داود سلمان الشويلي : أوراق المجهول (الحلقة السادسة والأخيرة)

الورقة السابعة عشر:

اراضي قبيلتنا تئنّ مجروحة، رقصت فوق مسرحها عشرات العشائر والافخاذ والاسلاف بناسها وحيواناتها ومزروعاتها ، الا انها مع كل اسف غادرها الناس والحيوان ، تفرق الجميع في اماكن لا تعرف اية بوصلة اتجاها لهم، فيما ماتت مزروعاتها، واستوطنتها المحنة والخراب والهوام، ونعق فيها الغراب ، واصبحت بيوتها اطلالا .
    في صبيحة يوم من ايام الله الازلية، و بعد انتقالنا بسنوات  انا وعائلتي وعائلة راضي الى بغداد ومعنا ام راضي المرأة جليسة التهاب المفاصل والمنكسرة بموت زوجها ، وقد لحقته لتقابله في المكان البعيد بعد شهرين بالضبط من رحيله عن دنيا الله ، دونت في سجلي الخاص ما يلي من السطور ، كتبت :
    عند تنصيب كل وكيل جديد يحدث انشقاق في ما تبقى من قبيلتنا ، وكل من يتركها يرتحل الى الجهة الغربية من العراق ليكوّن هناك اسرة وصداقات ومصالح تجارية واجتماعية ، ويزوج ابنائه من تلك المنطقة ، وعندما تسأل أي شخص من المرتحلين يجيبك فورا : شبعنا كذب الورقة العراقية الصنع .
    كانت قبيلتنا واحدة من قبائل العراق الكبيرة التي كانت حاضرة في كل شيء مع قبائل العراق الشرقية والغربية ، وكان حالها حال القبائل العربية الاخرى الوافدة منذ الاف السنين من شبه الجزيرة العربية ، الا ان المحنة التي حدثت بعد موت الشيخ الكبير قد اطاحت بها ، فقد تركها هملا كما قال لي ابي مرة ، بلا شيخ يقودها ويلم شتاتها ويشارك القبائل الاخرى همومها ،خيرها وشرها .
    وعندما ظهر شيخ العماريين بتلك الوصية ، تبخرت القبيلة وكأنها لم تكن في يوم ما قبيلة كبيرة يحسب لها الف حساب في كل شيء، اصبحت مجموعة من المكونات الاجتماعية التي انصهرت مع تجمعات اجتماعية اخرى وذابت فيها مصاهرة وعملا ومصالح .
    عزيزي القاريء اللبيب ها انا استدعيك مرة اخرى لتساعدني في ان اكتب لك رواية فنية تستقيم وشروط الرواية ،الا ان القلم اخذني الى علوم اخرى ، وادخلني في متاهات علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم التاريخ وعلم الجغرافية وغيرها من العلوم ، اذ تراني وانا اسجل دقائق الامور عن هذه القبيلة ارتاد دون وعي مني هذه العلوم ، فأن كان في ذلك فائدة، ففيما ذكرت كل الخير ، وان لم تكن فلك الحق ان ترمي كل هذه الاوراق او بعضها وراء ظهرك ، فأنا فيما كتبت لم اكن معك كالسيف المسلط على رقبتك، كما كانت الاوراق المحلية الصنع المرسلة من قبل ابن الشيخ الكبير الغائب الحاضر على رقاب ابناء قبيلتنا سيفا مسلطا .    
    ها انا ادون ما ادونه من فم الشيخة او العمة وردة ، كنا في حضرتها انا وراضي والعم نهر ، اربعة اشخاص ضمتهم غرفتها المضاءة بمصباح 60 واط يبث نورة الاصفر الشاحب داخلها، وردة الشيخة التي خرجت من المولد بلا حمص ، لان الحمص اكله شيخ العماريين وابنه وشاركه فيما فضل منه ابي وابي راضي وام الشيخ الكبير التي طردت وردة من الدار الكبيرة، ثم جاء رديف ، رديف الذي لم يكن من قبيلتنا ولا نعرف له نسبا سوى انه كان رئيس حماية ابن شيخ العماريين الذي اصبح وكيلا لابن الشيخ الكبير الذي لم يره احد من ابناء قبيلتنا لا كبيرها ولا صغيرها ، لا رجالها ولا نسائها ، في الوقت نفسه ازدادت ثروة من يكونون وكلاء عنه ، وراحوا يبنون العمارات والقصور ، ويتزوجون مثنى وثلاث ورباع كما حدث لرديف ، اذ جمع في مزرعته التي اشتراها قبل اشهر اربع زوجات توزعن على اربعة قصور فاخرة في المزرعة ، وهناك اربع سيارات امريكية الصنع تقف امام باب كل قصر، يقف بالقرب من بابها الخلفي سائق خاص بإنتظار احدى زوجات الوكيل ليأخذها الى مكان ما لترفه عن نفسها التي ملت رؤية جدران القصر، او لتتسوق من متاجر الكرادة او المنصور .
     كسر ما كان بيننا من صمت صوت العم نهر وهو يسأل وردة الشيخة او العمة :
– يا وردة – كان العم نهر الوحيد بيننا الذي يناديها بإسمها لانه اكبر منها سنا– اخبريهم عما قاله لك الشيخ الكبير رحمه الله في تلك الليلة التي عدتم فيها من بغداد بعد ان اجريتم الفحوصات الطبية ؟
    قالت وردة بعد ان مسحت دمعة سقطت من عينها :
– يا نهر ، لماذا تريد ان تهيج جروحا احاول سنوات ان انساها ؟
    خرج راضي من صمته ، وسألها :
– كلنا في الهوى سوى ، كلنا مجروح ، وكلنا نكابر لننسى آلام تلك الجروح .
    قالت:
– هذا صحيح يا راضي ، الا ان الكذب اصبح هو الصدق .
    وكمن يتقدم بحذر على ارض زلقة مملوءة بالوحل ، قلت لها :
– لم يكن الكذب قد تحول الى صدق ، الا ان الناس ، اقصد ابناء قبيلتنا ، ملوا الحديث في ذلك ، واصبح يومهم البحث والحصول عن لقمة العيش بستر وامان …  هذاهو همهم اليومي…  لا يريدون المشاكل .
    ردت وردة قائلة :
– هذا صحيح لو انهم لم يعطوا قسم من غلتهم الى الوكلاء المدعين كذبا ، من رآى منكم او منهم ابن للشيخ الكبير ؟… ها … قل لي ؟
    قال راضي وكأنه يجيب عن تساؤلها :
– كل ابناء القبيلة ، الساكن على ارضها او المرتحل عنها لا يصدقون هذه الادعاءات ، الا ان الذين بقوا على ارض القبيلة يقولون نعطي ما عندنا ولا نترك الارض لغيرنا .
    قالت وردة :
– اذن هم غير مصدقين بوجود الابن الغائب ؟
    اجبتها نافيا:
–    ولا ابي .
   صاح راضي :
–    ولا ابي ايضا .
قالت وردة مندهشة :
– كيف ذلك ، ابوك ياخيري مساعد الوكيل الاول ، وابوك يا راضي مساعد الوكيل الثاني، و اصبح الوكيل الثالث ، كيف ذلك؟
    قلت:
–    الفلوس تعمي النفوس.
    بكت وردة … لم ارها تبكي مثل هذه المرة حتى ان بكاءها امتد لوقت طويل اوقفه العم نهر بقوله:
– وردة … هذا الجواب الصحيح … الفلوس تعمي النفوس … الم اقل لك ذلك عدة مرات ؟ الم اقل لك ان والدتي رحمها الله قد اعمتها الفلوس ؟
    لم تخبرنا وردة ما طلبه منها العم نهر ، لاننا قطعنا حوارنا واستأذنا منها بالخروج ، كانت تبكي … هل كانت تبكي حالها، ام تبكي الشيخ الكبير الذي فقدت سندا بموته … ام تبكي اباها الذي تركها مع شقيقاتها لا معيل لهن سوى رحمة الله كما قالت ، ولولا العم نهر لبارت اخواتها ولم يتقدم للزواج منهن رجل واحد، الا انه سارع وخطبهن زوجات لابنائه … ام تبكي حضنها دون طفل ؟ المهم انها بكت … راحت تنشج كالثكالى … كانت هي ثكلى … كانت منهن وليست مثلهن … فأردنا ان نرحم حالها … اسرعنا بالخروج انا وراضي بعد ان ودعناها ، وتخلف عنا العم نهر وهو يواسيها … ثم بعد دقائق لحق بنا .
    قال :
– لقد عادت الى سنوات عزها المفقودة.
    قال راضي مواسيا:
– ليكن الله في عونها.   
     ثم راح العم نهر يسرد علينا ما دار بين اخيه الشيخ الكبير وبين وردة بعد الفحص الطبي لهما ، كانت وردة مهيأة للانجاب ، الا ان العقم عند اخيه الشيخ الكبير، لهذا قال لها كما اخبرنا العم نهر :
– انتِ في حل من امرك … سأطلقك ليمتلأ حضنك بالابناء من رجل اخر … الا انها رفضت… رفضت بشدة … وحلفت برأس العباس(*) اذا ارغمت ستحرق نفسها بالنار ، عندها سكت الشيخ الكبير ولم يقل لها كلمة تسيء لها طيلة حياته الباقية.   
    
الورقة الثامنة عشر:

    لم يكن الماضي بعد هذه السنوات الطوال قد غرق في عتمة ضبابية في ذاكرتي ، فقد اصبحت ذكريات تلك الايام معششة فيها ، سهلة التداعي الى واجهتها وكأني استدعي طفلي الزاحف على الارض ليأتي بين احضاني ، كانت تلك الذكريات كشريط سينمائي وبالالوان تتراقص صوره امام عيني ، واضحة مشعشعة بارقة كأنها في وضح النهار.
    فيما كان راضي هو الاخر – كما اخبرني – ما زالت الذكريات تلك كأنها حدثت بالامس … طرية كصبية في ربيعها الرابع عشر… لم تغب عنه لحظة واحدة بعد ان وصل نارها اليه … اخبرني انه لم يعبأ بها عندما كانت في بدايتها… لم يخض في تفاصيلها … ولم يناقش احدا عنها ، الا ان خطبة الوكيل الثاني لاخته راضية قد اجج في نفسه كوامن اسئلة يريد معرفة الاجابة عنها … كان يريد – كما اخبرني – ان يفضح القائمين بها ، وكما قال لي مرة وللعم نهر :
– ان اشد ما يخيفني هو المجهول ، ذاك الذي لانفهمه.
    وها نحن وقد وصلنا الى عمر الكهولة ، خمس وثمانون عاما لكل واحد منا ، اذ كنا قد ولدنا في عام واحد ، وها اننا نعيش في بيت واحد بمفردنا بعد ان ماتت امي وامه ، وماتت الزوجات الحبيبات ، والشقيقات الحنونات ، وبعد ان مات بعض من ابنائنا وبناتنا الذين لم يقدر لهم الله ان يعمروا طويلا ، وها ان احفادنا اصبحوا اباء لبنين وبنات يبحثون عمن يشاركهم الحياة من الزوجات والازواج ، وها ان السجل ما زال كما هو ، الا ان العمة وردة قد تذكرها الله قبل العم نهر بأشهر قليلة ، فقبضهم اليه قبل سنين بعيدة ، كل شيء قد تغير الا ان النفس تعيش على ما جبلت عليه .
    اما خيرية فقد تذكرها الله واخذها الى جواره قبل اكثر من ثلاثين سنة بالضبط ، قال من اتى بالخبر انها ماتت دون ان تتزوج ، ولم يقل من نقل الخبر سبب عدم زواجها ، الا انني كنت اعرف ، كما اعرف انني قد خنت حبنا .
    وفوزة ، هي الاخرى كما نقل احدهم الخبر الى راضي لم تتزوج ، وماتت بعد عمر طويل .
    وتزوجت راضية ، وكانت راضية مرضية بزواجها من احد شباب محلتنا ، كان ضابطا في الجيش، وكان والده ممن ارتحل مع المرتحلين من قرية اخرى تسكنها عشيرة من عشائر قبيلتنا الكبيرة .
    عندما نفتح السجل انا وراضي ، فأن اكثر من صورة تتداعي من ذاكرتنا اللتين اصبحتا ذاكرة واحدة .
    قرأنا في ورقة من ذاك السجل : ان الوكيل الرابع قد انتقل الى رحمة الله .
   عندها راحت الصور تتداعى من الذاكرة كما كانت تتداعى في تفكير راضي .
    جاءنا خبر وفاة الوكيل الرابع بعد ان قبض الله العمة وردة والعم نهر بسنوات ، كنا انا وراضي نحضر حفلة زفاف حفيد راضي لامه ولابن لي على احدى بنات واحد من ابنائي ومن ابنة راضي ، كان الزواج بين ابنائنا قد اكتمل … رجلين وامرأة مني ومن رضية وامرأتين ورجل من راضي وشقيقتي ، كنا للتو قد انهينا وليمة الرجال عندما بدأ التهامس بين الضيوف بخبر وفاة الوكيل الرابع ، رديف، الذي لم يترك له مساعدا على اراضي القبيلة، بل كان يجمع حق المشيخة بيديه ، ويرسلها – هكذا كان يقول- الى ابن الشيخ الكبير ، اما نحن الثلاثة ، انا وراضي والعم نهر قبل ان يتوفاه الله فلم يندق بنا ، كنا نذهب للحصول على غلتنا من الفلاحين على ارضنا بيدينا .
    عرفنا في اليوم الثاني ان لا احد اخرج من جيبه ورقة محلية الصنع قادمة من ابن الشيخ الكبير لتعلن اسم الوكيل الجديد .
    قالت الاخبار التي تناقلتها الالسن فرحة: ان الوكيل هو الذي اخرج من جيبه الورقة المحلية الصنع وراح يعلن ان ابن الشيخ الكبير لم يعين وكيلا له، لانه قد ترك حق المشيخة الى ابناء القبيلة، كل يتصرف بها على هواه … فمن يريد ان يصرفها في اعمال الخير فله الحق في ذلك ، ومن يريد ان يصرفها على عياله فله الحق ، وبدأت الكتابات تنتشر بين العامة لمؤلفين مجهولين ، وراحت المطابع تنشر كل شيء عن ابن الشيخ الكبير الذي يدرس في لندن، فهو دكتوراه في الاقتصاد مرة، وبروفيسورا في السياسة ثانية، واخرى في كيفية زراعة النخيل والرقي ، والرابعة … والخامسة …  وبدأ تلاميذ المدارس الابتدائية يتلقون دروسا خاصة عن حياته ، وراحت كل الكتابات المدرسية والعامة تصف هذا الابن غير المرئي وغير المعروف وغير الملتقى به وصفا من الحجم الكبير ، فهو مرة شيخ الشيوخ ، واخرى كما تصفه الاناشيد المدرسية صديق للاطفال والطيور والاشجار ، ومرة – خاصة في الكتب التي تطبعها المطابع للعامة – يكلم الحيوانات بلغاتها كنبي الله سليمان ، بل زادوا وذكروا انه يكلم الجن ايضا ، وهو – كما يذكر كتاب الجغرافية للصف الرابع الابتدائي – انه يسيّر الغيوم ، ويوزع سقوط الامطار على البلدان ، انه بكل صراحة تلك الكتب المدرسية وغير المدرسية يمتلك السر الاعظم كما صرح في احدى خطبه في راديو القبيلة الوكيل الرابع قبل ان يتوفاه الله، الا ان كل من التقى هذا الوكيل يوقن انه الشيطان الرجيم بلبوس راهب متنسك.
    قلت للحاج راضي، بعد ان استخدم العصى ليتوكأ عليها :
–    هل انتهت محنة ابناء قبيلتنا ام لا ؟
    قال بنبرة رجل عجوز حكيم :
–    لا ادري يا حاج خيري  … العلم عند الله .
    كان جوابه صحيحا ودقيقا … العلم عند الله ، لانه في اليوم الثاني وجدنا راضي جثة هامدة على فراشه ، رحمه الله … وها ان حركة ساقيّ قد بدأت تهدأ قليلا قليلا … شعرت بهما انهما ذابلتان … خيارتان ذابلتان … و راحت بعد ايام ذاكرتي تمحي صورها شيئا فشيئا ، وها ان احد احفادي يسجل في السجل هذه السطور وانا بين يدي الرحمن الرحيم .
    انا بين يدي الرحمن الرحيم لا احتاج الى قاض يكتب وصيتي ، فقد مات والدي وماتت والدتي ، ولحقتهما زوجتي رحمهم الله جميعا … وظل ابناء قبيلتنا الساكنين على ارضها وغير الساكنين على تلك الارض ممن عمر طويلا او ممن كان طفلا وقت المحنة، ، منقسمين فيما بينهم  … فمنهم من ظل ولائه للوكلاء وراح يظن او يعتقد او يأمل بأن ابن الشيخ الكبير سيعود يوما الى ارض القبيلة ليوحد ابنائها ، ويقودهم بين القبائل الاخرى الى العز الذي فقدوه بموت الشيخ الكبير ، ومنهم من تناسى ايام المحنة واصبح من ابناء المنطقة الغربية بعد ان ولد لهم الجيل الرابع من الابناء من خلال المصاهرة بينهم وبين الابناء الاصليين لقبائل المنطقة الغربية… كل شيء جائز في هذه الدنيا ، الا انني اردد وانا بين يدي الرحمن الرحيم : لا يعرف الغيب الا الله .   
 

ورقة ثانية خارجية :

    لم تكن الورقة الخارجية الاولى الا ورقة ضمت سطورا هيأتنا انا وانتم لدخول عالم المجهول، اما هذه الورقة فتضم سطورا غايتها غلق هذا العالم ،والخروج منه لتخبرنا بالحقيقة كاملة .
     كانت لي جدة لامي ، الا انها لم تكن حكواتية، لا بالمعنى الدقيق لهذه اللفظة ولا بمعنى ابسط من ذلك ، ولم اسمع انا ولا اخوتي اية حكاية من فمها ، بل كنا انا واخوتي نسومها العذاب عندما تزورنا، كانت (شقاوة جهال)(*) كما قالت مرة والدتي – لا اقصد والدة خيري او والدة راضي – لامها المبتلاة بشقاوتنا .
    كانت جدتي من العجائز المؤمنات اللائي لم يتركن فريضة اسلامية الا وادّينها ، حتى انها حجت الى بيت الله ، وكانت – كما اسميتها بعد ان كبرت، إمرأة متطهرة – أي انها تشك في طهارة كل شيء ، وكنا نحن ابناء ابنتها نعرف هذا جيدا ، فكنا نضع ايدينا في الماء الذي تتوضأ به ، او نشرب من (طاسة الروبة) (*) التي تيدم بها (التمن) (*)عند العشاء ، او اننا نلتحف بعباءتها التي تصلي فيها ، اما هي فقد كان رد فعلها قولها لنا بعد ان تجر آذان كل واحد منا : شياطين ، لا فائدة منكم . ثم تأخذ عباءتها لتشطفها(*) وتذكر اسم الله عليها ، فيما نحن نقف قربها ضاحكين ، او انها في تلك الليلة لم تضع الروبة ايداما للتمن فتأكله دون ايدام .
    لم اشاهد الهند طيلة سني عمري ، ولم اقرأ كتابا عنها ان كان ذلك الكتاب عن تاريخها او عن جغرافيتها او ملوكها .
    ولم ار ملكا الا في الصورة ، وكان عمري ستة اعوام عندما حدث انقلاب عبد الكريم قاسم على الملك الشاب فيصل الثاني الذي قتل فيه،ولم اقرأ عن حياته او حياة ابيه الملك غازي او حياة جده الملك فيصل الاول الا النزر اليسير .
    ولم اعرف شخصا مجهولا ، الا انني عندما كنت صبيا ، كنت اذهب مع اقراني الى مقبرة صغيرة تبعد عن بيوتنا مسافة اقل من نصف كيلومتر لنلعب كرة القدم ، وكانت هذه المقبرة تسمى مقبرة (المياهيل)، اذ يدفن فيها من يموت في المستشفى ولم يعرف له اهل من قبل البلدية، ثم اصبحت مقبرة للاطفال الصغارالذين لا يحاسبهم الله لعدم دفنهم في مقابر النجف.
    اما كلمة (المياهيل – جمع ميهول) فهي اللفظ العامي عند اغلب ابناء الجنوب للفظة (المجاهيل) أي المجهولين ، اذ كثيرا من اللهجات الدارجة في اقطارنا العربية يكون فيها البدل في الحروف شائعا ، فالجيم مرة يكون ياء، ومرة كافا فارسية ، والقاف تصبح غينا… الخ .
    بعد ان كبرت واكملت دراستي في الجامعة ، وبعد ان تعلمت حرفة كتابة القصة القصيرة والرواية ، رحت ابحث عن موضوع يصلح ان يكون رواية ، فأأتلق في ذهني هذا الموضوع كما يأتلق القبس الذي يشبه الذي وعد به نبي الله موسى عائلته، كان الموضوع هو نفسه الذي روته لنا جدتى عندما كنت صبيا ، اقصد ، هكذا تصورت انها حكته في ذلك اليوم الممطر، على الرغم من انها لم تكن راوية للحكايات ،او ربما رأيته في حلم ليلة صيف وانا نائم على سطح دارنا ، او ربما قرأته ضمن ما قرأت في فترة صباي او شبابي من حكايات كثيرة، ان كان ذلك في الف ليلة وليلة او في كتاب اخر للحكايات، المهم هذه رواية كتبتها .
    لهذا ترى ايها القاريء اللبيب ان خيري – ربما – هو انا ، وانا – ربما – خيري ، وما وجود شخصيتان احدهما تكتب الرواية بواسطة القلم والورقة او بضرب مفاتيح لوحة حروف الحاسوب لتظهر على الورقة البيضاء الافتراضية على شاشة الحاسوب ، والاخرى تنظم وتلم وتخبر عن احداثها،  الا لعبة روائية كنت قد تعلمتها عند قراءتي لمئات الاعمال الروائية لاساطين الرواية في العالم .
    لا اكتمك سرا ايها القاريء اللبيب – وقد طلبت مساعدتك مرتين او اكثر- عندما اقول ان ما تقرأه هو ضرب من الخيال ، الخيال الملتبس بالفن كما يلتبس ابليس في النفس البشرية ، انه خيال فني ، تصور ذهني ، حلم يقظة او حلم نوم ، سطور على الورق الصناعي او الورق الافتراضي ، فلا اريدك ان تنخدع – حاشاك – بهذه الحيلة كما ينخدع بعض الناس بالعاب الخفة على انها نوع من السحر الذي ذمه القرآن ، ان هذه الرواية هي خيال لمخيال – ربما – كان فائرا حارا في ظهيرة يوم تموزي حار .
    فشقيقتي لم يكن اسمها كأسم شقيقة خيري في الرواية ، وانا لم احصل على شهادة البكالويوس في أي علم تطبيقي او تقني او انساني ، ولم يكن لي صديق مثل راضي او زوجة لها اسم رضية شقيقته، ولم يكن لي عم لتكون لي علاقة حب مع ابنته كما كانت بين خيري وخيرية ، ولم اولد في القرية ، اذ انني ولدت في مركز المحافظة وتعلمت بمدارسها التي تضم خيرة المدرسين والمختبرات العلمية والنشاطات الفنية في الرسم والمسرح ، وكنت اكتب لحبيبتي – هكذا ازعم انني احببت فتاة كانت لا تعرني ادنى اهتمام – بعض اشعار الغزل التي اجمعها من عدة قصائد معروفة ، وكان نزار قباني مساعدي في كتابة الشعر .
    هذه هي روايتي التي بين ايديكم، ولكم الحق ان تسألوني من اين اتيت بموضوعها ؟ والحق اقول لكم: لا اعرف… فإن اعجبتكم فلي الحق ان انتشي زهوا بقبولكم لها، وان لم تعجبكم فهي مردودة علي وشاكرا لكمّ قراءتها.

كلمة اخيرة:
(الجهل يعمي ابصارنا ويضللنا
ايها البشر الفانون!افتحوا عيونكم!)

دافنشي

معجم ما استعجم:
  * لانني لا اكذب و انما اجمل :عنوان لفيلم مصري بطولة احمد زكي بصيغة لغوية اخرى.
منقلة: كانون النار.
    * اكو ماكو ، اكو فد ملك:جملة استهلالية لاية حكاية شعبية . واكو ماكو: قيل عنها انها من اصل سومري، ولهذا يستخدمها ابناء الجنوب خاصة ، والله اعلم ، واكو : بمعنى يوجد.
* البواري :جمع بارية ، وهي الحصيرة المضفورة من عيدان القصب المهشمة .
* العرضة او العراضة :  هي تجمع ابناء عشيرة لحضور مناسبة (حزن او فرح)عشيرة اخرى ، ويقابلهم ابناء تلك العشيرة صاحبة المناسبة ، وهم يهزجون ويدبكون والرايات فوق رؤوسهم .
–    السادة: هم الاشخاص الذين من ذرية النبي محمد (ص).
–    غرفة الخطار:غرفة الضيوف.
–    فوطهن: جمع فوطة : وهي الشيلة ، غطاء لرأس المرأة ،نسيج شبه مستطيل من خيوط حريريه سوداء تنسج بطريقة معينة يلف بها رأس المرأة .
–    العدادة : إمرأة تقوم بقراءة التعازي وتعداد مآثر الميت.
–    الداد:لفظة تطلق عند الغضب من شخص ما.
الهوسات: جمع هوسة. وهو بعض الابيات الشعرية التي تختم ببيت شعري راقص، يجعل سامعه يتجاوب معه ويدبك على الارض.
–    محفوظ:لفظة احترام تقال عند مخاطبة الشيخ او المسؤول الحكومي الكبير ، وتعني : حفظكم الله.
–    الاواني الصينية : اواني خزفية .
–    الجبنة: تقرأ بالجيم المثلثة ، وهي مادة اسفنجية ذات كثافة عالية اكثر من الاسفنج.
–    عند المسلمبن ، يتم العقد في بيت الفتاة ، وذلك بأن يسألها رجل الدين ان تقبل به وكيلا عنها والقبول بفلان زوجا لها، فتتردد الفتاة – بتوصية من امها حفاظا لسمعتها – بالقبول، الى ان يكرر سؤاله ثلاث مرات او اكثر، عندها وبخجل تقول: قبلت .
–    عقال شطراوي: الشطراوي نسبة الى قضاء الشطرة احد اقضية محافظة ذي قار ويتصف هذا العقال بالسمك الزائد .
–    خلفوني:من الخلف ،أي اجدادي.
–    الدلالة: إمرأة تدور على البيوت لتبيع بعض الملابس واللوازم البيتية.
–    إحديثات:جمع إحديثه ، أي صبية عند ابناء الجنوب .
–    صعد لحم …نزل فحم: هوسة رددها ابناء الجنوب عند وفاة رئيس العراق في منتصف ستينات القرن الماضي (المرحوم عبد السلام عارف) عندما تحطمت به الطائرة العمودية التي كان تقله في البصرة .
–    نحن دفناه سوية: مقولة مشهورة وقد بنيت عنها حكايات شعبية كثيرة ، وتعني : اننا نعرف كل شيء.
–    الجريد: جمع جريدة ،نصل السعف.
– السركال: هو رجل الشيخ الاول في العشيرة.
–    فلكش: خرب .
–    جك: اناء اكبر من القدح لحفظ الماء او لتبريده بالثلج.
–    لم يندق بي احدا منهم:لم يتحرش بي.
–    أبو غائب: كنية يستخدمها ابناء الجنوب لمن لا يولد له خلف ، وفي ايامنا يكنون الذي لا خلف له بـ (ابي انتظار).
–    في الوجه مرايه وفي الظهر سلايا:مثلا يردد عند وصف شخص مرائي.
–    سناين:جمع سنينة ، وهي مؤنث السنة ، القانون او العرف العشائري .
–    المرق: الحساء.
–    حدائق الزوراء:منتزه عام في بغداد.
–    الشيلة والعصابة:الشيلة ايشارب اسوديلف حول الرأس بطريقة خاصة. اما العصابة فهي قطعة سوداء تلف على قمة الراس بعد ارتداء الشيلة.
–    شنقة: تلفظ في الجنوب (شنكه) بكاف فارسية ، وهي فسقة العجين .
–    الديرم: لحاء شجر معين تصبغ المرأة به شفاهها بلون قهوائي.
–    السوالف: جمع سالفه ، وهي الحكاية او القصة .
–    صوغة: هدية.
–    الزنجار: الصدأ.
–    رأس العباس: قسم يستخدمه الشيعة ، ويعنون به سيدنا العباس ابن علي بن ابي طالب.
–    شقاوة جهال:جهال: اطفال، من جاهل.
– جهال: جمع جاهل وهو الطفل.
–    طاسة الروبة: طاسة : اناء معدني او المنيومي او لدائني ، الروبة : اللبن الخاثر.
–    التمن: الرز.
–    لتشطفها :لتغسلها.

17 ك1 2007  – 11 / 6 / 2008

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.