مؤيد داود البصّام : يوم المثقف العراقي بين اللا والنعم.. تُسكب العبرات

المقدمة
بين فترة وأخرى تنطلق دعوات، لما يسمى أنصاف المثقف أو حقوق المثقف في بلدنا، وفي الحقيقة هي قضية أيضا تشغل باقي مثقفي شعوب منطقة الشرق بدرجات متفاوتة، وما تعنيه في هذه الدعوات كلمة ( مثقف ) ليس بما يشمل تعريفها العلمي أو المصطلحي، إنما المقصود بها فئة المثقفين من الأدباء والفنانين، لأنهم الأكثر غبنا على مر التاريخ في منطقتنا العربية ومنطقة الشرق عموما، ويتأتى هذا من الحالة الاقتصادية التي تعيشها مجتمعاتنا، والتي تتسم بطابعها الحضري بين البداوة والريف، شكل الحياة التي تفرض نمطا معينا من التعامل بين السلطة أيا تكن وبين (المثقف)، سلطة القبيلة أو العشيرة أو الدولة أو المال، كلها تفرض الولاء والطاعة للأقرب أولا مهما تكن قراراته أن كانت على صح أو على خطأ، ولان طبيعة العقلية الإقطاعية السائدة في هذه البقعة هي التراص مع الجميع لخدمة الذات المقدسة، وهي جزء من حالة التخلف التي تعيشها بلداننا، فقد استميل المثقف بمختلف الطرق بين الترغيب باغداق العطايا والهدايا من قبل الحاكم، أو الترهيب حتى لا يخرج عن الطاعة والخط العام للقبيلة، وهذا الصراع السجال جر الكثير من كانوا فعلا مثقفين إلى دائرة محظي السلطان وطباليه، بينما أستمر قسما منهم يمارس دور المثقف الايجابي في دفاعه عن شعبه وأمته، حتى وان لحقه الحيف والتهميش من قبل الحاكم وطبالي الحاكم، إلى جانب المطاردة والإرهاب التي حظي بها.
أذن ليست هذه الدعوات خالية من أساس، وبالتالي كان منها الصادق لأجل ان يأخذ المثقف دوره في النضال من أجل مصالح شعبه، والكاذب الذي يرمي من وراء ذلك المكاسب الشخصية والفئوية والحزبية، ومن هذا الباب تنطلق دعوة القاص محمد رشيد ليوم المثقف، وهي صرخة في واد عميق، فقد جرب الاستاذ محمد رشيد هذا النضال لإيجاد فجوة في الجدار الذي تفرضه سلطة المال، عندما أستحدث جائزة العنقاء بجهود فردية، والتي بذل فيها جهدا جبارا لتثبيتها وإعطاءها دورها الحقيقي الفاعل في حراك الساحة الثقافية، وهنا يأتي السؤال الذي يتقدم في غير محله، هل حققت الجائزة شيئا على صعيد البناء العام لما يسكنه المثقف في هذا العالم المغول الذي تتسيد عليه القوى الرأسمالية وتحركه كيفما تشاء قوى الردة والجهالة والتخلف؟ إنا من رأي أنها حققت بعدا ثقافيا في حدوده الضيقة، بان قدمت شكلا من إشكال احترام المنتج لإفراد، وهو شئ رائع على الصعيد الذاتي للمبدعين، ولكن ماذا غيرت من الواقع الثقافي في الساحة؟ نتوقف عن الإجابة لأنه ليس موضوعنا، وهنا يأتي السؤال الأهم الذي قدمنا له، ما الدور الفاعل الذي قام به المثقف تجاه إحداث شعبه والعالم، ليستحق يوما نبجله ؟ في جرده حسابية من السنين الماضية، وليكن مثلنا العراق لان الدعوة تنطلق منه،  ثم بقية إنحاء الوطن العربي و العالم الإسلامي و العالم جميعا؟ سنقف على إجابة، توقف شعر رأسنا وتصور لنا هول ما مر وحدث، أولها مأساة التحاق الكثير ممن يدعون الثقافة على صعيد الوضع في العراق ما بعد احتلاله، إلى حريم السلطان، والسكوت عما يفعله ما وراء الستار، أملا بما سيرميه من فتات لهم، ومارسوا نفس الدور الذي مارسه من كان يدعي الثقافة في العهد الذي سبق احتلال العراق، ثم عندما لم يجدوا ما يحلمون به انقلبوا ليلعنوا ويسبوا السلطة ويرمونها بأبشع الأوصاف، وبعد احتلال العراق زادوا أضعاف الإضعاف، ممن يمثلون نفس الحالة، والنقطة المأساوية الأكبر، التحاق المتعلمين والذين يدعون أنهم مثقفون ما بعد الاحتلال، بركب السلطان أن كان هذا الالتحاق إيديولوجي أو ديني أو إي انتماء الطائفي والعرقي والعشائري، وهنا تستوقفنا الحقيقة المرة، ان القضية أذن ليس في قوة السلطان وماله، إنما في انتهازية من يدعون الثقافة، لأجل مصالحهم الذاتية، تاركين ورائهم المهمة الأساسية للمثقف وهي النضال من اجل مصالح شعبه قبل الاستقتال من اجل مصالحه التي أودت به لان يتهالك على مائدة السلطان، أذن العيب فينا وليس في السلطان، السلطان يملك القوة والمال ويلوح بهما من اجل مصالحه، وهو حق مشروع، ان كان هذا السلطان دكتاتوريا أم رأسماليا محتكرا أم اشتراكيا أو رئيس قبيلة أو زعيم عصابة، ولكن ما ليس مشروعا، ان يقف إلى جانبه المتنورين، أصحاب الرؤيا والنظرة الثاقبة، والحالمون بعالم من الورد والنرجس والحب، ليقولوا لنا بعد حين ما كنا نظن ان المسالة ستكون هكذا، ومثالا على ذلك، عندما احتل العراق تسابق طالبي الفرص للتصفيق بالاحتلال وبمن جاء بهم الاحتلال، ووقفوا يكتبون ويدبجون للعملية السياسية الأمريكية لتحويل العراق إلى جنة عدن،  والانتخابات التي لم يذوقوا طعمها سابقا، والتي بان زيفها بعد أن استهلكت مراميها، ومن كان يحاورهم من المثقفين الحقيقيين، ألماسكي بأيديهم على الجمر، كان يقال لهم تريدون إعادة الدكتاتورية أم انتم مع الإرهاب، وتهر مختلف التهم الجاهزة على الوطنين والثوريين والمثقفين الصادقين، ولكن بعد مرور سنوات على حكم الاحتلال وأعوانه، وما حدث وصار، ألان يقولون ما كنا نتصور سيحدث هذا وما كنا نريد هذا، وهذا يعني ان صفة المثقف قد أزيلت عنهم، لان المثقف ذو بصيرة ونظرة ثاقبة ورئوي، لا تخطئ نظرته، ويعرف من البداية من هو المخلص ومن هو الخائن، ومن هم المدافعين الحقيقيين عن مصالح أبناء شعبهم، ومن هم الذين لا تهمهم الا مصالحهم.
كيف العمل وما هو المطلوب..؟
لا أشك في صدق  دعوى الصديق المثقف والواعي محمد رشيد ونواياه من اجل الثقافة والمثقفين، ولما يتحرك فيه ويدعوا له، ولكن أليس من الواجب أولا ان نقف نحن من ندعي إننا مثقفون في مؤتمر إمام أنفسنا ونحاسبها على ما اقترفنا بحق شعبنا وأنفسنا من قبل الاحتلال وما بعد الاحتلال ؟، بحيث صار السلطان إزاء ما يراه من انتهازية من يدعون أنهم مثقفين، يتلاعب بمقدراتنا وهمشنا وداس على كل مقدساتنا،؟ الا يتوجب علينا الوقوف وقراءة المرحلة السابقة والمرحلة الحالية وفرز الغث من السمين فيها، بعين الفاحص الموضوعي حتى نشكل خطا معروفا ومفهوما لنا ولجماهير شعبنا ليساندوننا إمام جبروت السلطان  ؟ أليس من الواجب ان ندعوا رفاقنا وزملائنا ممن اخطاوا النظرة إلى إعادة النظر في آرائهم السابقة، حول الاحتلال وما آل إليه الوضع، وكيف نحارب الطائفية في داخلنا أولا بصدق، قبل ان ندعوا لنبذها إعلاميا ؟ أليس جديرا بنا ان نقول للذين سكتوا طيلة هذه السنين عما حدث لشعبنا من مجازر على أيدي المحتل وأعوانه؟ أين كنتم السنين الماضية وانتم تتمسحون بأكتاف سياسي ورق الابرو، طمعا في دعوة مؤتمر في ربوع شمالنا الحبيب، بين أهلنا في كردستان العراق، أو في المنطقة الخضراء، على مؤائد العرقيين والطائفيين وسراق قوت الشعب ؟ هل خرج دعاة التغيير من مثقفي منابر الفضائيات في مظاهرة ؟ ضد انتهاكات حقوق الإنسان، وسرقة المال العام، وحكم الجهلة مزوري الشهادات من اجل أن يعتلوا أفضل المناصب، والذين جيروا التعليم من اجل مصالحهم الشخصية، واجبروا عمداء الكليات ورؤساء الجامعات على وضع درجات كيفية حتى يدرجوهم في الدراسات العليا، ومن يخالفهم يوضع في صندوق السيارة ويصبح في خبر كان وأخواتها، هل كتبوا وعملوا حملة لكشف كذب ما يقوموا به سياسي العملية السياسية الأمريكية ؟ لإجبار الشعب على بث الطائفية وشراء الذمم، وصرف الأموال على احتفالات، لا يرضى بها الله ولا رسوله ولا الأئمة الأطهار، بحجة حب آل البيت، والشعب جائع وعريان، والأطفال يفترشون الأرض في مدارس من صفيح، وعشرات ألاف من المواطنين يسكنون بيوت الطين، والخدمات معدومة، أين اتحادات الأدباء وجمعيات المجتمع المدني التي طبلوا وغنوا لها ؟، مما يحدث وما حدث، وهم يشاركون المتخلفين في احتفالات، رفضها شهداء الحق، لأنها تبذر مال الفقراء والمعوزين، حتى يدوم العز للسلطان وعبيده.
أليس حريا بنا بعد كل هذا ان نقف بمواجهة ذواتنا، قبل ان نسطر مطاليبنا ونطالب بيوم للمثقف ؟ ونقول قول الحق لأننا دعاة حق وجمال ومحبة، وأخيرا وليس آخرا أن كان يوم المثقف سيضع المثقف في قفص الاتهام لإزالة التهمة والشبهة عنه، فنحن معه قلبا وقالبا، إما إذا كان من اجل استجداء محترفي الكذب والتزوير على رمي فتات موائدهم للإرضاء، فلنجلس حتى تمر الريح.

شاهد أيضاً

الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها …

عصام الياسري: الخيال والإبداع يقاوم الإكليل.. ومهرجان غينت السينمائي الدولي شكل فني غامر

لا يوجد استقبال افتتاحي تقليدي، ولكن يوجد وقبل كل شيء الكثير من الترفيه السينمائي. هكذا …

فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ أصعدُ إلى القلعة بحثآ عن مخطوطاتها المتخيلة

اتذكر جيدآ انني تعرفت الكاتب الروسي الاصل ( هنري ترويات ) عبر روايته الشائقة ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *