كريم الثوري: (( المومس الفاضلة بين السياب وماجدة الغضبان ))

krem_althwreكتب بدر شاكر السياب قصيدته الشهيرة المومس العمياء عام 1954 وهو في اشد حالاته التصاقا بالحادثة التي فرضت سطوتها عليه ليس اسطوريا وانما من خلال التجربة الاجتماعية لحالة المرأة التي كان يعرفها من خلال سرد التفاصيل عن موت ابيها من قبل رجال الاقطاع وترملها بواقع اقتصادي واجتماعي لا يرحم وهي في ريعان شبابها حتى شيخوختها وفقدان بصرها لذلك خُلدت قصيدته بالرغم من مرور اكثر من نصف قرن على احداث الواقعة ولم ينظر احد الى القصيدة من وجهها الحيائي الا السذج والعابرون ولذلك يتباهى التاريخ بالافكار والطروحات والنماذج الفنية التي تعالج بشكل مبتكر وجريء واقع الانسان بكل جزئياته مهما كانت قاسية وخاصة تلك التي يقع على عاتقها الولوج وبقوة الى حيثيات الواقع الاجتماعي والاقتصادي ليخرج لنا بانماط ادبية نماذج ورؤى لهوامش اجتماعية عاشت في الظل ردحا من الزمن راضية بالاحكام القاسية التي يطلقها ارباب الجرائم الاصليون اولئك المحصنون داخل اسوارهم المنيعة هم ومحصناتهم بعدما امنتهم الحياة كل اسباب الاستمرار من رغد العيش الى السمعة والجاه.

المدخل:
عنوان جريء للشاعرة الدكتورة ماجدة غضبان يحمل دلالات الغوص في اعماق المسكوت عنه ومن خلال تاملنا في مضمون العنوان نرى ان تنهدات اشعار المومس هي تفاصيل حياتها اليومية من خلال الوجوه الممسوحة والمغادرة التي أخذت من جسدها اللذة المقتطعة مقابل شيء من المال وكذلك احلامها المصادرة و- تكتب- هو التدوين المرافق للاحداث فما عسى ان تقوله المومس وقد قررت ان تواجه الواقع القذر والمدنس المرئي وهو في تمام عافيته ونموه المخيف بواقع اخر مدنس ولكنه معذور لضرورات يتفهمها الجميع والان نعود الى تفاصيل الدراما التي حبكتها بمخيلتهاالانثوية وهي تعيش في العراق وقريبة من ضحايا الفقر والعوز والظلم المسلط على المرأة اذن ماذا كتبت المومس وما هي الرسالة التي تريد ايصالها لنا نحن الذين بمنآى عن جرحها وانينها؟

سبعة عناوين او اوراق ادعاءات ارادت بها ان تُعرِف العالم باوجاعها وصرخاتها المكبوته:

الصحوة ُ المرعبة

عجنتُ الأرض
ومنحتُها..
لذة َ الدوران ..!
أهديتُها نجمتي ..
والقمر..
وعلى جبينِها ..
سقيتُ الشجر..
وبصوتِها غنيتُ ..
“احمليني ..
يا سفائنَها ..
على عذبِ رُضابي”

أشد حالات الاعياء التي تمر بها المومس هي اوقات المواجهة مع النفس او – صحوتها المرعبة- فهي حين ذاك تبدو بلا رتوش او مكياج قبالة وجهها في المرآة لنر تفاصيل التقاء مفارقتين فالصحوة من العافية او المعافاة فكيف كانت مرعبة
في البدء لابد ان يكون القدر هو الذي يُحدد مصائر اولئك الذين استداروا في فلكه قاب قوسين ولم يمتلكوا مقومات الردع والمومس واحدة من الذين لفتهم عجينته بيديه الخبازتين العبثيتين فمنحتها وعرفتها مقامات ما كانت لتتوقعها يوما او تخطر ببالها
وبعد ان طُيعت واتخذت شكل وطريقة اللعبة وهي في ريعان فتوتها رسمت خرائط الاشتهاءات الكونية المارقة ملامحها بصوت الشاهد ذي العزف المنفرد الضمير الحي-الشاعرة- التي وجدت ما تهبها اياه كمواساة- اهديتها- والهدية عبارة عن امسية معافاة بسماء صافية ينورها قمر جميل ونجمة محاذية وإسقاء معافى يعيد لجبينها نمو الطبيعة الخضراء- الشجر- فتنتعش الامسية بالغناء بصوتها المضاعف بعد تداخلة بصوت المنقذ لتحمله سفينة النجاة في فضاءات عذبة تنتشلها من اوجاعها فيما يشبه الحلم

ليكن للأرض ِ
مُحيـّا رغيف …

وللنجمةِ طعمُ القـُبلةِ..

وللقمرِ.. وجهُ حبيب …!

وللأشجار ظلـُّها الرحيب

ولي .. أن اجمعَ ثـُمالتـَها
وأغفو ..
حتى طيفي القادم ..
أو صحوتي المرعبة ..!

ليكن هي رحلة المعافاة فالارض ماعادت فراشا ووسادة للرذيلة و-النجمة والقمر والاشجار- متممات بما يقابلها- القبلة الحبيب الرحيب لكن الشاعرة في نهاية رحلتها برفقةالمومس تتوحد بها وتتماهى على شكل اغفاءة بعد ان استوعبتها وتقمصتها حالة المومس بانتظار الخلاص واي خلاص فهو لا يبدو ان يكون الا صحوتها المرعوبة .

2

سذاجة

بعثرتُها …
كما الخريفِ
يُمازحُ أوراقَ الشجر
حرمتُها أن تحملَ اسمي
أبعدتُها عن قصائدي ..
أضعتها ..
ثم وجدتُها ..
ثم أضعتها …
أطعمتها الخريفَ ..
ولونـَهُ البني ..
وقدَرها .. المحتوم
تحت أقدام ِ القادمين
إلى الغابة ..!

طبيعة الخريف بعثرت اوراق الشجر لكن ظل الشاعرة بعد احداث عملية الانصهار حوله الى رحلة امل-لكننا امام سذاجة المعنى
يكون امام واقع يطرح سخرية الحرمان امام الاسئلة الكبرى والتي ليس لها من اجابات بعد تشكيلها الجديد فتعاود الوقائع تفرض سلطتها بعيدا عن الحلم حينما مواجهة الصحو ليعيد لها اسمها الملوث وكلماتها النابيات
– فتاخذ التقلبات شكل الوجود والعدم في صراع جدلي ما بين الاثبات والنفي المتكرر-اضعتها ثم وجدتها ثم اضعتها- فالنتيجة النهائية هي الضياع على اهواء المارقين وما اكثرهم تحت اقدامهم العابثة في زحف همجي اطاح بطبيعة الكون وعذريته-الغابة-

3

ما لم أعرف

ما ملكتُ قلماً
لأهجوَ اسمي ..!

ماعرفتُ الحروفَ
ليصحوَ الكلام

ما علمتُ أن خريفـَك
زمهريرٌ ..
لأختبئ ..
في قيظِ الرمال

ما عرَفتـُك ..
حتى عرَفَتْ أضلاعي
معنى التهشُّم ِ
على الأوراق ِ اليابسة ..
في الخريف

حتى رفرفَ قلبي
بلا أجنحة …!

حتى سكنتُ
إلى إغفاءة المتسولين
على الطرقات!

وكذلك تتجلى صور الاستهجان حينما تطلق البراءة صرختها الموجعة- مالم اعرف- احساسا وتحسسا بالظلم الموجع من خلال استخدام ما النافية اربع مرات واعرف من المفاجئة وهول وقعها المؤلم فليس من جمالية القلم الهجاء واسمي بالذات – هجوة اسمي- تذكرنا بالابيات التالية
فهل يكون البرتقال رجال امن يقتلون البرتقال
وهل يكون الزارع المزروع مصلوبا على نخلة
لياخذ شكل الخراب -الزمهرير- في شكل الجسد الغض- الاضلاع- ليس حصرا سلوكياته غير المكترثة ليهشم المهشم اصلا-الاوراق اليابسة- فكان ما كان من اشكال الضياع- بلا اجنحة- المتسولين في الطرقات-

الوأد

أوثقـُوني إليها
قبل أن يشدُّوا الرحال

تجاهلتْني قوافلُ الجمال

سـَكبتْني على الرمالِ
كقطرةِ ماء ..!
حتى نـَمَوْتُ ..
في غفلةٍ منهم ..
وركضتُ في شوارعِهم
وسكنتُ منازلـَهم
وكنت على نوافذِهم
زهرةً حمراء ..!

يتخذ شكل الميت اليرزق اشكالا وانماطا في خاصرة الضحية المكبلة-اوثقوني- والرحيل له معنى المغادرة او التجاهل وكذلك الاستفحال بالضحية واستهجان الشاعرة واضح على طريقة المستحيل لكنها ارادة البقاء- سكبتني على الرمال حتى نَمَوت- ولا ندري هل الادعاء هنا موجه لظروفها القاسية القاهرة ام لقطعان الخراب وهي تعبث بها دون رحمة بعدما اوثقوها ودجنوها في منازلهم وعلقوها زهرة حمراء دامية من خلال مرورهم الوقح كل ليلة؟

6

القبلة

كانت دمعتي
شمساً ..
وكنت أراها
لا تغيب ..

كانت دمعتي دفئاً…
ولعبة َ طفلة ..!
كانت دمعتي دائرةً ..!
ملتصقة ً بقدمي ..
العاريتين ..
الدائرتين ..
في رُحاها

كانت دمعتي قبلة

فكيف تكون شكل القبلة وطعمها ولونها- دمعتي شمسا- وهل لها من استراحة- لا تغيب-؟
فاما اشكالها فهي مابين الذاكرة البكر- دفئا ولعبة طفل- وبعدها حولتها الطرقات الى مشتهى ومنتهى للطالبين وهي على ترحال من جيب لجيب ملتصقة بدروب لم تالفها من قبل
وما اجمل توصيف الدمعة بالقبلة فهي حماًلة اوجه فمن جهة الالم حين المضاجعة غير المرغوب فيها ومن جهة الامنية التي ما بارحتها في لوحة انسانية راقية مع حبيب او شكل زوج

5
من لم تعرف

أنا أجملُ
من أن أكونَ زهرة

أقوى من أن أكونَ
مجردَ غصن

أكثرُ شراهة ً
من أن أتحولَ
إلى جذر ٍ أحمق

أنا هنا
إنْ كنتَ لا تدري
ولستُ في حدائقَ الصباح ..!

طريق العودة نحو الذات تجلى في هذه الابيات المشاكسة فالضحية تمتلك وجها اخر مكابرا لا يمكن مسخه بالكامل فالروح المتعالية لا يمكن تدميرها وما الجسد الا طريق للفناء خذوا جسدي ولكن لن تقتلوا روحي المكابرة لا محال….
وهو استدراك لم يبارح بقية المومس مادامت على قيد الحياة من خلال تعابير التحدي والممانعة- انا – اجمل-اقوى-اكثر شراسة- لتجتمع الزهرة والغصن والجذر المعافى في حديقة تباركها الشمس الضحوك

لتختتم احتفاليتها الموجعة او وجعها السرمدي باستفهامية قاسية موجهة تكررت اربع مرات على شكل مناجاة المخلص او الحاضن الابوي ولمن لها غيره تشتكي له وجعها وما جرى عليها في ظل غيابه‘ الى الضمير الانساني على شكل غيمة بيضاء تسبح في جمال السماء او على شكل الوطن وهو مغتصب بدلالة اغتصابها وتطالبه ان يصحو ولكن كيف يصحو ولمَ يصحو ومن……..؟
صرختها الوجودية الاعتراضية كون الضحية والجلاد في اعالي العليين كلاهما بالقرب من السماء فنفوذهم وسلطاتهم- مضاربهم في السماء- وصمت الوطن وخذلانه على شكل سيلان لفرات غير مُعرًف يبدو قذرا ذا رائحة كريهة تنبعث من حجرها وان في الذاكرة شكل فرات……

7
غيمة ٌبيضاءُ

هل علمتَ إذن
كيف عـُدتَ من دوني ..
وإنهم لم يقطفوني ..
لأجلِك ..؟!

هل علمتَ أن مخالبَهم
لامستْ جسدي ..
عَبَثتْ بإصباحي ..
ومساءاتي …؟!

هل لـَمَحتَ الشوكَ
على شفتي ..
واليرقاتِ على حَلمَتي
تقضم ُ براعمي الندية ؟!

هل صحوتَ
وكانَ الوطنُ غيمة ً بيضاءَ
ومضاربهُم هي السماء ..
وأمطارَه على حجري
كانت فرات؟!

لقد تالقت الشاعرة ماجدة غضبان في صياغة اسلوبها بحرفية عالية جدا وطريقة مأساوية ارتقت بالفعل الى حالة ضحايا الاغتصاب المشرعن الذي يسود العراق ما مرت الازمنة والدهور ولكنه اليوم ياخذ شكلا واطارا ممنهجا بالمافيات التي تسرح وتمرح وهي تعبث بمقدرات المرأة العراقية الفقيرة التي تآكلَت بفعلِ الحروب والدكتاتوريات المتعاقبة فجردتها من ابيها واخيها وحبيبها وبيتها ولم يبق لها سوى الانتظار لقافلة السبايا ولمن يدفع اكثر

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.