الرئيسية » مقالات » داود سلمان الشويلي : أوراق المجهول (4)

داود سلمان الشويلي : أوراق المجهول (4)

الورقة الحادية عشر:

لم يرجع الوكيل الجديد مرة اخرى الى ارض العشيرة ، الا انه كان بين فترة واخرى يأتي الى مضيف والده في الجانب الاخر من النهر،مضيف سلف العماريين، ويبقى عدة ساعات جالسا فيه هو وحمايته ،ينتظر ابناء سلفه ليقدموا له ايات الولاء، ولما لم يحضر فيه احد سوى بضعة رجال من كبار السن ليسلموا عليه ، كان هو يستعجل الرجوع الى بغداد موصيا سركاله (*) بعض الوصايا ،ومن ثو – كعادته –  يكيل اللوم والعتاب لابناء سلفه الذين لم يحضروا ليسلموا عليه ، فكان السركال يقسم له بروح الشيخ الكبير انهم خارج المنطقة ، او انهم يعملون في الارض ، ثم يوصيه بأن لا يكون متسامحا معهم ،خاصة ان دَينهم من حق سلف العماريين قد اصبح كبيرا . ثم يصعد سيارته ويمضي الى بغداد وسيارات الحماية تتبعه .
اما مضيف الشيخ الكبير فلم يصله بعد ان وصل تهديد راضي اليه كما تناقلته بعض الالسن المتدربة على نقل الكلام ، وكان راضي هو الذي رغب بذلك ، الا انه كثيرا ما كان يرسل بطلب ابي راضي ليسمعه كلاما قاسيا عن عدم استعماله الشدة والقسوة مع ابناء القبيلة في جمع حق المشيخة ، ويؤكد له قائلا:
– انها امانة يا ابا راضي .
ويسكت ، ثم يؤكد قائلا :
– ماذا اقول لابن الشيخ الكبير المتغرب في بلاد الغربة – فرج الله عن غربته –  ليكمل دراسته عندما يسأل عن اموال ابيه الشيخ الكبير …ها ؟
وما كان من ابي راضي الا ان يهز رأسه موافقا ، ثم يرفع يديه داعيا الله ان يحفظ ابن الشيخ الكبير ويفرج عن غربته ،وان يعيده سالما الى ارض قبيلته .
هكذا كانت تدار الامور بعد تهديد راضي للوكيل الجديد ولمن يقف معه وليجعل ارض القبيلة غارقة بالدماء… وهكذا راح الوكيل يسب ويلعن ابناء القبيلة امام ابي راضي عندما كان يستدعيه الى بغداد في بعض الاحيان في الفترة الاخيرة، ويؤكد له القول صارخا بوجهه: صغيرهم وكبيرهم  – وكان يقصد ابا راضي وابنه راضي وخيري– لانهم يسرقون حق ابن الشيخ الكبير وهو غائب عنهم في ديار ليست دياره ، وناس ليسوا ابناء عمومته ولا حتى لغتهم تشبه لغته، انه غريب يا ابا راضي – يؤكد لاستعطافه –  ويجب ان نقوم مقامه هنا لحين عودته ، ثم بهدوء وتمسكن يقول :
– اليس كذلك يا عمي ابا راضي ؟
ظلت الامور تجري هكذا بين الوكيل وابي راضي حفاظا على اموال ابن الشيخ الكبير من ابناء قبيلته كما كان يدعي، وهكذا- ايضا –  ظلت الامور تجري بين الوكيل الجديد ، بعد ان اصبح شيخا لسلف العماريين بعد موت ابيه، وبين سركاله في مضيف العماريين الواقع في الضفة الاخرى من النهر ، وكذلك ظلت العلاقة شبه متوترة بين ابي راضي وابنه ، الذي (فلكش)(*) – كما قيل وقتها – زواج الوكيل من اخته راضية، وقد اخذت السن ابناء القبيله كلها ، وعلى كل ارض يسكنون عليها تلوك الحكاية في كل مكان وزمان ، اصبحت كالهواء، فمنهم من اعترض على الوكيل الجديد ووقف بجانب راضي ضد ابيه ولكن بالكلام المهموس ، اذ كانوا يرددون: ان الوكيل لم يقنع بالاستيلاء على حق الشيخ الكبير بل اراد ان يستولي على بنات القبيلة، ومنهم من وقف ضد راضي –  خاصة الرجال المسنين – بجانب ابيه ، وايضا بالكلام المهموس فقط وهم يرددون كلاما مفاده: انه طلبها على سنة الله ورسوله .
في ظهيرة يوم فائر ، والشمس في كبد السماء ، والاجساد تنز ذلك السائل الدبق ، والهواء ساكنا ولا تلوح فيه نسمة باردة واحدة ، وقف راضي وهو يرتدي لباسه الداخلي القصير حد الركبة في باب غرفة الخطار التي كان يجلس فيها والده  ، سادا الهواء عنه والتي عجزت مبردة الهواء التي تعمل على ان تلطف من حرارته ، وقال دون ان يرمي السلام عليه :
– قدمت طلبا للنقل الى بغداد ، وسأرحل مع زوجتي وامي وراضية .
قال ذلك بنبرة حادة وترك الباب وعاد الى غرفته ولبس دشداشته البيضاء الخفيفة وخرج من الدار .
ران صمت قاتل في غرفة الخطار ، كان ثقيلا بثقل الهواء … تملل ابو راضي على البساط عدة مرات ، تأفف ونفخ الهواء الثقيل من فمه ضجرا ، واحساس طاغ بأن ابنه البكر تركه على حافة هاوية عميقة مظلمة ثم نهض ودخل غرفة زوجته التي اقعدها مرض المفاصل،قال بنبرة غاضبة:
– ماذا جرى لابنك …ها ؟ كسر كلامي وهدد الوكيل وفلكش الزواج … ماذا يرد بعد ذلك …ها ؟
لم تجبه بكلمة ، تلجلجت عينيها بالدموع ، فضاقت واستحالت الى ثقبين اسودين غام عنها كل شيء،و راح انينها شبه المكتوم يتصاعد … ويخرج الى باقي غرف ومشتملات البيت ، وشيئا فشيئا اصبح كلاما حزينا، ثم شعرا مما تردده النساء على خيبة املهن بابنائهن .
جاءت زوجة راضي رسمية وراضية مسرعتان الى غرفة العجوز قعيدة الفراش بعد ان سمعتا النحيب المتصاعد ، وقفتا عند الباب ،  قالت رسمية تكلم ام زوجها المقعدة:
– لماذا تبكين يا عمه ، ان بغداد ليست بعيدة ، وانتم تعرفون ان راضي اذا قررشيئا ينفذه .
رد ابو راضي متأففا :
– لقد اقنعه خيري بذلك .
ردت رسمية عليه وقد سمعت ان والد زوجها ابو راضي يحمّل اخيها سبب نقل راضي :
– لا يا عمي لا تظلم بختك … قدم خيري طلب النقل منذ نصف السنة ولم يكن راضي موافقا عليه ، الا ان ما حدث بخطبة راضيه هو السبب… وانا بدأت اخاف على راضي بعد ان سمع الوكيل تهديده .
عند هذا الحد تركت رسمية الكلام مع والدي زوجها ، وخرجت من الدار وهي توصي راضية ان تضع ابنيها النائمان نصب عينيها.
عندما دخلت دار والديها التقتها رضية حاملة (جك)(*) الماءالمثلج مع قدحين ، وعرفت كلا المرأتين مراد الاخرى ، فأومأت رضية برأسها مشيرة الى غرفة راضي فوق السطح … صعدتا الى الغرفة، وهناك جلستا كل قرب زوجها ،كانت الغرفة تئن تحت صمت ثقيل والفضاء الخارجي يئن تحت شمس لاهبة ، ومبردة الهواء تجهد نفسها بلا فائدة ، والعرق يتصبب على الوجوه وتحت الدشاديش .
راحت اقداح الماء المثلج تتحرك من يد الى يد وهي تنقل الماء من (الجك) الى الافواه اليابسة والوجوه المحترقة من شدة حرارة الجو .
لم ينبس احد ببنت شفة يابسة … وكانت العينان من كل وجه هما المتحركتان الى اللا مكان …
انهد الصمت بسؤال راضي لزوجته رسمية :
– اين البنات؟
شعرت رسمية بكلام راضي يأتيها منكسرا خاويا لا كما عهدته ، فردت بلا تكلف وبلا مبالاة قائلة :
– انهن نائمات .
وعاد الصمت مرة اخرى ليخيم في جو الغرفة ، حتى بدده مرة اخرى قول راضي وهو يسأل رسمية :
– واين راضية ؟
ردت عليه كردها الاول :
– مع البنات.
كان كل من في الغرفة لا يريد الكلام ، وانما كان راضي يجبر نفسه على ان يقول شيئا، الا ان رسمية هي الاخرى لا قِبَل لها بالحديث في أي موضوع بعد ان سمعت قرار زوجها بالانتقال الى بغداد … فهي بين نارين ، اما القبول بالرحيل كما رحل الاخرون والابتعاد عن ارض عشيرتها ومعارفها ، او رفض الرحيل، عندها تفقد اعز رجل في حياتها ، فقررت الرحيل مع زوجها ، واكدت مع نفسها ان المرأة تتبع الرجل اينما ذهب؟
وفي الوقت نفسه كانت رضية تفكر في الامر ذاته ،خاصة بعد ان عرفت ان اخاها سيأخذ معه امها المقعدة ،  واتخذت القرار ذاته الذي اتخذته حماتها وهو ان المرأة تبع للرجل اينما كان .
ويصوت واحد كسر الصمت الجاثم في الغرفة ،قالت المرأتان :
– نحن معكما .

الورقة الثانية عشر:

انتقلت وعائلتي المتكونة مني ومن زوجتي رضية واطفالي و والدتي المرأة العجوز المنكسرة بفقد زوجها وابن عمها  الذي عرفته اكثر من خمسين سنة منذ ان كانت طفلة تحبو على الارض الى ان تذكره الله واخذه الى جانبه ،وعائلة راضي المتكونة من راضي وزوجته رسمية وابنتيه وامه المقعدة واخته راضية ، استأجرنا دارا في احدى ضواحي بغداد التي ضمت الكثير من ابناء قبيلتنا الذين ارتحلوا بعد المحنة ،وسكنا فيها كلينا ، فيما جاء اثنان من مدرسي بغداد الى المتوسطة الخاصة بأبناء العشيرة ليدرسا فيها ، بعد ان اصبح عدد طلبتها اربعة لترك الطالب الخامس لها بعد رسوبه في امتحانات نصف السنة ، فما كان من والده مشغل ماكنة سحب الماء من النهر الى الاراضي الا ان يأمره بترك المدرسة ومساعدته في تشغيل الماكنة لكثرة الطلب على مياه السقي بعد ان امر الوكيل الجديد مساعده ابي راضي ان يطلب من ابناء العشيرة زراعة كل الارض المتروكة بسبب ارتحال اصحابها ، لان ابن الشيخ الكبير – فرج الله عودته الينا سالما كما ردد الوكيل – يريد ذلك .
في ليلة اول يوم لنا في الدار الجديدة ، وبعد ان اتممنا تنظيم ما معنا من اثاث ، جلست على سرير نومي،فيما الليل يملأ الفضاء المحيط بدارنا ،و كانت زوجتي رضية تغط في النوم بسبب التعب الذي اصابها جراء تنظيم الاثاث ، وبدأت ادون في سجلي الذي انتقل معي، الاتي من الوقائع والاحداث والاقوال:
هذه اول ليلة لنا في هذه الدار التي اصبحت دارنا ، وبتاريخه ووقته اذكر انني سألت عمي ابي راضي عن الوكيل الجديد ، وهل كان يعرفه سابقا ، ام لا ؟
قال لي مساعد الوكيل الجديد ابو راضي وانا في بيته، وكان راضي جالسا معنا، فيما كانت رضية زوجتي ورسمية شقيقتي وزوجة راضي في غرفة المرأة العجوز المقعدة:
– نعم .
وسكت كما كان يسكت ابي رحمه الله .
سألته :
– وماذا تعرف عنه ؟
رد علي قائلا :
– لقد ولد في بغداد عندما كان والده – ابن شيخ العماريين في ذلك الوقت – شابا يكمل دراسته هناك .
سأله راضي:
– وهل اكمل دراسته ؟
رد عليه والده بهدوء العارف بكل شيء:
– حسب علمي ان والده شيخ العماريين وقتها غضب لزواجه، واعاده الى  ارض السلف ، وكان هذا الشاب الذي اصبح فيما بعد شيخا للعماريين ووصيا للشيخ الكبير رحمه الله على امواله وابنه الذي في دار الغربة ، يذهب الى بغداد دون ان يعلم به والده ، وبعد سنتين عرف الوالد ذلك، فما كان امامه الا ان يقبل في ان يأتي بزوجته الى ارض العماريين ويقيم في بيت والديه ، الا انه رفض وظل في بغداد .
سألت عمي، ابي راضي ، وكنت اريد ان احصل على معلومات اكثر :
– ولكن كيف اصبح ذلك الشاب شيخا لسلف العماريين ؟
اجاب كمن في امتحان :
– عندما مات ابيه شيخ العماريين عاد لوحده الى ارض السلف واصبح هو الشيخ على السلف، انه شيخ ابن شيخ .
سأله ابنه راضي مستفسرا:
– وزوجته وابنه هل بقيا في بغداد؟
اجابه والده :
– نعم ، ولحد هذه الساعة ، وانتم تعلمون ان الابن البغدادي اصبح شيخا على سلفه، ووكيلا لابن الشيخ الكبير فرج الله غربته، وهو يسكن بغداد .
وفي الليلة الثانية وجدتني في هدأت الليل اخرج سجلي من الديلاب الخشبي وادون فيه :
اليوم خرجنا انا وراضي الى مقهى المحلة التي يقع فيها دارنا ، وتعرفنا على صاحبها ، كان من ابناء قبيلتنا ، وليس من عشيرتنا ، انتقل الى بغداد بعد المحنة ، وتجاذبنا اطراف الحديث، وكان يعرف والدينا مساعدي الوكيلين .
كان الرجل، كما شعرنا وقتها ، يخفي شيئا في نفسه لا يريد ان يخبرنا به ، كان ضحية من ضحايا المحنة ، الا انه والحق يقال كان كريما معنا ورفض ان يأخذ ثمن الشاي الذي شربناه ، بعد ان عرف منا صحة قصة راضية و الوكيل الجديد الذي راح يشتمه ، وعندما انتبه الى انه يجلس مع رجلين من ابناء مساعدي الوكيلين اعتذر ، قال مبتسما:
– ستسمعون ذلك من جميع رواد المقهى، ومن جيرانكم ومن ابناء المحلة .
طمأناه ، قلت له :
– لا عليك ، نحن لا نأبه بذلك … ثق نحن معكم .
في اليوم الثالث ذهبنا عصرا الى المقهى ، وكان املنا في ان يساعدنا الحاج عبد – صاحب المقهى – في الوصول الى غايتنا ،وهي اللقاء بالعم نهر اخي الشيخ الكبير. قال لنا بعد ان سألناه :
– هذا امر بسيط … سيأتي نهر يوم الجمعة الى المقهى ، لان ذاك اليوم موعده هنا مع بعض معارفه من ابناء القبيلة .
انتظرنا يوم الجمعة والوقت يمرثقيلا، والانتظار ممل كما انتظر جدنا اسماعيل سكين ابيه ابراهيم . وجاء ذاك اليوم المعهود ، وقابلنا العم نهر ، رحب بنا وقال مبتسما :
– لا اسألكم عن احوالكم لانني اعرف بها اول بأول ، واعرف الدار التي استأجرتموها في المحلة ، ورحم الله الذي مات وهدى الله الحي من ابناء القبيلة الى سواء السبيل .
كان العم نهر بعد موت اخيه الشيخ الكبير ، وادعاء زوجة الشيخ الكبير بأنها حامل من الشيخ الكبير ثم تبين خلو رحمها من اية نسمة ، قد طالب بالمشيخة ، الا ان سرعة شيخ العماريين بأظهار ورقة الوصية ، ومن ثم وقوع المحنة ، وتفرق ابناء القبيلة في اركان الارض الاربعة، جعل صوت شيخ العماريين هو الصوت العالي ، فما كان منه ومن والدي ومن اتبعهم الا ان يسبوه ويشتموه ويوصمونه بالكذب بعد ان قال بعقم اخيه ، فبقي في بغداد،بعد ان كان نزيلها منذ ان كان والده هو الشيخ الكبيرالعاشر، ولم يفقد الصلعة التي تجمل رأسه والتي ورثها من والده الشيخ الكبير ، او يفقد حس الدعابة الذي كان يزهو به بعد ان وصم بشتى النعوت الشيطانية.
كان انيقا ، اناقة ابن شيخ كبير… وكانت له عادات بسيطة جدا ، كان يتبعها منذ ان ارسله والده الشيخ الكبير الى بغداد ليكمل دراسته ، وقد ازدادت او تغير بعضها بتراكم الزمن ومرور الايام ، فكان بعد ان ينهي دروسه في المدرسة التي كان يدرس فيها ،يعود الى البيت … يتناول غدائه ، ثم ينام القيلولة في كل ايام فصول السنة … ثم بعد ذلك ينهض بعد ساعة لا اكثر ولا اقل ، يدخل الحمام ليستحم مهما كانت فصول السنة او كان الموقف اليومي له ، يرتدي ملابسه ، ويبقى ساعتين لا اقل ولا اكثر يقرأ ، يقرأ كل شيء ، مجلات وصحف السياسة والادب والجنس والصحة العامة واخبار المحافظات ،  وعندما تنتهي الساعتين يخرج بعد ان كان قد حلق ذقنه بعد الاستحمام وتعطر بماء الورد الذي يستخدم لبعض الحلويات، يذهب الى أي مكان … اما في يوم الجمعة فيخرج من الصباح ولا يعود الى البيت الا وقد صاحت الديوك بعد منتصف الليل ، كان يقضي جمعته في المقهى يتحدث في كل شيء او يلعب الشطرنج او الطاولي او الدومينو حسب اللاعب المقابل له  ، اما غدائه فيتناوله اما عند صديقه صاحب المقهى، او في بيت الشيخة .
توطدت علاقتنا به وتوطدت علاقته بنا بعد ان تأكد بأننا ضد فكرة وجود ابن للشيخ الكبير في ارض الغربة ، واكد هو لنا :
– ان ذلك من المحال ، بعد ان اخبر اطباء بغداد ولندن اخي الشيخ الكبير – وانا الذي كنت معه – انه عقيم ، كانت كل التحاليل المختبرية تشير الى ذلك ، وكما اؤمن بأن الوحي قد نزل على سيدنا محمد (ص) فإنني اؤمن بأن اخي الشيخ الكبير عقيم لا ينجب .
سأله راضي :
– ولكن كيف ادعى شيخ العماريين ذلك الادعاء وفرق القبيلة ؟
قال :
– لماذا لم تسألوه وقتها؟
قلت له :
– ليس المهم ان نسمع منه ، وانما جئنا لنسمع منك.
قال:
– ربما اجابتي لا تنفعكم ، وسترمونني بالكذب كما فعل شيخ العماريين و ابويكما وبعض ابناء القبيلة .
ضحكنا انا وراضي وشاركنا هو الضحك ، ثم قال :
– انا اسف ، انني اثق بكما ، والكلام الذي قلته للمزحة .
سأله راضي :
– نحن متأكدون من ان الشيخ الكبير رحمه الله كان عقيما ، وان زوجته التي ادعت ما ادعت كان رحمها خاليا من اية نسمة ، ولكن اخبرنا عن هذه الرسائل التي ترد من ابن الشيخ الكبيرالمزعوم ؟
ضحك عاليا حتى ان صوت ضحكته دفعت برؤوس الجالسين الى التحرك بأتجاهنا ، قال :
– اعرف انكما الاثنان لم تصدقاها،ولكن ماذا فيها لانني لم اقرأها؟
اجبته :
– انا اعرف ما فيها … في الرسالة الاولى :ارسل النقود الى لندن ، وفي الرسالة الثانية : نعي الوصي الاول وتنصيب ابنه وصيا.
تسلم  راضي  الحديث مني وقال:
– و انا اعرف مضمون احدى الرسائل من ابن الشيخ الكبير الى الوكيل والوصي الجديد، يطلب فيها من ابناء القبيلة ان يسلموا الحقوق الى الوكيل ليرسلها له .
صمتنا قليلا كأن الذي كتب في الرسائل الثلاث قد ادهشنا ،ثم انطلقنا بضحكة عالية وطويلة شاركنا فيها كل الجالسين في المقهى .

الورقة الثالثة عشر:

كان العم نهراصغر من والدي رحمه الله في العمر، و اصغر من الشيخ الكبير بسنوات .
استمر العم نهر على زيارة المقهى ليلتقي بنا اياما غير يوم الجمعة ،وعلى الرغم من السنوات التي عاشها الا انه لم يتساقط من اسنانه سنا واحدا، كان ما يزال يمشي منتصب القامة ، ويضع دائما على شفتيه ابتسامة اللامبالاة ،وكان دائما يستطيع – كما ذكر لنا صاحب المقهى – ان يضع انواع التوابل في كلامه مما يزيد الاشتياق عند سامعيه لحديثه.
و لم يكن ما نسب اليه من صفات اوسلوك مشين من قبل الوكيل او بعض ابناء القبيلة الذين راحوا يمسحون اكتاف الوكيل ومن ضمنهم ابي وابي راضي اي اثر كما ترك مرض الجدري الذي اجتاح ارض عشيرتنا اثاره على وجه بعض الناس من عشيرتنا.
سألناه مرة عن زوجة اخيه المرحوم الشيخ الكبير ، وفيما اذا كان يعرف اخبارها بعد هذه السنين من  وقوع المحنة وتفرق ابناء القبيلة  ، قال نعم ، ثم اكد: وسأخذكم اليها في أي وقت تشاؤون .
سأله راضي :
– هل نأتي بنسائنا عند الزيارة ؟
ضحك العم نهر ، الذي خلع الزي العربي ولبس الزي الافرنجي ،من سؤال راضي وقال :
– ولماذا النساء ؟ هل نحن على اراضي القبيلة؟
اجبته :
– ربما لم تقبل ان تتحدث معنا .
ابتسم وقال :
– انها الان امرأة عجوز ، والحديث معها سلس كما هو معي عن هذه الامور التي مرت عليها سنوات .
قلت له :
– ولكن لماذا ادعت انها حامل ؟
مازال شبح ابتسامته على شفتيه، وما زالت اسارير وجهه تشي بما يدل على لا مبالاته ، وعلى انه لم يأخذ الامور التي جرت له بعد المحنة بجدية ، قال :
– عند ما نذهب اليها اسألوها وهي حتما ستجيبكم .
سأله راضي :
– وانت… الا تعرف؟
تحولت ابتسامته الى ضحكة عريضة، قال :
– ارجو ان لا تتهمونني بأنني قد اتفقت معها ، او ما اسموه في ذلك الوقت بالمؤامرة ، وكأنني كنت قد عقدت صفقة معها ، علما انهم يعلمون جيدا انني لم ازر بيت اخي قبل مرضه بأكثر من ثلاثة اشهر ، وعندما زرتهم في ذلك الوقت وجدت اخي الشيخ الكبير ممددا على فراش الموت ، وكان عزرائيل يحوم حوله ، وفي اليوم التالي اخذه معه ، فمن اين لي ان اتآمر مع زوجته ، الا ان شيخ العماريين عرف كيف يؤثر في بعض افراد قبيلتنا الذين لا هم لهم سوى الجلوس في المضيف وشرب السكائر واحتساء القهوة المرة، ومنهم ابيك وابي خيري  .
قلت له ضاحكا:
– انت تعرف ان ابي لم يكن يشرب الاثنان .
لم يجب، الا انه ضحك ضحكة مجلجلة سمعها الذي يسير في الشارع وشاركناه انا وراضي الضحكة.
كان في صوت العم نهر لا مبالاة من يعتقد انه غير معني بكل ما جرى ، طالما ان ارضه التي ورثها عن والده، والتي تقع ضمن ارض سلف اخر بعيدة عن الوكلاء ، او التي ورثها عن والدته بعد موتها بالجلطة القلبية، تدر عليه اموالا كثيرة، وفوق كل ذلك لم يتحرك أي من الوكيلين لسلبه ارضه ، او كما قال مرة : لم يندق بي احدا منهم.(*)
اتفقنا مع العم نهر على ان نذهب سوية الى زوجة الشيخ الكبير صباح غد ، قال لنا :
– انها لا تبعد عن هذه المقهى سوى محطة واحدة بالباص .
عندها قررنا ان نذهب سيرا على الاقدام ، لان ذلك – كما قال لنا– سيفيدنا كثيرا في معرفة المحلة التي نسكن فيها .
اخبرنا بعد ذلك العم نهر من عدم وجود خلف لاخيه الشيخ الكبير لا في العراق ولا في أي مكان اخر من العالم ، وتساءل : اين الشاهد ؟ ثم اكد : كل ابناء القبيلة يعرفون ذلك ، واغلب شيوخ الجنوب يعرفون بعقمه ، لهذا كانوا يكنونه بـ (أبي غائب)(*) ، فمن اين جاءه هذا الابن الذي يدرس في لندن … ها ؟
كان كلامه صحيحا ، فلم نجبه بكلمة .
عرفنا بعد ذلك ان وفاة امه قد وقعت بعد اشهر قليلة من وفاة الشيخ الكبير ،بعد ان اقنعها شيخ العماريين بفكرته ، خاصة انها كانت تريد ان تحافظ على املاكها وعلى حق المشيخة، الا انها لم تعرف جيدا نوايا شيخ العماريين وطمعه.
قال:
– كان (في الوجه مرايه وفي الظهر سلايا ) (*)
وتابع قوله:
– كنت انا احذرها منه ،الا انها لم تسمع مني ، لانها كانت متعلقة الى حد ما بإبنها الشيخ الكبير، و في يوم من الايام سمعت والدتي انه قد اشترى عمارة له في بغداد . قاطعه راضي متسائلا:
– قيل بيت وليس عمارة ؟
اجاب :
– كلا ، انها عمارة من ثلاث طوابق .
وتابع قوله :
– المهم انها ارسلت بطلبه ، وكنت انا خارج العراق ، وعندما سألته عن العمارة ومن اين جاء بالثمن، أجابها بكل صلافة السارق الذي يريد ان يقول ها انا اسرقكم :
– انه حقي، وانا المؤتمن على اموال الشيخ الكبير وانت لا علاقة لك بذلك ، فقد اخذت ارثك منه ، ولايحق لك ان تتدخلي بمال الاخرين .
ثم تابع قوله بعد ان انقطع ليرد على تحية احد معارفه :
– عندها استشاطت غضبا منه وطردته ، وكانت خادمتها تتسمع لكل شيء ، وبعد لحظات اصيبت بالجلطة القلبية ، وماتت ، عندها هربت الخادمة الى بيت شيخ العماريين ، فاستضافها عنده، ولم اعرف انا بهذه الحادثة الا بعد ان مات الوكيل – شيخ العماريين – والتقيت صدفة بالخادمة بعد ان طردها ابن شيخ العماريين الوكيل الحالي، عندها لم يكن في اليد حيلة الا الصبر والقبول بما قدره الله سبحانه ، وانا لله وانا اليه راجعون .
لم يكن العم نهر حزينا على اخيه الشيخ الكبير، بعد ان اخرجه من العرس بلا حمص ، اوعلى والدته بعد ان شاركت شيخ العماريين والاخرين بوصمه بشتى التهم ، وقد اشتركت مع شيخ العماريين بوضع فكرة ابن الشيخ الكبير الغائب الذي يدرس في بلاد الغربة ، لان الناس يعرفون ان الشيخ الكبير لم ينصب شيخا من بعده ، وبعد ان اقنعها انه سيدفع لها ربع ما يجنيه من حصة المشيخة من غلة اراضي الفلاحين ، واقنعها ان يكون وكيلا لها على الاراضي التي اورثها لها ابنها ، وعندما عدت – يقول العم نهر – من لبنان لم استطع ان اعمل شيئا ، لقد وصلتني الاخبار على انها ماتت موتا طبيعيا وصدقت ، وهذا صحيح لانها كانت كبيرة العمر ، وكما قلت لم اعرف بالمشادة التي حدثت بينها وبين الوكيل ومن ثم اصابتها بالجلطة الا بعد موت الوكيل ولقائي صدفة بخادمتها ، اذ لم اكن اعلم ان الخادمة تعيش في بيت الوكيل ، فضلا عن انني لم اجد وجها يرتاح لي من الذين بقوا على ارض العشيرة وكلهم قد اشتراهم الوكيل بأموال حق المشيخة وابن الشيخ الكبير المزعوم، وما كان يغذيه هو وابنه الوكيل الجديد من افتراءات ضدي ، وانتم تعرفون ان القبيلة انقسمت الى فرق عديدة وانتشرت بين غرب العراق و شرقه.
لم تكن في كلام العم نهر اية نبرة حزن لا على امه ، ولا على اخيه الشيخ الكبير ، ولا على ما آل له حاله وهو ابن الشيخ الكبير واخي الشيخ الكبير،ذلك – كما كنا نعلم – ان والده وهو والد الشيخ الكبير قد ارسله صبيا الى بغداد ليكمل دراسته ، وقد اكملها ، واصبح مدرسا في ثانويات بغداد ، وتزوج من بنات بغداد – من قبيلتنا نفسها – وظل بين الفينة والاخرى يزور والده الشيخ الكبير في دارهم الكبيرة ، وعندما مات ابيه ظل يزور اخيه الشيخ الكبير بين الفينة والاخرى ، ولم يكن يتدخل في القضايا القبلية او العشائرية لا في زمن والده ولا في زمن اخيه .
سألته ونحن في مجلسنا في المقهى :
– لماذا لم يوص لك اخوك بالمشيخة ؟
قال لنا مستغربا:
– اصحيح انكم لا تعرفان ذلك ؟!!
اجبناه بصوت واحد وكنا نعلم بالامر الا اننا نريد ان نسمعه منه وما هو رد فعله عن ذلك :
– كلا.
قال متعجبا :
– انتم ابناء القبيلة ، وابناء اكبر عشيرة فيها ، ووالديكما من اصحاب الشيخ الكبير ، ثم اصبحا مساعدين للوكلاء ولا تعرفون عادات وتقاليد تسليم واستلام المشيخة ؟
قلت له :
– شيخ نهر ….وقبل ان اكمل كلامي ضحك وقال :
– من قال انني شيخا ؟ ها ؟… ام انك وصاحبك تريدان ان تجعلوا مني شيخا رغما عن انفي ؟
رد عليه راضي :
– انت ابن شيوخ متسلسلين ، اذن انت شيخ .
قال العم نهر والضحكة ما زالت صداها في اذني:
– اتركوا هذه المسأله وسأجيبكم على تساؤلكم على الرغم من انني اعرف انكما تعرفان ذلك .
قال راضي :
– نعم نعرف ، الا اننا نريد ان نعرف منك انت وما هو رد فعلك تجاه ذلك ؟
قال العم نهر بعد ان اعتدل في جلسته على تخت المقهى ، وبعد ان طلب من عامل المقهى ان يأتينا بثلاثة استكانات شاي حار:
– لا رد فعل لي، لأنه من (سناين)(*) القبيلة هو ان تكون المشيخة للابن الاكبر للشيخ ولا تذهب الى اخيه  .
قلت له :
– وان لم يخلف الشيخ الكبير ابنا له ؟
قال :
– اما ان يحدد الشيخ الكبير قبل وفاته شيخا من بين شيوخ عشائرها ، او ان يختار ابناء القبيلة ذلك الشيخ ، وايضا يجب ان يكون من شيوخ عشائرها .
قال راضي :
– ولكن للشيخ الكبير قبل ان يموت ان يوصي لاحد اخوته ولا يترك ابناء القبيلة هملا ، فلماذا لم يختارك؟
قال العم نهر :
– نعم ، بشرط ان يكون هذا الاخ ممن عاش على ارض القبيلة طيلة عمره ، وانتم تعلمون انني لم اعش على ارض القبيلة سوى خمسة عشر سنة ، ثم ارسلني والدي الى بغداد لادرس فيها وبقيت فيها وتزوجت وانجبت واصبح لي احفادا.
قلت :
– اذن كان ذلك خطأك ، لماذا لم تعد بعد اكمال دراستك ؟
ابتسم ، ثم شرب استكان الشاي الذي برد ، قال :
– لانني كنت يائسا من ان اكون شيخا ، وقتها قلت ان اخي سيخلف ابناء سيخلفوه على المشيخة .
قلت :
– ولكنك علمت انه كان عاقرا ؟
قال :
– نعم ،بعد ان استمرأت العيش في بغداد ، وتزوجت من بغدادية ، عندها نسيت المشيخة.