زيد الحلّي : السنين ان حكت.. إبتسام عبد الله في “ميسوبوتاميا”
أسطورة الحقيقة في زمن الظلام!

الحلي والروائية إبتسام عبد الله

هي والابداع توأم ، فمنذ ان بدأت مشوارها الثقافي ، ترجمة وكتابة في مختلف الفنون ” المقال ، النقد ، القصة القصيرة ، الرواية ” كانت محط اهتمام واعجاب في الذاكرة الجمعية للعراقيين ، فأحبوها .. انسانة فيها كل جوانب الانسانية ، فهي مرهفة الحس بشكل عجيب ، ومتّقدة الخيال ، مشّبوبة بالعاطفة ،  وتتمتع بخاصية فطرية صلبة، تلتقط حوداث ومصائب وطنها ، بعيون متنبّهه  ونظرة ثاقبة، وملاحظة كاشفة ، تبّصر الجميع بمعنى الحياة  وغاية الوجود ، وتنفذ في دقة وعمق إلى جوهر الأشياء .
لم تجمعني بها ، ظروف العمل الوظيفي او الصحفي ، لكن العمل المهني النقابي جمعني بها لأربع سنوات حين اصبحتُ عضوا في مجلس نقابة الصحفيين العراقيين فزاملتها من عام 1986 لغاية عام 1990 ، وهو تاريخ مغادرتها العمل النقابي  وبقيتُ انا مستمراً  …  عرفتُ خلالها السيدة ابتسام عبد الله ، عن قرب  فوجدتها من اشد الناس حساسية ، واقلهم قدرة على تحمل الاذى ، وهي ذا ذكاء ثاقب غير ان العاطفة الانسانية ، كانت هي المسيطر على مسيرتها المهنية ، فلم اسممعها يوما وهي تغتب احداً ، اوتناور في كلماتها ..
وهي لم تكن مجرد كاتبة ومثقفة ومترجمة مقتدرة و صحفية واعلامية متميزة ، إنما هي وجه من وجوه اسطورة المرأة العراقية ، شريكة في صنعها ، وضحية من ضحاياها ، كونها تمتلك ضميراً يقضاً لا يرضى بهوان ولاتقبل بظلم يقع عليها او على غيرها ، وهنا ، اتذكر موقفها الشجاع ، حين تعرض صحفيون عراقيون في منتصف تسعينيات القرن الماضي الى وضع مأساوي تمثل برميهم  امام زملائهم ، وهم على مسرح ساحة الاحتفالات ببغداد بالطماطم والبيض وما شابه ذلك … عندها صاحت بصوت هز القاعة ، ( لا … لا ) وهي التي لم يُسمع لها صوت إلا بالهمس ، وكادت هذه الـ (لا) ان تعصف بها وبمستقبل عائلتها ، لولا رعاية الله .. لقد رأيتها هلعة لطريقة المسخ الانساني لزملائها ، ولازلت ذاكرتي تلحظ دمعتها الممتزجة بقشعريرة الرفض في ذلك المساء ، داكن السواد ، وبذلك اكدت ابتسام ، بان الشجاعة هي مظهر من مظاهر الثقة بالنفس .. وبالشجاعة يمكن تقليص مساحة الشر ، ووعي الانسان هو شرارة الخير، وموقفها المتفرد ذاك ، سجلته بأسمها بأمتياز.
من اللفظ الى معانيه..
وهنا ، يمكنني التأكيد من خلال تجربتي المهنية كزميل لها في مجلس نقابة الصحفيين ان ابتسام  تؤمن ، بإن العلاقات الانسانية النبيلة هي تلك التي لا تتحكم فيها المصالح ، ولا تسيطر عليها المنافع ، وهي إنسانة حضارية ، تعرف معنى الانسانية وتحترمها ..ومتوازِنة الشخصية ، وتتعامل مع الأشياء بعقل علمي وموضوعيّ ، وفي نقاشاتها المهنية ، بعيدة عن الانانية ، جريئة ، صريحة صادقة مخلصة ، لا تجرح احدا لكنها عنيدة في الموقف الصحيح.
في كتاباتها ، تنطلق من الكلمة الى الكلمة ، ومن اللفظ الى معانيه ، ولا تحدق في ما وراء الكلمات والالفاظ ،  هي تكتب وفق منظورها الخاص ، معبرة عن دواخل ما تريد بيسر آخاذ ، دون ان تتقيد بهواجس الاصداء التي ربما يطلقها من يريد المناكدة والنقد ، واظن ان وراء تلك الثقة بالنفس التي تمتلكها ابتسام عبد الله ، شعور مبن على قناعة بأن كل مبدع حقيقي ، هو شجرة شامخة ، باسقة ، وترى في نفسها إنها تلك . .. الشجرة .
إنها  تؤمن بأن الحياة اكبر من ان يحتويها العقل ، وان الحقيقة ليست مجرد ادراك عقلي بحت ، وقد دفعها حبها للحياة بما فيها من ثراء الى السفر في عالم الابداع وهو عالم واسع جداً ، واثمر هذا السفر عطاء ثرا في مجال الترجمة والصحافة والتأليف القصصي ..

ميسوبوتاميا .. اسطورة الحقيقة
في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم ، اصدرت  ابتسام عبد الله روايتها المهمة  ( فجرنهاروحشي ) التي تتحدثعنالحركةالمسلحةالتيقادهاعبدالوهابالشوافللأطاحةبنظامعبدالكريمقاسم،وماتبعتهامناحداثمؤلمة . وقدوثقتالروايةتأريخالموصلالحديث ، ثمصدرلهارواية ( ممرالىالليل )وأعقبتهارواية ( مطرأسود … مطرأحمر ) ولهامجموعةقصصية مهمةبعنوان ( بخور ) واصدرتمجموعةقصصية اخرىبعنوان ( بغداد …الليلوالبستان ) ورواية “ميسوبوتاميا” التي صدرت مؤخرا بطبعة ثانية في عمان ، بعد ان طبعت للمرة الاولى في بغداد 2001  وقدتُرجمتالعديدمنقصصهاالىاللغتينالأنكليزيةوالفرنسية والسويدية .
وساهمتفياغناءالمكتبةالعربيةبالعديدمنترجماتهالأبرزالكتابالعالميين، مثل ( في انتظار البرابرة ) رواية ” ج.م. كوتزي الحائز على جائزة نوبل ، و (سوناتا الخريف ) لأنغمار برنمان ومذكرات ” انجيلا ديفز” وحياة ” د.ه لورنس ” لكيت ساغار و” البساط الذهبي ” لساغار ايضا ، و” يوميات  المقاومة في اليونان” لميكس ثيودور اكس .
وما تقدم ، صورة مجتزأة عن ابداعات ” ابتسام عبد الله ” ولعل الذاكرة العراقية تحتفظ لها بالكثير من الألق الثقافي ، والريادة  في المجال التلفزيوني حين اعدت وقدمت برنامجها الشهير ”  نافذة على العالم ” ثم تميزت ببرنامجها الاثير “سيرة وذكريات ” في ثمانينيات القرن المنصرم  ، والذي كانت تستضيف فيه شخصية  فكرية أو ثقافية أو فنية وتتحاور معه حول المحطات البارزة في حياته ويستغرق البرنامج قرابة ساعة .وقد أثبتت أنها محاورة ممتازة، وقد استحوذت على اعجاب المشاهدين ، ويمكن الاطلاع على بعض حلقاته في ( اليوتيوب )
وفي عملها الصادر حديثاً في طبعة ثانية وهو رواية ( ميسيو بوتاميا ) وهو الاسم الاغريقي للعراق ، استطاعت ابتسام عبد الله ان تصهر العنصرالانفعالي المتمثل بالحصار الاسود الدي جثم على صدور العراقيين  في تسعينيات القرن المنصرم ، بحدث مستوحى من اللوح الاول من ملحمة ” كلكامش ” اقدم نص ادبي محفوظ في التاريخ الانساني ..  صهرتهما في موضوع واحد ، فاصبحت جميع عناصرهما مزيجاً واحداً ، يوحي بالعمق والانسانية .. فيه لفتات الذهن الحاضر واشراق المعنى المقتنص
وقد سعدتُ ، وانا استلم من المبدعة ابتسام عبد الله هديتي المتمثلة بنسخة من هذه الرواية ، التي تناولت فكرتها المشهد الانساني العراقي تحت آثار ذلك الحصار ، لكنها لم تتعامل مع طرفي التناسب ، الفقر والغنى بل تعمقت في دواخل اشخاص من الطبقة الوسطى والتغييرات التي طرأت عليهم ، ليس فقط من الناحية الاقتصادية المنحدرة ، انما من المتغييرات النفسية والاجتماعية المتفسخة والمتعرية ..
 آثار في مهب الريح
تقولابتسامعبداللهعنالرواية ” عندماكتبتهاكانتفكرةالأحتلالالقادممتجسدةاماميصورةثابتة،علماانيانجزتهافيأواخرعام 2001 ،لقداخترتقصداكلمة ” ميسوبوتاميا ” ،اسملمحلبيعالأنتيكاتوالتحف،وهيتعنيبالنسبةلي،الأسمالذيأطلقهالآخرونعلىالعراقوكأنيبذلكاعيدذلكالأسمالىالحياةوالذاكرة،دلالةعلىالحدثالقادم ..”
وقد تنبأت الكاتبة بما حلبالآثارالعراقيةمنسلبونهبودمار، ومن المؤلم انالواقعاصبح أكثرسوءابعدالأحتلال،حيثتمتهريبالعديدمنالقطعالآثاريةالعراقيةالمهمةواتلفبعضها.
وفي تقديمها للرواية ، قالت د. فريال جبوري غزول استاذة الادب الانكليزي والمقارن في الجامعة الامريكية بالقاهرة ، ورئيسة تحرير ( الف ) مجلة البلاغة النقدية  ( لقد كُتبت الرواية بأستخدام وجهات نظر متعددة ، وهو اسلوب أقترن غالباً بـلورنس دوريل ” الرباعية الاسكندرانية” ثم اصبح متداولاً عربياً في روايات نجيب محفوظ ” ميرامار” وفتحي غانم في ” الرجل الذي فقد ظله” .. الاسلوب السردي الذي انتهجته ابتسام عبد الله ، مُنفذ بمهارة ، وبما ان الاحداث كانت تروى من قبل شخصيات مختلفة ، فان القارئ يهيئ نفسه لتطور الاحداث من قبل شخصيات متعددة اسلوب ، الاتجاهات متعددة وجهات النظر هو صيغة ” ديمقراطية ” للتقديم )
القاع والسطح..
وانا ، اقول بعد قراءتي للرواية ، ان ابتسام في هذا العمل ، تركتذاتها برفقة قلمها ، وذهبت الى عالم المستحيل ، سافرت مع دورة الحياة لترسم صور المجتمع ، بدأ من القاع صعوداً الى السطح .. مخترقة العلاقات السائدة بين الكلمات ، حارثة في ارض الواقع ، بحثاً عن النقيض والتضاد بهدف تقديم عمل ادبي وملحمي راق .. وهي بذلك استطاعت عبر هذه الرواية ان تتجاوز نفسها في تجربة بليغة  ، فأجالت برؤاها الفنية في ساحة الابداع بمختلف الاتجاهات..وهي تدرك ، ان مفتاح الابداع في العمل الروائي هو جودة الاختيار للموضوع ، لذلك عرفت كيف تنفذ برؤيتها وملحوظاتها الى ما وراء المظهر الذي يبدو كثيفاً لدى الابصار السطحية العابرة ، لكنه عندها قضية مهمة لذا فهي بذلت جهدا في تصوير موضوعها والايحاء بمكنونه ، بجمل سريعة لماحة ، خاطفة الدلالة وصور حركية متتابعة يواكب بعضها بعضا .
وبلغت في هذه الرواية، حداً مثيراً من حيث سلامة الرؤية ، وجرأة الطرح وحرارة الروح ، وشعرية اللغة ، وقوة التصميم على بلوغ الهدف ، وقد اتسعت معنى الكلمة في ” ميسوبوتاميا ” ، لتأخذ بُعدا رمزيا يتحول معها الى ان يكون موقفا من الحياة بمجموعها من الماضي والحاضرو صياغة المستقبل ، وفي هذا العمل  ، أغرت القارئ بالمتابعة ، وسعىت لشدّه الى القراءة ، من خلال جمع المتعة الى الفائدة ، وأجدها تطمح الى ان تجعل المتعة سبيلاً ،  الى أكتساب الفائدة ..
ثقافة انسانية ..
وفي تحليليلمضمون عملها الثقافي الاخير ،  لاحظت ان ابتسام عبد الله ، تحاول جاهدة لأن تكون الثقافة الانسانية ، مستوعبة للكيان البشري بكل تفرعاته ، في ماضيه وحاضره ، وان تسعى الثقافة  للتعبير عن مدلولات المستقبل ، على مستوى حي لا يتجرد ولا ينعزل ، انما بمشاركة حقيقية في غمار الحياة في شتى
ارهاصاتها ..وتأكد لي وانا أقرأ رواية ” ميسو بوتاميا ” ان الفكرة الروائية ، تسهم في تدوين التاريخ دون ان تطوف في فضاء المخيلة ، وهي خيال بملمس حرير يقتفي أثر الحقيقة ويلتصق بها .. ورغم الألم الذي تشيء فيه الرواية ، وجدت  الأمل  يملأ قلب كاتبتها  ، وهو آمل بمثاب

شاهد أيضاً

من قتل مدرّس التاريخ؟
فراس حج محمد/ فلسطين

كتبت مجموعة من المقالات عام 2015، عندما بلغ السعار الإعلامي أوجه في مناصرة صحيفة “شارلي …

حسين سرمك حسن: هل تصدّق هذا: المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟
يحتفظ متحف الإنسان الفرنسي بـ18 ألف جمجمة من الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟
تمّ التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم!

(مدير المتحف الفرنسي وسط الجماجم المحفوظة في علب كرتونية) جماجم” الجزائريين في فرنسا.. نسخة “داعشية” …

حيدر حسين سويري: عدوٌ محترمٌ خيرٌ من صديقٍ ذليل

قيل: عدو جائر خير من صديق خاذل. وذلك لأن سهم العدو يصيب الجسم، أما سهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *