دواد سلمان الشويلي : أوراق المجهول (5)

الورقة الرابعة عشر:

هذا اليوم وصلنا خبر وفاة الوكيل الثاني … وجدوه ميتا في فراشه …  لم تكن زوجته تعرف ماذا تفعل … هكذا وصلتنا الاخبار وانتشرت كما النار في الهشيم … وتهامست الشفاه بالآذان ، فحكت الكثير … منها ان زوجته دست له السم في الاكل ، ومنها انها وضعت وسادة على انفه وخنقته لانها عرفت بخطبته لاحدى بنات ابناء سلفه على ارض العشيرة فقررت بمساعدة بناتها اللائي مر قطار الزواج عليهن دون ان يقف ليركبن فيه ، وقيل … وقيل ، الا ان الاكيد في القول انها ركبت سيارته مع سائقه دون ان تخبره بوفاة الوكيل وطلبت منه ان يوصلها الى مضيف العماريين، وهناك ارسلت بطلب ابي راضي مساعد الوكيل .
    تقول الاخبار التي انتشرت كأنتشار بذور اللقاح في الجو، وكانت محملة بكل كلمات الخبث ، انها اجتمعت لوحدها مع مساعد الوكيل في المضيف ، وبعد ساعة من انفرادهما ، خرج ابو راضي وبيده ورقة مكتوب فيها ان ابن الشيخ الكبير فرج الله غربته اوصى ابناء قبيلته بأن وكيله على حقوق المشيخة هو ابو راضي.
    كانت الورقة تحمل السيف المسلط نفسه على رقاب ابناء قبيلتنا او ما تبقى منهم ، فبدأ الناس يهنؤنه، و لهذا عندما استقبلتنا زوجة الشيخ الكبير- التي ادعت بعد وفاته انها حامل من الشيخ الكبير ، فأرسلت ام الشيخ الكبيرمن يدعو القاضي ليأتي بالنساء العارفات بقضايا النساء ، فحجزنها في بيت القاضي ، وتبين انها غير حامل، فطردت وطوردت من الدار الكبيرة – قدمت التهنئة لراضي ضاحكة عن اسنان فقدت نصفها والنصف الاخر اصطبغ بلون اصفر مسود … قالت:
– ان والدك خير خلف لخير سلف .
    ذهل راضي ، ليس للتهنئة التي لا يرغب بها ، وانما لسرعة وصول الاخبار ، و اجابها ضاحكا :
– دعي الناس يعيشون.
     ها هي امامنا عجوزا كبيرة السن، نخلة من نخيل بساتيننا التي اكلها العطش فظلت بدون عثوق مدلاة ، وقد امتلأ جسمها بأنواع الامراض بعد ان عاشت في منزل والدها لسنوات قصيرة ثم تذكره الله واخذه الى المكان البعيد ، امرأة مهدمة بعد ان كانت كما تصفها والدتي جميلة الجميلات ، مهدمة جسديا ومهدمة نفسيا، لقد اثرت ايام المحنة فيها كثيرا ، وقد هدر عدم الانجاب سنين حياتها التي تبقت بعد موت الشيخ الكبير كهدرها لسنين شبابها معه ، وراحت تلك السنين تطبخها على نار هادئة ، وها هي تأكل من المرق(*) المر لذكرى تلك الايام الخوالي ، لقد جهزت كفنها ساعة اخبارها لام الشيخ الكبير انها حامل، كان ثقل الشيخوخة ثقيلا عليها .
    ابدلت ملابسها الموردة بكل ورود حدائق الزوراء(*) والتي كانت تخاط لها وحدها في بغداد بالملابس السود كسواد عينيها الذي قطرته الايام على ملابسها ، لقد ولت عنها ايام السعادة في كنف الشيخ الكبير ،وحتما انها لن تعود ، كانت ترتدي ثوبا طويلا فضفاضا اسود اللون ، فيما كان شعر رأسها تغطية الشيلة والعصابة (*)السوداوتين ، كل شيء فيها قد تبدل بعد موت الشيخ الكبير الا شيء واحد هو خاتم زواجها الذي ما زال في احد اصابع يدها اليسرى، كان حتما ذكرى تلك الايام ،لقد سقطت في رمال ايامها ؟
     جلسنا – انا وراضي والعم نهر – على بساط رخيص الثمن ، بعد ان باعت كل ما تملك لتدور على الاطباء علّ احدهم يعرف ما اصابها من امراض عديدة، وكان العم نهر يساعدها بالنقود عندما فقدتها كلها ،اذ كان سيل ايام المحنة الجارف لكل شيء قد جرف كل شيء عندها ، قالت وبحسرة:
– ايه … دنيا قديمة !
     رد عليها راضي ضاحكا ومواسيا :
– انها جديدة يا شيخة .
     ابتسمت بصعوبة من خلال غلالة الاسى من لم يجد البسمة على اساريره ،وقالت:
– الشيخة …الشيخة … وماذا تبقى من الشيخة ؟ ها ؟ رحم الله الذين ماتوا ، وغفر الله لمن سبب في كل الذي جرى لقبيلتنا  .
    خرجت من الغرفة ، وبعد دقائق عادت – بعد ان فقدت الى الابد مشيتها المعروفة عنها بين نساء قبيلتنا- بالقدر الذي استطاعت به ان تحمل ثقل السنين التي لم تستطع هزيمتها وهي تنوء بثقل مجموعة امراضها المعروفة و غير المعروفة ،حاملة صينية اكل الصدأ بعض بريقها ،عليها ثلاثة استكانات شاي ، وضعتها امامنا وجلست منهدة وكأنها تركت جسدها ينزل بقوة على البساط ،لقد انهكتها شيخوخة المشيخة المطرودة منها ، وبحسرة قالت :
 – أيــــــــــه … اين كنا ، واين اصبحنا …  الم اقل انها دنيا قديمة ؟
     كانت عيوننا انا وراضي لا تنزل عن وجها الذي اتذكر انني رأيته اكثر من مرة وانا طفل ارافق امي في زياراتها لبيت الشيخ الكبير ، كان فلقة من القمر ، بل هو القمر ، قلت لها محاولا طمأنتها :
– ما زلت جميلة وبصحة جيدة .
    اقتربت مني كثيرا حتى لم يبق بين وجهي ووجها سوى مسافة قصيرة وضحكت، ولاول مرة اراها عن قرب، انها نهر جفَّ و يبست شواطئه … قالت :
– هل تريد ان تتزوجني ، ام انك تريد ان تقنعني بقولك هذا ، ام انك تريد ان تأكل برأسي حلاوة …ها ؟ ثم التفتت الى العم نهر الذي راح يخفي ضحكته ، وقالت له غاضبة:
– من قال لابن مساعد الوكيل القديم انه سيشتريني بكلامه هذا … ها ؟ ثم حولت كلامها الغاضب الى راضي، وقالت له :
– اسمعنا يا راضي صوتك … قل ما شئت عن مشيختي وجمالي ؟ ثم ادارت وجهها لي مرة اخرى وقالت بعد ان ابتعدت عني قليلا:
– انس كل ما قلته لك .
     وصمتت .
    كان الصمت في الغرفة قد اصبح شفافا تسمع من خلاله اصوات تنفسنا ونحن ننتظرها لتمزقه بكلماتها، فيما هي راحت تنظر في نقطة حددتها على جدار الغرفة الذي قشطت بعض طلائه ايام المحنة وزال عنه بريق سنوات شبابها ، قالت متسائلة:
-ها … لماذا جئتما ؟
    وقبل ان نقول اية كلمة تابعت قولها :
– اسألوا ما يحلوا لكم …لا تخافوا من الشيخة … اليس كذلك يا راضي… ولا تنبهروا بجمال وجهي الذي سينسيكم ما جئتم به …اليس كذلك يا خيري ؟ وانت يا نهر يا من كنت صادقا معي ارحب بكم دائما في بيتي المتواضع فلا تترددوا عن طلب ما تريدون .
    ثم صمتت ثانية ،وساد الصمت في ارجاء الغرفة ، اما انا فإن ما ركب نفسي وربما نفس راضي من خوف من ان تطردنا من بيتها كان عظيما، فيما كان العم نهر دائم التبسم وهو ينقل عينيه بيننا انا وراضي وبين زوجة الشيخ الكبير العجوز … كان حتما يريد ان يعرف رد فعلنا تجاه كلام الشيخة المطرودة من المشيخة .
    الصمت هو الوحيد الذي كان يسكن الغرفة التي كانت تضمنا نحن الاربعة … والصمت هو الوحيد الذي تخلف عن كلام الشيخة … والصمت هو الوحيد الذي ثلمه كلام الشيخة عندما قالت :
– اسمع يا خيري وانت يا راضي ، اعرف كل ما جئتما من اجله … واعرف انكما لم تصدقوا قول شيخ سلف العماريين ولا ابي خيري ولا  ابي راضي عن الابن الغائب للشيخ الكبير في لندن … واعرف لماذا انتقلتم الى بغداد … واعرف لماذا تشاجر راضي مع والده ، واعرف فوق كل هذا وذاك ان حبيباتكما قد رحلتا عنكما ، وقد تزوج احدكما شقيقة الاخر … كل ذلك اعرفه ، فاتركوا قضية جمالي وقضية مشيختي الى الابد .
    هالني ما سمعت ، و في الوقت نفسه فقد اندهش راضي مما سمع، وراح كلينا ينظر بوجه الاخر، فيما الشيخة اخذت صينية استكانات الشاي الفارغة وخرجت .
    كسر صمتنا قول العم نهر وهو يضحك شامتا بنا :
– ها … ماذا تقولان بعد الذي سمعتماه ؟
    لم نقل شيئا ، بل انني شعرت وكأن لساني اصبح خشبة يابسة راحت تشقق لهاتي ، فانتبه العم نهر الى ذلك واعطاني قدحا من الماء وهو يبتسم ، ثم اعطى راضي قدحا اخر وما زالت ابتسامة الشماتة بنا كما هي مرتسمة على شفتيه .
    قلت له بعد ان استرد لساني طراوته :
– اشمت بنا يا عم نهر … ولك الحق في ذلك لاننا اصبحنا اغبياء بعدم سؤالنا اياك عن عادات الشيخة .
     قاطعني بصوت خفيض كي لا تسمعه الشيخة :
– اتقول عنها شيخة وهي التي منعتكم عن قول ذلك ؟ اسكت لا تسمعك .
     وراح يضحك بملئ فيه.
    عادت الى الغرفة بعد لحظات ، كانت حركتها اثناء المشي بطيئة جدا حتى اني خفت من ان تقع على الارض من ثقل الصينية ، جلست امامنا بالضبط ، وقالت موجهة سؤالها لي :
– ها خيري … ماذا تريد ان تعرف بالضبط؟
    ارتبكت قليلا ، تساءلت مع نفسي : ماذا اقول لها … لقد تبخر كل سؤال من ذاكرتي بعد كل الذي سمعته منها ، ورحت ادير نظري بين راضي والعم نهراستنجد بهما ، الا ان راضي ادرك الموقف اخيرا وسألها :
– لا نعرف بماذا نخاطبك ، انقول شيخة ام ماذا ؟
    ضحكت ، و بانت اسنانها المتساقطة من مقدمة فمها ، قالت :
– نادوني يا عمة كما كنتم تنادونني وانتم صغار ؟
    قلت لها :
– هذا افضل لنا ولك، فما زلت انت عمتنا حقا .
    ضحكت طويلا… كانت امامي امرأة قلبها طري كشنقة(*) العجين ، وبريئة حد الانكسار، على الرغم من اطنان المآسي التي تجرعتها.
     قالت مبتسمة:
– ما زلت تريد ان تشتريني بلسانك الذي لا تعرف كيف تسيطر عليه .
     لذت بالصمت وانا محتار في كيفية التعامل معها ، كما ظل راضي صامتا ، فيما العم نهر ما زالت ابتسامة الشماتة مرتسمة على شفتيه وهو يدير رأسه بيننا – انا وراضي – وبينها وكان يراقب شفاهنا عند الكلام  .
    قالت :
– اتركوا كل شيء … المشيخة والجمال ومرضي .
    تجرأ راضي بعد ان عرف انني ضقت صبرا بهذه الشيخة العجوز ،قال :
– ياعمة … اخبرينا عن ادعائك بالحبل عند وفاة الشيخ الكبير، وماذا فعلت النساء البغداديات؟
    راح راضي ينقل عينيه بيني وبينها كأنه يريد ان يقول ها… اترى مساعدتي لك ، بينما استأذن العم نهر للذهاب الى المرحاض لان مثانته قد امتلأت، ولا يصبر على ذلك بعد ان ابتلي بمرض التهاب المثانة .
    تنهدت الشيخة المطرودة بقوة … ثم سكتت لحظة وكأن سؤال راضي استنهض في نفسها ما كان نائما، او انه ازاح عن ذاكرتها غطاء ثقيلا فأنكشفت اسرارها التي لا تريد ان يعرف عنا احد ، كانت ذاكرتها قد مسحت عن صفحتها كل ما هو سعيد ، مفرح ، وحافظت على ما هو محزن ، مؤلم…  ثم وبصوت منكسر بعد ان اعادت تركيب ذاكرتها المهشمة كالزجاج راحت تروي لنا ماحدث وقتها بالضبط وكأنها تراه الان.

الورقة الخامسة عشر:

  لم يكن موت الوكيل قد شغلنا عن الحديث مع زوجة الشيخ الكبير … اذ لم يدم ذكره بيننا سوى ثوان معدودة … الا ان ما شغلنا بعد خروجنا من بيت زوجة الشيخ الكبيرهو قبول ابو راضي بهذه الكذبة التي نعرف بدايتها ولا نعرف نهايتها … الا اننا قررنا ، انا وراضي، ان لا يؤثر قبول ابو راضي بالوكالة على ما نقوم به  للوصول الى الحقيقة، على الرغم من اننا واغلب ابناء قبيلتنا الذين ارتحلوا اثناء المحنة او بعض الذين بقوا على ارض القبيلة كنا نعرف ان كل ما حدث هو كذبة من صنع شيخ سلف العماريين ومن وقف معه ، ولا نستثني والدي وابو راضي من ذلك .
   عند عودتنا انا وراضي من بيت الشيخة او العمة ، رحنا انا وهو نستذكر كل ما قالته ، بعد ان اخرجت سجلي من الديلاب الخشبي لاول مرة امام راضي ، أندهش مما قرأه في بعض صفحاته ، الا انه لم يلمني على عدم اطلاعه عليه في السابق ، قال لي:
– افتح صفحة جديدة وضع لها عنوان : اعترافات الشيخة.
    لاول مرة اسمح لشخص آخر ان يشاركني سجلي ، فلم يكن راضي كاتم سري مع خيرية فقط ، بل اصبح شريكي العلني والسري في البحث عن اوراق المجهول.
    امتثلت لكلامه ، فتحت صفحة جديدة في السجل وعنونتها كما اراد ، ورحت اسجل فيها كل كلام سمعناه من فم الشيخة التي حفرت المحنة في نفسها وجسدها آثاراً يصعب محوها ، كان كلامها لم يزل في ذاكرتنا انا وراضي طريا وكاملا دون زيادة او نقصان .
    عندما سألها راضي عن سبب ادعاءها بالحبل، تنهدت وتحسرت طويلا وغابت قليلا عنا وهي في مكانها وكأنها تستذكر تلك الايام الخوالي بكل مرها وحلوها ، ثم راحت تنظر الينا بكل ما انعم الله عليها من حواس … ربما كانت تريد ان تستجمع ذاكرتها ، حتما ان مرآة حياتها قد اغبشتها المحنة ،عضت على شفتها السفلى التي كانت بلون الديرم(*) بما تبقى في مقدمة فمها من اسنان وكأنها تريد ان تمنع اي ذكرى من الافلات منها ، كانت امامنا وكأنها ليست زوجة الشيخ الكبير لقبيلتنا ، فكل شيء فيها قد ذوى … وبعد لحظات مرت علينا كالدهر ، قالت بذات الصوت المعدني الذي اتذكره مع قطع الحلوى التي توزعها علينا نحن اطفال قريتها:
– تزوجني الشيخ الكبير رحمه الله وانا إحديثة لم تكمل الرابعة عشرة من عمرها ،قبل ان تولدا، وكان هو في سن الثلاثين وقد تزوج قبلي بثلاث نساء … كان والدي يعمل سائقا عنده ، وكنا نسكن في بغداد ، وكثيرا ما كان الشيخ الكبير يزورنا في بيتنا مع والدي ، ومرة رآني فخطبني من والدي وتزوجني في الليلة نفسها بعد ان ذهب والدي الى احد رجال الدين وجاء به الى بيتنا وعقدني عليه وانا لا اعرف ما الزواج ومن الزوج سوى انه الشيخ الكبير لقبيلتنا ، وفض بكارتي على سرير والدي ووالدتي في الليلة نفسها ، وفي الصباح غادرت بيتنا معه الى الدار الكبيرة على اراضي القبيلة متوجة بادعية والدتي وبكاء اخواتي الاصغر مني.
    وبعد صمت لم يطل وكأنها تحث ذاكرتها على ترتيب ثم تقديم الصور المخزونة فيها لعرضها امامنا ، تابعت القول :
– دخلت الدار الكبيرة كما امرتني عمتي ام الشيخ الكبير بقدمي اليمنى ،كنت احمل صرة ملابسي التي اشتراها لي الشيخ صباح ذلك اليوم وصورة شمسية لي وله التقطها مصور شمسي يقف على رصيف الكراج وقد مزقتها عمتي ام الشيخ الكبير بعدطردي من البيت.قاطعها العم نهر واخبرنا انه ما زال يحتفظ بصورة اخرى لهما من النوع الكهربائي.
 – ومن ذلك الحين انا خادمة في البيت – تابعت حديثها – الا انني خادمة بمستوى عال ، وكان الامر والنهي من اختصاص ام الشيخ الكبير ، لم اغضب ، ولم انفر من تلك المعيشة ، لسبب واحد لانني وجدت الحب عند الشيخ الكبير في غرفتنا المستقلة ، كان الشيخ الكبير عندما ينهي كل حديث مع امه يدخل غرفتنا ويقفل بابها من الداخل ، عندها تبدأ سعادتي ، في الكلام المعسول وفي تقديم الهدايا ، وكذلك على السرير- كانت شفاهها قد افترت عن ابتسامة صغيرة لتذكرها تلك الايام الخوالي –  وبعد سنين من السعادة في غرفتنا نسيت الانجاب والاطفال والسراب الذي ملأ بصري بهما، وكان عزائي في ذلك اطفال العشيرة الذين يزورونني بموافقة الشيخ الكبير وامه، وكنت اقدم لهم الحلوى التي يشتريها الشيخ الكبير من بغداد بكميات كبيرة لهذا الغرض، فكرست حياتي لخدمة زوجي الشيخ الكبير بمساعدة وحماية تميمة ابي وامي في ان الانجاب من امور الغيب وهو منحة الهية .
    سألتها :
– وعن ادعاءك  بالحبل ؟
    ردت قائلة وكأنها امام محقق يريد ان يلم خيوط الجريمة :
– انتم تعرفون ان الشيخ الكبير تزوج اكثر من امرأة ولم ينجب من أي واحدة منهن، وهذا يعني ان العيب فيه وليس في النساء، وانا لم اعرف بهذا الا بعد سن العشرين على الرغم من ان والدي ووالدتي يعرفان كل شيء ، الا انني احببت الشيخ الكبير كثيرا بالمقدار الذي تحب فيه فتاة في الرابعة عشر من عمرها رجلا بعمر ابيها ، وخدمته لانه كان يحبني ولم يقصر معي بشيء، فبلعت مرارة ان تبقى المرأة المتزوجة بدون اطفال ، وقلت مع نفسي ما كان والديّ يقولانه لي : هذا رزق من الله ولا دخل للشيخ الكبير به ، وقتها لم افكر بغير هذا القول حتى مرض ، وكنت انا الوحيدة التي ادخل معه الحمام لاحممه ، كان بين يدي بديلا عن الابن الذي لم انجبه منه او من غيره ، كان مريضا ، لم يقو على الوقوف لوحده لفترة قصيرة ، وبعد ان يخرج وقد ازلت عنه اية شعرة في لحيته او تحت ابطيه او على عانته ، اساعده في ارتداء ملابسه بعد ان ارش جسده كله بماء الورد ومن ثم ادلكه بالبوطرة التي يستعملها طيلة حياته الى ان رقد على فراش الموت ، وانتبهت الى نفسي ، قلت لها: ما ذنبي انا التي افنيت شبابي مع رجل لا ينجب ؟ لماذا رماني والدي مثل هذه الرمية الخائبة؟ وظلت هذه الفكرة تدور في رأسي حتى اذا مات وقد اخرجني بوصيته بلا حمص او حتى عدس ادعيت بما ادعيته لكي احافظ على بعض مال زوجي، الا انني لم اكن اعرف بما فعلته ام الشيخ الكبير عندما ارسلت على النساء العارفات ، والا … استغفر الله من كل ذنب عظيم .  
     ثم سكتت ، وسالت دمعة واحدة على خدها ، فيما الاخرى تلجلجت في مآقيها رافضة النزول ، ربما شعرت بإهانته الموجعة لها والتي ما زالت تثقل عليها حياتها.
     تنهدت وتحسرت كثيرا … حتما قد انفتحت عندها جراحات النفس القديمة التي كانت قد التأمت او انها اقتنعت بإلتآمها ، وراحت تنزف الما ، فتركت رأسها ينزل على صدرها ، وهي تحرك عود ثقاب على نسيج البساط وكأنها ندمت عن قول ما قالته.
    بعد لحظات عادت الينا من رحلتها مع عود الثقاب ،قالت :
– هذه الامور لم اذكرها… انها المرة الاولى التي اخبر بها احد ، فلا تكونوا ممن ينبش في عرضي كما فعل شيخ العماريين وابنه .
    قلنا لها بصوت واحد :
– اطمأني.
    شردت عنا محتمية بذكرياتها … ربما تمثل في ذاكرتها شريط حياتها كاملا، عندها ولكي اخرجها من هذا الشرود  قلت لها :
– لا احد يمسك بسوء .
    وراحت تكمل ما بدأته ، الا ان الذي قالته كان سرا لا يعرف به احدا سواها والعم نهر، وهذا ما ادهشنا انا وراضي، حتى ان راضي قام وقبلها على رأسها ، قالت ، بعد ان مسحت عن عينيها دمعة اخرى حاولت النزول بعد تلجلجها في مآقيها،و بعد ان تنفست من أعماقها، بصوت منكسر ، صوت منخفض بالكاد يصل الينا وكأنها تخاطب نفسها :
– فكرت في تلك اللحظة ان انام مع احد الاغراب لكي احبل … استغفر الله واتوب اليه … ان الذي آلمني ليس موت الشيخ الكبير ، وانما هو الوصية … وبعد هذا العمر الطويل معه وبخدمته وقد افنيت شبابي معه ، يوصي بتركته لوالدته فقط؟!
    قلت لها :
–  هذا مخالف لامر الشريعة ، ان الشريعة تنفذ الوصية بثلث التركة.
    راحت نظراتها الكليلة تتفحص وجهي المرتعش الذي اصبح لونه كالليمونة ، انسحب الدم منه، شعرت بها تأكلني بنظراتها وكأن كلامي استفز فيها امرا ما ،فأبعدت نظراتي عن نظراتها كي لا تحرقني بهما بعد ان استعرت فيهما الذكريات، قالت:
– لم اكن اعلم ان ام الشيخ الكبير ستتحايل حتى تطردني من الدار الكبيرة ، كان والدي وقتها قد ترك سيارة الشيخ لكبر سنه، ولم يكن لنا انا واخواتي أي اخ يعين والدي في المعيشة ، ففكرت بما فكرت فيه … الا ان الله كان يحبني ، فألهم ام الشيخ ان ترسل بطلب القاضي والنساء العارفات ، ورحت معهن وانا اعرف انني لست بحامل لكنني لم استطع اخبارهن وقتها وقلت مع نفسي :انهن سوف يعرفن بعد حين .
    ولاذت بالصمت مرة اخرى، كانت امامنا تتألم ،وكأننا فتحنا لها جراحا ملتئمة بفعل تقادم الايام راحت تنزف دما، وعاد الصمت مرة اخرى الى جو الغرفة الا انها كسرته بقولها بعد ان شربت ذلك الالم النازف:
– سآتي لكم بالشاي.
    تركناها تخرج من الغرفة لا لحاجتنا للشاي، ولكن – كما خمنت – لحاجتها هي للاختلاء بنفسها بعض الوقت بعد ان قالت :
– ان الله لطف بي وحفظني  .
    قلت مع نفسي : كم هو ثقيل عليها الزمن الذي مضى.
    هذا ما كتبته في السجل، وعندما قرأه راضي وافقني عليه، واخبرني انه كان من رأيه وقتها ان نتركها مع نفسها ، واخبرني انه فكر في ان يطلب مني ومن العم نهر ان نغادر بيتها بعد الذي سمعنا الذي سمعناه، وان نأتيها في وقت اخر قد لملمت فيه جماع نفسها واستراحت قليلا من نار ذكرياتها .
     قال لي راضي وانا اهيأ اسئلة يوم بعد غد :
– لها الحق في ما ارادت ان تعمل بنفسها … لقد اخرجوها من المولد بلا حمص … ثم سألني:
– لماذا ابعدها الشيخ الكبير من وصيته ؟
    قلت له :
– لم اكن اعرف … وعندما سألت والدي وقتها هذا السؤال اجابني بقوله:
-ان الله وحده هو العالم .
    وفي يوم ما ، اصبح موغلا في القدم ،كنت في غرفتي الخاصة اقرأ ، دخل علي والدي فجأة وقال لي :
– خيري … اتتذكر سؤالك لي عن سبب ابعاد زوجة الشيخ الكبير عن الوصية؟
    عندها فرحت وتهللت اسارير وجهي وقلت مع نفسي ان والدي هو الوحيد العارف بذلك ، قلت له :
– نعم اتذكره ، ما هو السبب ؟
    قال:
– ربما كان يعرف ان والدته لن تترك زوجته تعيش بعيدا عنها لانه يعرف ان زوجته امرأة خدومة واراد ان تكون العلاقة بينهن قوية .
    كانت الـ (ربما) في بداية كلامه قد ابعدت عنه أي موثوقية ، الا انني كنت مع رأي والدي – كما قلت وقتها – الا ان الامور لم تسر كما اراد الشيخ الكبير، اذا كان هذا صحيحا، فعندما اعلن شيخ سلف العماريين انه الوصي على ابن الشيخ الكبير الذي يدرس في بلاد الغربة ، كانت الشيخة وردة في بيت القاضي تنتظر نتيجة فحص النساء العارفات ، وعندما انتهت فترة مكوثها هناك وعادت الى الدار الكبيرة وحضنها فارغا ، طردتها ام زوجها ، وادعت مع شيخ سلف  العماريين بأنها لم تكن زوجة للشيخ الكبير، وانما هي خادمة عنده ، ولم تفد ورقة العقد، ولا شهادة رجل الدين الذي وجدوه في اليوم الثاني ميتا خنقا على فراشة ،  والذي شهد امام جمع غفير بأنه هو الذي عقدها على الشيخ الكبير ، عندها سكتت السنة الحق كما يقال ، فعاشت في بيت والدها .

الورقة السادسة عشر:

يولد النهار في كل يوم، ويبقى الليل السرمدي يحبل بالآلام والمعاناة والاخبار السارة وغير السارة… وتمر الأيام مسرعة راكضة الى المجهول، دون ان نلحق بها ، الا ان الذكريات لن تموت.
     مرت اشهرالسنين بأيامها كما تمر على خلق الله ،رغما على انوفنا وانوف الذين خلـّفونا حسب تعبير والدي رحمه الله.
    مات الشيخ الكبير وخلف ورائه ذهولا لا يوصف ، وماتت معه اسرار واسرار، تجربة صعبة طالت ابناء قبيلتنا ،اذ ظلوا دون شيخ يقودهم امام شيوخ هذا الزمن ، ولم يخرجوا منها حتى هذه الساعة التي ادون فيها في سجلي ما جرى لقبيلتنا، وما اعرفه وما لا اعرفه ، وما عانيته وما لم اعانيه انا ، ومات وكيل الشيخ الكبير، شيخ العماريين، و قد اسس وخلّف محنة كبيرة ما زالت تجربتها سيفا مسلطا على رؤوسنا ، صغيرا وكبيرا ، رجلا وامرأة ، انسانا وحيوان ، وعلى الارض بخضرتها او بسبخها ،وعلى النهر بمائه الذي كان سلسبيلا والذي بات مرا اجاجا ضحلا يسهل عبوره للطفل بعد ان كان يأخذ في كل عام ضحية او اكثر من ابناء قبيلتنا ، ومات والدي كمدا بعد قراءته الورقة المحلية الصنع في المكان الذي قبض الله فيه الشيخ الكبير، وماتت معه اسراركنت على وشك معرفتها ، وما زالت تجربة المحنة سيفا مسلطا على رقاب ابناء واحفاد قبيلتنا ، ثم مات الوكيل الثاني دون ان يخلف ابنا ذكرا – وربما كان يبحث عنه عند راضية او عند احدى بنات سلفه – يحفظ له اسمه ويكون له خلفا في الوكالة ،الا ان خلـفه ابي راضي جاءت به زوجته وكيلا على اموال مشيخة قبيلتنا التي ظلت بدون شيخ يقودها في هذه المحنة على الرغم من تفرقها في جهات الارض الاربعة التي كان يحكمها جلجامش وسرجون و… و …، وهذا الزمن الصعب ، وانسلاخ الليل من النهار والنهار من الليل ، دون ان ان يكلا او يتعبا كما ابناء قبيلتنا الذين لم يركنوا الى طريق سوي بينهم .
    عدت الى ذاكرتي الورقية وكتبت هذه السطور بعد ان جاءنا خبر موت والد زوجتي ووالد أعز صديق عندي، وجد ابنائي، الوكيل الثالث ابو راضي.
    انا في حيرة من امري بين ان اخبرزوجة راضي – شقيقتي – ووالدته التي اقعدها المرض وزوجتي رضية وابنته راضية ، وبين ان اترك الاخبار حتى نصل غدا الى اراضي عشيرتنا كما اتفقنا ، قلت لراضي :
– اذهب انت اليوم بحجة ان والدك سيسافر الى لندن ليلتقي إبن الشيخ الكبير هناك ، وانا والعائلتان سنلحق بك غدا .
    قال لي :
– وبماذا تخبرهم غدا؟
    قلت له:
– اترك الامر لي .
    سافر راضي في الساعة السابعة ليلا دون ان يعود الى البيت ويخبر والدته و زوجته – شقيقتي– وزوجتي – شقيقته وابنة المتوفي – بالامر،اما انا فذهبت الى البيت واخبرت النساء في البيت ان راضيا سافر الى اراضي العشيرة ،لان العم سيذهب غدا الى لندن ، وطلب مني ان ارافقكن غدا بعد ان اطلب اجازة من المدرسة في الصباح … الا انني – اخبرتهن لتترابط اجزاء الحيلة جيدا – استطعت ان اقنع المدير ليمنحني انا وراضي الاجازة من بيته ، وانطلت الفكرة عليهن، وها هن يسطّرن السوالف(*) عن لندن وصوغة(*)  ابو راضي ، ونساء لندن ، وربما يأتي ابو راضي ومعه امرأة لندنية ، شقراء طويلة القوام ، ليست كبنات قبيلتنا– كما قالت شقيقتي هازئة – فيما ردت عليها زوجتي رضية مدافعة عن ابيها وهي تضحك:
– لم يفعلها ابي وامي حية ترزق .
    ردت عليها شقيقتي، زوجة راضي ضاحكة ايضا:
– يا مأمن الماء في الغربال أمن بالرجال.
    وشاركتهن العجوز المقعدة قائلة بإستهزاء:
– بعد ما شاب ودوه للكتاب.
    خيم الصمت بعد ان قالت قولتها المرأة العجوز المقعدة ، وراحت بؤبيء العيون تدور في محاجرها كأنها تبحث عن شيء ، عندها قامت العجوز بعد ان اسندتها راضية وذهبت لتستلقي على فراشها ، فانطلقت ضحكة زوجتي وشقيقتي عاليا ، فيما كان ابناؤنا انا و راضي يغطون في نوم هانيء ، ويحلمون بهدية لندنية جميلة،وكانت والدتي قد طلبت منا ان تبقى لوحدها في البيت ، الا اننا – انا وشقيقتي ورضية –  اصررنا على ان ترافقنا ، وقيدت كل ذلك في السجل واعدته الى الديلاب .
     بينما كانت النجوم المتلألة تطرز سماء الله الدنيا ساهرة تراقب ضحكات النساء وتندرهن،دخلت الى غرفتي واستلقيت على سريري بعد ان تركت نساء البيت يتضاحكن على ابي راضي وزوجته اللندنية ، ورحت أبحث عن أسرار الأيام القادمة الحبلى بالمجهول ، الا انني لم اشغل بالي كثيرا عن مجهول الايام الاتية ، لانني لم اشعر الا وزوجتي تناديني عند الساعة الخامسة صباحا كي انهض من النوم لنصل قبل ذهاب والدها الى لندن .
     ضحكت في سري ، لا اكتمكم حزني على والد زوجتي ووالد زوج شقيقتي وصديق والدي رحمهما الله ، الا ان ما قالته زوجتي هو الذي اضحكني ، حتما ان تفكيرها وتفكير شقيقتي زوجة راضي قد تاها في شوارع لندن، والا كيف صدقن ان ابا راضي يسافر دون ان يمر على بيتنا في بغداد التي فيها المطار الدولي ؟ خاصة وقد اخبرتهن لضبط خيوط حيلتي ان طائرته ستقلع بعد منتصف الليل من هذا اليوم ؟
    كانت شقيقتي هي الاخرى راحت تيقظ الابناء من نومهم ، كانوا ينامون في غرفة واحدة مع راضية وامها المقعدة ووالدتي  ، فيما راحت امي المرأة العجوز تعد الشاي في المطبخ.
    وانا اغسل وجهي ، بدأت تداعياتي تقفز من مكان ذكرياتي… كان شريطا طويلا … صورة للشيخ الكبير وهو على فراش الموت وانا اقبّل قدميه …صورة اخرى وانا اخرج من المضيف الكبير دفعا … صورة ثالثة لرجال القبيلة اجمعهم الساكنين على ارضها او في اماكن اخرى وهم يدقون الارض دقا والهوسات تتعالى فيما ترفرف الاعلام والرايات على رؤوسهم … صورة اخرى لي انا وابنة عمي وحبيبتي وخطيبتي التي لم اسمع عنها خبرا ما الا خبر موتها ،في غرفة ماكنة الماء ، فيما لاح راضي في نهايتها وهو يراقب الطريق الى الغرفة التي كنا فيها… الا ان صورة ايام المحنة هي التي تضخمت امام ناظري حتى انني لم اتناول الفطور كبقية افراد العائلتين ورحت اشعل لي سيكارة دون ان ادخل شيئا في معدتي … وعندما رأتني والدتي ادخن نهرتني بصوت حنون ، قائلة :ان هذا مضر بالصحة … اومأت لها علامة القبول ، ورميت عقب السيكارة بعد ان كاد يحترق هو الاخر .
    وقبل ان اصل الى الفصول الاخيرة لرواية اوراق المجهول اطلب منك عزيزي القاريء اللبيب ان تشاركني في التصور ، فأقول لك : عندما وصلنا الى اراضي قبيلتنا وكانت الساحة المطل عليها باب المضيف الكبير مليئة بالاعلام والبيارغ والرجال الذين يعدون على اصابع اليد، شعرت بأن وجوه النساء اللاتي معي في السيارة قد تغير لونها ، ولا اكتمك سرا عندما اقول انني لم اكن وقتها اعرف السبب الذي دعى الى تلون وجوههن ، هل هو احساس بفقد عزيز ؟ ام انه احساس بفقد شخص ربما يعيق سفر الاب الى لندن ؟
    كل شيء في مكانه كما تركناه نحن ،او كما تركه المرتحلون من ناس القبيلة بعد ان اخبر الوكيل الاول بخبر الوصية ،المضيف الكبير في مكانه، والدار الكبيرة في مكانها ، ومنازل الطفولة والصبى والشباب ،  كل شيء في مكانه،الا ان الذي لم اره او المسه هو ذلك الشموخ الذي كان يعيشه ذلك المضيف وتلك الدار الكبيرة  ، فقد ماتت روحهما بموت الشيخ الكبير، وذبلت ايامهما ،وحتى قبيلتنا التي كانت في السطور الاولى للزمن اصبحت على هامشه ، و بواري المضيف قد تغير لونها … اسودت بزنجار(*)الفصول الاربعة ، والباب الصاجي للدار الكبيرة قد اكلته عثة الزمن ، وتشرب الزمن لونه الصاجي ، كما تشرب قاع النهرمائه ، وكبر الاطفال وهرم الرجال … كل شيء قد تبدل … وقد تبدل الوكيل ايضا .
    شاركني ايها القاريء – للمرة الثانية –  في معرفة ذلك ، لانني تعبت من كتابة هذه الرواية ، وتداعي الصور وبالالوان في ذاكرتي، فقد وجدت كل شيء في مكانه،المضيف الكبير يتلألئ بخجل تحت اشعة ذلك اليوم ، وملاعب الصبا ، واماكن الخلوة لي ولخيرية ، قد لعب فيهما الزمن كما يلعب طفل غر بلعبة مركبة من اجزاء ، لقد رأيت بأم عيني هاتين اللتين سيأكلهن الدود ان السوس نخر كل شيء على اراضي قبيلتنا ،لقد انهار كل شيء امام عيني.
    وايضا ارجو ان تساعدني ، او تشترك معي في التصور او التخيل في رسم صورة للنساء اللاتي معي في السيارة عندما وصلن الى بيت ابي راضي ، ساعدني في رسم صورة لما حدث لرضية واختها راضية ووالدتهما المخدرة بآلام المفاصل ،وامي العجوزالتي برقعت وجهها قطعة من القماش الناعم الاسود منذ ان توفي والدي رحمه الله ، وشقيقتي ،عندما سمعن صوت العدادة يأتي من بيت ابي راضي الذي ظل وحيدا في بيته منذ ان سكنا بغداد ،وكيف ملأ سمعهن صوت ردح الرادحات، وولولة المولولات، وصراخ الصارخات ، وتذكر ان لكل انسان سلوكية معينة عند الحزن بفقد عزيز .
     لا اريد ان انقل لك ما حدث للنساء اللاتي جئن معي من بغداد ، فهي صورة مألوفة لمن فقد اب او ام او عزيز عليه ، وقد وقف قلمي عن الكتابة على الورق ،وترقرقت الدموع في عيني، كما انشلت اصابعي فلم تضرب مفاتيح الحروف عند كتابة هذا الفصل من الرواية، كان موقفا صعبا ، الا ان الاصعب منه هو المهزلة التي حدثت في المضيف الكبير .
    كان من ضمن حضور مجلس الفاتحة، الرجل الذي قرأ الورقة التي مات بسببها ابي ، هو نفسه الرجل الذي طلبه الوكيل الثاني ليقرأ ورقة ابن الشيخ الكبير الذي يعيش في ديار الغربة ، قام هذا الرجل (رديف) من مكانه في المضيف الكبير ، البدلة الافرنجبة ذاتها التي كان يرتديها قبل سنوات ، صاح بالحضور بعد ان قرأ على روح ابي راضي سورة الفاتحة وطلب منهم ان يدعون له الله ان يغفر له ذنوبه ويسكنه فسيح جناته، صاح بجفاء :
–  يا رجال القبيلة هذه برقية من ابن الشيخ الكبير الذي يدرس في لندن فرج الله عودته لنا سالما ،سأقرأها عليكم .
   تصاعدت الهمهمات من الرجال الجالسين في المضيف الكبير ، قام رجل في العقد السادس من عمره ليخرج من المضيف ، الا انه رد من قبل رجال (رديف) الذين يرتدون البدلات الافرنجبة السود ويضعون النظارات السود على اعينهم ، فعاد الى مكانه منكسرا لا حول ولا قوة له ، وراح (رديف) يقرأ:
من ابن الشيخ الكبير الى ابناء قبيلتي
    نصبت وكيلا لي على حقوق المشيخة الشخص المدعو (رديف ) فساعدوه… والسلام عليكم .
    انتكست رؤوس بعض الحاضرين في المضيف الكبير،الذي راح كانون طبخ القهوة المرة يتاجج نارا بعد ان اضاف له القهواتي قليلا من النفط ، فيما قام شخص متوسط العمر وانكر البرقية ، الا ان الرجال الذين دخلوا المضيف مسرعين تلاقفوه بين ايديهم حتى وضعوه في سيارة احدهم وذهب به الى مكان مجهول ولم تعرف عنه عائلته شيئا بعد ذلك ، فيما قام مجموعة من الرجال من كبار السن يهنؤون الوكيل الجديد ، اما الاخرين وهم الاصغر سنا فقد خرجو خلسة من المضيف الكبير وتواروا عن انظار جماعة الوكيل الجديد الذين تركوا باب المضيف الكبير واحاطوا برجلهم ، ولم يبق جالسا سوى راضي وانا ونحن ننظر الى المهزلة التي امامنا ، وعندما انتهت المسرحية هذه ترك الوكيل الجديد المضيف الكبير ولم يوص بأي مساعد له .
    بعد عودتنا من اراضي العشيرة ، طلب مني راضي ان اعيره السجل ، الذاكرة الورقية ، لانه – كما اخبرني – هناك ما يريد ان يدونه من مشاعر اججتها وفاة ابيه ، اخذ السجل وراح يدون فيه مشاعره ، ومما كتبه :
( اليوم فقط تكشفت امامي صورة الرجل الذي كان والدي ، الرجل الذي لولا انه قد نام مع امي لما كنت انا احيا في هذا الوجود الدامي ، لقد وضعني موت ابي وجها لوجه مع الموت الذي لم اكن اراه عندما يحدث للاخرين ، لقد رأيته هذه الايام ، وعرفت ان الموت هو الحياة ، فعندما يموت الشخص تبدأ الحياة ، تبدأ الذكريات تنثال ليس من الذاكرة وانما من القلب ، لتمحو بجريانها كل الذكريات المسجلة على تلافيف الدماغ ، ولولا هذه الذكريات المسالة لما احتملنا الماضي ومآسيه، لقد كان اب لي بحق ،و لولا ابوته لما عشت ولما كبرت ولما تعلمت ولما تزوجت ، اما قبوله المشاركة في الكذبة الكبرى تلك فقد كانت – كم ارى – هي صورة من صور الميل الانساني للارتقاء الى الاعلى ، حتى لو كان ذلك الاعلى مبني على جرف هار ).
    ثم سلمني السجل وهو يمسح دمعة سالت على خده ، وقال بنبرة حزن بادية على وجهه :
– لقد تعبت .

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

2 تعليقان

  1. حسن البصام

    الاستاذ الغالي  الاديب والباحث القدير سلمان داود الشويلي
    تحية ومحبة لك ممتدة من شتات الاحبة والاصدقاء الى قلبك الطيب .. انت حاضر  دائما  ايها النبيل .. بحثنا عن عنوانك في شارع عشرين انا والاستاذ ابوغسان كاظم الحصيني للاطمئنان عليك في العيد  فلم نعثر عليك .. وقد وجدتك الان في هذا الموقع الرصين , معافى , فحمدت الله ..  اتمنى لك الصحة والعافية …  صداقتك حاضرة مشعة .. ولا حرمنا الله من ابداعك ايها ا لمبدع الكبير.
    تقبل تحياتي ومحبتي الدائمة لك

  2. داود الشويلي

    الاخ العزيز حسن البصام المحترم

    تحية طيبة …. شكرا لك وللاخ كاظم بيتي في شارع 30 تقبل مني تحياتي لك وللاخ كاظم الحصيني
    …………. داود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.