عيّال الظالمي : “ولائم للجنون” للأديبة سعدية ناجي السماوي

sadia alsamawiaial aldalimiمن أجل تسليط الضوء على مبدعتنا ومن أجل تقديم منجزها الذي يُعلي من شأن تجاربها الإبداعية وديمومة العطاء وتبيّن مفردات النمو عندها و المساهمة بتسليط الضوء على نتاجها المسرحي تحديدا ، ووضعها في مكانها ومكانتها الفكرية المناسبة أقدِّم هذه القراءة .
كثيرا ما يبدأ مريدي النقد من حيث انتهى الأديب وآخر ما دونه على الغلاف ،أي غلاف منتجه أو منجزه الأدبي –العنوان- الذي يسمى في علم السيموطيقيا والعنونة – اللافتة الإشارية الكبيرة للهيكل الخارجي والدعاية السيميائية للمنتج الذي يظم المحتوى مهما كان تعدد أفراد عائلته وتنوع العناوين من حيث الصياغة فمنها اللافت للنظر والجذاب ومن حيث الإطلالة الأوُلى للقارئ .فـدعوة للجنون  دعوة لرفض الظلم ودعوة للخروج عن المألوف والتمرد على الواقع و الآخر وهذا هو حال الأديب والفنان كلما كسر الطوق كثر إبداعه وتشخيصه لسلبيات التي تحتاج الإشارة اليها لأنه يحمل الروح الشفافة والعين المشخصة للأخطاء    وللولوج إلى عوالمها وطقوسها ينبغي أن نستعيد المعطيات الخلفية الفلسفية لاتجاه التمرد والاحتجاج في النفس حيث الغضب والاحتجاج والقسوة وحيث اللامعقول معبّرا عن اتجاه مسرحي مطواعا تعبيريا لحالات الإحباط بمجابهة المصير البشري والشعور بعبثية الفعل الإنساني  في مجموعة ((دعوة للجنون)) الصادرة عن دار المواهب /النجف الأشرف وبرقم إيداع /1406 لسنة2012 والتي تتكون من أربعة مسرحيات للكاتبة (سعدية ناجي السماوي) تفرد بينهن نص مسرحية (حاكم المقبرة) فلسفة ومحتوى من حيث المنظر الجمالي لنهر السرد  .[انظروا أيها البلهاء كم أنتم واطئون ..الكل يطؤكم الإنسان والحيوان ..العاقل والمجنون ..الغني والفقير ..الكل يسير على ما بقي من أجسادكم دون شعور بالخطيئة أو الذنب] فأثرت تأثيراً نفسياً على مُقدم المجموعة الأستاذ عباس حويجي فكتب وأبدع بمجمل الإستفهام داخل النص الأدبي ومن خلال حواريته وجزالة لغته وعمق تصويره لكي يصل الى فكر الكاتبة وانبهار منجزها لأن السؤال محور البناء للنص المسرحي ،وتبادل الأدوار بين النفس المستقرة المثيرة والنفس القلقة المؤثرة ،وحتى يكون الجواب موصلا للمعنى المطلوب ينطق بألسن متعددة ومقصد واحد باختلاف الثقافات المخزنة لشخصية  السائل المجيب عينه فالعمل المسرحي هو التعبير السلوكي واللفظي عن حالة شعورية عايشها الكاتب في صورة موحية ، تبين مادة الحالة وموضوعها وتوضح الغاية من إنشائها. يبنى النص المسرحي على هدف معين بيت القصيد في الشعر وعلى ثوابت ضمن غاية  غير مبهمة أما أن تكون معالجة مباشرة أو تنظير مستقبلي .وأما لإثارة الجمر الذي كثُر عليه الرماد في حوارية ناضجة ترتدي أزياء متنوعة من الجدية والقصدية [آه كم أنتم غريبو الأطوار ..لا تريدون الإعتراف بكونكم حفنة من تراب تأكلها السيول كما تأكل صخرات الشاطئ] كما انطلق الكاتب (كريم الثوري) في قراءته لها أي نفس المسرحية من خلال  عوامل شخصية عميقة في ذاته لأنه يعاني منها كفرد وهي رسم الهالات الزائفة للمآتات الذين يطبلون لأنفسهم عن طريق أجندات، إما عن طريق الإعلام أو الإستحواذ وإطلاق الأحكام الجزافية المتسرعة بلا تيقن .مجموعة (دعوة للجنون ) كانت اشتغالات السماوي بلغة خطاب عقلية موجزة ومكثفة خلت من الإسهاب اللفظي ، ورمزية موحية دالة بقلم مستدق الرأس يوخز لأنه يرسم مكان الألم .ألسن النص حملت الصراع الأزلي لأديب الأمة العربية وخوفه ما بين الحاكم المقتدر الموجوب الطاعة والفقر الذي لاطاقة لتحمله .
احتفت المجموعة بركائز مثمرة من الحكمة في جميع نصوص المسرحيات أوجدها صراع النفس مع النفس ومابين عصرين مختلفين في الحدث والرؤية والرؤى . ففي نص (احبك رجلا آليا)/1994 عالجت نصها من معاناة القوارير كأنسان يمتلك من الحب اجلّه ومن التفاني أعظمه ومن التحمل أمرًه ،لا لكي تصبح قطعة أثاث جميلة أو آنية مهملة ،ولا لعبة لهو عند الحاجة [يرمي بسترته التي كان يحملها بيده على الكرسي ..ثم يتجه الى غرفة النوم) –تصبحين على خير يا هيلين ..آه..(يتوقف لينظر للمائدة والشموع فيبدو الأسف عليه….)] والمعادلة الصعبة بين الحظوة والمادة من جهة وبين العواطف والحب من جهة أخرى لتقول عبر نصها إن الشرخ بان وواسع في الحياة الإنسانية والعاطفية ، وربما  جاء من تخلف ثقافي أو من منتجع أعمى أو من تطور زائف حضاري مستورد. أو من خسارات ثورية تغييرية أو انتقالات زمنية كما هو استشراء الفساد عندنا ،والتحرش الجنسي بمصر، وزحف الأنترنيت على قيم الحب، والثروة على العاطفة ،والمناصب على القيم التربوية والدينية والأخلاقية _بكل هذا السماوي ترى المستقبل عبر نبوءة أن تقول بصريح العبارة إن الآلة قادمة وأكثر ثباتا على ما أعطتْ حتى في الحب.
أما نص(قصر العاشق) بنتها على دوال متعددة اعتمدت بقولها إن الإنسان مسير فأوجدت له العذر ،إن لم تعجبه الحياة التي أعطت له فلن يجد أفضل منها ، قد يكون العري مثلبة لكنه نقاء ، والجوع عار لكنه إيمان ،والهروب جبن لكنه سلامة. أما القدر فلا مفر منه ، ولا يحسب إلا قدرا .- فقصر العاشق – صرخة ضد الفساد بكل أنواعه ، ضد الديمقراطية الزائفة ، ضد قناع الدين المهلهل والشعارات المثيرة بلا صدق . وتمتلك سعدية السماوي) روح المفارقة الفطرية على مستوى الجملة ،أي التركيب البنائي للجملة سواء أكانت قولاً منفرداً أو حكمة تؤمن بها داخل الموج القصصي ،فمثلاً تقول :
1- عدما ينصب الإنسان محكمة لنفسه ،فسوف يحاكم على إنه مذنب حتى وإن لم تكن هناك جناية .
2- من المخجل أن تطلب العدالة من الله ، وأنت لا تعرف العدالة إلا حين تحتاج إليها.
3- حين التهمني البحر ضاقت أنفاسي وكأني عذراء يقبل شفتيها حبيب يحترف القُبل.
4- الزواج تعويذة تحتاجها المرأة حين يهددها شبح الوحدة فيمنحها الأمان و الأمل .
5- الهدايا لا ما كانت أبدا صخرة صغيرة يبنى عليها عش الزوجية.
6- رجل يناهز الخمسين من عمره يحمل آلة قياس المسافات دائماً.
7-  سأطلب من الله المغفرة واقفاً .
ومن نص مسرحية (دعوة للجنون  )استوقفني تبرير القسيس بقتل الطفلة ،وهو مشتق من قتل سيدنا الخضر عليه السلام بقتل الطفل ، إن كان النقل صحيحا ! خوفا أن لا يصبح الطفل من أصحاب السلامة ويكون أو تكون الطفلة من أدوات الشر والرذيلة .حسب رأيي إن قتل الحياة أو الروح الطاهرة ووأدها قبل نضوجها جرم ، ولا يمكن لرجل أن يعلم الغيب ، فلسفة غير صحيحة ،ربما أفرزتها المرحلة المعاشة والمشاهد المشوهة وما يحمله العقل الباطن وربما اليأس والقنوط من الصلاح والإصلاح . بالنهاية سعدية ناجي السماوي قلم مقاتل في عالم الأنوثة مداده الحكمة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *