محمود سعيد : الآن إيجاد رواية جيدة أشبه بالعثور على إبرة في كومة من القش*

* حوار مع الروائي العراقي “محمود سعيد” في موقع الأدب العربي باللغة الإنكليزية
* حررت في الموقع في 19/11/12
رُشحت مؤخراً قصّة محمود سعيد “مستعمرة العظّاءات”، “ترجمة وليم هيتجنز” لجائزة البوشكارت، من قبل مجلّة عالم الأدب هذا اليوم. أجاب محمود على بضع أسئلة عن القصّة، وعن مسيرة كتابته ككاتب عراقي.

س: لماذا نكتب، ولماذا نكتب رواية.
ج: لماذا نكتب رواية. سؤال مهمّ، ويضارعه في الأهمّية لماذا نكتب أدباً مفعماً بالخيال؟ سأجيب على السّؤال من تجربتي. عندما كنت مراهقاً أردت كتابة رواية بوليسيّة وعندما بدأت الكتابة اكتشفت أنني لا أستطيع التعبير عما في صدري، وبعد ست سنوات من المحاولات الفاشلة كتبت قصّة قصيرة دخلت بها مسابقة في جريدة، فحازت على الجائزة الأولى.
تأثرت كثيراً بالأدب الرّوسي الذي حاول أن يصور الشّقاء الإنساني، وأثر ذلك تأثيراً قويّاً في أسلوبي.
ومنذ ذلك الوقت لم استطع التوقّف عن الكتابة ولأنّنا كنا نعيش في زمن أزمات متلاحقة، أصبحت الكتابة بالنّسبة لي متنفّساً لإحباطاتي. ساعدتني على قهر المصاعب والعقبات، ومنعتني من أكون إمّعة، وهذ ما كانت الحكومات العراقية تريده من المواطن. إلى حدّ الآن لم يستطع العراقيون أن يعيشوا في حرية حياة عاديّة، إما أن يكونوا قروداً تابعين ممسوخي العقول، يرددون شعارات جوفاء أو يعانون الألم والعذاب والاضطهاد.
خطاب الأدب في العراق بعيد عن كشف المعاناة الأنسانيّة للشّعب العراقي، ومعظمه نوع من الدّعاية للنّظام. منذ سنة 1959 وحتى الآن لم يكتب سوى القليل من الرّوايات ذوات المحتوى الإنسانيّ، ولذا كانت الرّواية بالنّسبة لي نوعاً من الإنقاذ، جعلتني أتفادى السّقوط.
س: أتستطيع الكلام عن مستعمرة العظّاءات؟ ماذا أوقد الشّرارة عندك لكتابة هذه القصّة؟ ما العلاقة بين الحقيقة في كتابتك والخيال؟ إلى أين تمتد بحوثك في قصصك؟
ج: كتبت مستعمرة العظّاءات من تجربتي سنة 1963، بقيت في السّجن سنة كاملة ويوماً واحداً، وكنت شاهدا على تعذيب الآخرين، وكتبت رويتي الثّالثّة “الإيقاع والهاجس”  في سنة 1968 عن شاب عذب ثم أعدم، والرّواية منعت من النّشر في العراق آنذاك، وفي سنة 1980 كتبت رواية “أنا الذي رأى” عن الجرائم التي تحدث في السّجون، وصفت التّعذيب، الضّرب، التجويع الخ. تُرجمت الرّواية إلى الإنجليزيّة بعنوان “صدام سيتي”. ظننت آنذاك أن الرّواية ستفشل ولاسيما أن الرّقابة السّورية حذفت منها فصلين، لكنّها لحسن الحظ نجحت بالرّغم من توقعاتي، واعتبرها موقع “شؤون المكتبة” واحدة من أفضل 70 رواية في العالم كله، وكُتب عنها مقالات كثيرة بالعربيّة والإنجليزيّة.
بعد ذلك كتبت رواية فيها تفصيلات عن التّعذيب في ابو غريب، لم أنشرها، لكنّي أنوي نشرها في العام القادم، إنّني أشعر بأنّي مضطرّ لمشاركة الآخرين لما رأيت في السّجن، كشاهد على الأعمال الوحشيّة. من المؤلم أن تكون بعض كتاباتي نتيجة لهذه الظّروف، فلا أحد يحب أن يسجن، لكني زرت المواقف والسّجون ست مرات.
اشرت إلى التّعذيب في بلد عربي لأني زرته مرتين سنة 2009-2010 وأردت أن اكتب عن المهجّرين العراقيّين فيه، لكن السّلطات منعتني من اللقاء بهم، ومن حسن الحظّ التقيت من زودني بأخبار مهمّة عن التّعذيب في سجونه. كانت تلك الاخبار محفّزة لي لكتابة روايتي الشّاحنة. بعد ستة أشهر من كتابتها كشف موقع ويكيليكس ما يجري في سجون ذلك البلد، وكانت التفصيلات مشابهة لما كتبت.
وهكذا ترى أن مستعمرة العظّاءات هي نتيجة لما رأيت في سنتي: 1963 و1980 وللمقالات الكثيرة التي قرأتها عن أبو غريب وكوانتنامو، وهكذا ومن دون أن أدري أجدني أكثر كتاب العرب كماً ونوعا في كشف ما جرى ويجري في السّجون.
س:
هل لديك أيّ مخاوف عند الكتابة عن التّعذيب؟ ج م كوتزي . يقول: إن الكتابة عن التّعذيب يضع أمام الكاتب اختيارات صعبة، فإما أن يتجاهله أو أن يعيد إنتاجه، مما يبث الرّهبة بين القراء. فما رأيك: لماذا وكيف ينبغي لكاتب الرّواية أن يتعامل مع التّعذيب؟
في رأيي، إن الكتابة عن التّعذيب هي الوسيلة المثلى للقضاء على الممارسات الوحشيّة، والمعاملة القاسية للسّجناء وحتى سوء التّصرف ضد المواطنين العاديّين.
ج:
كوتزي على حق. هناك ألم في تجاهل التّعذيب، ولكن الكاتب الذي يرى في نفسه القدرة على كشف الحقيقة يرى نفسه مجبراً على فعل ذلك. وإن لم يفعل يموت ضميره، وعلى كل أنا لا أوفق على أن كشف التّعذيب يعيد إنتاجه، أو يبث الرّعب لدى القراء. اعتاد القرّاء الآن وصف التّعذيب في الكتب وتصويره بأفلام. هذا الجيل يشاهد أفلاماً سخيفة جداً، يشاهد مناظر القتل الوحشية، مناظر تقطيع الجسد البشري، التهام اللحم البشري، مص دماء البشر، وأشياء اخرى كثيرة، يشاهد كل هذا ولا يحتج، أو يشتكي. في رأيي، إن الكتابة عن التّعذيب هي الوسيلة المثلى للقضاء على الممارسات الوحشية، والمعاملة القاسية للسجناء وحتى سوء التصرف ضد المواطنين العاديّين.
إعادة إنتاج هذه الجرائم في الأدب والفنّ تسلط الضّوء على القبح البشريّ، لكن معظم الكتاب يهربون من هذا المجال الخلاق لأن وصف معاناة الآخرين صعب جداً. ليس بإمكان أي كاتب القدرة على هذا الكشف. التّهويم في فضاءات الأحلام أسهل من وصف مصاعب الحياة.
س:
ألا ترى من الغريب ألّا يكتب الأمريكان روايات عن جنودهم في العراق أو عن تأثير الصّراع على ضمائرهم خلال العشرين سنة الأخيرة؟
ج:
كتب همينكواي ثلاث روايات عن الحرب: وداعاً للسلاح، ولمن تقرع الأجراس، والرّجال في الحرب، وكتب جون شتيانبك عن تأثيرات الحرب شرق عدن، وأفول القمر. كتاب العالم بشكل عام يكتبون عن الحرب لكن كتاباتهم لا تتطابق مع أهمّية أو حقيقة الأحداث، من حيث الأهمّية والتتأثر.
إحجام الكتاب الأمريكان عن الكتابة منطقي لأن الجندي الأمريكي يشعر أنّه يساهم بالعدوان ضد شعوب العالم، لا بل يقتل الأبرياء، المدنيين، ويرتكب أعمال التّعذيب، لذا يتجنب الكاتب الأمريكي التحدث علناً عما يجب أن يقوم به لكشف أعمال الجنود في العراق وأفغانستان، وحتى فيتنام. ليس الكاتب الأمريكي وحده يتجنب الكتابة عن الحرب. الأدب العربي أيضاً، والكتاب العراقيون بالأخص يبتعدون عن الكتابة في موضوع الحرب. من العار أن من كتب عن الغزو الأمريكي للعراق لا يتجاوز عدد أصابع اليد، ومعظم ما كتب عن هذا الموضع لم يخدش إلا سطح حقيقة ما حدث للمدنيين الأبرياء وضحايا الحرب. أنا لم أقرأ رواية واحد تناولت الحرب وضحاياها. في آخر رحلة لي إلى العراق  (آب 2012) حصلت على سبع عشرة رواية ومجموعة قصص عراقية حديثة، لم أعثر على كملة حرب في أي منها، كأن الحرب وخرابها حدث في بلد آخر، لا أعرف كيف أحلّل ذلك.
س:
هل تظن أن للكاتب العراقي دوراً خاصاً / مهمّاً في عالم الكتابة؟ في الكتابة العربيّة؟
ج:
لا، لا أظن ذلك. الأدب في العراق يعكس عقلية نظام يتحكم في كل شيء في الوقت المناسب، وهذا يصح على ما كتب في عهد صدام، واستمرّ حتى الآن.
كما لا أظن أن هناك أدباً في العالم كله له دور مهمّ، ظهور أدباء مشهورين في قطر ما لا يعني أن لأدب ذلك القطر دور مهمّ في العالم، فعلى سبيل المثال، حصل أدباء الولايات المتحدة مرة واحدة على جائزة نوبل، “توني موريسون 1993” حالهم حال بولندا، إيطاليا، اليابان، تركيا، بيرو، بينما حصل على الجائزة مرتين كل من أدباء: فرنسا، المانيا، جنوب أفريقيا، الصّين، في الوقت الذي حصل أدباء بريطانيا على الجائزة ثلاث مرات. هل نستطيع أن نقول أن الأدب الأنجليزي مهيأ للعب دور مهمّ في العالم؟ لا. اللغة الإنجليزيّة منتشرة في العالم كله، لكن الأدب الإنجليزي كآداب الأمم الأخرى ليس له دور أبرز ليلعبه، لا بسبب اللغة ولا بسبب القطر، توافر الأدب على الرّوح الإنساني يعطي الأدب أهمّية ووزناً.
س:
كيف ترى التقاطع بين السّياسة (أو الأخلاق) والرّواية؟ وهل هناك أشياء يحتاجها الكاتب ليصبح كاتباً عظيماً؟ أو غايات جمالية يسعى لها بشكل خاص؟
ج:
هذان سؤلان منفصلان. السّؤال الأول: لا يوجد أي تقاطع بين السّياسة والرّواية، أو بين الأخلاق والرّواية، السّياسة من مكونات الرّواية الدّائمة. كل مجتمع له ظروفه، والرّواية النّاجحة هي التي تصور الظّروف والأحداث بطريقة تبدو واقعية حتى لو كانت خيالاً، لتقنع القارئ بإمكانية وقوعها. وللحقيقة فإن الكتاب الذين اضطهدوا قلة جداً، وربما أنا واحد من هذه القلة التي منعت من النّشر في العراق، وكتابة هذا النّهج هو النّوع الأكثر صعوبة. من السّهل كتابة رواية خيال علمي، أو رواية تاريخية الخ، لكن من الصّعب كتابة رواية ذات مغزى واقعي، لهذا اشتهر تولستوي فولكنر، ديكنز، زولا، ماركيز، شتاينبك همنغواي الخ، لأنهم كتبوا روايات واقعية هادفة.
أما بالنّسبة للشق الثّاني من السّؤال، فلا توجد وصفة تجعل المؤلف كبيراً، بعض الكتاب كتب رواية واحدة سلّطت الأضواء عليهم، كمرغريت ميتشل، في “ذهب مع الرّيح” بينما كتب الكثير عشرات الرّوايات لكن لم يشر أحد إليهم. هذا ينطبق على الجميع، العظماء والمغمورون، لا يوجد روائي كل رواياته عظيمة، فالكاتب العظيم من عنده رواية أو بضع روايات عظيمة، هناك كثيرون عندهم رواية أو أكثر عظيمة لكن عندهم روايات أخرى عادية، كشولوخوف، ستيفان زفايج، فليب روث، فرجينا وولف، كوكول، كافكا، فيترازجيلد، أناتول فرانس، كافكا، ساغان، ستاندال، هوغو الخ.
في رأيي، هناك معايير كثيرة لمتييز الرّواية العظيمة، أولها درجة الوعي الإنساني في الرّواية، لنأخذ مثلاً واحة الغروب لبهاء طاهر، تنتهي الرّواية نهاية عدمية، فقد دمر الشّخصية الرّئيسة في الرّواية بأميّة وانعدام تبصرالآثار المصرية كلها ليبعد الغرباء عن الاهتمام بها، هذا نوع من فقدان الوعي الإنساني. الشّيء نفسه يحدث في عمارة يعقوبيان، حيث تبرز وطنية مزيفة، تتمثل بتصوير علاء الأسواني رجلاً نوبيّاً يغري أحد شخصيّات الرّواية، ويكون سبباً في مثليّته الجنسيّة، وكأن المصريّين كلهم بعيدون عن هذه الخلّة، ثم يصور تاجراً سوريّاً لا يوظّف إلا من تقبل بمقايضة شرفها لقاء العمل في متجره، تصوير الأمور هكذا يعني أن مشاكل مصر الشّرّيرة قادمة من الخارج، ولا يوجد أيّ شرّ كامن عند الشّعب المصري، هذا نوع من تدني الوعي، وعدم فهم السّلوك البشريّ، مثل هذا التّوجه خلا منه أدب نجيب محفوظ.
س:
ثلاثة من كتبك ضاعت إلى غير رجعة، وبضعة كتب لديك منعت من قبل الرّقابة، هل أثّر هذا على تطّور كتابتك؟ ما علاقتك برقيبك الدّاخليّ؟
ج:
—————————————————–

اعتدت على نسيان الأشياء التي افقدها، هزائم، نقاط ضعف، خسارات. إذا ظللت أتذكر هذه الأشياء أموت، أريد أن أحيا، أريد أن أنسى. الأسف والنّدم، والحزن على ما تحطم في الماضي يدمّر روح الإنسان، ويجعل الفكر عاجزاً على التفكير.
حتى آب الماضي عندما ذهبت إلى العراق، كنت أظن أنني اضعت ثلاث روايات،  لكن صديقاً لي ذكرني بواحدة نسيتها كليّاً، الصّديق كاظم اللايذ شاعر من البصرة، قال لي أنه قرأ مخطوطة رواية لي في السّبعينات، ذكر اسمها، وسالنّي فيما لو كانت نشرت أم لا،  حينئذ تذكّرتها. لا أستطيع تذكّر أين هي الآن، ربما مع كتبي التي وضعتها عائلتي في صناديق وأودعتها عند صديق آخر في بغداد، اعتدت على نسيان الأشياء التي افقدها، هزائم، نقاط ضعف، خسارات. إذا ظللت أتذكّر هذه الأشياء أموت، أريد أن أحيا، أريد أن أنسى. الأسف والنّدم، والحزن على ما تحطم في الماضي يدمر روح الإنسان، ويجعل الفكر عاجزاً على التفكير.
حصلتُ من الكتابة على متعة، أعطتني القابليّة لأرى أين أنا؟ أن أسير على قدميّ بخطوات هادئة، منعتني من الّتفكير بشيء سيّء، أو من التّصرف بقسوة
س:
تنقلت من ناشر عربي إلى آخر، أما زلت تبحث عن ناشر جيد؟
ج:
نعم، معظم النّاشرين لا يوافقون على محتوى رواياتي، ربما بسبب الرّقابة، في أوطانهم، كما في العراق، يرفضون ما أرسله إليهم، على سبيل المثال رفضت دار الشّؤون الثّقافية في بغداد نشر روايتي “وادي الغزلان” سنة 2008، ورفضت قبلها نشر روايتي “الطّعنة” سنة 2006،
س:
أنت أيضاً خطاط، هل يتفاعل عندك هذا الفن البصري بفن السّرد؟ هل ترى علاقة بين الإثنين؟
ج:
تترابط كل أشكال الفن ببعضها، هناك ما يجعلها تلتصق ببعضها، إذا ذهبت إلى أي مقهى في الغرب ترين لوحات فنيّة وصوراً عديدة، معلّقة على الحيطان، نفعل الشّيء نفسه في البلدان العربيّة، لكن بدل اللّوحات الفنيّة نضع لوحات خطّ عربيّ فنيّ. الرّسم يجتذب العينين لجماله فيحملك على التمعّن فيه، وكذلك يفعل الخطّ.
أفادني الخطّ في الكتابة، لجأت غير مرة إلى وصف لوحات خطيّة في روياتي، الخطّ جزء من طبيعة المدينة العربيّة.
س:
كيف تتعامل مع نصك المترجم؟ كيف تشعر حين تقرأ نصك بالإنجليزيّة؟ هل يبدو لك وكأن شخصاً آخر كتبه.
ج:
التّرجمة أكبر عقبة أواجهها، قليل من المترجمين يستطيع أن يقدّم معنى النّص وصوت الكاتب، لست خبيراً بالإنجليزيّة، ولا أستطيع التميّيز بين التّرجمة، لكني عندما أقرأ نصاً مترجماً إلى العربيّة استطيع تميّيز الجيد،  عندنا قلّة من المترجمين الجيدين إلى العربيّة، ممن يستطيعون نقل المعنى بشكل مضبوط: سامي الدّروبي مثلاً نقل من الرّوسية في الأربعينات والخمسينات. قدري قلعجي، منير بعلبكي، نجيب المانع، بضعة مترجمين آخرين لا يزيدون على العشرة، الآخرون لا. هذا ينطبق على بعض من ترجم قصصي، القليل منهم جيد، معظمهمّ يترجمون كيفما اتفق، هناك من يأخذ الفلوس ويهرب كاللص.

س:
هل تحافظ على علاقتك مع الكتاب والقراء العراقيين؟ هل هذا مهمّ لديك؟
ج:
أتواصل مع مجموعة قليلة من الأدباء العراقيّين، خمسة أدباء فقط، ليس لي اتصال مع آخرين، وللحقيقة فإن رواية واحدة لي قرأها العراقيون هي: زنقة بن بركة، بقية رواياتي لا،
التقيت مصادفة في شارع المتنبي ببغداد، في رحلتي الأخيرة “آب” الماضي، مجموعة من الأدباء العراقيين، أهدوني نتاجهم، من رويات ومجموعات قصصيّة، لكني لا أعرف من قرأ لي من العراقيين، ولا من العالم العربي، بالرّغم من أن بعضهم كتب عن رواياتي. هناك قول كان سائداً في العالم العربي إلى السّبعينات: مصر تكتب، لبنان تنشر، العراق يقرأ، لأن المثقفين القادرين على الكتابة كثر في مصر، فيكتبون الكتب، لكنهم ينشرون في لبنان لتوفّر الحرّية هناك،  أما في العراق فكان هناك دائماً نظام ديكتاتوري يمنع من النّشر داخل العراق، لكنّه يسمح للكتب أن تقدم إلى بغداد إذا طبعت في الخارج. الآن تضاءل عدد القراء في العراق نتيجة للحالة الماديّة المتردية، ربما يقرأ الكتاب الجديد بين 200- 1000 قارئ فقط. لكني لا أعرف نسبة القراء في باقي الدّول العربيّة. رئيس تحرير مجلّة الهلال المصريّة السّابق قال لي إن مجلّة الهلال الشّهرية تطبع 6000 نسخة، وأن دار الهلال تطبع 6000 نسخة من كتاب الهلال الشّهري، فهذه الدّار تنشر في كل شهر رواية. لكنه لم يقل لي كم نسخة تباع.
س:
ما نوع القراءة التي تغذي كتاباتك؟ رأيتك تذكر كتاباً عالميين عظام، فماذا عن الرّواية المعاصرة؟ هل وجدت أعمالاً جيدة لكتاب ناشئين عراقيين يهمك أمرهم سواء في العراق ام في الخارج؟ كتاب عرب آخرين؟
ج:
لا أستطيع التّوقف عن القراءة، لأن القراءة تضيف إلى معلوماتي، ولأنها عادة اكتسبتها منذ الصّغر، أقرأ كلّ شيء، روايات العراقيين والعرب، وأحاول دائماً الحصول على الرّوايات المترجمة إلى اللغة العربيّة، وأسافر كل سنة إلى بلد عربيّ لأحصل على كتب جديدة. أشتري كل سنة بين 50 – 100 كتاب، قبل سنتين زارني عراقي من ديترويت، وسرق من بيتي 40 رواية ومجموعة قصص لم تتهيأ لي فرصة قراءتها، حاولت استردادها عبثاً، تألمت لهذا ألماً عميقاً، وكان بإمكاني اللجوء إلى الشرطة-المحكمة، لكني امتنعت من الإساءة إلى سمعة بلدي، فاللص والضّحية كلاهما عراقي، وكلانا لاجئ في بلد آخر. مشكلة الأدب العراقي الكبرى الآن هي وقوعه في فخ الطّائفيّة والعنصريّة، فنادراً ما تجد رواية ذات وعي إنسانيّ عميق هذه الأيام.
س:
هل توجد كتب ترى من الضّروري أن تترجم إلى الإنجليزيّة؟ أم لا توجد؟
——————————————————-
الآن إيجاد رواية جيدة أشبه بالعثور على إبرة في كومة من القش

ج:
بالتأكيد يوجد الكثير في الأدب العربيّ يجب ترجمته إلى الإنجليزيّة، لكني لا أستطيع الإشارة إليه، فذلك مهمّة النّقاد، واساتذة الأدب في الجامعات العربيّة “الأكاديميّين”، وكما ذكرت سابقاً، اعتماد الأدباء على النّشر الحكومي وسقوطه في فخ الطّائفية في ال

شاهد أيضاً

سمكو محمد: الاستطيقا يحافظ على النتاجات الفنية من الاشكال الاخلاقية ولايجعلها ملكاً خاصاً (القسم السادس)

ـ ايجاد الجمال في اي شيء مربوط بالعقل اعداد: عباس جميل جيماو ترجمة: جمعة الجباري …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (19)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حنان الصايغ: هناك بركانًا بداخلي يتمازج مع ألواني وفرشاتي
حوار أجراه: خالد ديريك

تتعمد (الصايغ) أن تكون اللوحة مفرحة حتى لو كان موضوعها كارثي (الصايغ) ممن يقف في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *