. ما مدى اشتغالاتك عليهما؟
الزمان ضروري جداً للبناء السردي لأن السرد فن زماني، والمكان ضروري جداً للبناء الشعري لأن الشعر فن مكانيً. ولكن المكان والزمان متلازمان ولاوجود لأحدهما بدون الآخر ولذلك يصحّ القول أيضاً أن السرد والشعر متلازمان ولاوجود لأحدهما بدون الآخر، لكن الشعر فيه سرد قليل مثلما السرد فيه شعر قليل.أو فلنقل أن النسب في كليهما متفاوتة رغم ماتفرضه أرجحية النوع.
ظهر الزمان والسرد راجحاً في نصوصي الشعرية المفتوحة، وظهر المكان راجحاً في النصوص المسرحية التي كتبتها وسيظهر راجحاً في السيرة الذاتية التي أكتبها الآن.
أحتاج أحياناً إلى زمان محدد ومكان محدد، وأحياناً أحتج إلى زمان ومكانٍ مطلقين وهنا تأتي الحاجة للأسطورة أو لأسطرة الحدث الذي أعالجه. ورغم استعمالي للمكان والزمان التاريخيين لكني أقلل من حضورهما واستعين بالحاضر،لأن الحاضر هو المهم وليس الماضي، فقد ذهب الماضي إلى الأبد ولن نستطيع أن نغير فيه أما الحاضر فيمكننا أن نغير فيه كما نريد وأحد أنواع التغيير تكمن في معالجة الماضي بطريقة تخدم الحاضر.

* عن ألف ياء الزمان

شاهد أيضاً

حوار فكري مفتوح مع الكاتب والمفكر سمكو محمد حول الايديولوجيا و الاضداد (القسم الخامس)
اعداد: عباس جميل جيما
و ترجمة الى العربية: جمعة الجباري

سمكو محمد: الايديولوجيا كقناع على شكل وعي مزيف وضبابي له بداية دون نهاية واضحة سمكو …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (13)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

بريد السماء الافتراضي
حوار مع الشاعر الأمريكي عزرا باوند
كتابة وحوار: أسعد الجبوري

على وقع أصوات المارشات العسكرية،كان الرجلُ منتشياً دون كأس .إحساسه الداخلي بتلك النشوة التي تفرزها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *