منال البستاني (ترجمة ودراسة): الذئب الأمريكي في قصيدة “أمّي” للشاعر البلجيكي Olivier Blanckart

المترجمة الدكتورة منال البستاني
المترجمة الدكتورة منال البستاني

في هذه القصيدة الموسومة ” أمي ” توجد في نفس الشاعر هوة واسعة لا تملأها إلا اللغة، هذه اللغة التي يتخذ منها الشاعر وسيلة للتأثير في الفكر الإنساني. فاللغة كما يقول استن ” ليست وسيلة للتخاطب والتواصل والتفاهم فحسب, وإنما اللغة وسيلتنا للتأثير في العالم وتغيير السلوك الإنساني من خلال مواقف كلية( ) ”  فالقصيدة ليست إلا فعلا نفسيا وجوهريا تخلقه الروح الشعرية لتتواصل مع روح الإنسان التي تطفح بالألم الفلسفي والوجودي كما تطفح بالصور الموغلة في الغموض .
أبدأ قراءتي لهذه القصيدة الطويلة والمكتنزة بالعنوان ” أمي ”  والأم هي الحضن الذي يمنحنا الشعور بالأمان والحنان والغداء. وهي التواصل الذي نغرف منه نعمة الحياة. لكن الشاعر أولفيي بلانكار Olivier Blancart يفْجأنا بصورة مجازية مثقلة بالألم: ” أمي في دورتها الشهرية ”
معبرا عن كل ما سببته الحضارة الغربية للإنسان المعاصر من ألم وعذاب، إن هذا الإبداع معذِّب, لكنه أنتج صورةً كشف بها عن الحاجات الروحية لإنسان هذا العصر الذي انعكست عليه سلبيات الحضارة نفسيا وواقعيا – فالشاعر يقول لنا بلغة الشعر القوية انه لا يجب علينا ان نحكم على الظاهر بل على مكنونات هذا الظاهر والمستتر من الفجائع ، إذ يوظف الشاعر وظيفة بايولوجية للمرأة هي الدورة الشهرية ويجسد بها صورة الحضارة الغربية التي ديدنها القوة والتدمير في حين ان الدورة الشهرية هي القوة الفعلية الكونية للإخصاب المركز الذي منه يولد الإنسان فالشاعر يعبر عن النزف الروحي المستوحد والتوتر النفسي الغامض, والشعور بالغثيان, وعدم توازن ضغط الدم, وتوعك المزاج والرغبة المداهمة بالبكاء – يعبر الشاعر عن وجع روحي, وجع بلا ملامح, لكنه اليم, يعبر عن انتهاك الإنسان الذي وصفه Carel Kosit  قائلا : ” إن الإنسان هو باعث المعرفة في الحياة والفاعلية, وان العالم بقدر ما هو عالم لا تتجلى قيمته إلا بالإنسان, وان الواقع الوحيد هو الواقع الإنساني, وان الواقع ليس واقعا إلا بالإنسان “. ( )
فالإنسان في هذه القصيدة هو الجوهر وهو الموضوع أما الحضارة الغربية فهي اللغز,  وهي منابع القلق – فالشاعر يريد أن يتحرر من القلق الروحي الذي يعيق الفاعليات الروحية والفكرية
يبكي الشاعر مرددا ” أمي ” فهذه الحضارة بدلا من أن تمنحه اليقين والإيمان, والعدالة والانسجام بددته, وهدمت في داخله الفضائل النقية التي أدت به إلى الإحباط الروحي العميق, وظلت مصدرا لقلقه وخوفه, وناقضت أحلامه الطفولية, وولدت في داخله روعا لا يقهر . ولذلك يصفها  بأنها حضارة جهنمية, شيطانية, مستعمرة ، فبدلا من أن تفرح بأنوثتها المخصبة فإنها تتحول لمخلوق مخيف:
أمي مرعبة في الأسبوع السابق لدورتها الشهرية
أمي جهنمية أثناء دورتها الشهرية
أمي لا تطاق في الأسبوع الذي يلي دورتها الشهرية
فالشاعر يجسد الشعور بالعجز عن احتمالها, كما يجسد وظيفة الشعر الرفيعة التي تنتج القصيدة بما تحمله من مشاعر متدفقة وحب وانسجام وعذوبة كما ينتج الجهاز الأنثوي الإنسان الجميل . فالشاعر يعطي للأنوثة رسما خاصا، ويجتاحه الحنين المغمور بالحرمان إلى حضارة تتسم بالظرافة والملاحة والتهذيب والحرية النبيلة, والى حضارة تشكل بالنسبة له الأم الحانية والثرية بمعطياتها للفرد والمجتمع.
إن الشاعر يشير إلى زمن سيء يتسم بالبؤس والضيق النفسي, والى هواجس هذه الحضارة المجنونة: المصابة بالوسواس, وحصر الصدر, كما يشير إلى الغم والعذاب الذي أرهقت به الإنسان : عتمة, غموض, صمت, اضطهاد.
أمي تقول إن عضوها الأنثوي ضيق جدا
أمي تضطهد عائلتها أثناء دورتها الشهرية
ونتيجة هذا الاضطهاد للإنسان والتنكيل به؛ فإن الشاعر يأخذنا إلى رائحة الدم المثيرة للغثيان ، حيث يتحول الدم من كونه إشارة نبيلة وفاعلة للحياة إلى إشارة لسوئها, ويكرر تكرارا إيقاعيا مؤلما :
أمي حائض
إن الأم / الحضارة ليست وحدها النازفة, بل أن روح الشاعر هي التي تنزف, إنها روح مجروحة تريد أن تتطهر ويجتاحها الحنين إلى الله والى الخلاص من الظلم والتأرجح وغياب الامن ، إنه يصور لنا انحراف هذه الحضارة عن طريق إسعاد الإنسان :
أمي أسنانها منحرفة
أمي أسنانها قد زال نسيجها الحي
أمي عندها تيجان وجسور
أمي أسنانها منخورة ومسودَّة
مسدودة بـ امالكام ابيض
أمي أسنانها سيئة بشكل دائم
إن الشاعر يصور الجانب الأسود من هذه الحضارة التي نخرت روح الإنسان وعذبته وكدرت حتى دمه . إنها مشوهة, قبيحة, لقد فقدت بهاءها وشبابها وعنفوانها – إنها في حالة شيخوخة, تناقضات, و تحريض وعناد, وعنف, وضراوة وإحباط وسقوط وحرمان . وهي لا تكف عن الصراع من اجل إشباع طموحاتها المنحرفة .. فالشاعر يطمح إلى الغذاء السماوي والكمال الروحي والى الانفتاح اللغوي والثراءات السرية والمعارف المستقيمة التي تبني العالم على القيم الإلهية والإنسانية . إنها حضارة قبيحة لأنها بعيدة عن الله, بعيدة عن الطبيعة, بعيدة عن الجمال . ثم يأخذنا الشاعر إلى ضآلة هذه الحضارة القزمة :
أمي قصيرة
أمي أقصر مني
أمي قصيرة جدا
فهذه الحضارة ليست إلا مسخا أو غولا, أو شيئا مخيفا مغايرا للطبيعة . إنها حضارة عديمة الشعور بالمسؤولية وظاهرة من الظواهر التي لا يمكن السيطرة عليها, إنها حضارة غير قابلة للثلم ولا للجرح لفقدانها الإحساس, فهي مهرجة ومقترفة لكل ما يتجاوز العقل تصوره بما تمتلكه من قدرة على الإقناع الحدسي والغريزي وبقزامتها هذه تتسلل وتسمع وترى وتختزن كنوز العالم وأسراره كما أنها حضارة ثرثارة لان ” الأقزام يثرثرون ”  ( ) لكن ثرثرتها مليئة بالألغاز, إنها شيطانية, مؤذية. إن الشاعر يأخذنا إلى صورة تخدش العين وتؤذي الروح حين يقول:
أمي تلقي فوطتها المليئة بالحيض
في سلة أوساخ المطبخ
فان الحنين إلى النقاء يجتاح الشاعر الى كل مايبعد عنه الشعور الغثيان . فالإنسان كما يقول ميرسا إلياد Mircea Eliade   ” ينزع دائما إلى العيش وكل ما يحيط به مقدس قدر الإمكان, وكل الأشياء تملأه بالود, فالمقدس مكافئ للقوة والقدرة وخاصة  فيما يتعلق بالواقع, فالمقدس محصور بالإنسان, والقوة المقدسة ليست إلا واقعا وصفاء وفاعلية في آن معا, والتناقض بين المقدس والمنتهك ليس إلا تناقضا بين الواقع واللاواقع ” ) )
إن الشاعر يستهجن هذا الفعل ويجدُّ في البحث عن واقع يفيض بالقيم العليا ويستهجن المجتمعات التي يعيش فيها الإنسان بعيدا عن السماء, محروما من السكينة, فالشاعر يرغب بالعيش في واقع لا ينتهك حرمة الأشياء, ولا يمتزج به الطاهر مع النجس انه يعبر عن حرمان الإنسان الغربي الذي يعيش في فضاءات لا تتيح له الحياة الروحية المبنية على القيم الإنسانية والنفسية والجمالية والفلسفية والشعرية التي يتجلى بها التجانس والنقاء المطلق، ” فظاهرة المقدس تشيد – من حيث علم الكائن – العالم, في امتداد متجانس ولا متناه, لان أية علاقة لا يمكن أن تكون ممكنة إلا بتحديد الاتجاه, فالتجلي يكشف نقطة محددة, مطلقة إنها ” المركز ” ( )
فالشاعر يؤكد لنا أن الفضاء الذي يحف به النقاء ذو قيمة وجودية بالنسبة للإنسان, فلا يمكن للروح الإنسانية أن تولد في هباء الللا متجانس – وبذلك يكشف لنا الشاعر القيمة الكونية لكل ما هو غير مدنس في هذه الحياة . كأن روح الشاعر تتوق إلى العودة إلى الله , وهذا ليس إلا تعطشا إلى النقاء, وليس إلا شعورا عميقا بالاغتراب يثيره فيه هذا الواقع غير النقي – انه يدعونا إلى الإيمان ببناء الحياة التي يتألق بها البهاء وان ندشن حياة جديدة مليئة بطاقة سليمة ومعافاة من كل نزف ومن كل نتانة . ويجذبنا نحو رؤية جمالية للذات الشعرية وللأشياء التي من حولها والتي تتنافى مع الذات الشيطانية التي تريد أن تقتل مواطن الجمال في نفس الإنسان وفي الواقع .. ففي الشعر يجد الشاعر الوسيلة التي تتيح له الفرصة لخلق واقع أكثر قيمة وجمالا, فهو إذ يتأمل هذا الواقع فانه يبين لنا مكامن القبح فيه .. فالمتعة الجمالية متعة روحية بحتة يصبو إليها الشاعر ولكنها أيضا متعة بصرية تدخل في صميم البهجة الوجدانية التي تجعلنا نتغلغل إلى المعنى الباطني العميق الذي يبعثه فينا تأمل الفن والجمال بقدر ما يبعثه فينا تأمل الواقع الحاضر من شعور بالغثيان – فالشاعر يعبر عن الواقع بدافع السخرية والتهكم والتمويه, لكن هذا التعبير يدل على ان روح الشاعر تطفح بألم المأساة إذ يشير إلى أمراض هذه الحضارة :
أمي ضخمة اللوزتين
إنها صورة مجازية يجسد بها الشاعر الحضارة الغربية بصورة إنسان مصاب بالحمى العالية أحيانا وبالقشعريرة والارتجاف بردا, وعادة ما تكون هذه الحمى مصحوبة بالهذيان, والهلوسة. أنها حضارة مخنوقة الصوت, موجوعة البطن, تتقيأ, تضخمت غددها اللمفاوية الموجودة في البطن, أصابها الزحار والإسهال وفقدان السوائل,’ انها منهارة القوى, لم يعد لها ما تستند عليه:
أمي ضخمة الركبة
ساقا أمي بلا هيئة
يشخص لنا الشاعر كطبيب أخصائي مرض هذه الحضارة بصورة أكثر مأساوية وهي إصابتها بالتهاب المفاصل وما يصاحبها من حمى الروماتيزم, وازدياد ضربات القلب والتهابه, وضيق الصمامات . الذي يؤدي إلى عدم كفاءة القلب ثم عجزه ، ومن ثم اندحاره .
إن هذه الحضارة قد فقدت كل مرتكزاتها الفكرية والسياسية ” فالركبة هي الكرسي للقوة وللجسد وللسلطة الاجتماعية للإنسان ” ( )
إن هذه الحضارة حضارة ذليلة لأنها فقدت أسلحتها السحرية والدفاعية . إنها محبطة الرغبات والطموحات . وإذ يصفها الشاعر بعجز القلب فأنه يشير بذلك إلى افتقار الإنسان الغربي إلى العاطفة التي هي المركز الحيوي للكائن الحي – أي أن الإنسان الغربي لم يعد في جوهره إنسانا, لأنه منكسر القلب, مثقل بالحزن, صامت, لان الشاعر يصور لنا الفقر والعزلة الروحية لذلك الإنسان قائلا:
أمي شعرها قليل وهزيل
أمي شعرها خشن وهش
إن الشعر كأي عضو من أعضاء الكائن الإنساني انما هو ” رمز للحفاظ على ديمومة العلاقات الحميمة بتراكماتها الروحية ” . ( ) فالحضارة الغربية تفتقر إلى الفضيلة التي تجسدها الحياة العائلية والذكريات – لقد زال جمال هذه الحضارة لأنها جعلت من الإنسان كائنا ممزقا ومبددا فهي حضارة في حداد, لأنها فقدت شمسها لان ” الشَّعر في أعرافهم ليس إلا صورة للشمس “( )
إن الشَّعر الإنساني الكثيف يعتبر ” رمزا للحفاظ على العلاقات الحميمة بتراكماتها الروحية ” . ( ) لأنها حطت من قيمة الفرد وغيبت صورته الكونية, وأفقدته هويته – فالشاعر يريد للإنسان إن يسترد قوته الحيوية, وان يؤمن بالحب وأن تعود إلى روحه الشمس المتألقة بضيائها .
فالحضارة الغربية ليست إلا شمسا غائبة – كما انها حضارة مجنونة :
أمي ستكون وبشكل طبيعي
منفوشة الشعر
لأنها حرمته من الحماية والأمومة والحنان والسكينة والحلاوة والغذاء الروحي فانه يقول :
أمي سميكة البشرة
أمي بلا نهدين
أمي ذات عظام خشنة
فالشاعر هنا لا يشوه الامومة حسب ، بل يشوه الانوثة أصلا ، كون الانوثة حضارة لأنها الجمال وباثته معا ، إنه يريد إن يعود إلى لغة الأم الأصيلة , لغة الحليب, لغة المناغاة, لغة الحلاوة الجوهرية, والى لب الفعل الخلاق, إلى الإنسان الأولي بعيدا عن خشونة الحياة وقسوتها في الغرب الذي يعدّه الشاعر عالم الموت والفناء – انه غدا مقبرة حين فقد أهم مرتكزات الحضارة بقيمها الانسانية . إذ أن للجمال سطوته على الروح, كما ان للعطور سطوتها بما تمتلكه من قوة سحرية وبما تثيره فينا من مشاعر شفافة,  فان الحضارة الغربية تجسد النقيض للمثال الجميل لأنها جيفة :
أمي تفوح نتانة
إن الشاعر ينكر علاقاتها بالحياة وبالقيم العليا لأنها مقنَّعة بقناع الشيطان ولأنها جسدت في اللا شعور قوى غامضة وكأنها جثمت على روحه وأجّجت فيها طقوسا جنائزية, وقتلت فيها فيضا من مذاقات الحياة الحلوة التي يسبح فيها عالم الغيب الأثيري النقي .
فكأن العالم قد أصبح في رؤية الشاعر عالما شبحيَّا مبنيا على اللاواقع . لذلك فالشاعر يبحث عن الضياء ” لان العطر رمز للضياء ” ( )
لقد لوثت هذه الحضارة الفضاءات الداخلية للإنسان كما لوثت الهواء :
أمي تفوح رائحة إبطها
إن هذه القصيدة خفق مأساوي لروح الشاعر الذي يجسد الجانب المفجع لهذه الحضارة التي  تميل بطبيعتها إلى المأساة المتجلية فيما يشير إليه الشاعر من قصص وحكايات وأساطير وباليه وأوبرا وأسماء لموسيقيين كبار مثل تشايكوفسكي وباخ ومغنية الأوبرا ماريا كالاس وموزارت وغيرهم. فهؤلاء قد عبروا بالموسيقى والرقص و الأوبرا عن الألم والوجع الإنساني بانين الموسيقى العالي ؛ فالموسيقى كما يقول طاغور ” هي أنقى أشكال الفن, وهي اقرب تعبير عن الجمال, إننا لنشعر أن إفصاح اللانهاية في الأشكال المحددة من الخلق هو الموسيقى نفسها تنساب صامتة ظاهرة ” ( )
إن الشعر والموسيقى هما من الفنون التي نشعر نحوها بالألفة والانجذاب لأنهما يشعران الإنسان بالانسجام والتناغم العجيب مع الحلم الذي يختبئ في سكون أعماقنا. إن الشاعر يخاطب بهذا المنطق القلب والعقل معا، انه يأخذنا مع الموسيقى والأوبرا والباليه إلى الحب والفرح الذي غنى ذات صباح ثم صمت إلى الأبد لكن الشعر والموسيقى جعلا من هذه المأسي صوتا ناحبا وباكيا وخالدا وسط ظلمة تلك الحضارة الكارثية .
ان الشاعر يعبر عن الحياة المعاصرة التي تتسم بفقدان كل ما نعتبره حقيقة وأساسا جوهريا, اذ يلتبس معا في غموض قاتم الزمني واللازمني, المادي والروحي, الجوهري والعدمي. إن الشاعر يبحث في القصيدة عن الموسيقى التي تناديه نحو الحياة بنور الحب المتأجج والممتزج بموسيقى الكون الكبيرة .
إن هذا الألم الجارف تُمليه محبة للحياة  ورغبة بها ، ويذوب دوما في قلب الشاعر ثم تتسلل أغاريد وتراتيل وأناشيد في هذه الحضارة المتشحة بالسواد . فألانا الغائبة ليست إلا تجميدا لحالة الغيظ, وتعبيرا عن الم حاد اذ انه يكبت كراهيته لهذه الحضارة في اللاوعي وإذ يتألق هذا اللاوعي في اللغة الشعرية فانه يلقي ضياء ساطعا على الكثير من العمليات والتعقيدات الروحية الصعبة في حياة الإنسان المعاصر .. إنها حالة وجودية من الوحدة والقلق قد تجذرت حتى بدت وكأنها مظهر من مظاهر الحياة اليومية ؛ لان المجتمع الغربي اتجه في حياة إفراده اتجاها فرديا, لا وجدانيا, وليس اتجاها عائليا قويا متماسكا . إن الشاعر يدعونا إلى الحياة الجمعية, لان العزلة والوحدة كلها عوامل تعمق فينا الشعور بالقلق والتمزق وفقدان الطمأنينة وتمحو كل أمل في الحياة . فالتطور السريع للغرب أسهم مساهمة فعالة في تهديم الأسس التي شيدت عليها الأمم أنظمتها الدينية والفلسفية.
إن قيما كهذه تبدد الشعور بالاكتئاب في حياة الإنسان, ويشخص لنا الشاعر كآبة هذه الحضارة بأنها كآبة قلقية, وسواسية, هستيرية, تسلطية, هذيانية, متناقضة :
أمي ضد الروحاني, الزنى والفجور
أمي لها خف منزلي ومزلج تدور به في البيت
أمي تضع السجاد فوق الكاربت
أمي تخاف بهلع الفضاءات الفارغة
أمي مدفونة بالتحف
أمي تصرخ ضد كل من يجلب القذارة إلى بيتها
القذارة تؤذيها لأنها
تحب النظافة
وإذ يقول الشاعر :
أمي أصابتها الزائدة الدودية
فانه يرى فيها صورة من صور الحيوانات البحرية التي تسمى ” المغلفات ” أي الحيوانات التي غلفت أجسامها بغلاف جيبي الشكل – انه يصور لنا الفضاء الداخلي المبطن لهذه الحضارة التي هي برؤية الشاعر رمز من التغليف للعقائد الفلسفية والأفكار  الأخلاقية التي ضاعت في عصرنا, والتي شعرنت الفلسفة وفلسفت الشعر، ويقودنا الشاعر إلى التأمل العميق للواقع الإنساني الذي يحيط به الغموض, اذ أننا نجهل ما تخبئه لنا هذه الحضارة من مصائب محددة أو غير قابلة للتحديد . وإذا ما أخذنا الزائدة الدودية من وجهة نظر إنسانية فان هذه الحضارة بوضعها الحالي لا دورَ لها في الجسد الإنساني الذي يمكن ان تداهمه بالورم والانفجار المفاجئ والمسبب للموت – أما عند الحيوانات فان الزائدة الدودية تساعد معدة الحيوان على هضم الإعشاب …
أمي أصابتها حمى قرمزية
يؤكد الشاعر تشوه هذه الحضارة ذات الطفح الجلدي, المحمص, إنها حضارة … وبائية, معدية, مكورة عقدية –خانقة متقشرة البشرة, ملتهبة الكلية, شغاف قلبها ملتهب, مصابة بالتهاب السحايا – إنها حضارة ڤايروسية, سامة .. وعاجزة عن تلبية الحاجات الإنسانية روحيا, ثم بهذه الأمراض أصبحت على شفا حفرة من الموت .
وإذ يقول الشاعر :
أمي قالت أنهم عذبوها كثيرا
اسمع في الأسطر أنينا داخليا وصوتا مخنوقاً يجهش بالبكاء، واستفهم إلى من تعود ” إنهم ” ؟ إنَّ ” هم ” المتصلة بان المؤكدة تعود إلى القوة الخفية التي انحرفت بالحضارة عن القيم الإنسانية، وعن الأهداف السامية, والقوة الخالقة والإرشاد, وجعلتها في احتضار طويل ولم تخلصها, بل جعلتها تعود القهقرى بمخاضات عسيرة ووجع اليم وجراحات .. ونزف روحي وتقيح جسدي ..
إن هذه الحضارة أرادت حتى أن تلغي قانون الطبيعة وتزيله, ونشَّقت الإنسان سموما وعطلت قواه الخلاقة وحرمته من ان يعيش بفرح يقظ سعادة الميلاد :
أمي أنجبت بعمليات قيصرية
أمي تلد تحت تأثير البنج
إن هيمنة المادة على هذه الحضارة قد ضيقت على قوة الروح الخلاقة وضيقت قنوات بذرة الفعل الكوني ولم تحقق العدل والتوازن في بناء العالم الإنساني وديناميكيته .
أمي ضيقة جدا
أمي مخاضها عسير وطويل .
إن الشاعر يبحث عن الانفتاح والثراءات المعرفية الإنسانية التي تفتح قنواتها للفرح الخصب والعدالة والسلام . ثم يصور لنا هذه الحضارة العنيدة المتأثرة بمزاجها الفردي الذي يرغم الآخرين على الانقياد والاستجابة له . إن هذه الحضارة تبدو ملونة بالأهواء والأغراض والميول الخاصة والذاتية . لأنها تلغي المداولة والحوار وتبادل الرأي بالنسبة لموضوع أو مسالة معينة . أي أن النقاش والبحث لا يؤدي إلى قرار أو نتيجة بصدد الموضوع .. إن هذه الحضارة هي الـ ” أنا الأعلى” في حين أنها لا تضفي معنى بالنسبة لوجود الآخر, ولا تلتفت إلى الحاجات المميزة لكل فرد على حدة . أنها حضارة القسر والقهر –  يعبر الشاعر عن قوة داخلية غير قابلة للصد والمقاومة لأنها ترغم الإنسان وتجبره على تأدية عمل ما دون أن تكون لأرادته دور في ذلك .
فالشاعر هنا يبحث عن لغة للحياة تمنحه الرضى والارتياح وتحقيق الرغبات والتطلعات التي يصبو إليها الإنسان دون قهر ولا قسر :
أمي نصيرة الأغذية الطبيعية
أمي تفرض أكل الخبز على المائدة
أمي تفرض أكل الخبز على الغداء
أمي عنصرية
إن الشاعر يشير هنا إلى العولمة التي كان من المفروض أن توطد التواصل بين الانسانية فكانت سببا للهيمنة واستلاب الشعوب هويتها ، إنها تريد أن تخالط الناس وتفيض على نفسها بالمدح, تريد أن تعبق العالم برائحتها وتتفشى كظاهرة إنفتاح على العالم وعلى الاقتصاد والتجارة العالمية جاذبة إليها القلوب كسيل جارف, نصيرة حرية المبادلات السياسية والاقتصادية بما تملكه من وسائل نقل واتصالات فائقة التقدم.
إن أمريكا قوة سياسية غريبة, سلطوية, دكتاتورية مطلقة, جبارة مضطهدة ، وهذه الحضارة ظهرت إلى العالم بملامح العذراء النقية, ثم تدربت وأصبحت لها ميولٌ توسعية غير شرعية, شديدة القلق على مصالحها المادية والاقتصادية والسياسية, وفي رغبتها في الهيمنة والتسلط والاستحواذ في السيطرة على العالم بمفردها, أزاحت القوة المناوئة لها وهي الشيوعية المتمثلة بالاتحاد السوفيتي الذي حولته من دولة عظمى إلى أقاليم متفرقة :
أمي تكره الشيوعية
أمي تخاف من الشيوعية .
إن الحضارة الغربية تضطهد الإنسان وتضع العراقيل في طريقه وتحاول الإطباق عليه في وضعه الحياتي الراهن لأنها أضعفت إرادته ولم تغرز روحه المعنوية, وضايقت حركته, فالشاعر يبكي من القيود والسلاسل التي تعيق فاعلية الإنسان, وتسد منافذ الضياء في وجهه :
أمي تؤنب زوجها الذي يسد بغائطه المجاري بإحكام
أمي تطلب من أبي أن يتغوط
في المرافق الصحية العامة
عندما يكون خارج البيت
أمي تقول أن غائطها لا يسد المرافق
أمي تعزو ذلك إلى أن الرجال يأكلون كثيرا
ثم يشير الشاعر إلى النظام الرأسمالي الذي الحق الظلم بالعالم في مجال الحياة الاقتصادية, وبدكتاتورية حكمه في الحياة السياسية .. أعلنت أمريكا معاداتها للحضارات التي أنارت الروح الإنسانية بالقيم والمعارف المزدهرة .. حقدت على أم الحضارات التي هي حضارة وادي الرافدين وسحقت بدباباتها وطائراتها الآثار الجميلة. إن أمريكا عدوة الجمال والأصالة . تتطفل على الجمال الأصيل والعريق. أمريكا حضارة فضولية, متناقضة, هجينية, تهدم وتنتقد :
” أمي أججت حروبا وقامت بانتقادات ”
ولكن كما يقول الشاعر :
” أمي فاتها كل شيء ”
هنا تتألق الحسرات بعتمتها الحالكة فالحرمان من الماضي العميق يؤججها حقدا وكراهية على الحضارات العريقية ، كحضارة وادي الرافدين والنيل والهند والصين ، فهي عدوة الضياء – إن أمريكا هي الموت والظلمات – ان الشاعر يحب العفة صديقة الضياء .. إن ضياء الحضارات العريقة قد أعماها حقدا .
أنها تتخبط, مرتبكة .. محرومة من الاستقرار العاطفي , ومن الأصالة .
إن أمريكا بلا نسب, أنها ابنة الزنا, بل تراكمات من الزنا والحيرة والتعقدات والتشابكات والتداعيات :
لأمي عدة أزواج
وعدة أولاد
إن أمريكا في رؤية الشاعر تظل جائعة جوع الذئاب والكلاب :
أمي تعوي
أمي تسقط على الأرض وتصرخ
إنهم يجعلونها مجنونة
أمي تسقط على الأرض وتصرخ
إنها تتقيأ
أمي تنبح
إنها تتقيأ
أمي تتمرغ
أمي تسقط يابسة على الأرض
أمي تعوي
أمي تعوي
أمي تعوي
ان الحضارة الغربية ( أمريكا ) تشكل في رؤية الشاعر,الظل, الهاوية, الجحيم والعتمة التي تلتهم الضياء – إن الشاعر في متاهاته النفسية يبحث عن ممرات تخرجه من العتمة . لأن هذه الحضارة تشكل له فوهة الذئب, من أعماق روحه يصرخ الشاعر بان هذه الحضارة مقبرة يعوي بها ابن آوى .. انها تقتات على الجثث, حضارة تنبئ بالشر – إنها حضارة الرغبة والجشع والشراسة , حضارة حسية , احتدمت وتفاقم داؤها, تجسدت بشكل كلب وحشي له رأس ابن آوى, أو كلب تائه, يعدو بسرعة عدوانية.
إن أمريكا كلب – ذئب – ابن آوى ..
كلها رموز للشراسة والموت والتيه والعذاب الجهنمي الذي يجسد به الشاعر عذاب الروح الإنسانية – وإذا ما ربطنا بين الكلب والفهد فان هذه الحضارة هي حضارة جنائزية, مأتمية لان جلد الفهد يرمز إلى الإله Seth  ” اله الشر, عدو الإنسانية ” ( )
إن أمريكا ترمز إلى الغطرسة والعجب, إنها حضارة صيادة, حربية عنيفة, ترمز إلى الشراسة والضراوة والقساوة والتوحش جاعلة من نفسها رمزا للمهارة والقوة . إن أمريكا مرآة مكسورة, حضارة قمرية, استمدت نورها من الحضارات الشرقية الشمسية . إن أمريكا تعكس صورة الكوارث والنكبات والمصائب والآفات التي دمرت العالم.
إنها داهية دهماء, تهاجم بسرعة, إنها حضارة تعوي – فهي ليست إلا ذئبة شرسة لا ترمز إلا للفجور, فهي حضارة خصبة ماديا ، بل وشديدة الخصوبة المادية بمخترعاتها وبما قدمت للانسان من عجائب ، لكنها ترمز إلى الجفاف الروحي لأنها ولّدت في حياتنا القلق والشعور بالاضطهاد والخوف الملازم لا شعوريا لأنها حضارة الفكر المؤذي, حضارة المكر والمكيدة والخلل واللا توازن , والكتم والكتمان – إن أمريكا تصرخ, ولا تكف عن الاحتجاج والانتقاد, لكن احتجاجها ليس شرعيا لان نزعتها ليست نزعة الاهتمام باحترام الشرع بدقة, فهي لا تلتزم حدود القانون الأخلاقي, وتنتهك وتزني كما يحلو لها .. تنتهك المكان وبقرار حازم, تصرخ وتؤذي وتسبب شللا لان الصراخ المفاجئ يؤدي إلى فقدان القدرة على التماسك بسبب الخوف العميق والترقب لحدث جلل . إن أمريكا ستصرخ في عتمة ليلها لأنها أرعبت الشعوب بالحروب والضجيج, وتستجدي لأن أعاصير القلق والخوف تجتاحها ..إنها تتمرغ – إن أمريكا استباحت الحرمات وأججت الوجع الإنساني, وقتلت في الإنسان صرخة الفرح والحب والخصب .
ويجعل الشاعر من أمريكا ” حرباء”, إنها دبقة ولزجة .. إنها تتلون بكل الألوان .. وهي حضارة النفاق, لها القدرة على عقد الصفقات مع أي كان, ولها القابلية على التكيف لكل الظروف ولها أيضا القابلية على اعتناق كل الأعراف والتقاليد في كل وسط وفي كل محيط, متغيرة, متقلبة, متلونة وبمشيئتها تغير مصالحها, متعددة السياسات المخجلة والشائنة, تفتقر إلى الأصالة والشخصية , إنها حبيسة دهاليز المتسلطين, تمشي على الوحول, تجسد الفعل المقنع الذي ينتزع من مخاطبه كل حججه المقنعة والدفاعية, معسولة اللسان, وظيفتها الكذب, تداهم الفريسة وتأخذها على حين بغتة .. إن أمريكا تدرس خططها بدقة دون الخوف من المخاطرة والمغامرات .. تتفقد المكان وتستكشفه فبل أن تتقدم خطوة, تدور في محور من يجاورها, تخفض رأسها لكن عينيها تدور في كل مكان, تراقب متخفية وشديدة الحذر, تتربص, لا تذعن لأحد ولا تحاور احدا ولا تسمع لاحد , لكنها تتلقى كل الأخبار .. إن أمريكا تتبختر من الخيلاء .. الجبن صفة من صفاتها, تستولي على خيرات العالم – إن أمريكا تجاوزت كل الأنظمة الكونية والنفسية والأخلاقية .. إنها ثنائية القطب, ليلية نهارية قد ولّدت في نفس الشاعر وفي النفس الإنسانية الخيبة . وإذ يقول :
” أمي تخور ”
فإنه يجعل منها بقرة , إن الشاعر يريد أن يعيد إلى الحياة مظهرها الإنساني – فهو في رؤيته يجد أن تطورات الحضارة الصناعية قد هدمت الفضيلة .. إن الشاعر يريد أن يعود بنا إلى الحقول الخضراء والى الضياء والى الرقص والفرح في صحراء الحياة, والى التطهر لان الحضارة الغربية مثقلة بالخطيئة, بالجرم وبالحرام – إنها حضارة عديمة الشعور بالمسؤولية .
وإذا ما ربطنا الحرباء بالخنفساء فان الشاعر يعتبر الحضارة الغربية ( أمريكا ) من المحقرات من حشرات الأرض, موصوفة باللؤم – صديقة العقرب والأفاعي إن هذه الحضارة ” ألج من الخنفساء ” ( )
إن الحضارة الأمريكية ” أفحش من فالية الأفاعي ”  ( )
إن هذه الحضارة تموت في ريح الورد, أنها جُعل, ” لان الجعل يموت من ريح الورد ”  ( )
إن أمريكا حضارة مستقذرة, نتنة
إن أمريكا جُعل ” تقتات على الغائط  , والزبل ”  ( )
وقد وصفها الشاعر الغربي بأنها حضارة شديدة الغدر وهي ممن تشتد الحراسة منه كذوات الأنياب من الذئاب والحيات, وذوات المخالب والعقارب والخنافس, عدوة الضياء :
أمي عابسة في صورها
أمي لا تطيق الضياء
إن الحضارة الغربية تشكل في رؤية الشاعر دودة ، والديدان هي المتطفل غير المرغوب به, إن أمريكا متجددة القذارة, لأنها تجسد الشبق المدمر الذي يذهب برونق العقل وبهائه . إن أمريكا في تفسخ وتحلل ، وبزوالها تسترجع الحياة نظافتها وطاقاتها الجوهرية وعافيتها ونظامها الفائق لأنها تشكل الحضارة اليرقانية, الدعموصية, البدائية التي ابتلعت روح الإنسان ونخرت العصب الحساس في جسده, فهي في ميولها المادية ليست إلا طامة كبرى .لأنها اقذر من الخنازير, انها حضارة ممسوخة, قبيحة المنظر, قبيحة الصوت, تتميز باللواط المفرط, والأخلاق السمجة, وهي أقبح من القرد, لان ” الخنزير أقبح من القرد ”

إن هذه الحضارة في رؤية الشاعر سريعة الانفعال, سريعة الغضب, سريعة التهيج لأنها تنتمي إلى العالم الحسي, عديمة الرزانة, تقفز من حرب إلى حرب, من صراع إلى صراع, إنها حضارة ذات أهواء غير قابلة للتهذيب, تتباهى بما لها من طاقات مدهشة ولذلك فان الشاعر يدعونا دعوة جوهرية إلى لغة خطاب يتسم بالحكمة والاتزان .
أمي ستكون عمياء
الشاعر يقول هنا أن هذه الحضارة تجهل الواقع الانساني الجلي, فهي إذن حضارة مجنونة, شاذة غريبة الأطوار, وعديمة الشعور بالمسؤولية . لكن الروح الشعرية تبصر العالم, ولا تجهل المنظر الخداع لهذه الحضارة .
إن الروح الشعرية تمتلك خاصية معرفة الأسرار وسبر الغور العميق . الشاعر هنا هو الملهم و صانع المعجزات, الثاقب الرؤية .. إن الشاعر يعري هذه الحضارة ويصادف على عقوبتها بقلع عينها لأنها انتهكت القانون الإنساني.
إن لغة الشاعر هنا هي العين الثاقبة, هي شمس متلألئة لأنها تستحضر صورة حضارة لا تنتمي إلى العالم الإنساني – إن لغة الشاعر تخترق العتمة المطلقة لتعبر بنا إلى الضياء والى الحقيقة.
” أمي ستكون صماء ”
تقول العرب ” ضربان من الحيوانات لا يسمعان الأصوات وذلك عام في الأفاعي والنعام ”  ( )
أي أن هذه الحضارة لا تسمع صوتا يثنيها عن جورها ويردها, وهي خرساء فهي إذن صامتة, تكثر القتل وسفك الدم ولم تعد تفهم حتى نفسها فصارت في معنى الأصم ولهذا أطلق عليها الشاعر حضارة صماء لان صوت الشاعر ارتفع عليها – ويصفها الشاعر أيضا بسوء التدبير فهي صماء وخرساء, فهي تضرب وتقتل وتقصف وتسلم أهلها إلى القسوة والى التهاون بدم الإنسان .. فكأنما الشاعر يضج بالدعاء عليها والتضرع لأنها تنقض العهود .
أمي سلحفاة
إن الحضارة الغربية وان كانت حضارة كونية فإنها رغم ذلك حضارة عنيدة, لجوجة, متصلبة الرأي, جهنمية, جامحة, لكنها جبانة مستسلمة . إن الشاعر يشبهها بزوج مخدوع أو منتهك .. إن هذه الحضارة تنذر بنهاية العالم لان لها من القوة والمعرفة التكهنية والفنون التي جعلت منها نقطة انطلاق نحو التطور المسموم الخطير جدا وحيث إننا اشرنا إلى جبن هذه الحضارة فلا بد من الإشارة إلى النعامة التي تخفي رأسها في الرمال. وإذ يقول الشاعر :
“أمي تكره الروحانيات ” فان الشاعر يتوق إلى لواعجه إلى كل ما هو روحاني, لان هذه الحضارة اتسمت بالمكر والدهاء والخبث في إدارة مصالحها وتجردت من العاطفة والحس وانعزلت بأطماعها عن الذات الإنسانية .
” أمي قمر ميت ”
هذه الحضارة محرومة من الضياء, إنها حضارة تابعة ذات إيقاع بايولوجي مرت بتحولات كتحولات القمر : ولادة, تطور, محاق وموت . إنها حضارة الماضي, حضارة جهنمية, مأتمية, ترمز إلى المعرفة المنحرفة ذات الأسلوب الاستدلالي, المنطقي غير الحدسي, الاستطرادي, تنتقل من موضوع إلى آخر, ترمز إلى ما كان جمالا وضياء في مساحة شاسعة العتمة – ان ضياءها ليس إلا ضياء منعكسا –هذه الحضارة رمز للمعرفة النظرية والتصورية والعقلانية إنها حضارة الخيبة, حضارة مبنية للمجهول, مائية, نارية, أرضية, سماوية سارت على آثار الحضارات العريقة, تفتقر إلى الاصالة, تحسد وتحقد على الحضارات الأجمل منها فهي عدوتها . ان ادم الإنسان خرج ملعونا من الجنة وعاش تائها .. وان إنسان هذا العصر أيضا تائه, فالشاعر يريد لشمس الحب أن تسطع لأنه لا يحب لون الشفق والأفول, بل يحب الشمس والعدل لان الإنسان صورة كونية ممتدة عبر كل العصور مطلقا بحيويته الفكرية والمعرفية عبر كل الآفاق – إن الحضارة الغربية جسدت الجانب المعتم والغسقي وقمعت روح الإنسان . إن الشاعر يطمح إلى حضارة جديدة ولغة حميمة تعود بنا الى هدوء الحدائق النفسية التي تلوذ بها, والى الأغاني التي لا تدرك باللمس, بل بالحس الدقيق الذي يكمن في فردوس طفولتنا .
” أمي سادية ”
إن هذه الحضارة تعذب الآخرين لأنها قست على الإنسان من اجل تحقيق غاياتها المادية والمعنوية لإرضاء نزعاتها الداخلية الجامحة لممارسة الإيذاء والعنف بحد ذاته .. إن الشاعر يصور لنا هذه الحضارة  ذات نزعة ترتبط بغريزة التعدي والأذى .
أمي ولدت عام 1936
” إن رقم 36 هو رقم التماسك الكوني, والتقاء العناصر والتطور الدوري . ” ( ) إن الأمركة ليست إلا انحرافات ومشتقات ومتفرعات أربكت العلاقات بين الأرض والسماء والإنسان, وبين الأمم التي فاقتها بالتطور منذ القدم السحيق والتي شكلت حضاراتها شمسا ساطعة . إن أمريكا انقلبت على الأمم والشعوب وأرباب العقول الذين صقلتهم الحضارات يدفعها الحقد والحرمان الحضاري ويهيجها الشعور باللا كمال, بالشذوذ والتفاوت, وبعدم انتظام دقات القلب, وباللا اتساق في البناء النفسي, وبعدم الشعور بديناميكية كينونتها, فبدت كانها كائن مبتور, مقطوع ناقص . ان ظهورها في العالم جسّد الرعب كظهور الافاعي والتماسيح والكلاب الشرسة والخنازير, كما أثار الاشمئزاز والشعور بالانزعاج الذي تثيره الحشرات السوداء كالبق والذباب والخنافس – إن أمريكا مقتدرة لكن ليس لها أنفة الأسد وكبريائه وعزته وصورته الشمسية والملكية, ولهذا لم تشر الصور والرموز والدلالات التي وردت في القصيدة إلى ذكر الأسد .
إن أمريكا هذه القوة الأحادية المدمرة ليست إلا كارثة كونية تجسد القوة العمياء – لان هدف الحروب الجوهري هو القضاء على الشر, وتشييد صرح السلام وتحقيق العدالة والانسجام على كل الأصعدة النفسية والسياسية والاجتماعية ، لكن أمريكا عكست هذا المفهوم الجوهري وحولت الحرب الى قانون للتسلط والقهر ونهب الشعوب .
إن الإنسان في هذه القصيدة هو القوة لأنه ركيزة كل التوجهات الوجودية التي تقوده الى الانتصار على الشر ، فالشاعر ينتقد خيانة الذات وضرب المحرمات وطعن المقدس :
أمي تريد أن أمارس الحب معها
أمي تخطئ في الأسباب التي
تمنعني من أن أمارس الحب معها
أمي تتخيل أن سبب رفقتي
هو التخطيط البنوي
أمي لا تتصور مدى تقززي
من فصيدة دم الخنزير المصفرة التي
هي أمي
في هذه الابيات  يسم الشاعر الحضارة الغربية بالاضطراب الوجداني والإباحية المطلقة, فهي عاجزة عن اعطاء الحب او تقبله بصورته الطبيعية والنبيلة, كما أنها عاجزة عن التمييز في علاقات الحب, وهي في غيرة دائمة تدل على انعدام الشعور الداخلي بالأمان والسلام وعلى الازدواجية في علاقات الحب حتى مع المقربين إليها لأنها تمزق العلاقات العائلية وما في ذلك من خطر على الإنسان وعلى قيم الحب والتماسك .
أمي تغار من أختها
أمي تكره بنات أختها وبنات أخيها
أمي تحقد على أمها
أمي متأكدة من أنها لن ترغب أبدا
بابيها
إن هذه الحضارة في حالة اضطراب عاطفي حاد يصاحبه الاكتئاب لما يتآكلها من جوع وجداني, فالحب كما تؤكد لنا الروح الشعرية حاجات تنبع وتنبثق من الحاجة إلى البهجة والسكينة . فهذه الحضارة فاشلة وعاجزة عن إقامة علاقات دائمة وسليمة, الأمر الذي يفقدها تحقيق الحب أو حتى الوصول إليه :
أمي تتمنى أن تكون ذات فائدة
لشيء ما
أمي لا جدوى منها
أمي لم تفعل شيئا في حياتها
أمي لم تسدِ إحسانا
في حياتها
أمي لم تسعد أيا كان
في حياتها
إن الشاعر يجسد هنا وظيفة الحب الشعرية التي تعالج العلاقة مع الآخر, ويدعونا إلى الصداقة والانضمام إلى الجماعات لان الحب والصداقة يجعلان الحياة ” تدبُّ في كل شئ ” إن الشاعر يمد يده سعيا وراء الأمل المطلق والكرم والتفاؤل :
لأنه يجد أن هذه الحضارة مندمجة في ذاتها, مستغرقة  في صميم وجودها الخاص ”
” انانيةُ أمي بلا حدود ”
يؤكد لنا الشاعر ما ولدته هذه الحضارة من أزمات وكآبات .
أمي تخلق أزمة بعد أزمة
أمي تخلق كآبة بعد كآبة
إن الكآبة عرفت ووصفت منذ أقدم العصور وما تزال حتى يومنا هذا ” كتجربة نفسية عامة الوجود عند مختلف الأجناس والثقافات ” ( ) .
ان الشعر في عصرنا وفي كل العصور, قد عبر عن مشاكل الإنسان الفكرية والفلسفية والنفسية .. إن الشاعر يجسد لنا عتمة هذه الحضارة لان ظهورها في العالم يسحضر الاستيقاظ الفجائي القلق والمقلق :
أمي نومها خفيف
أمي تنهض مبكرا
أمي تفتقد إلى النوم .
إن الحضارة الغربية حضارة هستيرية, أصابتها رجفة فجة خشنة شملت كل أجهزتها السياسية والاجتماعية والنفسية – إنها حضارة تريد أن تلفت الانتباه إليها – إنها مصابة بالإنهاك الهستيري, وضعف الأعصاب والإرهاق الروحي والمعنوي والعقلي, سهلة الاستثارة, كثيرة الأرق, ضعيفة الذاكرة .. إنها حضارة تخاف من الحشرات, ومن الخريف, ومن الجراثيم والأماكن المغلقة ومن الرجال .. إن هذه الحضارة مصابة بالدوار النفسي, تتقيا, تنتابها نوبات من الغثيان, والإغماء, إنها مجنونة :
إن هذه الحضارة كلبة مسعورة, إنها في صراع داخلي لا شعوري :
أمي تسقط على الأرض وتصرخ
إنها تتقيأ
أمي تنبح
أمي تتمرغ
أمي تسقط  يابسة على الأرض
أمي تعوي
أمي تعوي
أمي تعوي
أمي تسيل خيوط اللعاب من فمها المرتجف
الذي يصرخ عاليا
إن هذه الحضارة تثير الغثيان والشعور بالانزعاج, لما إثارته في العالم والنفس الإنسانية من أجواء لزجة ومدبقة, مكدرة, مكروهة, وكريهة .
أمي لعابها مدبق ومخاطي
يسيل عندما تبكي صارخة
ومن بين تشخيصاته لأمراض الحضارة الغربية فان الشاعر يصفها بالثرثرة ” verbigération ” وهي ” حالة مرضية يكرر بها المصاب الألفاظ والجمل تكرارا لا يفيد في طرح ما تتضمنه من معاني ” ( )
أمي لا تتحدث إلا عن ذكريات طفولتها
أو عن أبيها
أمي تحفظ عن ظهر قلب نفس القصص القديمة
أمي تعيش ذكريات الآخرين
أمي تكرر أقوالها
ثم أن الشاعر يؤكد لنا أن هذه الحضارة مصابة بالخرف وفساد العقل من الكبر, أو بحالة من الغيظ والغضب لإفراغ الهياج الذي لا تسيطر عليه لأنها قد غابت عنها سيطرة ألـ أنا .. .. إي أن هذه الحضارة مضطربة الشخصية والعقل . إنها حضارة مصابة بالذهان :
أمي لا تشعر بالزمن
لأنها حضارة تشعر بالإجهاد والجوع الروحي, وعتمة الشعور, والمخاوف الغامضة, والهلوسات, والهذيان .. إن هذه الحضارة مصابة بالذهان الهوسي الاكتئابي والانتكاسي ؛ لأنها حضارة لا تقوم على أساس سليم ولان الأغراض التي تقوم عليها متوهمة ..
ان هذه الحضارة مصابة بذهان الشيخوخة, ينقصها الانتباه والتركيز والاحساس بالزمن لانها نبذت حاجات الإنسان الصميمية ولانها ذات ميول طبيعتها الاظطهاد او الشعور بالعظمة وبذلك تسببت في اختلال شديد في التوازن الحيوي للعالم وعطلت الروح المعنوية للانسان . إن الشاعر يلجأ إلى اللغة كوسيلة للعلاج النفسي الذي يتفاعل تفاعلا نفسيا وروحيا مع الإنسان .. إن القصيدة هنا تلعب دورا ديناميكيا في تنقية النفس الإنسانية من الاضطرابات التي داهمته بها هذه الحضارة لان الشعر يتسم بالقدرة الكبيرة التي ترفع الإنسان إلى مرتبة رفيعة .. وهو بمثابة الأنا العليا لان هذه الحضارة لا تعرف النقد الذاتي ولا تمارسه وتمضي قدما نحو تحقيق أهدافها وتجعل الإنسان جزءاً من أهدافها وأطماعها. إن هذه الحضارة ليست إلا بلاء ونقمة وعذاب ومحنة .
ثم أن الشاعر يصف هذه الحضارة بعدم الرصانة وعدم الاتزان والفضولية الجاسوسية .. إنها مخبر سري .. جهاز مراقبة, واشية, نمامة . عين متلصصة ..عجوز مزعجة. تفشي الأسرار .. وغير متحفظة .. إنها عدوة :
أمي لا حصافة لها
أمي فضولية وتفشي الأسرار
أمي تفتح الرسائل غير المرسلة لها
أمي تترصد باب الآخر
وتسترق السمع .
إن اللغة الشعرية هي بذرة الفعل العفوية الجذب . ان الشاعر يستهجن الحضارة التي تخنق صوت الإنسان وتحاصره , لان صوت الإنسان هو الضوء الذي ينطق – إن هذه الحضارة تريد أن تخنق الصوت التشريعي الجوهري وترفض لقلب الإنسان أن يرقص جذلا .. إنها تنسى إن قلب الإنسان لا يكف عن الخفقان – كما أن الشاعر لا يكف عن أن يردد أعمق كلمات الحب ويرفض أن تجرفه إلى ارق وحشي يشعشع فيه ألمه – إن الشاعر يريد لصوت الإنسان أن يتألق تألق النور :
أمي تُلزم البيتَ الصمت
منذ الساعة العاشرة ليلا
أمي ولودة
يصور الشاعر هذه الحضارة بصورة الأرنب لان الأرنب ” حيوان ضعيف يصارع ويضحي بصفاته الطفولية ” ( )
هذه الحضارة الغربية حضارة وقحة وغامضة, إنها صديقة القمر, سجينة الرغبة والخوف والشبق, إنها حضارة جنسية, تمارس المحرمات, إنها حضارة الخمر والخمول الروحي .. إنها تلد الشر لأنها تتنافس مع الخير, وان شعارها هو القوة والخلود في بحث مستمر عن التطور المستقبلي لكنها في الواقع لا تعكس إلا صورة للبذخ المدمر – تبدو للناظر كأنها بطل متمدن, أسدت إلى الإنسانية خدمات وفيرة, لكنها حضارة شؤم – إنها حضارة الفعل والاختراع لكنها أيضا حضارة المكر والتدليس والعدوان, إنها مرحة كالقرد والثعلب لكنها نائمة – أن الشاعر يجسد هنا حالات التناقض الملازمة لهذه الحضارة, كما يضفي على المرأة سلطة التحكم والقرار في المصير الإنساني, وإذا ما ربطنا هذه الحضارة بالسحر فلأنها كبدت الإنسان خسائر عظيمة لأنها تمتلك عبقرية الفنون الحربية الفتاكة – إن لهذه الحضارة الأنثوية, القمرية القوة الخفية ذات العلاقة مع الساحرات والعالم الروحاني بالررغم من أن الساحرة كما يقول  C.G.Jung  ” هي نقيض الصورة المثالية للمرأة ”
هذه الحضارة ليست إلا تجلية من تجليات الشيطان, والشاعر في تأملاته يأخذنا نحو الفعل النقي من التدليس والمحرمات, لان هذه الحضارة تتزود بالأدوات الانتقامية التي تتنافى مع القيم السماوية .
أمي حشرة سوداء
أمي بنت وردان
إن الشاعر يصنف الحضارة الغربية في حقل الحشرات السوداء ذوات الخرطوم كالذباب والبق وبنت وردان, إنها حضارة قد اشتد عضّها وقويت على خرق روح الإنسان وامتصت دمه . إنها أقسى عضا وفكا ونابا .. لقد أضافت على الحياة مسحا شديد السواد لأنها تجرح وتنخس وتخز وتعض . وهي حضارة عفنة, فاسدة الطبع, ذات سم, رديئة تخثر الدم, وتغلظه وتورث السواد وكل بلاء – لقد أسقمت روح الإنسان سقما لا يزول لأنها جعلته في موضع تحقير وتصغير . إن هذه الحضارة في الوقت الحاضر تملأها الحسرة ويعلوها الكرب حتى جعلت وجهها في الخرابات والمزابل .
إنها أفعى ذات أنياب, وان سمها تعسر مداواته لأنها ألحقت بالإنسان أذىً كثيرا, التفت بذنبها على الإنسان وصرعته – والشاعر يعد هذه الحضارة من القواتل وان لم تقتل الإنسان فقد جعلت من روحه روحا كثيرة التوجع لأنها أفزعته وأوغلت ذلك الفزع في روحه ودمه وعصبه . لقد أفزعت النائم والمغشي عليه والطفل الغرير . إنها وإن كانت قد هرمت وشاخت لكنها لوثت الندى والماء والبر والبحر والصحاري والرمال .. إنها لا تمر بشيء إلا أحرقته .. انها اشد عداوة للإنسان من الشيطان وقد نسب الجاحظ الأفعى للشيطان في كتابه الحيوان  لان هذه الحضارة تنتمي إلى كل ما هو سفلي ودنيء وشرير لأنها حرمت الإنسان من السلام والنعمة :
مسموم رحم أمي
مسموم مبيض أمي
حليب أمي مسموم
عرق أمي مسموم
اظافر أمي مسمومة
أمي اصفرار أسنانها مسموم
أمي مسمومة
أمي مليئة بالسم

أمي من السم
أمي هي السم
أمي محرقة
إن الإنسان في رؤية الشاعر هو ركيزة كل التوجهات الوجودية التي تقوده إلى الانتصار على الشر . إن الحضارة الغربية تشكل في العالم مرضاً عضالاً, إنها سرطان , ورم يدمر النسيج الروحي للإنسان , إنها مرض ينخر ويتكاثر بطريقة شاذة مخالفة للمألوف وغير سوية . إن هذه الحضارة في طريقها إلى الانحطاط والموت, قد انطوت على نفسها في عزلة مخجلة تجسد للشاعر الضوء الباهت, المصفر .. إن هذه القصيدة مثقلة بالقوة السرية التي تتنبأ بميلاد حضارة شمسية مضيئة تتنافى مع هذه الحضارة القمرية الليلية المعتمة .
أمي تخاف من السرطان قبل كل شيء
لقد ورد الحليب في القصيدة رمزا من رموز الرغبة في الغذاء الأول الذي ترتكز عليه كل عناصر الحياة التي تفيض بالعفوية والخصوبة الروحية والمعرفية, وبالغناء والفرح الذي يعيد إلى الحياة بهجتها . إن روح الإنسان في عصرنا مجروحة بالانتهاكات والحروب الدموية .. فالشاعر يبحث عن حضارة تمثل صورة الأم في جوهرها السامي, وعن حضارة موجهة, معلمة, محركة, باعثة, طليعية ومصلحة ؛ تكون له أمَّا لان الحليب يرمز إلى الأنثى . إن زهرة النيلوفر التي ترمز إلى الخصوبة والغزارة هي أيضا رمز للتمساح وللنمر الأمريكي الذي يعبر عن السلطة والقوة الجهنمية – إن زهرة النيلوفر هي رمز للمراة الجميلة التي تشبه زهرة اللوتس التي انبثقت من المياه الجوهرية, وتفتحت تويجاتها مع الفجر وحبست العتمة ومهدت لميلاد العالم الذي يريد النمر الأمريكي أن ينقض عليه . ..
إن أمريكا في لغة الشاعر ظهرت إلى العالم فاستحضرت القلق والرعب .. إن أمريكا سريعة, ترعب, إن أمريكا أحادية, سريعة في الهجوم علينا وتمزيقنا – إن الصراع ضد أمريكا يجب أن يكون صراعا حتميا لأنها وحشية من الكلب الوحشي – إن أمريكا تجسد قوة خشنة لا إنسانية, طاغية, غادرة بطبعها, لا تعرف الرحمة – إن أمريكا هي وحش العتمة وهي القمر الجديد الذي سينطفئ ضياؤه, إن أمريكا لم تحمل معها اية علامة بيضاء بل خاطبت العالم بلغة خشنة, بلغة جافة .. إذن لا حياة في أمريكا لأنها لا تعتد إلا بالحديد ولغة النار.
ان الشاعر في هذه القصيدة يبحث عن الحب الذي تمنحه الأم, لان الحب يضيء كل الدهاليز المعتمة في الروح ولان الحب هو ينابيع الماء التي تروي ظمأنا في اليوم القاحل وحين يمد الغروب ضلاله فوق حياتنا .. إننا نشعر بلمسة الحب في الامتداد المتصل من وحدتنا. إن الحب لا يعرف الحدود .. فالحياة في رؤية الشاعر تبدو حين نحب مضيئة, ساحرة وجميلة وان غايته في هذه القصيدة أن تكون حياتنا ومقاصدنا وغايتنا ذات قيمة ساطعة . فالحب هو مركز الحياة والمعنى لأنه يساعدنا على مواجهة كل القلق الوجودي والمتيافيزيقي الذي يعترينا ، إن الشاعر يريد أن يملأ الحياة بالحب الذي يجذبنا نحو خدمة الإنسانية, لأنه ينزع نحو السلام الذي لا تلوثه الحروب ولا تشوبه شائبة حمراء, ولأنه يتوق إلى حضارة تفوح بعطر الورود ، إن الشاعر يحب الجمال والخصب , ويحب الحب ويكره الجدب والعقم ولذلك يرمي هذه الحضارة بكل صفات القحط :
أمي مستودع صحراوي
أمي خاوية
أمي خراب
إن الرمز هنا يتألق عبر الصورة التي تجسد الوحدة المعذبة لروح الحياة في العالم الغربي,. لان الوحدة تعكس صورة العقم الروحي, فالحب والصداقة والتواصل مع الآخرين لا يجسد إلا صورة للنعمة والرخاء الروحي وكل ذلك يشكل في رؤية الشاعر غذاء اعجوبيا, ومعجزة, وملاذا آمنا من الجوع الوحشي الذي يأكل الروح ويعذبها .
وهذا التكرار لكلمة أمي يجذبنا نحو منابع الجمال التأثيرية التي تلعب دورا جوهريا على المستوى الإيقاعي والدلالي والرمزي والصوري لأنه بلغ أوج ذروته في هذه القصيدة, ولأنه جسد حلم الشاعر الذي ضاق صدره بهذا العالم المادي الثقيل. فألام تمثل للإنسان الروح الشفافة التي تحتوي فرحنا وأوجاعنا . إن كلمة ” أمي ” أججت كل التأملات الوجدنية لأنها عبرت بعمق مأساوي عن بؤس الواقع الذي نعيش فيه وعن تراكمات الألم المخزون في داخلنا لما في مضامينها من إيقاع نفسي. إنَّ أوليفيي بلانكار  Olivier Blancart يستحضر ماهية الأم في الذهن من الناحية النفسية والكونية – إن هذا التكرار جاء نتيجة حاجة محتدمة الى الحب والحنان والحنو والوداعة والألفة. لقد لازمت هذه الكلمة الروح الشعرية التي تبحث لها عن منفذ يجردها من الشعور بالاغتراب والنفي والفقدان . إن شعرية هذه القصيدة تكمن في كلمة ” أمي ” في قدرتها على الانحراف الكامل بدلالة كلمة ” أمي ” من الحنو والرعاية الشمولية إلى القسوة والاضطهاد وولدتها برؤية إبداعية حرة .
أما تكرار كلمة ” سم ” ” ومسموم ” فقد عبرت عن هذه الحضارة التي أربكت بخطورة وظائف الروح وفاعليتها الحياتية, بل أماتتها؛ لان السم يقتل بعنف ووجع شديد . انه يغتال – انه سم ميكروبي, فيروسي لا دواء له . إن أمريكا برؤية الشاعر تنفث السم لأنها أوهنت وحطت من حافز الإنسان وميوله الروحية وسممته بقنابلها الذرية والنيترونية والهيدروجينية – إن أمريكا مفسدة للروح والبدن .
وإذ يقول الشاعر :
أمي بذيئة
أمي لا تحب الحداثة
أمي تحب القديم
أمي تعتقد أن القديم أحسن
إن هذه الحضارة برؤية الشاعر تحب القديم من البؤرة العميقة من اللا شعور لما يتسم به من طابع نقي, ولأن القديم يسنحضر نوعا من العلاقة بين القوى الأخلاقية والمعنوية التي تتفوق على الزمن الذي نعيشه بما فيه من انحرافات واعوجاجات سياسية واجتماعية, وخاصة في عصرنا عصر السلب والنهب والعدوان والاغتصاب – فالشاعر يناقض هذا الشر ويحب كل ما يتلاحم بعمق سري مع منابع الوجود . ان الشاعر يحب الطفولة والحق والعصور القديمة للإنسانية قبل أن تتلوث صفاءاتها الروحية, انه يبحث عن فردوس ضائع, وهو لا يريد للقيم الجميلة ان تتلاشى وتهلك لأنه يعتبرها عنصرا جوهريا لتحقيق التوازن العقلي والنفسي .
إن الحضارة الغربية برؤية الشاعر قد انحلت وفسدت لأنها جسدت في العالم كل ما هو نجس ودنيء لما في باطنها من غريزة الهيمنة والشبق, ولأنها شيدت أسسها على قيم زمنية زائلة . ان جمالها ليس إلا جمالا معيبا ومفسدا وان انتصاراتها ليست إلا انتصارات عابرة لحضارة مادية تثير الرغبة في جزء من الإنسان الذي يؤدي بالنتيجة إلى التفتيت والتفكيك والتدمير الكلي :
أمي لا شيء
أمي لا تعد في حساب الاشياء
أمي تمنت لو أنّ هناك من يحبها
أمي شكليا مخلصة
أمي امرأة مهجورة
أمي تستحق ذلك
أمي عاهرة
أمي عقليا عاهرة
تتميز هذه القصيدة بأنها جوهر ومشاعر, إنها حقيقة تاريخية, سياسية, اجتماعية وفاعلية كونية . يتجلى بها الإلهام والانسجام والرقي الفكري الذي يتسم به كل شعر عظيم يخاطب الروح ويلامس القلب وينهض من الواقع انها قصيدة غنائية, مأساوية وأخلاقية ..
كأنها تقول لنا أن الله قد خلق العالم شعرا .. لان في الشعر تتجلى القيم التي تزهو بإنسانيتها – إن في هذه القصيدة إيقاعات روحية تسكنها الكلمات فالقصيدة ” ليست إلا آلة تنتج الحالة الشعرية بواسطة الكلمات ” ( )
الشعر هنا يتأمل ويفكر ويؤكد قولنا هذا ما طرحه ميشيل ديجي Michel Deguy قائلا ” ليس محضورا على الشعر أن يفكر في الفكرة ” ( )
والشاعر هنا يعرض لنا فلسفة حضارة لان الشعر حين يمتزج بالفلسفة يفتح لنا أبواب التأمل . فتجربة الشاعر هنا ليست إلا لغة إنسانية تأخذنا إلى جوهرها الفلسفي بمعنى غامض تنكشف أسراره عبر دلالة الكلمة التي تصب في دلالة الدلالات . فالقصيدة فقط ” توحّد , تستولي على المشاعر والتصور, إنها كلام يؤثر ويفعل مفعوله, القصيدة تغير طريقة الرؤية, والسمع والقراءة .
إن القصيدة تكتب وتترجم ”  ( )، فالقصيدة تعلمنا أن نتأمل ، فقط القصيدة التي هي قصيدة تعلمنا ذلك ، فالشعر المعاصر مليء بالماضي والحاضر وبهذا التزاوج بين الماضي والحاضر تتشكل الرؤية الشعرية التي تعتبرها في هذه القصيدة نقدا للحضارة الغربية فكما يقول بودلير:” في أعماق كل شاعر يوجد ناقد ”  .
إن كلمات أوليفيي بلانكار  Olivier Blancart  تتسلل إلى روحنا فتغمرها حزنا وألما يسكن أغوار حياتنا لما سببته هذه الأم من كوارث للانسان . هذه الكلمات برموزها ودلالتها المتفردة تكشف لنا واقع الإنسان المعاصر بأسلوب عميق تضيئه صور شعرية متألقة بالحزن فان للحزن تألقا . إن الشاعر في تأملاته العارمة أنتج في تفاعله مع الضغوط الخارجية والاشتعالات الداخلية هذه القصيدة التي انغرست جذورها في ذاته فلم يعد بمقدوره أن يفر منها .. إن هذه القصيدة تنبض بنبضات قلبه الذي يعبر عن رسالة الشعر الفكرية والإنسانية. لان الشعر يرى في الإنسان مركز العالم, ومحور كل حقيقة, ومصدر كل معرفة, وان ذات الشعر في امتزاج وجداني مع ذات الإنسان لأنها تريد أن تتذوق عذوبة ألـ ” أنت ” و ألـ ” نحن ” . في هذه الحياة رغبة في القضاء على عزلتنا الداخلية والشعور العميق بالوحدة . إن القصيدة تعبر عن الم حاد في استبقاء هوية الإنسان والانتصار على الشر ، فالشعر يشكل هنا الملاذ الآمن للشاعر المحزون الذي يبكي للتفريج عما يعانيه ويكابده من عذابات إذ يقول :
أمي لن يغفر لها .
وهنا يندمج الماضي والحاضر والمستقبل الإنساني في الألم المطلق .

هوامش :
اوستن جون لانكشو / نظرية أفكار الكلام العامة, كيف ننجز الأشياء بالكلام, ترجمة عبد القادر قينيني, المغرب, أفريقيا, الشرق, 2008, ص 7
Cosit Carel, La Dialectique du concret, Paris, Les Editions de la passion, 1988, P.160
CHVALIER jean, GHEERBRANT Alain, Dictionnaire des symboles , Paris, Jupitier, 2005 –  P. 658
Eliade Mircea, Le sacre et le profane,, Paris Gallimard, 1975, P. 18
Ibid, P. 26
CHVALIER jean, GHEERBRANT, Dictionnaire des symboles , P. 476
Ibid, P.234
Ibid, P.235
Ibid, P.234
Ibid, P.732   طاغور, روائع طاغور في الشعر والمسرح, نقلها إلى العربية الدكتور بديع حقي, بيروت, مطابع دار العلم للملايين, 1958, ص 33 .
– Ibid, P.564
الجاحظ أبي عثمان عمرو بن بحر, كتاب الحيوان, وضع حواشيثه محمد باسل عيون السود, المجلد الثاني, بيروت, منشورات دار الكتب العلمية,’ 2002, ص 241 .
المصدر نفسه,  ص 243
المصدر نفسه,  ص 244
المصدر نفسه / ص 245
الجاحظ, كتاب الحيوان, المجلد الرابع, ص 445
CHVALIER jean, GHEERBRANT Alain, Dictionnaire des symboles , P.964  .
الدكتور كمال علي / النفس انفعالاتها وأمراضها وعلاجها / الجزء الأول بغداد / طبع الدار  العربية /  1988, ص 2336.
الدكتور الحفني عبد النعم / موسوعة علم النفس والتحليل النفسي / القاهرة / مطبعة أطلس /1994 / ص 952 .

CHVALIER jean, GHEERBRANT Alain, Dictionnaire des symboles , P.898
الجاحظ ، المجلد الثاني ، ج / 3-4 ، 324 .
Meschonnik Henri, Célébration de la poésie, imprimé en France, verdier poche, 2006, p. 30
Ibid P.692.
Ibid P. 292
Ibid P. 158

المصادر العربية
1 – اوستن جون لانكشو، نظرية افكار الكلام العامة، كيف ننجز الأشياء بالكلام، ترجمة عبد القادر قينيني, المغرب، أفريقيا, الشرق، 2008.
2-الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، المجلد الثاني، بيروت، منشورات دار الكتب العلمية، 2002.
3-الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، المجلد الرابع، بيروت، منشورات دار الكتب العلمية, 2002.
4- الحفني عبد النعم، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، القاهرة، مطبعة أطلس،1994.
5 – طاغور، روائع طاغور في الشعر والمسرح، نقلها الى العربية الدكتور بديع حقي، بيروت، مطابع دار العلم للملايين،1972.
6 – كمال علي، النفس انفعالاتها وامراضها وعلاجها، الجزء الاول بغداد، طبع الدار  العربية، 1988 .

 المصادر الفرنسية
1- CHVALIER jean, GHEERBRANT Alain, Dictionnaire des symboles , Mythes, Rêves, Gestes, Figures, Couleurs, Nombres, Paris, Jupitier, 2005
2- Eliade Mircea, Le sacré et le profane,, Paris Gallimard, 1975
3- Cosit Carel, La Dialectique du concret, Paris, Les Editions de la passion, 1988
4- Meschonnik Henri, Célébration de la poésie, imprimé en France, verdier poche, 2006

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: تداخل السِيَر في رواية (رُقم الغياب)

ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صدر مؤخراً رواية ( رُقم الغياب ) …

مريم لطفي: بصمة الهايكو وتاثيرها على النفس..

“الرسم شعر صامت والشعر تصوير ناطق”.. سيمونيدس يرجع المؤرخون اصالة الهايكو الى اليابان على يد …

شوقي كريم حسن: تحسين كرمياني.. سرديات المخفي والمجهول.

* كيف يمكن نقل الوعي التراكمي، الى بياض السرد، ومن خلال لغة قد لاتكون الارثية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *