ليث الصندوق : ألرصد من موقع الغياب .. صورة الراوي في مملكة البيت السعيد*

أحسب أن صورة الراوي في ( مملكة البيت السعيد ) للروائي حنون مجيد واحدة من أغرب صور الرواة في الأدب العراقي ، فالشخص الذي يُفترض أنه الراوي ، وهو صاحب مكتبة ( أفاق ) في حي الإعلام بمنطقة السيدية ببغداد يبقى غائباً دائماً عن المشاركة الفعلية في أحداث روايته بعيداً عن مسرحها ، لا يرتبط بصلة مع أبطالها ، لكنه في الوقت ذاته حاضر معهم أينما وجدوا من خلال عينين راصدتين وهو جالس في ركن من مكتبته يرصد ، ويسمع ، ويُحسّ بأحداث واصوات وهواجس بعيدة عنه بمسافات شاسعة ، فهو  يؤدي الوظائف التنفيذي لأي راو أخر ، وفي مقدمة تلك الوظاف تحديد عيّنته الروائية ووضعها تحت الرصد والمتابعة ، من دون أن يسمح له الكاتب برواية ما يرصد لأن ثمة راوياً غير مرئي سنسميه ( الراوي المجهول ) هو الذي يتكفل برواية الأحداث التي يرصدها صاحب المكتبة ، والصوت الوحيد الذي يمكن للقاريء أن يتبينه هو صوت هذا الراوي المجهول دون أن يستطيع تحديد موقعه ، وبمعنى آخر فالراوي المجهول يروي نيابة عن الراصد ( صاحب المكتبة ) . بل إن الراوي المجهول لا ينفك يروي عن الجميع ، محتجباً وراء ستارة الغيب مستعيناً على غيابه باستعارته لضمير الغائب ، لا نعرف عنه شيئاً ، ولا يعيننا بالتعرف على شخصيته وكأنه يتعمد الاحتفاظ بشخصية هلامية يعسر مسكها وتحديد طبيعتها ، شخصية لا تشارك بأحداث الرواية ولا ترتبط بعلاقة مع أي طرف من أطرافها ، فهي جديرة حقاً بلقب ( الراوي المجهول ) أو كما يُسمى في الدراسات السردية ب ( المؤلف / السارد ) ، والسارد هنا ليس أبداً المؤلف المعروف أو المجهول ، بل هو دور يختلقه المؤلف ويتبناه ( 2 ) . لقد اتفق الراويان ( صاحب المكتبة والراوي المجهول ) بدون إعلان اتفاقهما على توزيع الأدوار بينهما ، فيؤدي صاحب المكتبة دور العين التي تُبصر لكنها لا تجيد الإقصاح عما تُبصره ، ولذلك منح الكاتب لصاحب المكتبة صورة عيانية مرئية سواء من قبل القاريء او شخصيات الرواية المتماسة معه ، وجرده من أية صورة صوتية فهو صامت من بداية الرواية حتى ختامها . بينما يؤدي ( الراوي المجهول ) دور الفم الذي يُفصح عما تُبصره العين لأنه لا يجيد الإبصار بذاته ، وعلى العكس من صاحب المكتبة فقد جرّد الكاتب الراوي المجهول من أي كيان عياني مرئي ، ومنحه وجوداً صوتياً يؤهله ان يُمارس على الأخرين سلطة خطابية .
أبطال مازومون ومقهورون :
ألرواية قصة إمراة تجاوزت مرحلة الشباب من العمر تطلق على نفسها لقب ( الملكة ) تدير من شقتها الصغيرة ذات الغرف الثلاث في الطابق العلوي من عمارة متواضعة شبكة للدعارة ، وفي لحظة نقاء روحي تكتشف أنها وحيدة بالرغم من كل الذين يحيطون بها ‘ فالرجال الذين يرتادون شقتها مع عشيقاتهم هم جميعاً صنف واحد من إثنين ، فإما أنهم لا يروقون لها ، أو أنهم مرتبطون ارتباطاً ذليلاً وخنوعاً بعشيقاتهم . وتسوق المصادفة إليها ( صالح ) سائق سيارة الأجرة القديمة ، وهو رجل شهم ومتزن ، ولم تلوثه الدنيا الغرور بعد ، بالرغم من التجارب المخفقة العديدة التي خاضها في حياته المأساوية ، فتعشقه إلى درجة الهيام ( وسنأتي على هذه الشخصية فيما بعد  ) .
في الرواية نلتقي ( مريم ) بنت الملكة الصغيرة التي لم يلوّث براءتها الوسط المدنس  الذي يحتويها ، والتي لم تزل بعد على مشارف سن المراهقة وقد تفتّح جسدها الطفولي بسرعة كوردة فأصابَ ( أبا ليث ) صاحب محل البقالة بمراهقة متأخرة .
وأبو ليث هذا هو واحد من الذين أطاحت الحروب والحصارات بآمالهم وأحلامهم فحولته من مهندس كهرباء ناجح إلى صاحب محل بقالة يقابل شقة الملكة . وهذا المحل مصدر رزقه الوحيد منه يزوّد الملكة بكل طلباتها عبر سلة تدليها إليه مريم من الأعلى ، وتسحبها لتاخذ منها ما تحمل من مواد ، ثم تلقي إليه بالنقود التي تتطاير عبر الشارع فيركض لالتقاطها في منظر يثير سخريتها واستهزاءها ، وتلك بعض من مفارقات مجتمع فقد قيمه وانقلبت فيه الموازين .
وفي الرواية نلتقي بيوسف وهو خادم الملكة ، مواطن من جنسية عربية بقي يعمل في العراق حتى بعد أن غادره أصحابه في ظروف الحروب ، رجل أمين ومطيع ويغلب عليه طابع الصمت ، لا يتدخل فيما لا يعنيه داخل شقة الملكة . ولكن يبدو أنه كان يتكلف تلك الصفات من اجل أن يكسب ثقة الملكة ، حتى إذا ما حانت اللحظة الحاسمة سرق نقودها وهرب .
ونلتقي بالمحامي العجوز ، وقد أبقاه الراوي حتى النهاية بلا أسم ، فهو لا يحتاجه فدوره في الرواية لا يتعدى مسامرة أبو ليث كل ليلة في محل البقالة ، يسهران ويسكران .
ونلتقي بصالح سائق سيارة الأجرة ( وقد سبقت الإشارة إليه ) ، وهوشخصية إشكالية ، عشقته الملكة وابقته وحده للياليها الحمر ، عرفه أبو ليث قبل سنوات طوال يوم سيقا معاً جنديين للجبهة خلال فترة الحرب مع إيران ، وعاد كل منهما بهموم لا تُضاهى فابو ليث تحوّل من مهندس ناجح إلى صاحب محل بقالة ، أما صالح  فعاد بساق صناعية ، وانتقل من مدرّس إلى سائق سيارة أجرة ، وفي غمرة خساراته ترك إسمه ( شاكر ) وعاد بإسم أخر هو ( صالح ) ، وهو الشخصية الإيجابية الوحيدة من بين كل السكارى والعابثين الداخلين إلى شقة الملكة ،  وبإيجابيته منح الملكة حالة من التوازن القلق ما بين سمعتها السيئة وبين سموّها الإنساني الذي لا يُدرك كنهه مَن يُؤخذ باظواهر ويغفل عن البواطن ، فهي ضحية من ضحايا القهر الاجتماعي والتمييز الجنسي في مجتمع شديد القسوة على الضعفاء والعزّل من أبنائه .
إنّ لتغيير شاكر إسمه إلى صالح تبعاً للظروف حمولات سياسية أبقاها الكاتب مخبّأة في الطبقة الباطنية من نصّه ، لم يصرّح بها علناً ، ولكنه نثر بعض الإشارات التي تُمكّن القاريء النابش من الحفر عميقاً للوصول إلى دلالاتها ، وعلى حد تعبير أبي ليث ( هذا جزء من اسرار رجل إسمه شاكر ، دخل الحرب فجأة ، واختفى فجأة ، وها هو يظهر فجأة كذلك ، ولكن أين ؟ في هذا الماخور ) وفي ختام الرواية تغتال صالح جهة مجهولة ( مجهولة للنص طبعاً ) لكنها بالتأكيد معروفة للقاريء الذي افلح في فضّ اشتباكات الأحداث وتداخلاتها ، وفي ملء الفراغات البيض ،  وقراءة باطن الحمولات ودلالاتها .. وعدا ما ذُكر فكل الأشخاص الأخرين ليسوا اكثر من ظلال ، يؤدون أدوارهم السريعة ثم يتلاشون دون أن يتركوا أثراً  .
راوٍ واحد أم راويان :
يبدأ الراوي المجهول وظيفة الرصد داخل شقة الملكة بادئاً بالاحداث الهامشية معطياً إياها حجماً أكبر من وقعها على السياق : تأكل مريم قطعة شيكولاتة / تطلب أخرى / تنظف أسنانها بلسانها الأحمر … تجلس الملكة على كرسيها الوثير / تدخن سيكارة من علبتها الثالثة / ترمي الرماد في منفضة زجاجية حمراء على هيئة قلب مجوّف ( تُلاحظ التفاصيل الدقيقة التي لا تغيب عن النص بغض النظر عن أهمية الأحداث ) ، لكن الراوي المجهول ينتقل من الخارج ( المكان ) إلى الداخل ( الجسد ) متوغلاً في عقل مريم ، فحين تذهب إلى المدرسة ( هناك لا تأتي على ذكر الأمهات ، على وظائفهنّ ، أو كيف يقضين أوقاتهنّ ، هناك تعرف مريم قيمة الصمت ، وتتمناه ، وتحبّه اكثر من اي شيء آخر ) ولا يكتفي الراوي بهذه الرحلة المحدودة في عقل مريم ، بل يتوغل عميقاً في المناطق التي تُخبّيء فيها أصداء الأسئلة المحرجة التي يلقيها عليها الأخرون ، ثم يباشر بفرز تلك الأسئلة لتحديد طبيعتها  ( من أين لك هذا البنطال ؟ أو الحذاء ؟ أو ساعة المعصم ؟ ) ويصل الراوي أخيراً وهو يتوغل في عقل مريم إلى الموقع الذي تتشكّل فيه قناعاتها ( لماذا لا يصمت الناس ولا يتخاطبون إلا عند الضرورة الملحة أو بالاشارة ) هذا الرحيل الحر في المناطق المغيبة عن النظر في عقل مريم هو نموذج لرحيل يواصله الراوي داخل عقول ونفوس أبطاله مستخرجاً منها أدق الأحاسيس وأعمق المخاوف وارهف المشاعر .
أما الملكة فهي الأداة التي يتخذها الكاتب لتفتيت أحادية الشخصية الراوية وزرع بذرة الالتباس لدى القاريء في تحديد هويتها ، فالملكة تحيلنا إلى راو أخر غير الراوي المجهول الذي ما زلنا لا نسمع غير صوته ، إنها تحيلنا إلى صاحب المكتبة ظانة أنه الراوي الذي ينبغي لها أن تحتاط منه ، فهل هي مُظللة ؟ أم انها كما قلنا تؤدي دوراً أوكله إليها الكاتب لتظليلنا عن معرفة الراوي الأصلي ؟ وذلك بإدخال شخصية اخرى تُنسب إليها أهم وظائف الرواة ألا وهي الرصد ، وتلك الشخصية هي صاحب المكتبة المواجهة لشقتها ، فالملكة ( تزدري من يلعنها ويسيء الظن بها ، بمن فيهم صاحب المكتبة الذي يراقبها ليل نهار ) ومنذ اللحظة التي تكون فيها شكوك الملكة قد حدّدت صاحب المكتبة بكونه راوياً ، نكون نحن القراء قد دخلنا حالة الالتباس لا سيما أن صوت الراوي المجهول ما زال لحد الأن يروي عن صاحب المكتبة بنفس الطريقة التي يروي بها عن الملكة وعن الأخرين دون أن يمنحه أية ميزة أو استثناء .
ويستمر التذبذب ما بين صوت الراوي المجهول الذي يبقى متفرداً على مدى الرواية من جهة ، وبين مواصلة صاحب المكتبة وظيفتي المراقبة والرصد اللتين تؤهلانه لأداء دور الراوي من جهة أخرى .
وظائف الراوي :
يحدد علم السرد وظائف الراوي حسب طبيعة شخصيته ، فهناك نوعان من الرواة ،  ألراوي المتماهي بمرويّه : وهو الذي يروي ما جرى له . والراوي المفارق لمرويه : وهو الذي يروي دون أو تربطه علاقة مباشرة بما يرويه ، ومن الواضح أن راوي مملكة البيت السعيد هو من الصنف الأخير ( ووقد بيّنا أسباب ذلك فيما سلف ) . والدراسات السردية تحدد وظائف عامة للراوي ، وتحدد كذلك وظائف خاصة لكل صنف من صنفي الرواة المذكورين أنفاً ، ولعل ما يهمنا هو ما تحدده الدراسات من وظائف الراوي المفارق ( باعتباره قرين الراوي الذي نتابعه ) ( 3 ) ،  وهي :
أ – وظائف تقويمية
ب –  وظائف بنائية ، وتشمل :
–    وظائف تنسيقية
–    وظائف إستباقية
ج – وظائف إلحاقية
د – وظائف توزيعية
ه – وظائف إبلاغية
و – وظائف تأويلية
وبالنسبة لراوينا المجهول فليست بنا من حاجة للتشكيك في دوره كراوٍ ، فصوته وأداؤه جليين . أما بالنسبة لصاحب المكتبة فليس في لغة النص ما يؤكد كونه راوياً ، لا سيما أنه هو ذاته خاضع لسطوة خطاب الراوي المجهول ، وإن كل ما باليد من قرائن تؤكد اضطلاعه بمهمة الراوي لا تتعدى شكوك الملكة وحاشيتها من نظراته الراصدة الفاحصة  ومعرفتهم بقدراته الإبداعية لا أكثر ، ولا اقل . ولكن قد يكون لهؤلاء الحق في شكوكهم ، فالرصد وظيفة أساسية لكل راوٍ بالرغم من أنها لم تُذكر في الدراسات السردية بنصها ، بيد أنها متضمنة في ما ذُكر من وظائف ، بل هي أبرز وظائف الراوي في هذا النص بالتحديد .
رواة أخرون :   
ولعل مفاجآت السرد لن تكتفي أن تسلم مفاتيح الرواية لراويين إثنين فحسب  ، ففي نص غاية في الغرابة ( الفصل الأول – دعوة حافلة ) يتطوع شخصٌ ثالث لأداء ( وظيفة ) الراوي مستحوذاً على قدراته ما فوق الطبيعية في إختراق الحواجز والمسافات والإصغاء لما لا يُسمع ، وهو هذه المرّة ( أبو ليث ) صاحب محل البقالة ( حين يلتفت أبو ليث إلى الوراء – وهو ما زال في دكانه (*) – يرى مريم – وهي في داخل شقتها (**) – غاصة في ظلام الشقة الباهت وقد غلّقت الأبواب وساد على البعد سكون تام لم يعد يأمل من ورائه اي نداء ) ، دون أن يمنحه الكاتب حق الراوي في سرد ما يرصده منافساً للراويين الأخرين ( الراوي المجهول وصاحب المكتبة ) ، فأبقى ابا ليث  تحت مرصديهما . ولكنه في ختام ( الفصل الرابع – الملكة .. لعنة الله عليك ) وفي نص غاية في التركيز والحساسية لم يكتفِ ابو ليث في إداء ( وظيفة ) الراصد فحسب – وهي كما سبق ان بينا واحدة من أهم وظائف الراوي – بل إنه صار يروي ما يرصده أيضاً ، ولكن بإيجاز وتركيز بما يحوّل ما يرويه إلى ما يُشبه الشفرات او البرقيات القصيرة ( ها أنا أستنزل من عباب الظلمة الدكناء ، والفراغ الموحش صوت مريم ، صورتها ، إشاراتها الطازجة البيض ، دعوتها السرية الكامنة في إضمامة الوردة العذراء ) .
وبذلك فهناك أكثر من راوٍ يؤدي ( وظائف ) الراوي ولكن لغايات مختلفة ، فأبو ليث يرصد الشقة ويخترق طلاسمها وحجبها بالحسّ والنظر لأنه يعاني من مراهقة متأخرة نشّطها النمو الجسدي المتسارع لمريم ، أما صاحب المكتبة فهو يؤدي ( وظيفة ) الراوي لأنه بصدد كتابة روايته ، أما الراوي المجهول فسيتنازل عن دوره بقرار من الكاتب إلى  صاحب المكتبة مع إبقاء صوت الأول مهيمناً على الرواية ( وسنأتي على ذلك لاحقاً ) .
ألراوي بالنيابة :
إن تفكيك إشكالية البحث عن الراوي الأصلي  تتم بتحديد مصدر الخطاب ، فمع بداية ( الفصل الثاني – قرار جديد )  يتبيّن بأن هناك حالة من المماهاة ما بين صاحب المكتبة وهو الراوي الصامت من جهة ، ومن جهة أخرى ما بين الراوي المجهول ، هذه المماهاة أوجدت حلاً منطقياً للثنائية التي تعترض تسمية الراوي الأصلي ، لا سيما أن كليهما يرصد موضوعاً واحداً ، ويتوخى إنجاز ذات العمل ، لذلك نرى ان الراوي المجهول يؤدي وظيفة تنفيذية دالة على اعتبار أن ( مفهوم الراوي هو أداة وظيفية دالة ) ( 4 ) نيابة عن صاحب المكتبة ، وسنلخص التسمية ب ( الراوي نيابة عنه ) ، وصوت الراوي نيابة عنه هو الذي اعتادت الدراسات السردية أن تسميه ب ( المؤلف / السارد ) وبذلك تمكن المؤلف من إخفاء صوت الراوي الأصلي ( أو صاحب المكتبة ) خلف صداه ، أو إدغامه في صوت الراوي المجهول في محاولة لإيجاد شبكة علاقات سردية جديدة بإضافة طرف جديد هو ( الراوي نيابة عنه ) إلى المتوالية التقليدية ( الراوي / المروي / المروي عنه ) وتترتب على الشبكة الجديدة إفتراض وجود مُرسلين إثنين يبثان ذات الرسالة ليس إلى المستقبل مباشرة – لأن الإرسال المباشر يترتب عليه عندئذ تكرار الرسالة الواحدة مرتين – بل من الأول إلى الثاني ، ثم يُمرّرها الثاني إلى المستقبل .
مع بداية هذا الفصل ( الثاني ) يتخذ الكاتب قراره بتسمية الراوي الرسمي للرواية فإذا هو دون مواربة ( صاحب المكتبة ) الذي يكتب روايته ( مملكة البيت السعيد ) في تماه واضح ما بين الراوي والكاتب ( وهذه الظاهرة كثيراً ما تتكرر لدى الروائيين العراقيين ) أو بالأحرى يكتفي الكاتب ان يسمي صاحب المكتبة راوياً ويحدد له مهام الراوي مع وقف التنفيذ لأن  صوت الراوي المجهول هو الذي ما زال يروي غير مكتفٍ بما يدور داخل الشقة ، بل ليتسلل منها إلى شاشة التلفاز ليصف لقطات من فلم للأطفال تتابعه مريم ، ولقطات من فلم عاطفي اخر للكبار تتابعه ( الملكة ) ، بل ليصف ما تكابده الملكة أمام  أبواب شقتها المغلقة من فوضى الشهوة ، ولهيب الرغبات ، وتلؤلؤ السعادة وهيَ مما لا يمكن أن يوصف لأنها إحساسات مجرّدة لا تُرى أصلاً بالعين ، متخذاً من اللغة أداة لإنتاج الخيال ، ومن حساسيتها المادة الأولية لذلك المنتوج ( وعادت الملكة تنصت إلى الغرف من وراء فوضى الأحاسيس ، وتنظر إلى ما يدور في داخلها من خلف الجدران ، كانت الصور في ذهنها تدور وهي تدور معها ) أو ( كان من رغبتها الأن أن يخرج ضيوفها لترى في عيونهم شهواتهم المفرغة وسعادتهم المتلألئة وأجسادهم الباردة المتطامنة ، وكذلك مواثيقهم ومواعيدهم المنتظمة المتواترة وكأنّ بين أصابعهم جنة خالدة ) . وإذا كان الراوي المجهول وصاحب المكتبة متفقان ضمناً على ملازمة موقع الراوي لإنتاج ذات القصة وبنفس الأسم ونفس الأشخاص . إذن فالراوي المجهول و صاحب المكتبة هما شخصية واحدة وهي ذاتها شخصية الكاتب الذي شطر نفسه إلى اثنين ليسوّغ للقاريء عرض الجوانب بعيدة المنال التي ليس بمستطاع صاحب المكتبة بلوغها والتوغل فيها .
ألدمية ماتريوشكا :
ويستمر التذبذب ما بين الرواة ، فما بين فصل وآخر يذكّرنا الراوي المجهول (الكاتب ) بأن راوياً آخر يكتب ما يجري ، أما هو فليس غير واجهة للتمويه والتغطية على الراوي الأصلي ، ولكن هذا التذكير غالباً ما يجيء على ألسنة الأخرين ، ففي مفتتح ( الفصل الثامن – المطر ) تكرر الملكة ترديد شكوكها في نيّة صاحب المكتبة بكتابة رواية يميط فيها اللثام عن أسرار شقتها ( لم يفت الملكة ان تلعن نفسها – وهي كثيرة اللعن والسباب – بسبب إهمالها منذ ايام النظر إلى ذلك الذي يدعى بالروائي لتراه مكبّاً على دفتره ، يكتب ما يغلق صدرها ويطيش بصوابها ) ولكن شكوك الملكة سرعان ما تتبدد بعد ان يقرأ على مسمعها خادمها يوسف ما سرقت مريم من صاحب المكتبة من أوراق ، تبيّن إنها لم تكن سوى مجرد قصة لا علاقة لها بما يدور وراء الأبواب المغلقة في شقة الملكة . ولكن تفعيل دور الراوي بغض النظر عن هويته يبلغ قمة الإداء في هذا الفصل باستثمار تقنية بنائية أسماها ماريو بارغاس لوسا لعبة العُلب الصينية أو الدمية الروسية ( ماتريوشكا ) حيث تتداخل أحداث القصة المسرقة مع أحداث الرواية ، وشخصياتها مع شخصيات الرواية ، وتكون النتيجة مزيجاً سردياً من نسقين متغايرين تمكن من خلاله الكاتب التنفّيس عن حاجة إبداعية للانعتاق من إحادية النسق ، وانغلاق المجال الدلالي ، ومحدودية الأطار السردي بحثاً عن حرية أكبر في عمل يجمع الكل في واحد ، أو كما يعبر ماريو بارغاس لوسا ( إغناء الكل بإضافة الأجزاء ) (5 ) . وقد سبق أن استخدم الكاتب هذه التقنية بشكل محدود في ( الفصل الثاني ) من خلال عرض غير مفصل لفلمين من افلام التلفزيون سبقت الإشارة إليهما ، كما سيكرّر الكاتب هذه التقنية في أماكن أخرى ، ولكن هذه المرة ليس من خلال تضمين قصة أخرى ، بل بتضمين رسالة إلى يوسف من أمه في بلده العربي البعيد ( الفصل الخامس عشر – رسالة أم ) والطريف في الرسالة أن الراوي أدرجها باللغة الفصحى ولكن على طريقة الرسائل المكتوبة بالدارجة المصرية متضمنة نفس الصيغ الخطابية والأنساق البلاغية الشعبية .
وفي (الفصل الثامن عشر – رسالة ) تتكرر لعبة (ماتريوشكا) عبر رسالة أخرى تستلمها هذه المرة الملكة ، وتكشف الرسالة سرّاً مهماً من أسرار الرواية ، فالرسالة من ( هيفاء ) وهي البنت البكر للملكة ، خطفها رجل أحبها ، وبعد أن أنجبت له بنتاً تزوجها زواجاً شرعياً ، كما تتكرر لعبة ( ماتريوشكا ) في الفصل ذاته من خلال نص الرسالة الجوابية من يوسف لأمه .
صناعة الوهم :
بالرغم من محدودية عدد الشخصيات في الرواية والشخصيات الفاعلة بالتحديد ، وضيق المجال السردي الذي تتحرك داخله ، وبالرغم من طبيعة الأحداث التي كثيراً ما تفتقد إلى الديناميكة والتي كثيراً ما يمطها الكاتب إلى حدود لا تحتمل المطّ . إلا أن اللغة الشفافة الناضجة المكتنزة بحساسية مفرطة كثيراً ما عوضت عن تلك الهنات ونجحت في تصعيد مستويات التخييل إلى الحد الذي لم يعد فيه بمقدور الراوي إخفاء حقيقة أنه صانع اوهام ، ففي بادرة نقدية فريدة قلما يكشف عنها الروائيون ( باعتبارها من أسرار المهنة ) يكشف الراوي في ( الفصل العاشر – لقاء عاصف ) وهو هذه المرة صاحب المكتبة وليس الراوي المجهول بالرغم من صيغة – ضمير الغائب –  التي ما زال يستخدمها وهو يروي عن الجميع دون استثناء ، حتى عن نفسه هو –  يكشف أن صالحاً الذي جاءه إلى مكتبته يشتري منه هدية لمريم ، وغادر المكتبة مختالاً بهديته لم يدر ( إنه من صنعه هو نفسه ، من حبره وأوراقه ، وإن معرفته به جزء من معرفة أوسع ، وإنه لا دخل له بنفسه إلا بمقدار ما يستطيع أن يتمرّد به عبد على سيده ، وإنه هو الذي أوقفه قبالة مكتبته ليشتري لمريم هدية ) .
ولكن لهذا الإعتراف سلبياته ، فعندما لا يكون لبطل في الرواية من شأن بنفسه ويصبح مجرد عبد لسيده ، يكون ( الكاتب / الراوي ) قد أعلن نفسه دكتاتوراً على نصّه يوجهه بما يخدم رؤاه ، ويوجه اشخاصه وفق إرادة خارجة عنهم ، ووفق قرارات لا علاقة لهم بها ، لقد صادر نصه قبل ان يُنجز ، بل قبل أن يولد ، إنه نموذج العمل الذي يدار من خارجه ، او العمل الذي تتحكم فيه فردية بيّنة تفرض منطقها الأحادي على منطوق الأشخاص التواقين دون جدوى إلى ممارسة تعدديتهم الرؤيوية واللغوية ، لكنهم عبثاً ينجحون ، فهم مقودون بلا حول ولا قوة لإله من لحم ودم يستمتع بما يملك من سطوة على صنع وإدارة وتدمير عالم من ورق وحبر ولغة ، فبعد ان استمتع ( الإله / الراوي / الكاتب ) بإطلاق أبطاله في عالم  من الإنكسارات والعبث ، عاد ليجمعهم – من اجل أن يحطمهم – قتلاً أو تشتيتاً على مرآى منه ( أو على مقربة من المكتبة ) : صالح يُقتل بسلاح مجهول / الملكة تنتحربإلقاء نفسها من سياج شقتها إلى الشارع / يوسف يختفي / مريم تطير إلى سماء مجهولة . ومن قبلهم تلاشى رواد الشقة من تجار اللذة الرخيصة ، والباقون دخلوا إلى أعماق ذواتهم حاملين إحباطاتهم ويأسهم وأغلقوا نوافذ الأمل وبواباته ( أبو ليث والمحامي ) . وفي عالم البوليفونية الجديد يبدو صوت الراوي هنا رجعاً لصدى يأتي من عالم الماضي البعيد .
في الفصل ذاته ( العاشر ) وبعد أن كشف الراوي بالمجان سراً ثميناً من أسرار مهنته التي يمارسها على أبطاله ، راح يصنع مخططاً تطبيقياً لهذا الفصل – قبل أن يعرضه مكتملاً على قارئه ضمن فصول روايته التي بين ايدينا – حدد فيه بعض التفاصيل ، واقترح العناوين ، وتعامل مع ابطاله تعامل المخترع مع روبوتاته ، ومردّ ذلك دون شك إلى نزوع ( الراوي / الكاتب ) للتفرد ، والمبادرة لغلق كل المنافذ التي يُحتمل ان تتسرب منها إلى الرواية وابطالها شعارات الرفض و التعددية .
وفي هذا الفصل يتلاقى – بعد غياب – رفاق السلاح القدماء ( ابو ليث وصالح ) ويسمران معاً في كازينو على شاطيء دجلة ليفتح كل منهما لصاحبه سجلات الغيبة الطويلة والزمن الرديء ، ومنذ اللحظات الأولى للقاء يفكك صالح ثنائية الإسمين ( صالح / شاكر ) فهو منذ الأن صالح ، وليس شاكراً ( إسمي صالح ، وهو أصلح الأسماء لزمن مثل هذا الزمان ) . وفي حين كان الصديقان يتسامران على شاطيء دجلة كان الراوي في ذلك الوقت ما يزال معتكفاً في مكتبته بحي الإعلام في منطقة السيدية ببغداد بعيداً عنهما بعشرات الكيلومترات ، لكنه عبر تلك المسافة لم يعدم الوسيلة التي تمكنه من التواصل مع بطليه اللذين يعيشان تلك اللحظة مع ذكريات الحروب والحصارات وما نجم عنها من مآسٍ أوشكت أن تفكك بنية المجتمع ، وتطيح بقيمه ، وتودي بطبقته الوسطى الموهوبة . ولعل استمرار خيوط السرد بالتواصل – بالرغم من بُعد المسافات – تجد مسوغها في المفاهيم النقدية التي كشف عنها الراوي والتي جعلت منه راوياً عليماً ، بل راوياً فائق العلم لأنه لا يستطيع إلا أن يكون كذلك .
في ( الفصل التاسع عشر – دعوة إلى مائدة عامرة ) يظهر على مقربة من محور السرد ( شقة الملكة ) ظهوراً سريعاً ، ثم يختفي رجل مجهول ومريب ذو شخصية هلامية ، ليس لها ملامح ولا تاريخ ، لكنها ستخلف وراءها كارثة غير متوقعة ، ومنذ اللحظة التي رأى فيها صالح الرجل عرف إنه جاسوس ، وهذه الكلمة في قاموس العناء العراقي لها محمولات سياسية عميقة . لقد تكرر ظهور الرجل المريب ، وظلت صورته تثير قلق صالح .
الراوي الأمريكي :
بينما كان الرواة المتعددون يوحدون خطابهم بصوت واحد ولغة واحدة وهدف واحد استعداداً لختام روايتهم ( مملكة البيت السعيد ) ، كان راوٍ آخر في منطقة نائية ما وراء البحار ، لا يعرف رواة روايتنا ، ولم يسمع عنهم ، ولم يعش ملابسات حياتهم يُعدّ للمباشرة بمغامرة سردية مماثلة ، ولكن من نسق آخر ، مغامرة تنتمي إلى السرديات الكبرى في تعاليها وشموليتها بالرغم من أن رواتها الفاعلين يجاهرون بتناقضهم مع هذا الخطاب الشمولي ويدفعون باتجاه الإختلاف والتعددية ، فتزامناً مع تلك الأيام المضطربة التي كان يعيشها ابطال روايتنا كانت أمريكا تعدّ لغزو العراق ، لذلك ختم الراوي الفصل ( التاسع عشر ) ب ( في المقابل هناك عبر البحر والمحيط كانت الرغبة تتأجج في قلب الفتى الغربي لغزو الشرق في صيغة إستشراق جديد ) وكأنّه قد وضع أبطال روايته وكل ملابساتها في الجهة المقابلة الأخرى للغزاة ( أليست كل تلك الخبطة البلاغية غير المتجانسة التي حفلت بها فصول الرواية هي العراق ؟ ) .
وحين يجتمع الثلاثة ( ابو ليث / المحامي / صالح ) للشرب يكون الوطن رابعهم ، يشربون نخب كوارثه ونكباته ، ويبكون مستقبله وما تحيق به من مؤامرات ودسائس ( هذا الوطن بحاجة إلى منقذ له قورة إله ) ، لكن الراوي يعلم أن الأعداء لا يأتون من الخارج فحسب ، وان الموت الذي يتربص بمصائر الأبناء من الخارج له موت قرين آخر لا يقل عنه شراسة يعيش في جحور الداخل . وقبل أن يجهز وحش الخارج على الوطن كان الداخل يستعد لافتراس آخر ضحاياه ، فذات صباح عندما كانت جحافل الاحتلال على مشارف الوطن ، كان ثلاثة رجال مجهولين في سيارة ذات عجلات عريضة – وتلك علامة سيميائية مفهومة عراقياً – يطلقون النار على صالح ويردونه قتيلاًعلى مقربة من شقة الملكة . ومع موت صالح يختفي يوسف مع نقود الملكة بدون ان يخلف وراءه اثراً . وعلى شرفة شقة الملكة اختفى البلبل من قفصه دون أن يترك أيّ دليل على هروبه . أما مريم فقد استيقظت فجراً إستجابة لنداء غريب عميق يهيب بها ان تخرج للكون ، فحلقت عالياً ، وغابت في زرقة السماء ، ولم تعد إلى الأرض أبداً مذعنة مثل العصافير والملائكة وكل الأرواح البريئة والطاهرة لغواية السماء . ولم تستطع الملكة أن تقاوم كل هذه الغيابات المتتالية والمفجعة فتنتحر ملقية بنفسها من سياج شرفتها العالية إلى الشارع العام لتهوي بالقرب من المكان الذي قتل فيه صالح . ويبدو أن إمكانات رصد الراوي غير  شغّالة إلا في الأجواء الوطنية ، فبعد أن رصد ثمّ سرد ما يحدث بعيداً عنه بمسافات بعيدة داخل بغداد ، لم يستطع أن يسرد ما كان يحدث بعيدا في المحيطات والبحار من زحف للبوارج الحربية باتجاه العراق ، فاعتمد على ما تراه مريم من مكانها السامي في السماء بعد أن صعدت إليها مستجيبة لغوايتها . هكذا يختم الراوي روايته نهاية حالمة بلغة شاعرية مكتنزة بالايحاءات ( أشباح سفن عملاقة تتحرّك نحو الشرق انتظمت عليها أسراب طائرات ودبابات وجنود مدججون بالسلاح وعربات نقل ومدافع وصواريخ تمخر بعزم لا حدود له محيطاً هائلاً من ماء أزرق لا تنطبق عليه السماء ، فذعرت مما رأت ، أصابها خوف عرم إختفى له جسدها كما لو مسّته شحنة برق ، صاحت مفزوعة : يا إلهي ، ثم أردفت ، هل هي ذي غواية الأرض ؟ إذن لقد أقبلت الحرب ) . وحتى السطور الأخيرة من الرواية ظل الراوي غائباً عن مسرح الأحداث حاضراً في مكتبته النائية ، محتجباً وراء ( ضمير الغائب ) لعله يرى في ذلك الغياب مسوغاً يعفيه من أية مسؤولية جنائية أو إبداعية عن تغييب أبطاله واحداً تلوَ الأخر .

هوامش :
( 1 ) مملكة البيت السعيد – حنون مجيد
( 2 ) تحليل النص السردي ، معارج إبن عربي نموذجاً – سعيد الوكيل .
( 3 ) نفس المصدر السابق
(*)(**) إشارتان توضيحيتان ليستا من اصل المتن
( 4 ) الراوي / ألموقع والشكل – يمنى العيد
( 5 ) رسائل من روائي شاب – ماريو بارغاس لوسا – ت . صالح علماني

شاهد أيضاً

روايات مترجمة: (8)أناس في ليل الصيف (من الأدب الفنلندي) فرانس ايميل سيلامبا
ترجمة: كاظم سعد الدين
قراءة: ناطق خلوصي

يقول توماس ووربرتن في الدراسة التي كتبها عن الروائي الفنلندي ” فرانس ايميل سيلامبا” ان …

شوقي كريم حسن: د. سلمان كاصد… قرءات التحول المعرفي.

*قد تنحرف الرغباتْ، دون تخطيط او دراية، ثمة ما يشير الى طريق غير ذاك الذي، …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *