عايدة الربيعي : “قلب الهدهد” للفنان أحمد عبد الكريم
(HOOPES HEART ) By Artist AHMED ABD AL KAREM

aida 7lohat aida“وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ”..ولكن

كان من بشائر رحلتي الدراسية في مصر، زيارة عدد غير قليل من المعارض الفنية التشكيلية ، والتعرض إلى فنها المعاصر في مجال الرسم والتصوير( تخصصي ).. زرت خلالها اكثر من ثلاثين معرضاً تشكيلياً، من خلالها – المعارض الفنية-  تستطيع أن تكتشف الكنوز الحقيقية للفن التشكيلي المصري، ورصد أسماء فنانين منتخبين ونماذج ممثلة للحركة التشكيلية المعاصرة، مستندين إلى أدوات النقد الحديث وبثقافة متقدمة.
“الأسلوب خالق المضمون ” أو المضمون خالق الأسلوب يمكن قياس ذلك كقالب في بعض فنون الأدب ولكن مستحيل فيما يتعلق بالفنون التشكيلية ، بحكم أن لغة الشكل هي لحمة التعبير وسداه في هذه الفنون. ومن  المعروف ان للرمز معنى وقيمة مفاهيمية  تغذيها فلسفة  نابعة من وعي الفنان وحساسيته، يستنبط  المعنى العميق اكثرمما يستظهره، ليعيد انتاجه برؤية بصرية وبشكل معاصر – القصد الذهني – والحراك الشعوري الدفين اللذان هما من الدوافع المهمة لعملية الابداع. ومنه يشتق الشكل ويحور.
أن تجربة الفنان أحمدعبد الكريم تجربة جديرة بالدراسة والتمعن، لها مناخها الايجابي  في التصوير المصري المعاصر؛ لأثبات البعد الدلالي والبصري للرمز الذي يمثل الدافع في تكوين اللوحة عنده ، والى تكوين الأشياء التي لاتشبه مثيلاتها من الناحية الظاهراتية فتعكس افكاره في اعماله الفنية التي  تحمل طابعا اسلوبياً متميزاً.
عادةً يُكسي الرمز اللوحة نوعا من الحيوية، و ينبغي النظر إليها  – اللوحة الرمزية الفنية – بدقة للوصول إلى الحالة التي تمثلها.. “مما لاشك فيه أن اللوحة التشكيلية تمثل منجزا إبداعيا.. تحكمه نسقية التعبير الصامت (غير اللفظي) مما يجعله يمثل، بالمعنى السيميائي، حقلا مليئا بالدلالات والمعاني الصورية الرمزية والوصفية”*. وفق هذا التصنيف، تتحدد اللذة (أو المتعة البصرية بالمفهوم الكانطي) التي تحققها اللوحة التشكيلية لناظرها؟ ولكن  أهو الفنان ؟ أهو القارئ؟ أم هي المادة الإبداعية نفسها؟”
استطاع الفنان عبدالكريم أن يؤكد في اعماله الأخيرة عمق التزاوج من سحر الطبيعة (بدهشور) مدينته التي يقطنها وتألق التراث المصري، في استخدامه لأيقونة – الهدهد – بطل معرضه الأخير ” قلب الهدهد” الذي اقامه في قاعة بيكاسو – 2012.حيث تضمن أحدث إبدعات عبدالكريم  الفنية..  أيقونته التي كان  لها قوة تعبير حقيقي استطاع ان يبرزها في لوحاته بشكل رصين ورقيق ، والتي لم تكن بعيدة عن القصد (المحاكاة  الصريحة ) . كما تجلى ذلك في معرض سابق له  ( الهدهد والمعدية) والذي اقيم بقاعة أكسترا عام 2010، حيث  اقام الفنان عبد الكريم  العديد من المعارض الفنية  اخرها كان (معرض ذاكرة الأشياء بالمركز الثقافى المصرى بباريس عام 2003، معرض الهدهد والمعدية  وقلب الهدهد) في نفس النهج والتوجه. تميزت لوحاته بعوالمها الخاصة ، التي تكشف في الغالب عن مشاعر انسانية تمثلت بالهدوء والاستقرار ووعي امتزج بذاكرة بيئته وثقافته الخاصة . صاغها – اللوحات- بشكل فني يضمن معاييرها الجمالية وبشكل غير تقريري بتجرد حركي فعلي ، توفرت فيه القيم الفنية والتشكيلات الجمالية بمرموز موظف بفكر حداثي وبذائقة مشروطة  بالثقافة : العادات والتراث ..إلخ . طغى اللون  الاخضر الممتزج بالاصفر والبرتقالي، بمساحة الافق  وبالزرقة النيلية على اللوحات.
يقول الفنان احمد عبد الكريم في احد لقاءاته :
“أن الرموز والعلامات دلالات بصرية تعبر عن أشياء وأمور عديدة مثل البيئة التي يعيش فيها الفنان ـ ثقافة الفنان ـ رؤيته الفنية لكل ما يحيط به وما يدور في مخيلته من أفكاره وطروحاته وأحلامه – أمنياته الخاصة به أو المجتمع الذي يعيش فيه وثمة أمور أكثر من ذلك. . ويرى أن الفنانين الشبان الذين يأخذون تجاربهم من الغرب ليس لهم شواطىء ولا بدايات ولا نهايات. رؤية خاصة تفصح عن تجربته الفنية الغنية التي لايستهان بها وإنحياز شخصي بالتعمق في بيئته الخاصة.
(الهُدْهُد) في اللغة : جمع : هَدَاهِدُ .[ هـ د هـ د ]. : طائرٌ من رتبة الشقراقيات جميل ذو خطوط مزركشة وملونة يتميز (بِقُنْزُعَةٍ) حمراء اللون ومنقار مقوس وجناحان شبه مستديرين. ان هُدْهُد سليمان كان  : مثَل للإنسان الصغير يدلّ على الشيء العظيم .. فإلى ماذا تقودنا أيقونة ( الهدهد)  عند أحمد عبد الكريم؟ وهو الواقف امام الاشياء بأستقرار وهدوء في معظم لوحات المعرض، والذي صوره الفنان بشكل بارع يلخص مغزى تعبيرية  الشكل  بصورةٍ أكثرحيوية وكمالاً. ياترى هل كان  واقفا امام الاشياء بنبأ؟ ام على حكمة ؟ هذا المعنى يجعل المشاهد يتساءل لماذا الهدهد وقد اعتمده ككروك في معظم نتاجاته الفنية الأخيرة. من يشاهد المعرض سيتوصل حتما الى غاية  العمل و سيبحث فى دلالته واشتقاقاته .. وقد عبر الفنان عن أيقونته  قائلا ً : “ان  الهدهد المتأمل الى الأمام والى مستقبل الأيام الى الأفق الرحب الى العالم الصادق الى كل لحظة تأتى بالفرحة والأمل” .
حين تجولت في المعرض لم تكن القراءة صعبة في فك طلاسمها، فهى غالبًا غير محيرة وغير ملغزة وتوحي بالانسجام والترابط بعيدا عن الحدود الضيقة للفن، حاولت الكشف عن القانون الذي يحكم علاقات العمل كنشاط إنساني وظواهر العمل كي يأتلف المعنى خصوصا أن الهدهد وقضيته تثير الفضول. جاءت معظم الاعمال غير مبهمة  في توجهها الفلسفي الذي ينتمي لثقافة البيئة والموروث الشعبي  وتميزت برشاقة وانسياب واضح للخطوط، وتكوينات تنقلنا من حالة درامية الى اخرى ومن ايقاع الى ايقاع.. مسكونة بالدهشة وحيوية المساحات التي تتوقد بالاضواء والظلال.  قال عنه صلاح بيصار :
” تمثل رحلة عبدالكريم مع الابداع رحلة من الدأب جعلته في المقدمة مع قلة من ابناء جيله، وقد تالقت اعماله الاخيرة في تنوع وثراء ما بين لوحات الرمال والتي تبدو نقوشا على جدران الزمن المعاصر، كما نرى في لوحته المجسمة “الهدهد والسمكة” والمسكونة بالملامس المتنوعة والتأثيرات والنقوش في حالة درامية ومذاق مختلف مع احدث اعماله التصويرية الملونة والحافلة بنبض آخر وايقاع جديد. يقف الهدهد في احدى لوحاته على احد المعابد الفرعونية وكأنه يعلن هذا النبأ العظيم الذي يوصينا بالتمسك بحضارة الاجداد والتواصل معها “.
أن الهدهد – أيقونة- ذو دلالية جاهزة وبلاغة بصرية يستقي الفنان معناها  من الموروث الشعبي والحكايات التي تمتزج بفكرة الخلود والبعث في العقيدة . وكما هو معروف ان الهُــدْهـُــدْ..إذا رفرف على موضع عُرف أن فيه ماء!!… وجوده علامة على نقاء المكان وهو من أكثر الطيور تعاوناً ومحبة للمساعدة. إضافة إلى تحمله الكبير للجوع والعطش، فضلاًعنمكره وذكائه المعروف بهما كما حاولت ان اربط حادثة ذِكر الهدهد في قصص القران  : حيث “كان لسليمان فرقة من طيور الهدهد تقوم بالاستطلاع وتحديد اماكن الماء(( وتفقد الطير)) قبل تحرك الجيش حين غاب الهدهد لفترة توعد سليمان بتنزيل العقوبة على غيابه دون اذن منه وهي – العقوبة – اما السجن او نتف الريش او الذبح. لكنه لم يغب طويلا وجاء بمالم يحط به سليمان علما من سبأ بنبأ يقين . ثم  اندهاش الهدهد من بلقيس ملكة سبأ : كيف تحكم النساء وقد جرت العادة ان يكون الحكم للرجال..(هذه نقطة ثانية) . اراد ان يشد انتباه سليمان وقد نبأه بذلك ولكن لم يبال سليمان بماجاء به فقال ليثيره  مضيفاً : لقد وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله. حينها فقط انفعل هنا سليمان.وصار حينها الهدهد سفير سليمان الى بلقيس بنت شراحيل بن مالك ،اذن ماذا اراد ان يقول لنا  الفنان عبد الكريم في معارضه الاخيرة وعروضه الجديدة المتوالية مع رمزيته التي اشار بها إلى قلب الهدهد ؟ والتي قال عنه : “يعني لي الهدهد (العبور الى زمان ومكان جديد). انه المتأمل الى الأمام والى مستقبل الأيام الى الأفق الرحب الى العالم الصادق الى كل لحظة تأتى بالفرحة والأمل ).
تعتمد الأيقونات مفهومات ترجع إلى الحضارة او العقيدة.. استطاع الفنان أن يترجمها الى لغة بصرية لها دلالتها التي تجعلنا نقف عندها في الغالب لمعرفة غاية التعرض اليها ، هنا يتدخل الحس والذوق الفردي لمعرفة العلاقات الارشادية لِكُنْه وماهية القصد من  العمل .  فلغة الفن قابلة لأكثر من تأويل – كما ذكرت في مقال سابق-  وهذا مايبحث عنه المبدع عند القيام بعمل ما، هذه  الاعمال ،  تحمل تفسير يحمل المشاهد على استبقاء المعنى دون شروح سريعة لقصدية التعبير عند الفنان،  وسوف تزداد الفتنا لمثل هذه التعبيرات عن طريق مناقشتها بشكل يتسم بالبساطة والوضوح والكمال في حدود المعقول وبعيدا عن المغالاة. وهنا يبرز دور الناقد الفني وبعض الكتاب الذين يتناولون مواضيع الفن كبحث مشيرون به الى واقع الحركة الفنية او الإشارة الى نمطها بشكل نقدي موثق رصين وبدراسة فلسفية ونقدية عن الغاية من الفن . .
“فى ضاحية دهشور التابعة لمحافظة الجيزة والتي تذكرنا بروح الريف حيث  يتناوش الفضاء  هناك الأهرامات الثلاثة الشهيرة لدهشور وهي : “سنفرو وامنمحتب الثالث والد اخناتون ودهشور الاحمر”. يطل من هناك  بيت الفنان احمد عبدالكريم وسط خضرة ظلية كثيفة- بيت ريفي شعبي –  لم تمتد اليه المحارة الأسمنتية ولكن كسوة من الطمى والطين النيلي ..هذا المناخ الجغرافي الخاص اعطى تنوعا في الرؤية والخيال والمفردات، مما يزيد عدد التنوع والثراء لكل من النباتات والطيور التي تتردد على المكان طوال العام. ومن بينها الهدهد ملك الحكمة والفيلسوف الواثق الهادىء المدهش والذي لا يقف على الارض الا لحاجة في نفسه باحثا من خلال جهاز بداخله عن عمق الأشياء. ودائما ما يقف على القمم العالية من البيوت المرتفعة والمآذن والقباب والتلال وربما هذا من اهم الاسباب الدالة لتناول الفنان هدهده وفي معظم لوحات معارضه الاخيرة.
الفنان د. أحمد محمد علي عبد الكريم  تخصص رسم وتصوير اتم دراسته الجامعية  في كلية التربية الفنية جامعة حلوان والماجستير  تربية فنية عن دراسته الموسومة ( النظم الإيقاعية في الفن الإسلامي الهندسي) في نفس الجامعة  ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة في التربية الفنية  جامعة حلوان ايضا بعنوان ( تحليل المحتوى نظم الزخارف الهندسية الإسلامية) .وعضو لنقابة الفنانين وجماعة أتيليه القاهرة للفنانين والكتاب وعضو جماعة (الأنسيا) اليونسكو – باريس (التربية عن طريق الفن ) وغيرها ، تجول مابين القاهرة وروما وبولونيا وفلورنسا له من المعارض الشخصية 22 معرضا و30 معرضا مشتركا و16 معرضا دوليا.
2012م
……………….
* رولان بارث. دراسات في الفن التشكيلي…المحتوى.
* مقال لصلاح بيصار.

شاهد أيضاً

الرواية العربية: أصول واحدة؟
هيلاري كيلباتريك*
ترجمة/ صالح الرزوق

هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى …

نجاة العدواني في روايتها الحديثة “في عشّ السرطان”
ميزات لغوية.. وإلى أي مدى؟
عصام الياسري

صدرت في ربيع عام 2020 الطبعة الاولى لرواية الشاعرة والروائية التونسية نجاة العدواني الموسومة “في …

علي رحماني: المشروع الشعري الجديد… الجدوى والحياة

إن الحديث عن كتابة الشعر بصفتها إنتاجاً أبداعياً روحياً وكصيغة حياتية مطلوبة يستلزم أن نتعامل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *